واجبُ وزارةِ الصحةِ الفلسطينية في تغسيلِ من مات “بفيروس كورونا”

يقول السائل: ألا ينبغي على القائمين على المستشفيات والمركز الصحية التي تباشر المصابين بكورونا أن يقوموا بتغسيل الميت بكورونا وتكفينه، حسب ما يقررهُ الشرع الشريف، حتى يحولوا بذلك دون أن يمسَّه غيرُهم، فيصاب بالعدوى، وحتى لا يُدفن بلا تغسيلٍ كما وقع لبعض من مات بكورونا، أتمنى على حضرتكم أن تصدروا فتوى بهذا الشأن، مع توجيه القائمين بالأمر إلى ضرورة تغسيل الميت بكورونا وتكفينه.

الجواب:

أولاً: لا بدَّ أن يُعلم أن غُسْلِ المَيِّتِ فرضٌ على الكفاية، ولا يسقط عند القدرة عليه، فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال:(بينما رجلٌ واقِفٌ بعرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عن راحِلَتِه، فوقَصَتْه -الوَقْصُ: كَسْرُ العُنُقِ – أو قال: فأَوْقَصَتْه- فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم:(اغسِلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنوه في ثوبينِ) رواه البخاري ومسلم.

وعن أم عطية رضي الله عنها قالت:( تُوُفِّيَتْ إحْدَى بَنَاتِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَخَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِن ذلكَ، إنْ رَأَيْتُنَّ بمَاءٍ وسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا – أَوْ شيئًا مِن كَافُورٍ ) رواه البخاري ومسلم.

وَجهُ الدَّلالةِ من الحديثين أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَرَ بغُسْلِ الميِّتِ، فدَلَّ على وجوبِه، لأن الأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب ما لم توجد قرينةٌ صارفةٌ عنه، ولا صارفَ هنا فيما أعلم.

وغُسْلِ المَيِّتِ واجبٌ على الكفاية، فإذا قام به بعضُ المُسلمين سَقَطَ عن الباقينَ، لحصولِ المقصود.

وقد ذهب جمهور الفقهاء، الحَنفيَّة والمالِكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة إلى ذلك، قال الشيخ المرداوي: [قوله : غُسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية ، بلا نزاع، فلو دُفن قبل الغسل من أمكن غسلُهُ لزم نبشهُ على الصحيح من المذهب] الإنصاف 2/470.

وورد في الموسوعة الفقهية الكويتية:[ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَغْسِيل الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَاجِبُ كِفَايَةٍ، بِحَيْثُ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى سَبِيل الْكِفَايَةِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ وَعَدَّ مِنْهَا: أَنْ يُغَسِّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ)-الحديث فيه نظرٌ- وَالأْصْل فِيهِ: تَغْسِيل الْمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لآِدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالُوا: يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ. وَأَمَّا الْقَوْل بِسُنِّيَّةِ الْغُسْل عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى تَصْحِيحِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ] الموسوعة الفقهية الكويتية 14/46.

ثانياً: إذا تقرر هذا فأبينُ ما يتعلق بغُسْلِ المَيِّتِ “بفيروس كورونا” وقد استشرتُ بعض الأطباء المختصين في إمكانية انتقال العدوى أثناء التعامل مع الميت “بفيروس كورونا” في تغسيله وتكفينه وتشييعه والصلاة عليه ودفنه والتعزية فيه، وكان جواب الأطباء بأن انتقال العدوى واردٌ عن طريق لمسِ الميت، أو لمس ملابسه ومتعلقاته، ما لم يتم الأخذُ بأسباب الوقاية المشددة وهي:[ ارتداء الواقيات الشخصية مثل الكمامة وقفازين يغطيان اليدين إلى الرسغين، وعباءة سميكة تغطي الذراعين والصدر، وتمتد إلى أسفل الركبة، ونظارة واقية أو واقي الوجه، وغطاء رأس، وحذاء بلاستيكي طويل الرقبة، وغطاء للرقبة]

وينبغي تقليلُ عدد الأفراد الذين يتولون شأن الميت “بفيروس كورونا” إلى أدنى حدٍ ممكنٍ، وُيمنع دخولُ أشخاصٍ لا حاجةَ لوجودهم، وعلى كل مَنْ يحضرُ أن يلتزم بأسباب الوقاية المشددة السابقة.

وعند تغسيل الميت “بفيروس كورونا” يلزم شرعاً أخذ كافَّة التَّدابير الاحترازية لمنع انتقال العدوى، كما سبق، ويُكتَفَى بِصبِّ الماء عليه وإمراره دون تدليكه.

وإذا لم توجد وسائل الوقاية السابقة، فيجوز حينئذٍ تركُ تغسيل الميت “بفيروس كورونا” مخافة العدوى، ويُكتفى بتكفينه ويُصار إلى التيمم بالتراب إن أمكن ويُصلى عليه ويُدفن.

قال الإمام النووي:[إذا تعذَّر غسلُ الميت لفقد الماء أو احترق بحيث لو غُسِّل لتَهَرَّى، لم يُغَسَّل بل يُيَمَّم، وهذا التيممُ واجبٌ؛ لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة نجاسة، فوجب الانتقال فيه عند العجز عن الماء إلى التيمم كغسل الجنابة، ولو

كان ملدوغاً بحيث لو غُسَّل لتَهَرَّى أو خيف على الغاسل يُمِّم لما ذكرناه] المجموع 5/178.

وقال الشيخ أكمل الدين البابرتي الحنفي:[مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ؛ لِعَدَمِ مَا يُغْسَلُ بِهِ فَيُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ] العناية شرح الهداية16/261.وإن تعذر التيمم فيسقط أيضاً،

ورد في قرار مجلس الإفتاء الأردني المتعلق بحكم غسل الميت المصاب بمرضٍ معدٍ كالمسبب عن فيروس كورونا؟ [الأصل في جنازته غسله وتكفينه والصلاة عليه، فإن تيسر ذلك بدون ضررٍ على الغاسل والمكفن والمصلي، بأن تُتخذ الاحتياطاتُ الوقائية اللازمة والمتعارف عليها لعدم انتقال العدوى إليه فهو الأصل، وإلا فيتبعُ مجهزُ الجنازة ما أمكن قدر المستطاع، ولو أن يرش بالماء ويكفن، حيث القاعدة الشرعية المتفق عليها تقرر أن “الميسور لا يسقط بالمعسور” والله سبحانه وتعالى يقول:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: 286. ويُقتصر في الصلاة عليه على العدد الأقل، وتسقطُ الصلاةُ بمصلٍ واحدٍ.]

وأصدرت اللجنة الشرعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية فتواها الخاصة بضوابط تغسيل وتكفين الميت المصاب بوباء كورونا (كوفيد-19) وورد فيها:[ إنه من توفي بسبب الوباء فإنه يغسل ويكفن من حيث الأصل، إذ أنه وهو على سرير المرض يقوم الأطباء بعد أخذ أسباب الوقاية من الأمراض المعدية حسب أصول مهنتهم بفحصه وعلاجه ومباشرته بالعناية، ومعهم الممرضون ومن يعاونهم، فإنه ينبغي أن يُعامل بعد موته بنفس الطريقة، فإذا أمكن أن يغسل ولو بصب الماء عليه من غير دلكٍ في مكان خاص، ويتم التخلص من السوائل بطريقةٍ خاصةٍ وفقاً لتوجيه أصحاب الاختصاص وتحت إشرافهم. وإن التغسيل والتكفين يتمُّ من باب تكريم الإنسان وتفضيله على غيره إعمالاً لقوله تعالى:{ولقد كرمنا بني آدم} سورة الإسراء – آية 70. ووضعت اللجنةُ الشرعية شروطاً للتغسيل والتكفين وهي: غسل الميت وتكفينه وفق الضوابط الشرعية مع الأخذ بالحيطة والحذر وكافة الإجراءات الاحترازية التي أقرتها الجهات المعنية، وإذا تعذر الغُسل يُيمّم، فإن تعذر كلُّ ذلك بناءً على كلام الأطباء المختصين بأن خطر نقل العدوى إلى المغسل وغيره أمرٌ راجحٌ، فهنا تعارضت مصلحتان، مصلحةٌ الميت

بغسله، ومصلحةُ المغسل بسلامته من العدوى، ومن ثمَّ سلامةُ المجتمع، والمقررُ شرعاً أن مصلحة الحي مقدمةٌ على مصلحة الميت في هذا الحال، لذا تُقدم مصلحةُ الحي على مصلحة الميت بعدم غسله.]

وقال الدكتور عجيل النشمي عميد كلية الشريعة السابق وعضو هيئة الفتوى في الكويت إنه: [ إذا توفي من أصيب بفيروس كورونا ويحتمل انتقال العدوى لمن يغسله فإنه لا يُغسل، ويُنتقل إلى التيمم، فإن وجد احتمال انتقال العدوى إليه فيسقطُ الغُسل والتيممُ لضرورة الحال. والحفاظ على الحي من العدوى مقدمٌ على وجوب الغُسل أو التيمم للميت، لأن “الضرورات تبيح المحظورات” ويُكتفى بكفنٍ يُلف عليه ويُصلي عليه مَنْ حضر ] shehabnews.com/post

وينبغي أن يُعلم أنه في حالة تعذر غسل الميت أو تيممه فإن صلاة الجنازة لا تسقط على الراجح من أقوال الفقهاء، ورد في الموسوعة الفقهية:[ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْغُسْل وَالتَّيَمُّمِ ؛ لأِنَّهُ لاَ وَجْهَ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ ؛ لأِنَّ الْمَيْسُورَ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )، وَلأِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الصَّلاَةِ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ.] الموسوعة الفقهية الكويتية 2/119.

ثالثاً: إذا تقرر ما سبق فإن واجبَ ومسؤوليةَ وزارة الصحة الفلسطينية أن تُلزم القائمين على شأن من يموت “بفيروس كورونا” بتغسيلِ من مات منهم، وينبغي تغسيل الميت “بفيروس كورونا” في المستشفى، نظراً لتوفر وسائل الوقاية، ولصعوبة توفرها في البيوت. ويُسلم لأهله ولا يُفتح كفنه ولا يُودع.

ولا يجوز شرعاً تركُ الميت “بفيروس كورونا” بدون تغسيل ما دام أن ذلك ممكن، وإذا تعذر تغسيله فيمم.

ولا يجوز شرعاً أيضاً تركُ الميت للمستشفيات التي لا تلتزم بالأحكام الشرعية، كالمستشفيات الإسرائيلية، حيث إن الجثث لن تُغَسل ولن تكفن ولن تُسلم الى الأهل ليصلوا عليها، وستغلف الجثة بغلافين، الغلاف الأول: سيرش عليه بعض المواد، ومن ثمَّ تغلف بالغلاف الثاني، وستكلف شركةٌ خاصة بدفن الجثة بمكانٍ مخصصٍ كما أفادني بذلك أحد العاملين بها.

