تأثيرُ انتشارِ “فيروس كورونا” على المعاملاتِ الماليةِ

السؤال: سألني عددٌ من المواطنين مجموعةَ أسئلةٍ تتعلقُ بمعاملاتٍ ماليةٍ تأثرت بسبب انتشار “فيروس كورونا” وأقتصر على الأسئلة المتعلقة بعقدِ الإجارة وهي:

(1) حجْزُ قاعات الأفراح وحجْزُ بدلات الأعراس، وقد أُغلقت القاعات وأُجلت الأعراس، فما هو مصير المبالغ التي دفعت كعربون؟

(2) سائقٌ ينقل الطلاب بالأجرة وتوقف عن النقل بسبب إغلاق المدارس والروضات، فماذا يستحقُ من الأجرة السنوية المتفق عليها مع أولياء أمور الطلبة؟

(3) المساكنُ المؤجرةُ للطلبة وقد أُغلقت الجامعات وعاد الطلبةُ لمدنهم وقراهم، هل يستحقُ أصحاب المساكن الأجرة ؟ وقد طلب المواطنون بيان الحكم الشرعي في الحالات المذكورة.

الجواب:

أولاً: إن الانتشار الكبير “لفيروس كورونا” عالمياً يعتبر جائحةً من الجوائح كما هو مقررٌ عند الفقهاء، وقد أعلنت منظمةُ الصحة العالمية أن انتشارَ “فيروس كورونا” المستجد جائحةٌ عالميةٌ، وفقاً لمديرها، حيث قال:” لم نرَ من قبل جائحةً يُشعل شرارتها “فيروس كورونا” كما لم نشهدْ جائحةً لا يمكنُ السيطرةُ عليها”.

والجائحةُ عند الفقهاء كما قال ابن القاسم من المالكيّة: كلُّ شيءٍ لا يُستطاع دفعهُ لو عُلم به. وتقسم إلى قسمين:

جائحةٌ لا دخلَ لآدميٍّ فيها، وتسمَّى سماويّة، أي لا علاقة للبشر بها، كالثلوج والفيضانات والزلازل والأعاصير والجراد والآفات التي تُهلك الثمار والأوبئة كالطاعون “وفيروس كورونا” وغيرها من الكوارث الطبيعية.

وجائحةٌ من قبل الآدميّ كفعل السّلطان والجيوش ونحوها وما تسببه من دمارٍ وخرابٍ في الممتلكات.

انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 15/42، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية 1/515.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ الجائحةُ هي الآفاتُ السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحدٍ، مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك…وإن أتلفها من الآدميين من لا يمكن ضمانه كالجيوش التي تنهبها واللصوص الذين يخربونها، فخرَّجوا فيه وجهين:أحدهما:ليست جائحةً،لأنها من فعل آدمي. والثاني: وهو قياس أصول المذهب أنها جائحةٌ، وهو مذهب مالك…ولهذا لو كان المُتلفُ جيوشَ الكفار أو أهل الحرب كان ذلك كالآفة السماوية] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 30/278.

وقد اعتبر بعضُ الفقهاء الأوامرَ التي تصدر من السلطان والتشريعات الصادرة من الدولة جائحةً، إذا كان لها تأثيرٌ علـى الالتزامـات المتبادلة بين المتعاقدين، فتحمَّل أحدُهما خسارةً كبيرةً لم يلتزمها بالعقد، فقد نصَّ بعض فقهاء المالكية على أن الإجارة تفسخ إذا أمرَ السلطانُ بإغلاق الحوانيت، بحيث لا يتمكن مـستأجرُها من الانتفاع. انظر أثر العذر والجوائح على الالتزامات العقدية في الفقه الإسلامي مقارنة بنظرية الظروف الطارئة في القانون المدني الجزائري ص 52.

وذهب غالبية الفقهاء إلى أن التشريعات والأوامر الإدارية تعتبر ظروفاً طارئةً. المصدر السابق ص 54.

ثانياً: من المقرر عند الفقهاء أن الإجارة عقدُ معاوضةٍ على تمليك منفعةٍ بعوضٍ. الموسوعة الفقهية الكويتية 1/252.

وبناءً عليه فإن عقد إجارة القاعات والمساكن والسيارات عقدٌ واردٌ على المنافع، وهنالك ضوابط شرعية لا بدَّ منها حتى يصحَ العقدُ على المنفعة، ومنها أن تكون المنفعةُ مقدورةَ الاستيفاء حقيقةً وشرعاً، ليتمكن المستأجرُ من الانتفاع منها، وأن يتحقق الانتفاعُ بالمنفعة المستأجرة حقيقةً، لذلك كان من المقرر في مذهب الحنفية أن الأجرة لا تُملك بمجرد العقد؛ بل بالاستيفاء، أي تلزمُ الأجرةُ بتحقق انتفاع المستأجر من المنفعة.

جاء في المادة(469) من مجلة الأحكام العدلية وهي القانون المدني المطبق في بلادنا:[ تلزم الأجرةُ باستيفاء المنفعة.]

ثالثاً: نظراً للانتشار الكبير “لفيروس كورونا” عالمياً واعتباره جائحةً من الجوائح السماوية، فتطبقُ عليه أحكامُ الجوائح في الفقه الإسلامي كما قرره جمهور فقهاء المسلمين، قال الحافظ ابن عبد البر:[وممن قال بوضع الجوائح هكذا مجملاً أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس وأصحابه وهو قول عمر بن عبد العزيز وبوضع الجوائح كان يقضي رضي الله عنه وبه قال أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث وأهل الظاهر ]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 2/195-196.

ويضاف إلى ذلك الحنفية حيث قالوا إنه إذا تعذر استيفاءُ المنفعة فيصارُ إلى فسخ العقد في المدة الباقية منه.

وتنزيلُ ما قرره الفقهاء على هذه النازلة -انتشار”فيروس كورونا”- يظهرُ في إسقاط الأجرة في حالة عدم استيفاء المنفعة في عقد الإجارة، كما هو حاصلٌ بالنسبة لحجز قاعات الأفراح وحجز بدلات الأعراس، فالمطلوب من المؤجرين ردُّ المبالغ التي دفعت كعربون، لأن المنفعة لم تتحقق للمستأجرين، بسبب إغلاق القاعات وتأجيل الأعراس لجائحةٍ لا دخلَ للمستأجرين بها.

وكذلك الحالُ بالنسبة لسائقي الحافلات التي تنقلُ الطلاب بالأجرة، فهم يستحقون الأجرةَ عن الأيام التي تمَّ فيها نقلُ الطلاب، ولا يستحقون الأجرةَ عن بقية السنة التي تعاقدوا عليها مع أولياء أمور الطلبة، لأن النقل توقف بسبب إغلاق المدارس والروضات، لجائحةٍ لا دخل للمستأجرين بها.