وصرح به مدير الهيئة العربية للطوارئ، وذكر أن وزارة الصحة الإسرائيلية، أصدرت مرسوماً عُمم على كل الطوائف اليهودية والمسيحية والمسلمين، يمنع تغسيل الميت المُصاب بـ (كورونا)

رابعاً: أقول لهؤلاء الذين ما زالوا يشككون بوجود “فيروس كورونا” والمستهترين به ويرفضون الأخذ بوسائل الوقاية، أقول لهم اتقوا الله في أنفسكم وفي زوجاتكم وأولادكم وآبائكم وأمهاتكم، واتقوا الله في مجتمعكم، لا تكونوا سبباً في نشر المرض، خذوا بما يقوله الأطباء المختصون، وانظروا كيف زادت أعداد المصابين في بلادنا بشكلٍ كبيرٍ، فبعد أن كانت الإصابات بالمئات صارت بالآلاف، وها هي قد تجاوزت أحد عشر ألفاً. وأصبح معدل الإصابات اليومي أكثر من أربعمئة إصابة، إن استهتاركم سيقود إلى مزيدٍ من الإصابات ، وسيتسبب في معاناة الآلاف من الناس، وسيلحق الضرر باقتصاد البلد وأهله.

أيها المستهترون، هل عرفتم الآن، ماذا يعني استهتاركم “بفيروس كورونا” ؟

ومن لا يلتزمُ طوعاً يجب أن يُلزم جبراً، ولكم عبرةٌ في حديث أصحاب السفينة، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ, فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا, وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) رواه البخاري.

وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وخلاصة الأمر: أن أن غُسْلَ المَيِّتِ فرضٌ على الكفاية، ولا يسقط عند القدرة عليه.

وأن انتقال العدوى واردٌ عن طريق لمسِ الميت، أو لمس ملابسه ومتعلقاته، ما لم يتم الأخذُ بأسباب الوقاية المشددة كما يقول أطباء الاختصاص.

وأنه يلزم شرعاً عند تغسيل الميت “بفيروس كورونا” أخذُ كافَّة التَّدابير الاحترازية لمنع انتقال العدوى، ويُكتَفَى بِصبِّ الماء عليه وإمراره دون تدليكه.

وإذا لم توجد وسائلُ الوقاية السابقة، فيجوزُ حينئذٍ تركُ تغسيل الميت “بفيروس كورونا” مخافةَ العدوى، ويُكتفى بتكفينه ويُصار إلى التيمم بالتراب إن أمكن ويُصلى عليه ويُدفن.

وأن واجبَ ومسؤوليةَ وزارة الصحة الفلسطينية أن تُلزم القائمين على شأن من يموت “بفيروس كورونا” بتغسيلِ من مات منهم، وينبغي تغسيل الميت “بفيروس كورونا” في المستشفى، نظراً لتوفر وسائل الوقاية، ولصعوبة توفرها في البيوت. ويُسلم لأهله ولا يُفتح كفنه ولا يُودع.

وأنه لا يجوز شرعاً تركُ الميت للمستشفيات التي لا تلتزم بالأحكام الشرعية، كالمستشفيات الإسرائيلية.

وأن على الذين ما زالوا يشككون بوجود “فيروس كورونا” والمستهترين به ويرفضون الأخذ بوسائل الوقاية، أن عليهم أن يتقوا الله في أنفسهم وفي زوجاتهم وأولادهم وآبائهم وأمهاتهم، وأن يتقوا الله في مجتمعهم، وألا يكونوا سبباً في نشر المرض، وأن يأخذوا بما يقوله الأطباء المختصون.

وأن من لا يلتزمُ طوعاً يجب أن يُلزم جبراً، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

والله الهادي إلى سواء السبيل

تهنئةٌ من المسجدِ الأقصى المبارك،ومن أهلِ بيتِ المقدس وأكنافِ بيتِ المقدس،ومن عامةِ أهلِ فلسطين إلى الشعبِ التركي المسلم بعودةِ “آيا صوفيا”مسجداً

يقول السائل: ما قولكم في عودة “آيا صوفيا”مسجداً، وما جوابكم على من زعم أن ذلك مخالفٌ لدين الإسلام، أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً: إنه لمن دواعي سروري وسرورِ كل مسلمٍ معتزٍ بإسلامه عودة “آيا صوفيا”مسجداً بعد طول انتظارٍ استمر ستة وثمانين عاماً، حيث كان “آيا صوفيا”مسجداً أسيراً بتحويله إلى متحف، والحمد لله رب العالمين أن تحول الحلم المنتظر منذ عشرات السنوات إلى حقيقة، بعد أن حوله العلمانيون بقيادة أتاتورك إلى متحفٍ عام 1935، بعد أن كان مسجداً على مدى 481 عاماً، منذ الفتح الإسلامي للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453م وفق سنة 857 هـ، محققاً للنبوءة المحمدية بفتح مدينة هرقل “القسطنطينية” كما ورد في الحديث النبوي عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا) يَعْنِي: (قُسْطَنْطِينِيَّةَ) رواه أحمد والدارمي والحاكم في المستدرك، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل، وهو ثقة، وصحَّحه الشيخ أحمد شاكر، وصححه أيضاً العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة.

وورد في فتح القسطنطينية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَتُفْتَحَنَّ القُسطَنْطِينِيَّةُ فلنعمَ الأميرُ أميرُها ولنعمَ الجيشُ ذلك الجيش) رواه أحمد والحاكم وصححه الذهبي في التلخيص. وغير ذلك من الأحاديث.

ثانياً: إن “آيا صوفيا” ليست مِلكاً للدولة التركية، ولا لأي مؤسسةٍ، وإنما هي مِلكٌ لوقف السلطان محمد الفاتح، [يقول السلطان محمد الفاتح، في الوقفية التي يرجع تاريخها إلى الأول من حزيران سنة 1453م ما يلي:” أي شخصٍ قام بتغيير هذه الوقفية التي حولت “آيا صوفيا”إلى مسجد، أو قام بتبديل إحدى موادها، أو ألغاها أو حتى قام بتعديلها، أو سعى لوقف العمل بحكم الوقف الخاص بالمسجد من خلال أي مؤامرةٍ أو تأويلٍ فاسقٍ أو فاسدٍ، أو غيَّر أصله، واعترض على تفريعاته، أو ساعد وأرشد من يقومون بذلك، أو ساهم مع مَنْ قاموا بمثل هذه التصرفات بشكلٍ غير قانوني، أو قام بإخراج “آيا صوفيا”من كونه مسجداً، أو طالب بأشياء مثل حق الوصاية من خلال أوراقٍ مزورة، أو سجله (المكان) في سجلاته عن طريق الباطل أو أضافه لحسابه كذباً، أقول في حضوركم جميعاً: إنه يكون قد ارتكب أكبر أنواع الحرام واقترف إثماً. ومن غيَّر هذه الوقفية، شخصاً كان أو جماعةً، عليه أو عليهم إلى الأبد لعنة الله والنبي والملائكة والحكام وكل المسلمين أجمعين، ونسأل الله ألا يخفف عنهم العذاب، وألا ينظر لوجوههم يوم الحشر، ومن سمع هذا الكلام، وواصل سعيه لتغيير ذلك، سيقع ذنبه على من يسمح له بالتغيير، وعليهم جميعاً عذابٌ من الله، والله سميع عليم]

إن قرار عودة “آيا صوفيا”مسجداً إنما هو إحقاقٌ للحق واستردادٌ لإنجاز حققه السلطان العثماني محمد الفاتح، قال تعالى:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} سورة الإسراء الآية 81.

ثالثاً: يواجه المسلمون منذ عهدٍ بعيدٍ “حرباً صليبيةً ولا صلاحَ الدِّين لها” وقد ظهر من الحقد الصليبي ما ظهر في الأيام القليلة الماضية من نصارى الشرق والغرب، على إثر قرار عودة “آيا صوفيا”مسجداً، فقد قال رجل الأعمال المصري القبطي نجيب ساويرس: “نبارك لك عداوة مسيحيي العالم كله”. وظهر حزنُ الفاتيكان على لسان البابا؟

وزعم مجلس كنائس الشرق الأوسط أن تحويل “آيا صوفيا”مسجداً يعتبر اعتداءً على الحرية الدينية!

وقال رئيس الوزراء اليوناني، إنه يندد بأشد العبارات بقرار تحويل متحف “آيا صوفيا”مسجداً.

وتناسى هؤلاء وأذنابهم في عالمنا العربي أن عدداً كبيراً من المساجد في أوروبا، وخاصة في إسبانيا -الأندلس المفقود- قد حولتها جيوش النصارى إلى كنائس، فمثلاً جامع إشبيلية حولوه إلى كنيسة ماريا، ومسجد طليطلة حولوه

إلى كاتدرائية، ومسجد قصر الحمراء أفخم وأضخم مساجد غرناطة حولوه إلى كنيسة سانتا ماريا، ومسجد باب المردوم بطليطلة حولوه إلى كنيسة، وجامع قرطبة حولوه إلى كنيسة، وغير ذلك كثيرٌ، كما حصل مع المساجد العثمانية في البلقان وغيرها، التي دمرها النصارى أو حولوها إلى كنائس؟!وكذلك الحال في فلسطين السلبية حيث حوَّل المحتلُ كثيراً من المساجد إلى خمَّاراتٍ وحظائر للحيوانات ومراقص؟!

إن قرار إعادة “آيا صوفيا” إلى مسجد “أخرج أضغان وأحقاد مرضى القلوب من الشرق والغرب” كما قال الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، د. علي محي الدين القره داغي، وقال د. القره داغي أيضاً:”إن مساجد المسلمين في الأندلس تحولت إلى كنائس وبارات ونوادٍ ليلية، وتحول مسجد بابري في الهند إلى معبدٍ للأصنام، ويريدون تحويل القدس بكل مقدساتها إلى عاصمة للصهاينة، ولم نسمع أي صوتٍ غربي أو شرقي يدين هذه الجرائم، لكن تحويل “آيا صوفيا”إلى مسجد، أخرج أضغان وأحقاد مرضى القلوب من الشرق والغرب”.

فلماذا خرست ألسنتكم عندما أحرق الطغاة المساجد؟!في مصر والهند وسيناء وغيرها؟!

وأقول للمتباكين على حقوق غير المسلمين، اعلموا أن الإسلام قرر حقوقًا لغير المسلمين، في حرية العبادة، ليست موجودةً في أي نظامٍ غربي أو شرقي، ويكفيكم أن تقرؤوا كتاب أحكام أهل الذمة لابن القيم، لتروا عدالة الإسلام في معاملتهم.

رابعاً: المنهزمون والمنبطحون ومشايخ الديكور الذين رفضوا عودة “آيا صوفيا”مسجداً، كوكيل الأزهر السابق الذي زعم – والزعم مطية الكذب- “أنه لا يجوز تحويل الكنيسة لمسجد، مثلما لا يجوز تحويل المسجد لكنيسة. هذا التصرف مستفزٌ وتصرفٌ غيرُ متفقٍ مع تعاليم الإسلام” كذبتَ وربِّ الكعبة؟ هل حرقُ مسجد الفتح بالمصلين متفقٌ مع تعاليم الإسلام؟!وهل قتلُ الآلاف في ميداني رابعة والنهضة متفقٌ مع تعاليم الإسلام؟!