وكذلك الحالُ بالنسبة لأصحاب المساكن المؤجرة للطلبة فهم يستحقون الأجرةَ عن المدة التي سكنها الطلاب فعلاً، ولا يستحقون الأجرةَ عن المدة التي لم يسكنوا فيها بسبب إغلاق الجامعات، وكل ذلك ناتجٌ عن جائحةٍ لا دخل للمستأجرين بها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ ولا خلاف بين الأمة أن تعطلَ المنفعة بأمرٍ سماويٍ يوجبُ سقوطَ الأُجرة أو نقصها أو الفسخ، وإن لم يكن للمستأجر فيه صنعٌ، كموت الدابة وانهدام الدار وانقطاع ماء السماء، فكذلك حدوثُ الغرق وغيره من الآفات المانعة من كمال الانتفاع بالزرع ] مجموع الفتاوى 30/293-294 .

وقَالَ أبو القاسم الخرقي الحنبلي:[فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ، يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، لَزِمَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ] المغني 6/25.

وقال الشيخ ابن حزم الظاهري:[وكذلك إن اضطر المستأجرُ إلى الرحيل عن البلد أو اضطر المؤاجرُ إلى ذلك, فإن الإجارة تنفسخ إذا كان في بقائها ضررٌ على أحدهما, كمرضٍ مانعٍ, أو خوفٍ مانعٍ, أو غير ذلك, لقول الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} سورة الانعام الآية 119,وقال تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} سورة الحج الآية 78، وهو قول أبي حنيفة…قال قتادة: إذا حدثت نازلةٌ يُعذر بها لم يلزمه الكِراء -الأجرة-] المحلى 9/11-12.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه:[ وتثبت الجائحةُ في حانوتٍ أو حمامٍ نقص نفعهُ، وحكم بذلك أبو الفضل سليمان بن جعفر المقدسي، قال أبو العباس: لكنه خلاف ما رأيته عن الإمام أحمد وقياسُ أصول أحمد ونصوصه: إذا تعطل نفعُ الأرض بآفة انفسخت الإجارةُ فيما بقي من المدة كاستهدام الدار ولو يبست الكروم بجراد أو غيره سقط من الخراج بسبب ما تعطل من النفع وإذا لم يمكن الانتفاع به ببيع وإجارة أو عمارة أو غير ذلك لم تجز المطالبة بالخراج] الاختيارات الفقهية ص192-193.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً:[إذا استأجر ما تكون منفعةُ إيجاره للناس مثل: الحمام, والفندق, والقيسارية – سُوقٌ كَبِيرٌ- ونحو ذلك. فنقصت المنفعةُ المعروفة, مثل أن ينتقل جيران المكان, ويقلَّ الزبون لخوفٍ أو خرابٍ, أو تحويل ذي سلطان لهم, ونحو ذلك فإنه يحط عن المستأجر من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة المعروفة ] مجموع الفتاوى30/311.

وسُئل شمس الأئمة الحلواني الحنفي عمَّن استأجر حماماً في قرية فنفر النـاسُ ووقع الجلاء ومضت مدةُ الإجارة، هل يجب الأجر؟ قال: إن لم يستطع الانتفاع بالحمام فلا تجب الأجرة. حاشية ابن عابدين 9/106.

وورد في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابعة لرابطة العالم الإسلامي المتعلق بالظروف الطارئة وتأثيرها في الحقوق والالتزامات العقدية:[الإجارة يجوز للمستأجر فسخها بالطوارئ العامة التي يتعذر فيها استيفاء المنفعة، كالحرب والطوفان ونحو ذلك، بل الحنفية يسوغون

فسخ الإجارة أيضًا بالأعذار الخاصة بالمستأجر، مما يدل على أن جواز فسخها بالطوارئ العامة مقبولٌ لديهم أيضًا بطريق الأولوية، فيمكن القول: إنه محلُّ اتفاقٍ. وما يذكره العلماء في الجوائح التي تجتاحُ الثمار المبيعة على الأشجار بالأسباب العامة، كالبرد والجراد وشدة الحر والأمطار والرياح ونحو ذلك، مما هو عامٌ، حيث يقررون سقوطَ ما يقابل الهالك بالجوائح من الثمن، وهي قضيةُ الجوائح المشهورة في السنة والفقه.

وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقرر كثير من فقهاء المذاهب في الجوائح التي تجتاح الثمار ببرد أو صقيع، أو جراد، أو دودة، ونحو ذلك من الآفات، أنها تسقط من ثمن الثمار التي بيعت على أشجارها، ما يعادل قيمة ما أتلفته الجائحة، وإن عمَّت الثمرَ كله تسقط الثمن كله.

ويرى مجلس المجمع الفقهي في هذا الحل المستمد من أصول الشريعة تحقيقًا للعدل الواجب بين طرفي العقد، ومنعًا للضرر المرهق لأحد العاقدين، بسببٍ لا يدَ له فيه، وأن هذا الحل أشبه بالفقه الشرعي الحكيم، وأقرب إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة وعدلها] بتصرف واختصار.

وورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي المتعلق بالانهيار الكبير للقوة الشرائية لبعض العملات:[ الأخذ في هذه الأحوال الاستثنائية بمبدأ (وضع الجوائح) الذي هو من قبيل مراعاة الظروف الطارئة.]

وورد في القانون المدني الأردني فيما يتعلق بالآفات السماوية[المادة (720) اذا غلب الماء على الارض المأجورة حتى تعذر زرعها او انقطع الماء عنها واستحال ريها او اصبح ذا كلفة باهظة أو حالت قوةٌ قاهرةٌ دون زراعتها فللمستأجر فسخ العقد ولا تجب عليه الأجرة.

وفي المادة (721) إذا هلك الزرع قبل حصاده بسبب لا يدَ للمستأجر فيه وجب عليه من الأجرة بقدر ما مضى من المدة قبل هلاك الزرع وسقط عنه الباقي إلا إذا كان في استطاعته أن يزرع مثل الأول فعليه حصة ما بقي من المدة]

رابعاً: من المقرر شرعاً أن للجوائح أثراً واضحاً في التخفيف عمَّن أصابته، ويدل على ذلك عدة أحاديث وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم منها:

عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟) رواه مسلم.

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرََّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟) رواه مسلم.

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أمرَ بوضعِ الجوائح ) رواه مسلم.

ويؤخذ من هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ بوضع الجوائح، حتى لا يأكل المسلمُ مالَ أخيه بالباطل، وهذه الأحاديث تدل على أن وضع الجوائح واجبٌ شرعاً، خلافاً لمن قال من الفقهاء إنه مستحبٌ، لأنه لو لم يكن واجباً لما قال النبي صلى الله عليه وسلم (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟) وهذا التعبير لا يكون في ترك المستحب، إنما يكون في ترك الواجب، فالصواب أن وضع الجوائح واجبٌ، وهذا هو القول الراجح.saadalkhathlan.com/2735

خامساً: أرى أن هذه النازلة – انتشار”فيروس كورونا”- يجب أن تُرَسِّخ مبدأَ التراحمِ بين المسلمين، وهو مبدأٌ شرعيٌ عظيمٌ قامت عليه الأدلةُ الكثيرةُ من القرآن الكريم والسنة النبوية، قال الله تعالى:{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}سورة البلد الآية 17.