وماذا تقول يا وكيل الأزهر لو أن الشيعة الإسماعلية طالبوا باستعادة الجامع الأزهر؟ والذي أسسوه لنشر مذهبهم؟

إن مشايخ السلطان لا يستحون من الله عز وجل ولا من عباده، فهم يصدرون الفتاوى لخدمة الطواغيت، فها هي دار الإفتاء المصرية تقول:” بُنيت “آيا صوفيا”ككنيسة حتى احتل العثمانيون إسطنبول!! فحولوا المبنى إلى مسجد”،{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} صار فتحُ القسطنطينية احتلالاً، يا عميان البصيرة؟!أما سمعتم بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية في قوله:(لَتُفْتَحَنَّ القُسطَنْطِينِيَّةُ فلنعمَ الأميرُ أميرُها ولنعمَ الجيشُ ذلك الجيش)؟!

وانظر إلى الوقاحة والصفاقة اللامتناهية التي صدرت عمَّن يسمي نفسه مفكراً إسلامياً -د. محمد حبش- حيث انتقد قرار تحويل “آيا صوفيا”إلى مسجد، وقال:” زرتُ آيا صوفيا، وهو قطعة مذهلة من التاريخ. وكم تمنيت لو كانت المحكمة أكثر شجاعة، واتخذت قرارها بأن يكون “آيا صوفيا”معبداً للأديان، يصلي فيه المسلمون والمسيحيون معاً. وتقام بينهما جوقة الفرح تغني للإيمان. وتخصص فيه منصات للحائرين الباحثين عن الله، فالبناء كبيرٌ وهو يتسع للمؤمنين من كل الأمم، وينتهي عهد الثأر والانتقام إلى عصر الحب والوئام. ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله”

وأقول لهذا الأفاك المبين ألا تعلم أن الدعوة إلى (وحدة الأديان) والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه وجرّ أهله إلى ردة شاملة، ومصداق ذلك في قول الله سبحانه:{وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}سورة البَقـَـرَة الآية 217، وقوله جل وعلا:{ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}سورة النّـِسـَـاء الآية 89.

ألا تعلم أن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله جل وتقدس يقول:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} سورة التّوبـَـة الآية 29. ويقول جلّ وعلا:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} سورة التّوبـَـة الآية 36. ويقول تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}سورة الكافرون.

ألا تعلم أن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلمٍ فهي تعتبر ردةً صريحةً عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد فترضى بالكفر بالله عز وجل، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرةٌ مرفوضةٌ شرعاً، محرمةٌ قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآنٍ وسنةٍ وإجماع. انظر “بيان من اللجنة الدائمة للإفتاء في حكم الدعوة إلى وحدة الأديان”

https://www.alukah.net/sharia/0/137393/#ixzz6SEWf7OVa

وأقول لهؤلاء المنبطحين الحاقدين الذين أقاموا مجالس العويل والعزاء عبر وسائلهم الإعلامية الساقطة كقناة العبرية{قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} سورة آل عمران الآية 119.

وأقول أيضاً لهؤلاء المنبطحين إن المسلم ينطلق في آراءه وتصوراته من دينه الإسلام، فما أقره الإسلام فهو الصحيح، وما أنكره الإسلام فهو المنكر القبيح، ولا ننتظر الجهات الدولية لترضى عنا، ولا ننتظر اليونسكو ولا مجالس الكنائس لنتبنى غثاءها.

خامساً: إن إعادة “آيا صوفيا” مسجداً للعبادة خبرٌ أسعد ملايين المسلمين في العالم، والحمد لله رب العالمين، فقد عاد مسجد “آيا صوفيا”إلى عهده السابق، وصدح الأذان من مآذنه، بعد ستة وثمانين عاماً من المنع الذي فرضه العلمانيون – أتاتورك وحكومته- أحفاد الماسونية العالمية، عاد مسجد “آيا صوفيا”صرحاً عظيماً الى حاضنة الإسلام، وستقام فيه الصلوات ويقرأ فيه القرآن الكريم، ويُسمع منه صوتُ الأذان من جديد رغم أنف المنبطحين الحاقدين، وإن لم يعجبهم ذلك، فليشربوا مياه البحرين الأبيض والأسود، وما بينهما.

وخلاصة الأمر:

أنه لمن دواعي سروري وسرورِ كل مسلمٍ معتزٍ بإسلامه عودة “آيا صوفيا”مسجداً بعد طول انتظارٍ استمر ستة وثمانين عاماً، حيث

كان “آيا صوفيا”مسجداً أسيراً بتحويله إلى متحف، والحمد لله رب العالمين أن تحول الحلم المنتظر منذ عشرات السنوات إلى حقيقة، بعد أن حوله العلمانيون بقيادة أتاتورك إلى متحفٍ عام 1935، بعد أن كان مسجداً على مدى 481 عامًا، منذ الفتح الإسلامي للقسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453م وفق سنة 857 هـ، محققاً للنبوءة المحمدية بفتح مدينة هرقل “القسطنطينية” كما ورد في الأحاديث النبوية.

إن “آيا صوفيا” ليس مِلكاً للدولة التركية، ولا لأي مؤسسةٍ، وإنما هو مِلكٌ لوقف السلطان محمد الفاتح.

وإن قرار عودة “آيا صوفيا”مسجداً إنما هو إحقاقٌ للحق واستردادٌ لإنجاز حققه السلطان العثماني محمد الفاتح{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}

وإن المسلمين يواجهون منذ عهدٍ بعيدٍ “حرباً صليبيةً ولا صلاحَ الدِّين لها”، وقد ظهر من الحقد الصليبي ما ظهر في الأيام القليلة الماضية، على إثر قرار عودة “آيا صوفيا”مسجداً.

وإن قرار إعادة “آيا صوفيا” إلى مسجد “أخرج أضغان وأحقاد مرضى القلوب من الشرق والغرب”

وإن هؤلاء وأذنابهم في عالمنا العربي تناسوا أن عدداً كبيراً من المساجد في أوروبا، وخاصة في إسبانيا -الأندلس المفقود-وفي البلقان وفي فلسطين السلبية وغيرها قد دمرت أو حولت إلى كنائس وإلى خمّارات وحظائر للحيوانات ومراقص.

وإن المنهزمين والمنبطحين ومشايخ الديكور رفضوا عودة “آيا صوفيا”مسجداً بحججٍ واهية.

وأقول لهؤلاء المنبطحين الحاقدين الذين أقاموا مجالس العويل والعزاء عبر وسائلهم الإعلامية الساقطة كقناة العبرية{قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ}

وإن إعادة “آيا صوفيا” مسجداً للعبادة خبرٌ أسعد ملايين المسلمين في العالم، والحمد لله رب العالمين، فقد عاد مسجد “آيا صوفيا”إلى عهده السابق، وصدح الأذان من مآذنه، بعد ستة وثمانين عاماً من المنع الذي فرضه العلمانيون – أتاتورك وحكومته- أحفاد الماسونية العالمية، عاد مسجد “آيا صوفيا”صرحاً

عظيماً الى حاضنة الإسلام، وستقام فيه الصلوات ويقرأ فيه القرآن الكريم، ويُسمع منه صوتُ الأذان من جديد رغم أنف المنبطحين الحاقدين، وإن لم يعجبهم ذلك، فليشربوا مياه البحرين الأبيض والأسود وما بينهما.

والله الهادي إلى سواء السبيل

في المسألة قولان!

يقول السائل: أثار بعضُ الناسِ ضجةً حول فتواكم بجواز التباعد بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك، واعتبروا أنكم قد رجعتم عن فتوى سابقةٍ لكم بمنع التباعد، فهلا وضحتم لنا المسألة؟

الجواب:

أولاً: أبدأ بما قاله إياسُ بن معاوية المُزني أحدُ سلف هذه الأمة المباركة، فعن سفيان بن حسين قال:(ذكرتُ رجلاً بسوءٍ عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والتُرك ؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَمُ منك الرومُ والسِّندُ والهندُ والتُركُ، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟!قال: فلَم أَعُد بعدها).

منذ مدةٍ كنت قد نشرتُ مقطعاً مصوراً بينتُ فيه حكمَ التباعد بين المصلين بسبب جائحة “كورونا”، وذكرتُ أن التباعد لا يجوز، لأنه مخالفٌ للهيئة الشرعية لصلاة الجماعة كما دلت على ذلك الأحاديثُ النبوية التي تأمرُ بتراص الصفوف، وهذا قولي في المسألة لم أغيره لقناعتي بقوة أدلته، ومنذ أسبوعٍ نشرت مقطعاً آخر بناءً على أسئلةٍ من بعض العلماء والمشايخ وغيرهم حول التباعد بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك، وما يحفُّ المسجد الأقصى المبارك من أطماعٍ للاحتلال، وقد بيّنتٌ فيه أن مسألة التباعد فيها قولان للعلماء، وأنه لا حرجَ على مَنْ أخذ بأيٍّ من القولين؛ لأن القضية اجتهاديةٌ ظنيةٌ، وليست من المسائل القطعية، وتكلمتُ عن خصوصية التباعد في المسجد الأقصى المبارك، نظراً لما يحيط بالمسجد الأقصى المبارك من أطماعٍ للاحتلال، وأن هنالك تهديداً حقيقياً قد يؤدي إلى إغلاق المسجد الأقصى المبارك، وطلبتُ من أهلنا في بيت المقدس، والمصلين في المسجد الأقصى المبارك أن يأخذوا بهذا القول نظراً للظرف الخاص للمسجد الأقصى المبارك، نظراً لتربص يهود به.

وكلا القولين السابقين في المسألة، قال به جماعةٌ من أهل العلم، ولكليهما حظٌ من النظر والاستدلال الشرعي.

فزعم سُفَهاءُ الأحلامِ أني غيرتُ قولي الأولَ في المسألة، وشنوا هجمةً على صفحاتِ التواصل الاجتماعي، انطوت على الجهل والكذب والبذاءة وسوء الأخلاق، وهذه الهجمة تنمُّ عن جهلٍ فاضحٍ بمبادئ وأساسيات العلم الشرعي، وجهلٍ لأسس تعدد أقوال الفقهاء في المسائل الظنية في الفقه الإسلامي، والتي أُدرسها لطلبة العلم الشرعي في الفقه المقارن. وكنت أتمنى لو أن واحداً من هؤلاء ناقش المسألةَ مناقشةً علميةً – ولكن فاقدَ الشيء لا يعطيه – عوضاً عن تحويل الموضوع إلى مسألةٍ شخصيةٍ، وتهجمٍ وتطاولٍ على شخصي، وطعناً في ديني وفي نيتي التي لا يعلمها إلا الله عز وجلَّ، ووصل التطرف بأحدهم أن قال: لا يؤخذ الدِّين عن أيٍ كان؟! ووصل الأمر أيضاً إلى الكرسي الذي كنتُ أجلسُ عليه فلم يسلم من طول ألسنتهم؟!

وماذا أصنع إذا كان جهلهم وحقدهم وكذبهم قد أعمى عقولَهم عن فهم كلامي، فلم أقل إني رجعتُ عن القولِ بالتراص، وغيرتُه إلى القولِ بجواز التباعد، وما قلته واضحٌ وضوحَ الشمس في رابعةِ النهار أن للعلماء المعاصرين في المسألة قولين: قولٌ يرى أن التراصَّ هو المطلوب لموافقته للسنة النبوية، وأنا شخصياً ما زلتُ على هذا القول ولم أبدله؟!

والقولُ الآخر يجيزُ التباعدَ بسبب جائحة “كورونا”، وأفتيت المصلين في المسجد الأقصى المبارك، بأن يأخذوا بالتباعدِ، وأن يأخذوا بأسباب الوقاية الصحية، نظراً لتربص يهود بالمسجد الأقصى المبارك، ولقطع الطريق على المتربصين، ولئلا يؤدي عدمُ الالتزام بأسبابِ الوقاية الصحية إلى إغلاق المسجد الأقصى المبارك، وقلت إن القائلين بالتباعد لهم أدلتهم الواضحة المجيزة للتباعد، خوفاً من انتشار العدوى والوباء، وأنه أفضل من إغلاق المسجد الأقصى المبارك، فتركُ التراص هنا لعذرٍ، وله نظائرُ في الشرع من الواجبات والشروط والأركان التي تترك للعذر مع كونها أشد منه.

وزعم سُفَهاءُ الأحلامِ أن في هذا القولّ رضوخاً للحاخامات! وأقول ما زلنا في انتظار خليفتكم المنتظر ليحرر القدس وفلسطين! وقد صار خليفتكم المنتظر كمهدي الشيعة المنتظر؟!

وخلاصة ما قلته في المسألة هو جواز الأخذ بالقول المخالف نظراً للظرف الخاص بالمسجد الأقصى المبارك، ومن المعلوم عند الفقهاء إرشادُ المفتي للمستفتي أن يأخذ بالقول المخالف لسبب ما، وهذا أمرٌ معروفٌ ومشهورٌ في الفقه الإسلامي، فمن المعلوم عند الفقهاء أن الفقه الإسلامي في معظمه ظنيٌ، والمسائلُ القطعية معدودةٌ.

لذا اختلف الفقهاء في فروع الفقه الإسلامي، ووجد عندنا مذاهبُ فقهيةٌ متعددةٌ، وتعددت أقوالُ الفقهاء في مسائل الفروع الفقهية، وفي بعض المسائل وصل عددُ الأقوال لأكثر من أربعين قولاً في المسألة الواحدة؟ كما في مسألة تحديد الصلاة الوسطى، ارجعوا إلى كتب الفقهاء وليس لكتبكم المتبناة.

وينبغي أن يُعلم أن اختلافات الفقهاء في المسائل الاجتهادية قد أثرت الفقه الإسلامي، ولولا ذلك لما كان عندنا هذه الثروة الفقهية العظيمة المتنوعة، وتخيلوا لو أن فقهاء الأمة أخذوا بنظرةِ ضيقي الأفق هؤلاء، الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، كيف يكون حال ثروتنا الفقهية خاصةً، والعلمية الشرعية عامةً، إن تعددَ المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوزٌ وثروةٌ لا يعرف قدْرَها إلا العلماء والفقهاء.

ثم أنتم يا هؤلاء ما شأنكم بالفتوى في دين الله وحزبكم يقول:[ حزب التحرير لا توجد لديه صفة المفتي لأنّه لا يتصدّر للفتوى، ولا يبحث عن أفعال الأفراد بوصفهم أفراداً ليعطي الحكم الشرعي لها، وإنّما هو سياسي يرعى شؤون الناس بأحكام الشرع، وهو لا توجد لديه صفة العالم، لأن عمله ليس التنقيب عن المعرفة في الكتب، وإن كان يراجع الكتب لطلب المعرفة، فالتنقيب عن المعرفة ليس عمله وليس غايته، وإنّما هو وسيلة لعمله وهو السياسة، وهو كذلك ليس واعظاً يذكّر الناس بالآخرة ولا يصرف النّاس عن الدنيا، بل يرعى شؤونهم ويبصّرهم بالدنيا لتكون لهم سيادتها، ويجعل غايتهم من الدنيا سعادة الآخرة، ونوال رضوان الله، وهو أيضاً ليس معلِّما وإن كان يثقِّف الناس بالأفكار والأحكام، فتعليم المعارف المجردة ليس عمله ولا يعني نفسه بها، وإنّما العمل بالأفكار والأحكام هو ما يهدف إليه، فيعطي المعارف مربوطة بواقعها وظروفها كسياسة لا كعلم، ورعاية شؤون لا كتعليم. ولذلك إن من الظلم أن يقال عن الحزبي أنَّه مفتٍ، ومن الانحراف أن يصبح الحزب مفتياً…ومن هنا تظهر فظاعةُ أن ينقلب الحزب إلى مفتٍ وأن يصبح شباب الحزب مفتين، فإن ذلك هو الهلاك المحقّق لا للشباب فحسب ولا للحزب وحده، وإنّما للأمة التي يقودها الحزب، وللمبدأ الذي يحمله، إذ يحوّله من وجهة نظرٍ في الحياة إلى معالجة فرديةٍ ليس غير…!؟]

وما شأنكم بالفتوى في دين الله وأحدُ كباركم يقول:[ كلمة الفتوى في وقتنا هذا تعني الجهل وعدم البحث، وحب الخلود إلى الكسل، وباقي موروث “علقها في رقبة عالم واطلع سالم”؟!] وجاء في دوسيه لحزبكم:[…وإنه بغض النظر عن كون الفتوى أحط أنواع الفقه، وبغض النظر عن كون مجرد وجود كلمة مفتي بما لها من واقع، هي انحطاط في المجتمع]

فاتركوا شأن الفتوى لأهلها، وانشغلوا فيما تعرفون:

خلقَ اللهُ للعلمِ رجالاً … ورجالاً لقصعةٍ وثَريدِ

ثانياً: ألا تعلمون أنه لا يجوز للمفتي أن يحمل الناس على قوله، وليس الخلاف في الفروع الفقهية إما أسودَ وإما أبيضَ، فالأمر فيه سعةٌ، ولا تحجروا واسعاً، قال الإمام سفيان الثوري:

[ إذا رأيتَ الرجلَ يعمل العملَ الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيرَه فلا تنهه].

وقال الإمام أحمد:[ لا ينبغي للفقيه أن يحملَ الناسَ على مذهب ].

وقال الإمام القرافي:[ يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضاً في كل ما لا ينتقض فيه حكم حاكم، وفي ذلك في أربعة مواضع: أن يخالف الإجماع أو النص، أو القياس الجلي، أو القواعد] جلاء العينين ص 209.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ وأما إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماعٌ، وللاجتهاد فيها مساغٌ، فلا يُنكر على مَنْ عملَ بها مجتهداً أو مقلداً ] انظر الآداب الشرعية 1/169،دراسات في الاختلافات الفقهية ص 103/104.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً:[ مسائلُ الاجتهاد مَنْ عمل فيها بقولِ بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عملَ بأحدِ القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان، فإن كان الإنسانُ يظهرُ له رجحان أحدَ القولين عملَ به، وإلا قلَّد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/207.

وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقاً:[ وليس لأحدٍ أياً كان أن يحمل أحداً على اتباع مذهبه في المواضع التي اختلف فيها المجتهدون، ولا أن يُنكر عليه إذا خالفه] “إنصاف الفقهاء للمخالف” ص 23.

ثالثاً: لو سلمنا جدلاً أنني غيرتُ قولي في مسألة التباعد – مع أنه لم يحصل- فليس الأمرُ بمنكرٍ، وفي تاريخنا الفقهي غيَّرَ كبارُ فقهاء الإسلام أقوالَهم في مسألةٍ أو مسائل، بل غيَّر الإمامُ الشافعي مذهبَه لما ذهب من العراق إلى مصر، ومعلومٌ أن للشافعي مذهبان، قديمٌ في العراق، ويمثلهُ كتاب “الحُجة”، وجديدٌ في مصر ويمثلهُ كتابه “الأم”. والإمام الشافعي لما تراجع عن مذهبه القديم في العراق، وأنشأ المذهبَ الجديد في مصر لم يغير أي حكمٍ من الأحكام المبنية على النصوص الصريحة من الكتاب أو السنة، ولكن التغيير طرأ في المسائل الاجتهادية لدواعٍ معروفة عند العلماء.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوءَ من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدمُ ولم يتوضأ، هل يُصلى خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟

وصلى الإمامُ الشافعي الصبحَ قريباً من مقبرة أبي حنيفة، فلم يقنت – والقنوت عنده سنةٌ مؤكدةٌ- فقيل له في ذلك، فقال:” لا أخالفه وأنا في حضرته “.

وقال الإمام الشافعي أيضاً: “ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق”.

وثبت أن أبا يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة قد تراجعا عن قولِ إمامها في ثلث المذهب.

وهذا أبو يوسف صاحبُ أبي حنيفة قد رجعَ عن قوله وقولِ إمامه في مقدار الصاع، وأخذ بقولِ الإمام مالك. وقال له: رجعتُ إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعتُ إلى قولك يا أبا عبد الله.

وورد في الفتاوى البزازية من كتب الحنفية عن الإمام الثاني – أبو يوسف – أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أُخبر بوجودِ فأرةٍ ميتةٍ في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة، إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً. وغير ذلك كثيرٌ، فلم تقم الدنيا ولم تقعد على هؤلاء الفقهاء وغيرهم ممن غيروا أقوالهم في الفروع الفقهية الاجتهادية!

فلماذا هذا الهوس بالشتم والطعن واتهام النيات؟ إنه الجهلُ والحقدُ والحسدُ الذي يملأ قلوب سفهاء الأحلام.

رابعاً: لو سلمنا جدلاً مرةً أخرى أنني غيرتُ قولي في مسألة التباعد- مع أنه لم يحصل- فليس الأمرُ بمنكرٍ أيضاً، بل مستندُ هذا التغيير إن وجد، الأخذُ بالقاعدة الفقهية التي تقول:” لا يُنكر تغيرُ الأحكام بتغيرِ الأزمان” وهي قاعدةٌ معتبرةٌ عند الفقهاء، قال العلامة ابن القيم:[فصلٌ في تغير الفتوى واختلافها بحسبِ تغير الأزمنةِ والأمكنةِ والأحوالِ والنياتِ والعوائد] إعلام الموقعين 3/14.

وقال العلامة الشيخ مصطفى الزرقا:[وقد اتفقت كلمةُ فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس، هي الأحكامُ الاجتهاديةُ من قياسيةٍ ومصلحيةٍ، أي التي قررها الاجتهادُ بناءً على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة بالقاعدة الآنفة الذكر.