وقال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} سورة الفتح الآية 29.

وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ) رواه البخاري.

وفي رواية أخرى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا يَرحمُ اللهُ مَن لا يرحَمُ النَّاسَ) رواه البخاري.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ. ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ، الرَّحمُ شَجْنةٌ منَ الرَّحمنِ فمن وصلَها وصلَهُ اللَّهُ ومن قطعَها قطعَهُ اللَّهُ) رواه أبو داود والترمذي وقال:هذا حديث حسن صحيح. والشَجْنةُ أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق. النهاية في غريب الحديث 2/447.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر:(ارْحَمُوا تُرْحَمُوا وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم 482 .وغير ذلك من النصوص .

وخلاصة الأمر:

أن الانتشار الكبير “لفيروس كورونا” عالمياً يعتبر جائحةً من الجوائح كما هو مقررٌ عند الفقهاء وهي جائحةٌ لا دخلَ لآدميٍّ فيها.

وأن عقد إجارة القاعات والمساكن والسيارات عقدٌ واردٌ على المنافع، ولا بدَّ أن تكون المنفعةُ مقدورةَ الاستيفاء حقيقةً وشرعاً، ليتمكن المستأجرُ من الانتفاع منها.

وأنه من المقرر في مذهب الحنفية أن الأجرة لا تُملك بمجرد العقد؛ بل بالاستيفاء، أي تلزمُ الأجرةُ بتحقق انتفاع المستأجر من المنفعة.

وأن جمهور الفقهاء قالوا بتأثير الجوائح السماوية في عقد الإجارة بالتخفيف.

وأن تنزيل ما قرره الفقهاء على هذه النازلة -انتشار”فيروس كورونا”- يظهر في إسقاط الأجرة في حالة عدم استيفاء المنفعة في عقد الإجارة، كما هو حاصل بالنسبة لحجز قاعات الأفراح وحجز بدلات الأعراس، ونقل الطلاب بالأجرة والمساكنُ المؤجرةُ للطلبة.

وأن المطلوب من المؤجرين ردُّ المبالغ التي دفعت كعربون، لأن المنفعة لم تتحقق للمستأجرين، بسبب إغلاق القاعات وتأجيل الأعراس لجائحةٍ لا دخلَ للمستأجرين بها.

وكذلك الحال بالنسبة لسائقي الحافلات التي تنقل الطلاب بالأجرة، فهم يستحقون الأجرة عن الأيام التي تمَّ فيها نقلُ الطلاب، ولا يستحقون الأجرة عن بقية السنة التي تعاقدوا عليها مع أولياء أمور الطلبة، لأن النقل توقف بسبب إغلاق المدارس والروضات، لجائحةٍ لا دخلَ للمستأجرين بها.

وكذلك الحال بالنسبة لأصحاب المساكن المؤجرة للطلبة فهم يستحقون الأجرةَ عن المدة التي سكنها الطلاب فعلاً، ولا يستحقون الأجرة عن المدة التي لم يسكنوا فيها بسبب إغلاق الجامعات، وكل ذلك ناتجٌ عن جائحةٍ لا دخلَ للمستأجرين بها.

وأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أوجبت التخفيف عمَّن أصابته الجوائح.

وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم (فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟) يدل على وجوب وضع الجوائح، وهو القول الراجح.

وأن هذه النازلة – انتشار”فيروس كورونا”- يجب أن تُرَسِّخ مبدأَ التراحم بين المسلمين، وهو مبدأٌ شرعيٌ عظيمٌ قامت عليه الأدلةُ الكثيرةُ من القرآن الكريم والسنة النبوية.

والله الهادي إلى سواء السبيل

حكمُ بيعِ التاجرِ السلعةَ بأسعارٍ مختلفةٍ

يقول السائل: أنا تاجرُ جُملةٍ أبيعُ سلعةً لتاجرٍ يعاني من ضائقةٍ ماليةٍ بسعرٍ أقلَّ مما أبيعها لغيره، فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: الأصلُ المقررُ عند الفقهاء حريةُ التجار في البيع والشراء ضمن ضوابط الشرع وقواعده، كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي عندما بحث مسألة تحديد أرباح التجار حيث قرر ما يلي:

أولاً: الأصلُ الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية تركُ الناس أحراراً في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها، عملاً بمطلق قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(إنما البيعُ عن تراضٍ) رواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 5/125.

ثانياً: ليس هناك تحديدٌ لنسبةٍ معينةٍ للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروكٌ لظروفِ التجارةِ عامةً، وظروفِ التاجرِ والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.

ثالثاً: تضافرت نصوصُ الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته، كالغش والخديعة والتدليس والاستغفال، وتزييف حقيقة الربح والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة.

رابعاً: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلا حيث يجد خللاً واضحاً في السوق والأسعار، ناشئاً من عوامل مصطنعة، فإن لولي الأمر حينئذ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة التي تقضي على تلك العوامل وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش.

ثانياً: يجوزُ بيعُ السلع بأقلَّ من سعرِ مثلها في السوق. ولا حرج أن يبيع التاجرُ السلعةَ الواحدةَ بأسعارٍ مختلفة للزبائن، وخاصةً إذا كان في تخفيض السعر مواساةٌ لقريبٍ أو فقيرٍ أو نحو ذلك.

ومعلومٌ أن البيع يكون حسب الاتفاق بين البائع والمشتري، وتراضيهما على السعر لما سبق من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إنما البيعُ عن تراضٍ)، وما دام أن العقد يخلو من الغش والتدليس على المشتري.

وقرر الفقهاء أن تسعير السلع حقٌ لأصحابها، فلا يُحجر عليهم فيها. قال الكمال ابن الهمام الحنفي: [الثَّمَن حَقُّ الْعَاقِدِ فَإِلَيْهِ تَقْدِيرُهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِحَقِّهِ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ دَفْعُ ضَرَرِ الْعَامَّةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ] فتح القدير.

ومعلوم أن الأصل في المعاملات الإباحة، قـال شيخ الإسـلام ابن تيميـة:[والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على تحريمه،

كما لا يُشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرَّمه الله، بخلاف الذين ذمَّهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً، وشرعوا لهم من الدِّين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 28/386.

وقد سئل الشيخ العلامة ابن باز عن حكم الزيادة في ثمن السلعة لزبونٍ دون آخر، فأجاب: الواجب ألا تزيد في قيمة السلعة عما تساويه في السوق، وكونك تُخفض لبعض الزبائن عما تساويه في السوق لا بأس به، إنما الممنوع أن تزيد على بعض الزبائن بثمنٍ أغلى من قيمة السلعة في السوق، خصوصاً إذا كان المشتري يجهل أقيام السلع، أو كان غِرّاً لا يحسن البيع والشراء والمماكسة، فلا يجوز استغلال جهله وغرته والزيادة عليه عن القيمة المعروفة في السوق.]

وسئل أيضاً الشيخ العلامة العثيمين: ما الحكم في تاجرٍ يبيع الأشياء بأسعارٍ مختلفةٍ للناس؟ فأجاب:[ إذا كان هذا الاختلاف بسبب اختلاف السوق، وأن هذه السلعة تزداد يوماً وتنقص يوماً، فهذا لا بأس به أن يبيع بسعر السوق وليس في ذلك محظور…أما كونه يحابي بعض أصحابه وبعض أصدقائه في التنزيل من الثمن، فهذا لا بأس به ولا حرج عليه، أو كونه يبيع السلعة بما تساوي في الأسواق ثم يأتي رجلٌ يلحُ عليه في المماكسة والتنزيل حتى يُنزل له فإن هذا لا يضره ؛ لأنه ما خرج عن السعر المعتاد]

ثالثاً: من المعلوم أن من آداب التاجر المسلم السماحة في البيع والشراء وإنظار المعسر، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) رواه البخاري.وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث في:[ باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقاً فليطلبه في عفاف].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ قوله:(باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع)…والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله يحبُ سَمْح البيع سَمْح الشراء سَمْح القضاء) رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/34.

قال المباركفوري:[ قوله:(إن الله يحب سَمْح البيع) بفتح السين وسكون الميم أي سهلاً في البيع وجواداً يتجاوز عن بعض حقه إذا باع. قال الحافظ: السمح الجواد يقال سمح بكذا إذا جاد والمراد هنا المساهلة.(سمح الشراء سمح القضاء) أي التقاضي لشرف نفسه وحسن خلقه بما ظهر من قطع علاقة قلبه بالمال. قاله المناوي: وللنسائي من حديث عثمان رفعه:(أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً )…وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح. قال المناوي في شرح الجامع الصغير:وأقروه ] تحفة الأحوذي 4/457.

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً إذا باع سهلاً إذا اشترى سهلاً إذا اقتضى) رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/326.

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أدخل الله عز وجل رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً الجنة) رواه النسائي وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/326.

وأما إنظار المعسر فقد قال الله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة الآية 280. وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في دين الربا إلا أن سائر الديون ملحقٌ به لحصول المعنى الجامع بينهما فإذا أعسر المديون وجب إنظاره وهو اختيار الإمام الطبري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبةً منْ كُرب الدُّنْيا نفَّس اللَّه عنْه كُرْبةً منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومَنْ يسَّرَ عَلَى مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْهِ في الدُّنْيَا والآخِرةِ، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَترهُ اللَّه فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، واللَّه فِي عَوْنِ العبْدِ مَا كانَ العبْدُ في عَوْن أَخيهِ، ومَنْ سَلَكَ طَريقًا يلْتَمسُ فيهِ عِلْمًا سهَّل اللَّه لهُ به طَريقًا إِلَى الجنَّة. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بيْتٍ منْ بُيُوتِ اللَّه تعالَى، يتْلُون كِتَابَ اللَّه، ويَتَدارسُونهُ بيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمةُ، وحفَّتْهُمُ الملائكَةُ، وذكَرهُمُ اللَّه فيمَنْ عِندَهُ. ومَنْ بَطَّأَ بِهِ عَملُهُ لَمْ يُسرعْ به نَسَبُهُ) رواه مسلم.

وعن أبي اليسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله في ظل عرشه) رواه مسلم.

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواه مسلم.

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: تَجَوَّزُوا عَنْهُ) رواه مسلم.

وفي رواية عن حذيفة رضي الله عنه قال:( أُتِيَ اللَّهُ بعَبْدٍ مِن عِبَادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَقالَ له: مَاذَا عَمِلْتَ في الدُّنْيَا؟ قالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، قالَ: يا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكانَ مِن خُلُقِي الجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ علَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ، فَقالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُّ بذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عن عَبْدِي. فَقالَ عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأنْصَارِيُّ، هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِن في رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ.) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب.

وبناءً على ذلك فقد قرر الفقهاء أن التاجر المسلم إذا خفَّض السعرَ للمشتري فإنه لا يُلام على ذلك، بل يُمدح ويُشكر وله الأجر والثواب، قال الفقيه المالكي ابن رشد الجد:[ لا يُلام أحدٌ على المسامحة في البيع، والحطيطة فيه، بل يُشكر على ذلك، إن فعله لوجوه الناس، ويُؤجر فيه إذا فعله لوجه الله] البيان والتحصيل 9/305.

وخلاصة الأمر:

أن الأصلَ المقررً عند الفقهاء حريةُ التجار في البيع والشراء ضمن ضوابط الشرع وقواعده.

وأنه يجوزُ بيعُ السلع بأقلَّ من سعرِ مثلها في السوق. ولا حرج أن يبيع التاجرُ السلعةَ الواحدةَ بأسعارٍ مختلفة للزبائن، وخاصةً إذا كان في تخفيض السعر مواساةٌ لقريبٍ أو فقيرٍ أو نحو ذلك.

وأن من آداب التاجر المسلم السماحة في البيع والشراء وإنظار المعسر.

وأن التاجر المسلم إذا خفَّض السعرَ للمشتري فإنه لا يُلام على ذلك، بل يُمدح ويُشكر وله الأجر والثواب.

والله الهادي إلى سواء السبيل

حكمُ تبديلِ الزيتون بالزيت

يقول السائل: في موسم قطف الزيتون، يقوم بعض المزارعين بالاتفاق مع أصحاب معاصر الزيتون باستبدال الزيتون بالزيت،فمثلاً يكون مع المزارع 2 طن زيتون،فيتفق مع صاحب المعصرة أن يعطيه 20 أو 30 تنكة من الزيت،فهل تصح هذه المعاملة،أفيدونا؟

الجواب:

هذه المعاملة معاملةٌ محرمةٌ لما يلي:

أولاً:لأنها معاملةٌ ربويةٌ،فمن المقرر عند جماهير أهل العلم أن الربا يتعدى الأصناف المذكورة في حديث عبادة التالي إلى غيرها إن اتحدت معها في العلة،فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي عنه قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ،وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ،وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ،وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ،وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ،وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ،مِثْلًا بِمِثْلٍ،سَوَاءً بِسَوَاءٍ،يَدًا بِيَدٍ،فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ:فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ،إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) رواه مسلم.فهذا الحديث أصلٌ في بيان الأصناف التي يجري فيها الربا،ولكن العلماء مختلفون في علة تحريم الربا في الأصناف الستة المذكورة في الحديث،ومع ذلك فهم متفقون على أن الأصناف الستة المذكورة في الحديث تنقسم إلى مجموعتين:المجموعة الأولى:الذهب والفضة،والمجموعة الثانية:البر والشعير والتمر والملح،والفقهاء أيضاً متفقون على أن علة التحريم في المجموعة الأولى واحدةٌ،وعلة التحريم في المجموعة الثانية واحدةٌ،أي أن علة التحريم في الذهب والفضة هي غير علة التحريم في البر والشعير والتمر والملح،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة،وعلة الأعيان الأربعة واحدة ثم اختلفوا في علة كل واحدٍ منهما] المغني 4/5.