أما الأحكامُ الأساسية التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية، كحرمة المحرمات المطلقة، وكوجوب التراضي في العقود…إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها ومقاومةِ خلافها، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ] المدخل الفقهي العام 2/934-935 .

وعليه لو سلمنا جدلاً بتغيير فتواي في مسألة التباعد – وهذا لم يحصل- فهو أمرٌ غيرُ منكرٍ عند الفقهاء استناداً للقاعدة السابقة، ولكنه من الكبائر والمنكرات عند سفهاء الأحلام، الذين لا يُعتدُّ بقولِ كبيرهم ولا برأي حزبهم في وفاقٍ ولا خلافٍ، وإنما يعامل ما يصدرُ عنهم معاملةَ القولِ الشَّاذِّ في الفقه الإسلامي.

خامساً: إن القول بتبني الأحكام في الفروع الفقهية، وأنه لا يجوز لأحدٍ الخروجُ عن ذلك، قولٌ باطلٌ في شرعنا الشريف، ومن مبتدعات سُفَهاءِ الأحلامِ، فقد جاء في إحدى نشرات حزب التّحرير ما نصُّه:[إلّا أنّ الحزب في صُحُفِه ونشراته ومناقشاته لا يحملُ أيَّ رأيٍ يخالفُ الرأيَ الذي تبنّاه مطلقاً، وهذا بالنسبة للحزب، وكما ينطبق ذلك على الحزبِ فإنَّهُ ينطبق على أيِّ شابٍّ من شباب الحزب، فلا يصحّ لأيّ شابٍّ أن يؤلّفَ كتاباً، أو يُصدرَ صحيفةً، أو يكتبَ مقالاً، أو يناقشَ أحداً مجرّد مناقشةٍ بأيّ رأيٍّ يخالف آراءَ الحزب، فإنِّ كلّ شابٍّ قد تبنّى آراء الحزب تبنيّاً فلا يَحِلُّ له أن يخالفها، لا فكراً، ولا قولاً، ولا عملاً، وإذا صدَرَ منه شيءٌ من ذلك يُعَالَجُ ثم يُنذَرُ، ثم يُتّخذُ بحقّه الإجراءُ المقتضى]

فإذا كان حزبكم يقول:[ لا يصحّ لأيّ شابٍّ أن يؤلّفَ كتاباً، أو يُصدرَ صحيفةً، أو يكتبَ مقالاً، أو يناقشَ أحداً مجرّد مناقشةٍ بأيّ رأيٍّ يخالف آراءَ الحزب] أمركم غريبٌ عجيبٌ، كيف خالفتم ما تتبنوه!].

وجاء في نشرةٍ أُخرى لحزب التّحرير ما نصُّه:[…وحتى لو أنّ الحزبيَّ مجتهدٌ مُطلَقٌ وتبنّى الحزبُ رأياً خلاف رأي هذا المجتهد المطلَقِ، فإنّ عليه أن يترك رأيه فوراً؛ لأنه بمجرّد تبنّي الحزب رأياً صار هذا الرأيُ الذي تبنّاهُ الحزبُ هو رأيه لا الرأيَ الذي استنبطه، وإذا لم يترك رأيهَ فعليه أن يتركَ الحزب فوراً؛ لأنّه خرج عن جُزئيةِ الحزب ولو بمفهومٍ واحدٍ؛ إذ خرج عن معنى التبنّي من حيثُ هو…]

افهموا كلام سفهاء الأحلام ثم اسمعوا كيف كان حال الصحابة والتابعين من تعدد للأقوال الفقهية، وهم من القرون التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، قال الشيخ ولي الله الدهلوي:[ وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأُ البسملة ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهرُ بها، ومنهم من لا يجهرُ بها، وكان منهم من يقنتُ في الفجر، ومنهم من لا يقنتُ في الفجر، ومنهم من يتوضأُ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأُ من ذلك. ومنهم من يتوضأُ من مسِّ الذكرِ ومسِّ النساء بشهوةٍ، ومنهم من لا يتوضأُ من ذلك، ومنهم من يتوضأُ من أكلِ لحم الإبلِ، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا فكان بعضُهم يصلي خلفَ بعضٍ، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلفَ أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً . وصلى الرشيدُ إماماً وقد احتجم، فصلى الإمامُ أبو يوسف خلفه ولم يُعد.] حجة الله البالغة 1/295-296.

وانظروا أيضاً إلى هذا الفكر الأعوج، وقارنوه بقول الأئمة من فقهاء الإسلام, قال الإمام أبو حنيفة مخاطباً صاحبه أبا يوسف:[ ويحك يا يعقوب لا تكتب كلَّ ما تسمع مني، فإني أرى الرأيَ اليومَ وأتركه غداً، وأرى الرأيَ غداً وأتركه بعد غدٍ].

وقال الإمـام مالك:[ ليس أحـدٌ بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويُؤخذُ من قوله ويترك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ].

وقال الإمام الشافعي:[ أجمع المسلمون على أن من استبان له سنةٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقولِ أحدٍ].

ولا شك أن مبدأ التبني قد جعل حزبَ التحرير عقيماً، وقتلَ الإبداع عند أفراده، فلا تكاد تجدُ عندهم عالماً مبدعاً، وأورثت فكرةُ التبني أتباعَ الحزب اللَّدَدَ في الخصومة بدون وعيٍ مع أنهم أدعياء الوعي! والتعصُّبَ المقيتَ لآراء الحزب ولو كانت تناقض البدهيات وتخالف المسلَّمات؛ لأنّهم أصبحوا يُسَلِّمون بهذه الآراء بدون وعيٍ، وليس معهم في كثيرٍ منها حُجةٌ ولا برهانٌ، إلا أنّ الحزبَ تبنّى هذا الرأيَ أو ذاك!! انظر نقد فكرة “التبني” عند حزب التحرير.

قال الإمام مالك:[ لا يُؤخذُ هذا العلم من أربعةٍ، ويؤخذُ ممن سواهم: لا يؤخذُ من سفيهٍ، ولا يؤخذُ من صاحبِ هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذَّابٍ يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يُتهم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من رجلٍ له فضلٌ وصلاحٌ وعبادةٌ إذا كان لا يعرف ما يحمل ويحدث به]

وقال محمد بن سيرين من أئمة التابعين:[ هذا العلمٌ دِينٌ، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم] رواه مسلم في مقدمة صحيحه 1/76.

وخلاصة الأمر:

أني أسألُ الله العظيم أن يجعلني ممن قَالَ فيهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)

ونحن نُوقِنُ أن قَدْحَ وتطاولَ وتهجمَ هؤلاء الطاعنين من سُفَهاءِ الأحلامِ وغيرهم على العلماء، ما هو إلا كصريرِ بابٍ، وطنينِ ذبابٍ، ونُوقِنُ بأنها زوبعةٌ في فنجان. ويُقصد به التشويشِ على عامةِ المسلمين والطعن في العلماء.

وأن ما قلته في مسألة تباعد المصلين هو جواز الأخذ بالقول المخالف نظراً للظرف الخاص بالمسجد الأقصى المبارك.

وأنه لا يجوز للمفتي أن يحمل الناس على قوله، وليس الخلاف في الفروع الفقهية إما أسودَ وإما أبيضَ، فالأمر فيه سعةٌ.

وأنه في تاريخنا الفقهي غيَّر كبارُ فقهاء الإسلام أقوالهم في مسألةٍ أو مسائل، بل غيَّر الإمامُ الشافعي مذهبه لما ذهب من العراق إلى مصر.

وأن ما قررته في هذه المقالة هو القولُ الحقُّ عند علماء وفقهاء الإسلام، ولا تلتفتوا لكلام سفهاءِ الأحلام، الذين تقطرُ قلوبُهم وألسنتُهم حقداً وحسداً على مَنْ خالفهم من المسلمين من الأفراد أو الجماعات، في حين يسلمُ من ألسنتهم الطغاة والبغاة وأعداء الإسلام.

وختاماً فقد قال الإمام القرطبي:[والبذيءُ اللسانِ يُسمَّى سفيهًا؛ لأنَّه لا تكادُ تتفقُ البذاءةُ إلا في جُهالِ الناس، وأصحابِ العقولِ الخفيفةِ]

وقال الشيخ عبد الرزاق البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر: [سادتي الفقهاء : وإني لا أعجبُ ممن جهلَ عظيمَ قدْرِكم فعاداكم، ونقلَ عنكم ما لم تتفوه به قط فاكم “كذا”، فإنه حَسَدٌ، ومثلكم مَنْ يُحسَد، والحسدُ لا تهمدُ نارهُ ولا تخمد، إنما أعجبُ من كونه ظلمَ نفسَه، وانطوى على البغي الشنيع، وإنه لا يرقبُ في مؤمنٍ إلاً ولا ذمةً، وإن الله لسميعٌ، تحلى وتروج بالكذبِ والتمويه، وتخلى عن كل ما فيه على كرمِ النفس دلالةٌ وتنويهٌ، ولكن على جنابكم حُسْنُ التفويض والتسليم لأمرِ مولاكم، فلا بدَّ إن شاء الله أن يريكم بسرعة العود لعلمكم وكتبكم، ما تقرُّ به أعيُنُكم، وبالصبرِ تُجتنى ثمراتُ الآمال، واللهُ تعالى يُحسنُ لنا ولكم الحالَ والمالَ، آمين] نقلاً عن “إنصاف الفقهاء للمخالف” بتصرف.

والله الهادي إلى سواء السبيل

مقولةُ “صحةُ الأبدانِ مُقَدَّمةٌ على صحةِ الأديان” ليست قاعدةً فقهيةً

يقول السائل:ما قولكم فيما رددهُ بعضُ المشايخ في زمن “كورونا” أن حفظَ النّفس مقدمٌ على حفظ الدِّين، ويقولون إن القاعدة الفقهية الشرعية تقول:”صحةُ الأبدانِ مُقَدَّمةٌ على صحةِ الأديان” فما صحةُ ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:القاعدة الفقهية هي:”قضيةٌ كُليةٌ يُعرف منها أحكامُ جزئياتها”.

وعلمُ القواعد الفقهية هو العلمُ الذي يُبحث فيه عن القضايا الفقهية الكلية من جهاتها المختلفة.

[وعلم القواعد الفقهية، من العلوم النافعة التي أبدعها الفقهاءُ لضبط الأحكام الفقهية غير المتناهية، بتأليف قواعد مختصرة تشتمل على فروعٍ كثيرةٍ، فتسهلُ على الفقهاء ضبطَ الفروعِ المتزاحمةِ، واستنباطَ أحكام النوازل، قال ابن رجب الحنبلي في مقدمة كتابه “تقرير القواعد وتحرير الفوائد”: أما بعدُ، فهذه قواعدُ مهمةٌ وفوائدُ جَمَّةٌ، تضبطُ للفقيهِ أصولَ المذهبِ، وتُطلعه من مآخذِ الفقهِ على ما كان عنه قد تَغَيَّبَ، وتنظمُ له منثورَ المسائلِ في سِلْكٍ وَاحِدٍ، وتُقيِّدُ له الشواردَ، وَتُقَرِّبُ عليه كُلَّ مُتَبَاعِدٍ]1/4.