وقال الشيخ تقي الدين السبكي:[الأمة أجمعت على أن السنة المذكورة في الحديث جملتان متفاضلتان،النقدان والأشياء الأربعة،تنفرد كل جملة بعلتها] تكملة المجموع 10/91.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية 22/64 ما نصه:[اتفق عامة الفقهاء على أن تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها إنما هو لعلة،وأن الحكم بالتحريم يتعدى إلى ما تثبت فيه هذه العلة،وأن علة الذهب والفضة واحدة،وعلة الأجناس الأربعة الأخرى واحدة].

وينبغي أن يعلم أن مسألة تحديد العلة في الأصناف الربوية محلُّ خلافٍ كبيرٍ بين العلماء،فهي مسألة اجتهاديةٌ،وقد تباينت فيه أقوال العلماء:

[فقال الحنفية:العلة:الجنس والقَدْر،وقد عرف الجنس بقوله صلى الله عليه وسلم:(الذهب بالذهب،والحنطة بالحنطة)،وعرف القَدْر بقوله صلى الله عليه وسلم:(مثلاً بمثل)،ويعني بالقَدْر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن،لقوله صلى الله عليه وسلم:(وكذلك كل ما يكال ويوزن)،وقوله صلى الله عليه وسلم:(لا تبيعوا الصاع بالصاعين).

وقال المالكية:علة الربا في النقود مختلفٌ فيها،فقيل:غلبة الثمنية،وقيل:مطلق الثمنية…وعلة ربا الفضل في الطعام الاقتيات والادخار…وعلة ربا النساء مجرد الطعم.

وذهب الشافعية إلى أن العلة في تحريم الربا في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان غالباً.

والعلة في تحريم الربا في الأجناس الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح أنها مطعومة.

وروي عن أحمد بن حنبل في علة تحريم الربا في الأجناس الستة ثلاثُ رواياتٍ:أشهرها أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس،وفي الأجناس الباقية كونها مكيلات جنس…والرواية الثانية:أن العلة في الأثمان الثمنية،وفيما عداها كونه مطعوم جنس…والرواية الثالثة:العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا] الموسوعة الفقهية الكويتية 22/64-67.

وأرجح أقوال العلماء في علة النقدين -الذهب والفضة- أنها مطلق الثمنية.

وأرجح أقوال العلماء في علة الأجناس الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح أنها مطعومة مع الكيل أو الوزن.

وهو القول القديم للشافعي ورواية عن أحمد وبه قال سعيد بن المسيب واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

وبناءً على ما سبق فإن الربا يجري في بيع الزيتون بالزيت على الراجح من أقوال الفقهاء وهو قول الجمهور،لأن الأصل في المطعومات التي تكال وتوزن أنه لا يجوز بيعها بجنسها إلا بالتساوي،فلا يجوز بيع حنطة بحنطة،ولا شعير بشعير إلا بالتساوي والتقابض،فإذا اختلف الجنسان جاز بيعه متفاضلاً،وهذا الكلام ينطبق على ما تفرع عن أجناس المطعومات التي يجري فيها الربا،كما هو الحال في الطحين مع القمح أو الشعير،والسيرج مع السمسم،وكذا الزيت مع الزيتون،ورد في المدونة:[(في الزيتون بالزيت والعصير بالعنب)(قلت)هل يجوز في قول مالك زيت الزيتون بالزيتون؟قال:لا]4/107.

وقال الباجي:[قال مالك:ولا يحل بيع الزيتون بالزيت،لأن المقدار الذي يخرج منه مجهول،وهو مما يعتبر فيه التساوي لتحريم الربا فيه] المنتقى شرح الموطأ.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ولا يجوز بيع شيءٍ من مال الربا بأصله الذي فيه منه،كالسمسم بالشيرج،والزيتون بالزيت،وسائر الأدهان بأصولها،والعصير بأصله،كعصير العنب،والرمان،والتفاح،والسفرجل،وقصب السكر،لا يباع شيء منها بأصله.وبه قال الشافعي وابن المنذر]المغني 4/44.

وقال الشيخ السبكي:[قال المصنف– أي الشيرازي-رحمه الله تعالى:(ولا يجوز بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والعنب بالعصير لأنه إذا عصر الأصل نقص عن العصير الذي بيع به).

(الشرح) امتناع بيع الشيرج بالسمسم كالمتفق عليه بين الأصحاب وكذلك كل دهن بأصله والعنب بعصيره سواء كان العصير مثل ما في الأصل أو أكثر منه أو أقل،وأصل ذلك قاعدة “مُدّ عجوة” وذلك المأخذ ظاهر في السمسم بالشيرج وفي السمسم بشيرج وكسب وهما مقصودان…واعلم أن هذه المسألة – لا يجوز بيع أصله بعصيره – كالمجزوم بها في المذهب وقال رأيت في تعليق الطبري عن ابن أبي هُرَيْرَةَ بَعْدَ أَنْ قَالَ: إنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ لَا يَجُوزُ.قَالَ: وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ بِالزَّيْتُونِ،وَحَكَى الْكَرَابِيسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَائِزٌ.وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَنْقُولَ الْكَرَابِيسِيِّ عَائِدٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا،وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إنَّمَا تَلَقَّوْا حِكَايَةَ الكرابيسى

في الدَّقِيقِ،فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الزَّيْتِ مَعَ الزَّيْتُونِ،فَهُوَ جَارٍ فِي الشَّيْرَجِ مَعَ السِّمْسِمِ،وكل دهن مع أصله،ووافقنا في الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ الشَّيْرَجُ بِالسِّمْسِمِ وَالزَّيْتُ وَالزَّيْتُونُ مَالِكَ وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ] تكملة المجموع 11/133-134.

ثانياً:هذه المعاملة معاملةٌ محرمةٌ لأن فيها غرراً،والغَرَر في اللغة اسم مصدر من التغرير،وهو الخطر،والخدعة،وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة…وعرفه الجرجاني:بأنه ما يكون مجهول العاقبة لا يُدرى أيكون أم لا.الموسوعة الفقهية الكويتية 31/149.

وورد تعريف الغَرَر في المعيار (31) من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بأنه:[صفةٌ في المعاملة تجعلُ بعضَ أركانها مستورة العاقبة (النتيجة)،أو هو: ما تردد أثرُهُ بين الوجود والعدم].

ومن أمثلة الغَرَر المشهورة،بيعُ السمك في الماء،والطير في الهواء،وبيع المجهول،وبيع حيوان لا يزال في بطن أمه جنيناً،وكالبيع مع الجهل بالثمن،

والغرر في حالة بيع الزيتون بكميةٍ معينةٍ من الزيت،أن الزيتون عند عصره قد لا يُعطي تلك الكمية المتفق عليها من الزيت،فيحصل الغرر في هذا البيع،وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغَرَر) رواه مسلم.

قال الإمام النووي:[وأما النهيُ عن بيع الغَرَر فهو أصلٌ عظيمٌ من أصول كتاب البيوع. ولهذا قدَّمه – الإمام- مسلمٌ. ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة،كبيع الآبق والمعدوم والمجهول،وما لا يُقدر على تسليمه،وما لم يتم ملك البائع عليه،وبيع السمك في الماء الكثير،واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن،وبيع بعض الصُّبرة مبهماً،وبيع ثوبٍ من أثوابٍ،وشاةٍ من شياهٍ،ونظائر ذلك.وكل هذا بيعهُ باطلٌ،لأنه غَرَرٌ من غير حاجة]شرح صحيح مسلم 10/156.

ثالثاً:هذه المعاملة معاملةٌ محرمةٌ أيضاً لأنها من باب بيع المزابنة،المزابنة في الاصطلاح الفقهيّ:عرّفها الجمهور بأنّها:بيع الرّطب على النّخيل بتمرٍ مجذوذ،مثل كيله خرصاً-أي ظنّاً وتقديراً-والخرص:الحزر.وذلك بأن يقدّر الرّطب الّذي على النّخل بمقدار مائة صاع مثلاً،بطريق الظّنّ والحزر،فيبيع بقدره من التّمر.

وعرّفها الدّردير من المالكيّة بأنّها:بيع مجهول بمعلوم ربويّ أو غيره.أو:بيع مجهول بمجهول من جنسه.وعرّفها ابن جزيّ المالكي أيضاً بأنّها:بيع شيء رطب،بيابس من جنسه، سواء أكان ربويّاً،أم غير ربويّ.

ووجه دخول بيع الزيتون بالزيت في بيع المزابنة أن المزارع باع طنين من الزيتون بعشرين أو ثلاثين تنكة زيت،فباع معلوماً وهو الزيتون بمجهولٍ وهو الزيت.

وحكم بيع المزابنة عند الفقهاء أنّه بيعٌ فاسد لا يصحّ،وورد النهي عنه كما في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ) رواه مسلم.انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 9/139-140.

قال الحافظ ابن عبد البر:[ومن المزابنة أيضاً بيع السمن بالزبد،واللبن الذي يخرج منه الزبد بزبدٍ، والعصير الحلو بعنبٍ،والزيت بالزيتون،والسمسم بالسيرج،وما كان مثل هذا كله لا يجوز بيع شيءٍ من ذلك بشيءٍ منه على حال] الكافي ص 314.

رابعاً:إذا تقرر أن هذه المعاملة محرمةٌ شرعاً لما ذكرت،فالمخرج من الحرمة أن يُباع الزيتون بالنقود،وبعد قبض النقود يُشترى الزيت.وهذا أمرٌ سهلٌ يبعد الناس عن الحرام،وعن شبهة الحرام أيضاً،ومطلوبٌ من المسلم أن يستبرئ من الشبهات،كما ورد في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الْحَلَالَ بَيِّنٌ،والْحَرَامَ بَيِّنٌ،وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ،فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ،وعِرْضِهِ،ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ،كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى،يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ،أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى،أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ،أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ،وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ،أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ)رواه البخاري ومسلم.

ففي هذا الحديث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأحكام ثلاثة أقسام:الحلال وهو بيِّن،والحرام وهو بينِّ،والثالث:وهو المشتبه به لخفائه،فلا يدري المكلف هل هو حلاٌل أو حرامٌ؟وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراماً فقد بريء من تبعته،وإن كان حلالاً فقد أُجِرَ على تركه بهذا القصد.انظر شرح النووي على صحيح مسلم 11/27.

وقال الإمام ابن دقيق العيد عند شرحه للحديث السابق:[هذا أحد الأحاديث العظام التي عُدَّت من أصول الدين وأُدخلت في الأربعة الأحاديث التي جعلت أصلاً في هذا الباب،وهو أصلٌ كبيرٌ في الورع وترك المتشابهات في الدِّين والشبهات لها مثاراتٌ،منها الاشتباه في الدليل الدال على التحريم أو التحليل وتعارض الإمارات والحجج]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 4/182.

وخلاصة الأمر:

أن بيع المزارع طنين من الزيتون بعشرين أو ثلاثين تنكة زيت معاملةٌ ربويةٌ محرمةٌ شرعاً.

وأن أرجح أقوال العلماء في علة الأجناس الربوية الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح أنها مطعومة مع الكيل أو الوزن.

وأن الربا يجري في بيع الزيتون بالزيت على الراجح من أقوال الفقهاء،لأن الأصل في المطعومات التي تكال وتوزن أنه لا يجوز بيعها بجنسها إلا بالتساوي،فلا يجوز بيع حنطة بحنطة،ولا شعير بشعير إلا بالتساوي والتقابض،فإذا اختلف الجنسان جاز بيعه متفاضلاً.

وأن هذا الكلام ينطبق على ما تفرع عن أجناس المطعومات التي يجري فيها الربا،كما هو الحال في الطحين مع القمح أو الشعير،والسيرج مع السمسم،وكذا الزيت مع الزيتون.

وأن هذه المعاملة معاملةٌ محرمةٌ لأن فيها غرراً،والغَرَر ما يكون مجهول العاقبة لا يُدرى أيكون أم لا.

وأن الغرر في حالة بيع الزيتون بكميةٍ معينةٍ من الزيت،أن الزيتون عند عصره قد لا يُعطي تلك الكمية المتفق عليها من الزيت.

وأن هذه المعاملة معاملةٌ محرمةٌ لأنها من باب بيع المزابنة،ووجه دخول بيع الزيتون بالزيت في بيع المزابنة أن المزارع باع طنين من الزيتون بعشرين أو ثلاثين تنكة زيت،فباع معلوماً وهو الزيتون بمجهولٍ وهو الزيت.

وأن بيع المزابنة عند الفقهاء أنّه بيعٌ فاسدٌ لا يصحّ،وورد النهي عنه.

وأن المخرج من هذه المعاملة المحرمةُ شرعاً أن يُباع الزيتون بالنقود،وبعد قبض النقود يُشترى الزيت.

وأن هذا أمرٌ سهلٌ يبعد الناس عن الحرام،وعن شبهة الحرام أيضاً،ومطلوبٌ من المسلم أن يستبرئ من الشبهات.