وقال الإمامُ القرافيُّ:[وهذه القواعدُ مهمةٌ في الفقهِ عظيمةُ النفعِ، بقدرِ الإحاطةِ بها يعْلُو قَدْرُ الفقيهِ ويَشْرُفُ، وَيْظْهرُ روْنقُ الفقهِ وَيُعْرَفُ، وتتضحُ مناهجُ الفتاوى وتُكشف…ومن ضَبَطَ الفقهَ بقواعدِه استغنى عن حفظِ أكثرِ الجزئياتِ؛ لاندراجِها في الكلياتِ…] الفروق 1/71 .

وقال الإمامُ الزركشيُّ الشافعيُّ:[وهذه قواعدُ تَضْبِطُ للفقيه أصولَ المذهبِ، وتُطْلِعُهُ من مأخذِ الفقهِ على نهايةِ المطلبِ]. المنثورُ في القواعدِ1/65-66.

وتنبع أهمية علم القواعد الفقهية من أنه يضبط ما تفرق من الفروع الفقهية ويردها إلى أمرٍ كليٍ يجمعها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[لابد من أن يكون مع الإنسان أصولٌ كليةٌ تُردُّ إليها الجزئيات، ليتكلم بعلمٍ وعدلٍ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذبٍ وجهلٍ في الجزئيات، وجهلٍ وظلمٍ في الكليات، فيتولد فسادٌ عظيم] مجموع الفتاوى 19/203.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي:[ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماء مطرداً، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه به كثيراً…من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها، أن أحكامها الأصولية والفروعية والعبادات والمعاملات، وأمورها كلها لها أصولٌ وقواعدُ تضبط أحكامها، وتجمعُ متفرقاتها، وتنشرُ فروعها، وتردُّها إلى أصولها، فهي مبنيةٌ على الحكمة والصلاح]الرياض الناضرة 1/522.

والقواعدُ الفقهية مستمدةٌ من الكتاب والسنة والإجماع، وهي كثيرةُ العددِ، عظيمةُ المددِ، منها القواعدُ الخمسُ الكبرى وهي: الأمورُ بمقاصدها، الضررُ يُزال، العادةُ مُحَكَمَةٌ، المشقةُ تجلبُ التيسير، واليقينُ لا يزول بالشك.

وقد اعتنى العلماء قديماً وحديثاً بالتأليف في علم القواعد الفقهية ومن هذه التآليف: كتاب: “أصول الكرخي الحنفي” ،”تأسيس النظر” للدبوسي الحنفي،”الأشباه والنظائر” لابن نُجيم الحنفي، “القواعد” للمَقَّري المالكي،”قواعد الأحكام ومصالح الأنام” للعز بن عبد السلام الشافعي،”المنثور في القواعد” للزركشي الشافعي،”الأشباه والنظائر” للسيوطي الشافعي ،و”قواعد ابن رجب الحنبلي” وغيرها.

ومن أشهر المؤلفات المعاصرة في علم القواعد الفقهية ” موسوعة القواعد الفقهية” للعالم الفلسطيني الغزي الدكتور محمد صدقي البورنو رحمه الله، وتقع في ثلاثة عشر مجلداً، وهي مرتبةٌ على الحروف الهجائية، وهي نافعةٌ ومفيدةٌ جداً لطلبة العلم الشرعي.

ثانياً: اعتنى الإسلام عنايةً كبيرةً بالصحة الجسمية والنفسية للإنسان المسلم، فقد اهتم الإسلامُ بأن يتمتع المسلمُ بالصحة الجسمية والنفسية، فالمؤمنُ القويُ أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) رواه مسلم. والحديث يشملُ قوةَ الإيمان بالله عز وجل، والقوةَ الجسمية للمسلم، والحالة النفسية. وبين النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم أن الصحة من نِعم الله عز

وجل وأن كثيراً من الناس مغبونون فيها ومفرطون فيها، فلا يتذكرونها إلا عند المرض، فقال صلَّى الله عليه وسلم:(نعمتانِ مغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصِّحَّة والفراغ) رواه البخاري. ومطلوبٌ من المسلم أن يغتنم صحته قبل مرضه، كما قال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه:(اغتنِمْ خمساً قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك) رواه الحاكم والبيهقي في شُعب الإيمان، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب.

وقوله:”وصِحَّتَكَ قبْلَ سَقَمِك”، يعني: اغْتَنِمِ الأعمالَ الصالحةَ في الصِّحَّةِ قبْلَ أنْ يَحُولَ بيْنك وبيْنها السَّقَمُ والـمرَضُ، واشْتَغِلْ في الصِّحَّةِ بالطاعةِ بحيثُ لو حصَلَ تَقصيرٌ في المرضِ انْـجبَرَ بذلك؛ فيَستفِيدُ الإنسانُ مِن صِحَّتِه ما قد يُضْعِفُه المرضُ عنه يومًا مَا. https://www.dorar.net/hadith/sharh/119789

ومظاهر اهتمام الإسلام بالصحة بشكلٍ عامٍ كثيرةٌ، أشير باختصارٍ لبعضها:

أوجب الإسلام الطهارةَ والنظافة، وهما عماد الصحة، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}سورة البقرة الآية 222،وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم. ويشمل الوضوء والغُسل للنظافة الشخصية، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ)رواه البخاري.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته ببناء المساجد في البيوت، وأمر بتنظيفها وتطييبها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:(أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسلم ببُنيانِ المساجدِ في الدُّورِ، وأمر بها أن تُنظَّفَ وتُطيَّبَ) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتنظيف أفنية البيوت وتطهيرها، فقال صلى الله عليه وسلم:(طَهِّرُوا أَفْنِيَتَكُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَا تُطَهِّرُ أَفْنِيَتَهَا)رواه الطبراني في المعجم الأوسط وحسنه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة.

وقد شرع الإسلام التداوي، فإذا مرض الإنسانُ أو طرأ عليه ما يخلُّ بصحته، فعليه أن يعالج ما يعرض لصحته من عوارض، وقد دلت نصوصٌ كثيرةٌ على جواز التداوي، منها عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيك رضي الله تعالى عنه قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى فَقَالَ: تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) رواه البخاري ومسلم.

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذْنِ اللهِ عزَّ وجلَّ) رواه مسلم. ولا يتسع المجال للتفصيل في عناية الإسلام بالصحة.

ثالثاً:إذا تقرر ما سبق فإن ما رددهُ بعضُ المشايخ في زمن “كورونا” أن حفظَ النّفس مقدمٌ على حفظ الدِّين، وقالوا إن القاعدة الفقهية الشرعية تقول:”صحةُ الأبدانِ مُقَدَّمةٌ على صحةِ الأديان” كلامٌ فيه نظرٌ، ولا يوجد قاعدةٌ فقهيةٌ بهذا المعنى عند الفقهاء، وما ذكروه فهو من كلامِ العامة، ولا يصح ما زعمه الزاعمون أنها من القواعد الفقهية الراسخة في الدِّين! ومثله قول العامة: “مراعاةُ الأبدان خيرٌ من مراعاة الأديان” وقولهم “صلاحُ الأبدان أولى من صلاح الأديان ” فهذه كلها ليست قواعدَ فقهية.

ومن المعلوم أن هنالك خمس ضروريات جاء دين الإسلام بحفظها والمحافظة عليها وصيانتها وهي: الدِّين، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ أو العِرْضُ ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ. قال الإمام الشاطبي:[فَقَدَ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ ـ بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ ـ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ: الدِّين، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ. وَعِلْمُهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ كَالضَّرُورِيِّ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا شَهِدَ لَنَا أَصْلٌ مُعَيَّنٌ يَمْتَازُ بِرُجُوعِهَا إِلَيْهِ، بَلْ عُلمت مُلَاءَمَتُهَا لِلشَّرِيعَةِ بِمَجْمُوعِ أَدِلَّةٍ لَا تَنْحَصِرُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَلَوِ اسْتَنَدَتْ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَوَجَبَ عَادَةً تَعْيِينُهُ] الموافقات 1/38.

وقدَّم جمهور العلماء وخاصةً المحقّقون من علماء المقاصد، الدِّين على النفس، وجعلوه في الرتبة الأولى من الضروريات؛ لأن الدِّين هو الأساسُ الذي تقوم عليه باقي الضَّروريات، ولأن الجهاد هو بَذلُ النفس من أجل إعلاء كلمة

الدِّين، فثبت أن الدِّين مقدَّمٌ على النفس؛ وهو مذهب الغزالي والآمدي والشاطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن مفلح الحنبلي والصنعاني وغيرهم.

قال الإمام الغزالي:[إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يُفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة] المستصفى ص 174.

وقال ابن أمير الحاج الحنفي:[ وَيُقَدَّمُ حِفْظُ الدِّينِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ عَلَى مَا عَدَاهُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ قَالَ تَعَالَى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات الآية 56، وَغَيْرُهُ مَقْصُودٌ مِنْ أَجْلِهِ وَلِأَنَّ ثَمَرَتَهُ أَكْمَلُ الثَّمَرَاتِ وَهِيَ نَيْلُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي جِوَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.(ثُمَّ) يُقَدَّمُ حِفْظُ (النَّفْسِ) عَلَى حِفْظِ النَّسَبِ وَالْعَقْلِ وَالْمَالِ لِتَضَمُّنِهِ الْمَصَالِحَ الدِّينِيَّةَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْعِبَادَاتِ وَحُصُولُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى بَقَاءِ النَّفْسِ (ثُمَّ) يُقَدَّمُ حِفْظُ (النَّسَبِ) عَلَى الْبَاقِيَيْنِ لِأَنَّهُ لِبَقَاءِ نَفْسِ الْوَلَدِ إذْ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا لَا يَحْصُلُ اخْتِلَاطُ النَّسَبِ فَيُنْسَبُ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فَيَهْتَمَّ بِتَرْبِيَتِهِ وَحِفْظِ نَفْسِهِ وَإِلَّا أُهْمِلَ فَتَفُوتُ نَفْسُهُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى حِفْظِهَا (ثُمَّ) يُقَدِّمُ حِفْظَ (الْعَقْلِ) عَلَى حِفْظِ الْمَالِ لِفَوَاتِ النَّفْسِ بِفَوَاتِهِ حَتَّى أَنَّ الْإِنْسَانَ بِفَوَاتِهِ يَلْتَحِقُ بِالْحَيَوَانَاتِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ وَمِنْ ثَمَّةَ وَجَبَ بِتَفْوِيتِهِ مَا وَجَبَ بِتَفْوِيتِ النَّفْسِ وَهِيَ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ قُلْت وَلَا يَعْرَى كَوْنُ بَعْضِ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ مُفِيدَةً لِتَرْتِيبِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مِنْ تَأَمُّلٍ (ثُمَّ) حِفْظُ (الْمَالِ] التقرير والتحبير شرح التحرير 3/231.