والله الهادي إلى سواء السبيل

مشروعيةُ تحويلِ شركةِ مساهمةٍ خاصةٍ إلى شركةِ مساهمةٍ عامةٍ

يقول السائل:ما مدى شرعية تحويلِ شركةِ مساهمةٍ خاصةٍ إلى شركةِ مساهمةٍ عامةٍ؟وهل يوجد مُحددات للعمل أو لنشاط الشركة في حال انتقالها إلى الاكتتاب العام؟مثل الاقتراض والاستثمار في شركات مساهمة عامة أخرى،والاكتتاب في سوق فلسطين المالي،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الشركات المساهمة هي شركاتُ أموالٍ تشمل الشركات المساهمة العامة المحدودة والشركات المساهمة الخصوصية المحدودة.

أما الشركة المساهمة الخصوصية،فهي الشركة التي يُقسم رأسمالها إلى أسهمٍ لا تُطرح للاكتتاب العام، وتكون مسؤولية المساهمين بها محدودة بمقدار مساهمة كلٍ منهم برأسمال الشركة.

وأما الشركة المساهمة العامة فهي الشركة التي ينقسم رأس مالها إلى أسهمٍ متساوية القيمة، وقابلةٍ للتداول،ولا يُسأل الشركاء فيها إلا بقدر قيمة أسهمهم،ويحقُّ لأي شخصٍ شراء الأسهم وتداولها عبر السوق المالي،أي تُطرح أسهمها للاكتتاب العام.والمراد بالاكتتاب بأنه:(دعوة توجهها الشركة المساهمة إلى أشخاصٍ غير محددين سلفاً للإسهام في رأس المال،وذلك بأن يدفع الشخصُ قيمة عددٍ معينٍ من الأسهم،فتعطيه الشركةُ من أسهمها ما يقابل ما أخذته منه من مال] “أحكام الاكتتاب في الشركات المساهمة” ص 21.

وتكتسب الشركةُ المساهمةُ الشخصية الاعتبارية بمجرد استكمال إجراءات تسجيلها لدى مراقب الشركات.

ثانياً: لا بدَّ أن نعلم أن الأسهم عبارةٌ عن حصص الشركاء في الشركات المساهمة، حيث إن رأسمال الشركة المساهمة يقسم إلى أجزاء متساوية يسمى سهماً، فالسهم هو جزء من رأس مال الشركة،وهو يمثل حقَّ المساهم مقدراً بالنقود لتحديد نصيبه في ربح الشركة أو خسارتها، وكذلك تحديد مسؤولية المساهم في الشركة.

ورد في المعيار الشرعي رقم(21)الخاص بالأوراق المالية (الأسهم والسندات):[يمثل السهم حصة شائعة في رأس مال الشركة المساهمة،كما يمثل حصةً شائعةً في موجوداتها،وما يترتب عليها من حقوقٍ عند تحول رأس المال إلى أعيان ومنافع وديون ونحوها، ومحلُّ العقد عند تداول الأسهم هو هذه الحصة الشائعة]المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ص 297.

الشركة المساهمة نوعٌ جديدٌ من الشركات،وهي من شركات الأموال،ولها أحكام شركة العنان -شركة بين اثنين أو أكثر بالمال والعمل والربح بينهم- إلا ما يتعلق بتحديد مسئولية الشركاء وامتناع الفسخ من أحد الشركاء.

وفي حالاتٍ تأخذ الشركةُ المساهمة حكمَ شركة المضاربة.

وفي الشركة المساهمة زيادةُ شروطٍ لم تكن في الشركات المعروفة عند الفقهاء، ومعلومٌ أن الأصل في الشروط الصحة،وأنه لا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دلَّ الشرعُ على تحريمه وإبطاله نصاً أو قياساً، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:(المسلمون على شروطهم)رواه

أصحاب السنن، وهو حديث صحيح. وجاء في رواية أخرى:(المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.انظر أبحاث هيئة كبار العلماء 1/213، مجلة مجمع الفقه الإسلامي 8/3/787.

والأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خاليةً من الربا والتعامل المحرم، فالمساهمون فيها يتحقق فيهم معنى الشركاء،حيث إنهم يقدمون أسهمهم حصصاً في رأس المال، فيشتركون في رأس المال، ويقتسمون الأرباح والخسائر،فيكونون شركاء بمجرد توقيع عقد الاكتتاب في الشركة،فيعتبر ذلك إيجاباً وقبولاً؛لأن الإيجاب والقبول لا يشترط فيهما التلفظ، بل يصحان بالكتابة.وهؤلاء الشركاء يوكلون مجلس إدارة الشركة بالقيام بالعمل،وهو توكيلٌ صحيحٌ.

من المعلوم أن الشركة المساهمة من نتاج النظام الرأسمالي، وأنها غير معروفةٍ لدى فقهائنا المتقدمين، وأنها ليست من ضمن الشركات المذكورة في الفقه الإسلامي، ولكن كلَّ ذلك لا يكفي للقول بتحريمها،لأن الأصل المقرر عند فقهائنا في باب المعاملات في الشريعة الإسلامية هو الإباحة، والمراد بكلمة الأصل هنا،أي القاعدة المطَّردة المستمرة التي لا تتخلف إلا نادراً، والمعاملات جمع معاملة، وتكون بين المتعاقدين كالبائع والمشتري في باب البيوع، والمستأجر والمؤجر في الإجارة، والشركاء في باب الشركة، ونحو ذلك، والمراد بالإباحة الجواز، أي إن هذه العقود التي تجري بين المتعاقدين، القاعدةُ المستمرةُ فيها أنها مباحةٌ وجائزةٌ، ولا يصح القولُ بتحريم معاملةٍ ما إلا بدليلٍ صحيحٍ ناقلٍ من الجواز إلى التحريم أو الكراهة.

وأما إذا لم يرد في الشريعة دليلٌ صحيحٌ على منع المعاملة، فهي باقيةٌ على الأصل، وهو الجواز، وبناءً على ذلك لا يجوز تحريمُ أي معاملةٍ إلا بنصٍ صريحٍ من الشارع الحكيم أو قياسٍ صحيحٍ عليه.

وهذا هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والآثار الواردة عن سلف الأمة، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} سورة البقرة الآية 29.وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} سورة لقمان الآية20.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما أحلَّ اللهُ في كتابه فهو حلالٌ، وما حرَّمَ فهو حرامٌ، وما سكت عنه فهو عفوٌ، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً،وتلى قوله تعالى:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَّاً}سورة مريم الآية 64. رواه الدارقطني والبيهقي والطبراني والحاكم،وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي،وقال العلامة الألباني حديث حسن، انظر غاية المرام ص 14.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة،ولا يحرمُ منها ويبطلُ إلا ما دلَّ الشرعُ على تحريمه وإبطاله نصاً أو قياساً عند من يقول به] مجموع الفتاوى 6/470.