وقال الشيخ عبد الله العلوي الشنقيطي المالكي في مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود:

دينٌ فنفسٌ ثم عقلٌ نسبُ مالٌ إلى ضرورةٍ تنتسبُ

ورتِّبَنْ ولتعطفَنْ مساويا عِرضاً على المال تكن موافيا

فحفظُها حتمٌ على الإنسان في كل شرعةٍ من الأديان

وقال الآمدي:[ فَمَا مَقْصُودُهُ حِفْظُ أَصْلِ الدِّين يَكُونُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى مَقْصُودِهِ وَثَمَرَتِهِ مِنْ نَيْلِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي جِوَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ حِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْعَقْلِ وَالْمَالِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودًا مِنْ أَجْلِهِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}… وَكَمَا أَنَّ مَقْصُودَ الدِّين مُقَدَّمٌ

عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مَقَاصِدِ الضَّرُورِيَّاتِ، فَكَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَقْصُودِ النَّفْسِ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الضَّرُورِيَّةِ.] الإحكام 4/275-276 .

وهنالك قولٌ آخر في المسألة بتقديم حفظ النفس على حفظ الدِّين، وهذا القول مرجوحٌ وإن كان له حظٌ من النظر، وعلى كلا القولين فإن حفظ النفس من مقاصد الشرع، وهو من الضروريات الخمس التي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالةً قاطعةً على وجوب المحافظة عليها، وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها، فحفظُ نفس الإنسان يأتي في المرتبة الثانية بعد حفظ الدِّين على الراجح من أقوال العلماء.

وخلاصة الأمر:

أن علمَ القواعد الفقهية هو العلمُ الذي يُبحث فيه عن القضايا الفقهية الكلية من جهاتها المختلفة.

وأن القواعدُ الفقهية مستمدةٌ من الكتاب والسنة والإجماع، وهي كثيرةُ العددِ، عظيمةُ المددِ، ومنها القواعدُ الخمسُ الكبرى.

وأن العلماء قديماً وحديثاً قد اعتنوا بالتأليف في علم القواعد الفقهية.

وأن من أشهر المؤلفات المعاصرة في علم القواعد الفقهية ” موسوعة القواعد الفقهية” للعالم الفلسطيني الغزي الدكتور محمد صدقي البورنو رحمه الله، وتقع في ثلاثة عشر مجلداً، وهي مرتبةٌ على الحروف الهجائية، وهي نافعةٌ ومفيدةٌ جداً لطلبة العلم الشرعي.

وأن الإسلام قد اعتنى عنايةً كبيرةً بالصحة الجسمية والنفسية للإنسان المسلم، وقد اهتم الإسلامُ بأن يتمتع المسلمُ بالصحة الجسمية والنفسية،فالمؤمنُ القويُ أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف.

وأن مظاهر اهتمام الإسلام بالصحة بشكلٍ عامٍ كثيرةٌ.

وأن ما رددهُ بعضُ المشايخ في زمن “كورونا” أن حفظَ النّفس مقدمٌ على حفظ الدِّين، وقالوا إن القاعدة الفقهية الشرعية تقول:”صحةُ الأبدانِ مُقَدَّمةٌ على صحةِ الأديان” كلامٌ فيه نظرٌ، ولا يوجد قاعدةٌ فقهيةٌ بهذا المعنى عند الفقهاء، وما ذكروه فهو من كلامِ العامة، ولا يصح ما زعمه الزاعمون أنها من القواعد الفقهية الراسخة في الدِّين! ومثله قول العامة: “مراعاةُ الأبدان خيرٌ من مراعاة الأديان” وقولهم “صلاحُ الأبدان أولى من صلاح الأديان ” فهذه كلها ليست قواعدَ فقهية.

وأن هنالك خمس ضروريات جاء دين الإسلام بحفظها والمحافظة عليها وصيانتها وهي: الدِّين، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ أو العِرْضُ ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ.

وأن جمهور العلماء وخاصةً المحقّقين من علماء المقاصد، قدَّموا الدِّين على النفس، وجعلوه في الرتبة الأولى من الضروريات؛ لأن الدِّين هو الأساسُ الذي تقوم عليه باقي الضَّروريات.

وأنه يوجد قولٌ آخر في المسألة بتقديم حفظ النفس على حفظ الدِّين، وهذا القول مرجوحٌ وإن كان له حظٌ من النظر.

وأنه على كلا القولين فإن حفظ النفس من مقاصد الشرع، وهو من الضروريات الخمس التي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالةً قاطعةً على وجوب المحافظة عليها، وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها، فحفظُ نفس الإنسان يأتي في المرتبة الثانية بعد حفظ الدِّين على الراجح من أقوال العلماء.

والله الهادي إلى سواء السبيل

السبُّ والشتمُ لأهل العلم الشرعي على مواقع التواصل الاجتماعي

يقول السائل:ما قولكم في ظاهرة سبِّ وشتمِ أهل العلم على مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد الخلاف في الرأي،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:كثُر في أيامنا هذه استعمالُ مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر واليوتيوب وغيرها، ومعلوم أنها من وسائل النشر سريعة الانتشار، وقد قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام:[للوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام 1/46.

وقال الإمام القرافي:[اعلم أن الذريعة كما يجب سدُّها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريمٍ وتحليلٍ، غير أنها أخفض رتبةً من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلةً الوسيلة] الفروق 2/33.

واستعمالُ مواقع التواصل الاجتماعي، خاضعٌ للضوابط الشرعية، ومن أهمها أنه لا يجوز شرعاً استعمالها كمنصاتٍ للسبَّ والشَتمِ للناسِ عامةً وسبِّ وشتمِ أهل العلم الشرعي خاصةً بسبب الخلاف في مسائل العلم الشرعي.

ثانياً:إن الطعنَ واللعنَ والسبَّ والشتم والفُحش ليست من أخلاق المؤمنين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَكْمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَاناً أَحسَنُهُم خُلُقاً، وخيارُكُم خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وقد وردت أقوالٌ كثيرةٌ عن السلف والعلماء في ذمِّ الفُحش والبذاءة والطعن واللعن والسب والشتم منها:قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:(ألأَمُ خُلُقِ المؤمن، الفُحْش).

ورأى أبو الدرداء رضي الله عنه امرأةً سليطةَ اللسان، فقال: (لو كانت هذه خرساء، كان خيراً لها).

وقال إبراهيم بن ميسرة: (يقال: الفاحش المتفحش يوم القيامة، في صورة كلبٍ، أو في جوف كلب).

وقال عون بن عبد الله: (ألا إنَّ الفحش والبذاء من النفاق، وهن مما يزدن في الدنيا، وينقصن في الآخرة، وما ينقصن في الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا).

وقال الأحنف بن قيس:(أولا أخبركم بأدوأ الداء: اللسان البذيء، والخلق الدنيء).

وقال الأصمعي: (جرى بين رجلين كلام، فقال أحدهما لصاحبه: لمثل هذا اليوم كنت أدع الفحش على الرجال. فقال له خصمه: فإني أدع الفحش عليك اليوم؛ لما تركت قبل اليوم).

وقال ابن حبان البستي: (إنَّ الوقح إذا لزم البذاء، كان وجود الخير منه معدومًا، وتواتر الشر منه موجودًا، لأنَّ الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها، فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها).

وقال القرطبي: (والبذيء اللسان يسمَّى سفيهًا؛ لأنَّه لا تكاد تتفقُ البذاءةُ إلا في جُهال الناس، وأصحاب العقول الخفيفة).

وقال القاسمي: (كلام الإنسان، بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل، وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام).

وقال بعض الحكماء: لا تضع معروفك عند فاحش، ولا أحمق، ولا لئيم؛ فإن الفاحش يرى ذلك ضعفًا، والأحمق لا يعرف قدْرَ ما أتيت إليه، واللئيم سبخة -السبخة: أرض ذات نز وملح- لا ينبت ولا يثمر، ولكن إذا أصبت المؤمن؛ فازرعه معروفك تحصد به شكرًا). dorar.net/akhlaq

إن الذين يسبون ويشتمون إنما يعبرون عن حقيقة نفوسهم المريضة، كما يقول الطب النفسي: حين يلجأُ الإنسانُ الى استخدامِ الألفاظ الساقطة أخلاقياً، وحينما يعتادُ على السبِّ والشتائم في التعبير عن رأيه، إنما يُعبِّر عن إفلاسه الفكري، ومستواه المنحط أخلاقياً، وإن هذه النوعية من البشر تُصبح فيروساً ضاراً وخطيراً على المجتمع.

ثالثاً: لا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي، فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم، وأهل العلم لهم حرمةٌ. وقد وردت نصوصٌ كثيرةٌ في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي:[بابُ توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم]،ثم ذكر قولَ الله تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} سـورة الزمر الآية 9، ثم ساق الإمامُ النووي طائفةً من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار،وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص 187-192.

ومما ورد في احترام العلماء قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ) رواه أحمد والحاكم، وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب 1/152.

وعن عبد الرحمن بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(خيارُ عباد الله الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى، وشرارُ عباد الله الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، والمفرِّقون بين الأحبة، الباغونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ) رواه أحمد والمنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه أحمد عن شهر عنه وبقية إسناده محتجٌ بهم في الصحيح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه لغيره العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحبُ العقيدة الطحاوية المشهورة:[وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص 554.

وقد حذر العلماء من سبِّ العلماء ومن الوقيعة بهم، فقد ورد عن الإمام أبي العباس الأذرعي الشافعي قوله:[الوقيعةُ في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب] حرمة أهل العلم ص 319.

ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغلٌ إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويحاول هؤلاء الصبية من أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة تشويهَ صورة العلماء، وتنفير عامة الناس منهم، بوصفهم هؤلاء العلماء بأنهم علماء السلاطين، كما زعم هؤلاء النكرات، ويظنون أنهم بفعلتهم

الشنيعة هذه ينالون مكانةً في المجتمع، وعلى هؤلاء أن يعلموا أن الأمة لا تحترمُ ولا تُقدرُ إلا من يحترم العلماء.

والأصل في المسلم الصادق أنه لا يتخذ وسائل التواصل الاجتماعي محلاً للتجريح والسبِّ والشتمِ، بل يتخذها وسائل لنشر الدعوة والعلم الشرعي والأخلاق الحميدة، ولا يتخذها محلاً للتجريح والسبِّ والشتم وخاصةً في حقِّ العلماء، إلا أشباه طلبة العلم من أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة، ومن سار على نهجهم، ممن تضيق صدورهم بالخلاف، حتى في مسائل الفروع، هؤلاء المطايا الذين يستعملهم أعداءُ الإسلام من حيث يشعرون أولا يشعرون، ليشوهوا العلماء والدعاة المشهود لهم بحُسن السيرة والعلم، يتخذون السبَّ والشتم والتجريح وسيلةً للتسلق. هؤلاء يسلطون ألسنتهم القذرة على العلماء والدعاة، بينما نجد أن أعداء الإسلام من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين واليهود والنصارى يسلمون من ألسنتهم، هؤلاء ينطبق عليهم ما قاله إياسُ بن معاوية المُزني أحدُ سلف هذه الأمة المباركة، فعن سفيان بن حسين قال:(ذكرتُ رجلاً بسوءٍ عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والتُرك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الرومُ والسِّندُ والهندُ والتُركُ، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟ !قال: فلَم أعُد بعدها)البداية والنهاية لابن كثير 13/121.

وقال بكر بن عبد الله:(إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب النَّاس، ناسياً لعيبه، فاعلموا أنَّه قد مُكِرَ به) صفة الصفوة 3/249.

وقال الإمام أحمد:(ما رأيت أحداً تكلم في الناس وعابهم إلا سقط).

وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}:[وهذا كله حضٌ على مكارم الاخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مُداهنةٍ، ومن غير أن يتكلم معه بكلامٍ يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناسٌ ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدةٌ، فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي؟] تفسير القرطبي 2/16.

وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية عندما وصف أمثال هؤلاء بالذباب، إذ قال:[إنَّ بعض الناس لا تراه إلا مُنتقداً داءً، يَنسى حسنات الطوائف والأجناس، ويذكر مثالبهم، فهو مثل الذباب يترك مواضع البرد والسلامة، ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج]

islamport. com/w/amm/Web/2571/11136

وصدق الشاعر إذ قال:

شرُّ الورى بمساوي الناس مشتغلٌ مثل الذباب يُراعي موضع العلل

وقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء:[ إنما نحترمك ما احترمت الأئمة].

وما أحسن هذه الكلمة النَيِّرةِ المضيئةِ التي قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله:[ اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}]

وعلى هؤلاء الشاتمين للعلماء المستترين تحت أسماء وهمية على صفحات التواصل الاجتماعي أن يعلموا

أن الله سيحاسبهم على طعنهم وسبهم وشتمهم يوم القيامة، وعلى كل خائضٍ في أعراض العلماء ظلماً وعدواً إن حُمل عنه ذلك، واقتدي به فيه، فقد سنَّ سيئةً، فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال على الشر كفاعله، والسعيد مَنْ إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى:{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}سورة يــس الآية 12. www.dorar.net

وقال الشاعر:

وما من كاتبٍ إلا سيلقى غداةَ الحشرِ ما كتبت يداهُ

فلا تكتبْ بكفكِ غيرَ شيءٍ يسُركَ في القيامةِ أن تراهُ

رابعاً: أقول لهؤلاء الذين تضيق صدورهم بالخلاف الفقهي في الفروع، والذين يحجرون واسعاً،إن المقرر عند أهل العلم أن الخلاف في الفروع الفقهية موجودٌ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الفروع كثيرةٌ، وهنالك علمٌ مستقلٌ يسمى علم [أسباب اختلاف الفقهاء] وقد ألفَّ فيه العلماءُ قديماً وحديثاً، فمن المؤلفات فيه:”الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم” لعبد الله البطليوسي، و”رفعُ الملام عن الأئمة الأعلام” لشيخ الإسلام ابن تيمية، و”الإنصاف في أسباب الخلاف” للدهلوي، و”أسباب اختلاف الفقهاء” لعلي الخفيف، و”أسباب اختلاف الفقهاء” للتركي وغيرها.

ولا بد لطلبة العلم الشرعي أن يدرسوا أسباب اختلاف الفقهاء، حتى يكونوا على بينةٍ من اختلافات العلماء، وحتى لا يقعوا في أعراض العلماء بالتجهيل والسبِّ والشتم.

وقد قرر العلماءُ أن الخلافَ في مسائل الفروع على نوعين:

الأول: خلافٌ سائغٌ مقبولٌ معتبرٌ، وهو اختلافُ العلماء في مسائل الفروع التي ليس فيها نصٌ صحيحٌ صريحٌ، أو لا يوجد فيها نصوصٌ أصلاً، وليست مجمعاً عليها، أي هي من المسائل التي للاجتهاد فيها مسرحٌ، وهذا الخلافُ يوصف بالخلاف القوي، ومعلومٌ أن هذا الخلاف المعتبر له أسبابه، وهي أسباب الاختلاف السائغ المقبول، كما هو معروف في علم “أسباب اختلاف الفقهاء”.

وهذا الخلاف يتكلم فيه العلماء فقط، وليس العوام وأشباه المتعلمين، وأدعياء الوعي والفكر والثقافة ونحوهم من الحزبيين، الذين تجاوزا الحدود بالسبِّ والشتمِ والطعنِ في أعراض العلماء ونياتهم، والواحدُ من هؤلاء لا يعرفُ كوعَه من بوعِه؟ هؤلاء تجرؤوا على الفتوى وهم جاهلون بمبادئ العلم الشرعي، وأدعياء العلم هؤلاء اقتحموا هذه العقبة الكؤود، ولم يستعدوا لها، فلو سألت أحدهم عن مبادئ وقواعد أصول الفقه، لما عرفها، فلو سألته ما العام؟ وما الخاص؟ وما المطلق وما المقيد؟ وما القياس ؟ وما الحديث المرسل؟ لما أحرى جواباً. ولو سألته عن أمهات كتب الفقه المعتبرة لما عرفها، ولو سألته عن آيات الأحكام من كتاب الله وعن أحاديث الأحكام من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عرف شيئاً.

وأبعدُ من هؤلاء عن العلم الشرعي الذين يُنظِّرون لهم، ممن يتخذون لباساً أكبر من مقاسهم، وينطبق عليهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:( المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي:[قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل، فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور] شرح النووي على صحيح مسلم 4/291.

ولا شك أن صفة التعالم داخلةٌ في هذا الحديث وما كان في معناه، وآفة التعالم قديمة جديدة، فالمتعالمون موجودون في كل عصرٍ وأوان، وقد ابتليت الأمة بالمتعالمين، الذين يظهرون في لباس العلماء، وحقيقتهم جهلٌ فاضحٌ، بل جهلٌ مركبٌ، فهم جاهلون ويجهلون أنهم جاهلون. وهؤلاء المتعالمين ذوي ألسنةٍ حدادٍ يسلطونها على أهل العلم، المتقدمين منهم والمتأخرين، فيسفهون أقوالهم ويلمزونهم، وينتقصونهم، ويلصقون كل مذمةٍ بهم، وفي زماننا هذا كثر المتعالمون، خاصة مع انتشار

الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي، وآفة هؤلاء المتعالمين أنهم لم يتعلموا قبل أن يتصدروا، فهم قد تزببوا قبل أن يتحصرموا، أي صاروا زبيباً قبل أن يصيروا حصرماً. وأنى لإنسانٍ أن يصير عالماً قبل أن يتعلم، بل قبل أن يتعب في طلب العلم على العلماء، فمن لم يحن ركبتيه في مجالس العلماء، لا يجوز أن تُحنى عنده الركب، ومن لم يحصل العلم كيف له أن يُعلم غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، فهؤلاء المتعالمين ليسوا من حملة الشهادات الشرعية، ولا هم من ممن درسوا على العلماء، فتعلموا منهم فصاروا علماء مثلهم، وإنما تعلموا من قراءة بعض الكتب، فظنوا أنفسهم علماء يشار لهم بالبنان. وينطبق عليهم قول الشيخ ابن دقيق العيد:يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ ومن أنتمو حتى يكون لكم عندُ

ولله درُّ أبي العلاء المعريّ عندما قال: مفرقاً بين الحالين:

من الناسِ من لفظُهُ لؤلؤٌ يبادرُه اللقطُ إذ يُلفَظُ

وبعضهُمُ لفظُهُ كالحصى يُقالُ فيُلغَى ولا يُحفَظُ

النوع الثاني: خلافٌ غيرُ سائغٍ ولا مقبولٍ، بل مردودٌ غيرُ معتبرٍ. ويكون فيما إذا خالف أحدٌ نصاً صريحاً من القرآن الكريم أو خالف نصاً من السنة النبوية قطعي الدلالة، أو خالف إجماعاً صحيحاً، أو ناقض المسلَّمات الشرعية، أو تعارض مع مقاصد الشريعة الغراء. كمن يقول بتحليل الربا، أو شرب الخمر ويزعم أن الخمر غير محرمة في كتاب الله عز وجل، أو يقول بأن الزنا باستعمال الواقي لا يعتبر زناً شرعاً، ونحو ذلك من الأباطيل. وهذا هو الخلاف الضعيف، وذلك لضعف دليله، وهذا الخلافُ يجب فيه الإنكار، لأنه خلافٌ غيرُ معتبرٍ، وليس له أي قيمةٍ علميةٍ عند العلماء. قال أبو الحسن بن الحصار المالكي:

وليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتبراً إلا خلافٌ له حظٌ من النَّظرِ

وخلاصة الأمر:

أن استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، خاضعٌ للضوابط الشرعية، ومن أهمها أنه لا يجوز شرعاً استعمالها كمنصاتٍ لسبَّ وشَتمِ الناسِ عامةً وسبِّ وشتمِ أهل العلم الشرعي خاصةً بسبب الخلاف في مسائل العلم الشرعي.

وأن الطعنَ واللعنَ والسبَّ والشتم والفُحش ليست من أخلاق المؤمنين لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ).

وأن الذين يسبون ويشتمون العلماء إنما يعبرون عن حقيقة نفوسهم المريضة.

وأن احترامَ العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي، فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم، وأهل العلم لهم حرمةٌ. وقد وردت نصوصٌ كثيرةٌ في تقدير العلماء واحترامهم.

وأن المسلم الصادق لا يتخذُ وسائلَ التواصل الاجتماعي محلاً للتجريح والسبِّ والشتمِ، بل يتخذها وسائل لنشر الدعوة والعلم الشرعي والأخلاق الحميدة.

وأنه لا يتخذها محلاً للتجريح والسبِّ والشتم وخاصةً في حقِّ العلماء، إلا أشباه طلبة العلم من أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة، ومن سار على نهجهم، ممن تضيق صدورهم بالخلاف، حتى في مسائل الفروع.

وأن من المقرر عند أهل العلم أن الخلاف في الفروع الفقهية موجودٌ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الفروع كثيرةٌ، وهنالك علمٌ مستقلٌ يسمى علم [أسباب اختلاف الفقهاء].

وأن الخلاف المعتبر في الفروع الفقهية يتكلمٌ فيه العلماء فقط، وليس العوام وأشباه المتعلمين، وأدعياء الوعي والفكر والثقافة ونحوهم من الحزبيين، الذين تجاوزا الحدود بالسبِّ والشتمِ والطعنِ في أعراض العلماء ونياتهم، والواحدُ من هؤلاء لا يعرفُ كوعَه من بوعِه؟

والله الهادي إلى سواء السبيل