وقال العلامة ابن القيم عندما ذكر قول من زعم بأن الأصل في[عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها البطلان حتى يقوم دليلٌ على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليلٌ على صحة شرطٍ أو عقدٍ أو معاملةٍ استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيراً من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم، بلا برهانٍ من الله بناءً على هذا الأصل. وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارعُ أو نهى عنه، وهذا القول هو الصحيح، فإن الحكم ببطلانها حكمٌ بالتحريم والتأثيم، ومعلومٌ أنه لا حرامَ إلا ما حرَّمه اللهُ ورسولُه، ولا تأثيمَ إلا ما أثمَّ اللهُ ورسولُه به فاعله،كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله،ولا حرام إلا ما حرَّمه الله،ولا دِين إلا ما شرعه،فالأصل في العبادات البطلانُ حتى يقوم دليلٌ على الأمر،والأصل في العقود والمعاملات الصحةُ حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم] إعلام الموقعين 1/471.

ويضاف إلى ما سبق أن كون شركة المساهمة غير معروفةٍ في الفقه الإسلامي لا يعني تحريمها،لأنه يجوز استحداثُ معاملةٍ جديدةٍ وفق القواعد والضوابط الشرعية،[وهذه المسألة تسمى بمدى الحرية التعاقدية في الفقه الإسلامي،وقد اختلف فيها الفقهاء،فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في إنشاء العقود الإباحة وأن الناسَ أحرارٌ في إنشاء عقودٍ جديدةٍ ما لم تكن مخالفةً لنصوص الشرع الشريف…وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية بشدة عن مذهب القائلين بالإباحة،وقد استدل الجمهور بالكتاب والسنة والمعقول]عقد الاستصناع د.علي القرة داغي مجلة مجمع الفقه الإسلامي 7/2/350.

وليس لازماً أن نقف جامدين عند الشركات التي ذكرها فقهاؤنا المتقدمون فقط،لأن الشركات المعروفة لديهم كانت تغطي حاجات أزمانهم،وخاصةً أن أنظمة الشركات المساهمة لا تخرج عما هو مقررٌ من قواعد المشاركات المعروفة في الفقه الإسلامي مع تغييرٍ وتعديلٍ لبعض الأمور وفق الضوابط الشرعية التي سأذكرها لاحقاً.

ثالثاً:القولُ بأن الشركة المساهمة باطلةٌ لأنها شركةُ أموالٍ خاليةٍ من عنصر البدن،ولأن المساهمين غير منضبطين وغير معروفين لدى المساهمين الآخرين،قولٌ فيه مغالطةٌ واضحةٌ ولا يترتب عليه بطلانها،لأن الشركة المساهمة تتم بالإيجاب والقبول،حيث إن توقيع عقد الاكتتاب في الشركة من المؤسسين هو إيجابٌ،وتوقيعه من المكتتب قبولٌ شرعيٌ صحيحٌ،لأن الإيجاب والقبول لا يشترط فيهما التلفظ بل يصحان بالكتابة،ولأن المساهمين فيها يتحقق فيهم معنى الشركاء،حيث إنهم يقدمون أسهمهم حصصاً في رأس المال،فيشتركون في رأس المال،ويقتسمون الأرباح والخسائر،فيكونون شركاء بمجرد توقيع عقد الاكتتاب في الشركة،وهؤلاء الشركاء-الهيئة العامة للمساهمين-يختارون مجلس إدارة الشركة ويوكلونه بالقيام بالعمل،وهو توكيلٌ صحيحٌ شرعاً،فعنصر البدن واضحٌ جليٌ في إدارة الشركة،فهنالك مجلس إدارة وهنالك موظفو الشركة الذين يسيرونها.وكذلك فإن المساهمين في الشركات المساهمة معلومون،ومسجلون في سجل المساهمين.وكذلك فإن استمرارية الشركة المساهمة لا يمنع من صحتها شرعاً،فقد أجاز الفقهاء في حالة وفاة أحد الشركاء استمرارَها بين

الشركاء الآخرين وورثة الشريك المتوفى.انظر شركة المساهمة في النظام السعودي ص331.فالقول بتحريم الشركة المساهمة قولٌ ضعيف جداً لا يؤيده دليلٌ معتبر.

رابعاً: يجوز تحويل شركة مُساهمة خاصة إلى شركةٍ مساهمةٍ عامة وفق الضوابط الشرعية المقررة عند فقهاء العصر والمجامع الفقهية المعتبرة.

وهذه الضوابط تشمل التعامل بالأسهم سواء كان بشراء أسهم الشركات للاستفادة من ريعها أو كان للمتاجرة بها للاستفادة من فرق السعر بين الشراء والبيع، وغير ذلك.

وأهم هذه الضوابط ما يلي:الضابط الأول:لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً،كما هو حال البنوك الربوية(التجارية)فهي في الأصل شركات مساهمة تقوم على الإقراض والاقتراض بالربا(الفائدة).

الثاني: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمباح ويدخل في تعاملها الربا،مثل أن ينصَّ نظامُها الأساسي على أنها تقرض وتقترض بالربا،كما هو واقع كثير من الشركات المساهمة الكبيرة التي تتعامل في مجالات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغير ذلك. والقولُ بتحريم الإسهام في هذه الشركات هو القول الراجح عندي من قولي العلماء المعاصرين في هذه المسألة،لأنه لا يجوز للمسلم أن يوقع أي عقدٍ يتضمن شروطاً ربويةً،وهذه الشركات يوجد في نظامها الأساسي بندٌ ينصُّ على أنها تقرض وتقترض بالربا.وينبغي للمسلم أن يحرص على الكسب الحلال ويبتعد عن الكسب الذي فيه شبهة.

جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي،في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ما يلي:

(1)بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مباحة أمرٌ جائزٌ شرعاً.

(2)لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرمٌ،كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها.

(3)لا يجوز لمسلمٍ شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها رباً،وكان المشتري عالماً بذلك.

(4)إذا اشترى شخصٌ–أسهماً-وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا،ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.والتحريم في ذلك واضحٌ،لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا،ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك،يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا،لأن السهم يمثل جزءاً شائعاً من رأس مال الشركة،والمساهم يملك حصةً شائعةً في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة،فللمساهم نصيب منه،لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابةً عنه،والتوكيل بعملِ المحرم لا يجوز.]

وورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع ما يلي:[الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحياناً بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة].

ومن الجدير بالذكر أن بعض الفقهاء المعاصرين وبعض الجهات العلمية أجازوا التعامل بأسهم شركاتٍ تتعامل بالمباح ويدخل في تعاملها الربا،مثل أن ينص نظامها الأساسي على أنها تقرض وتقترض بالربا،وفق ضوابط معينة، واستندوا على القاعدة الفقهية “يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً”، وقاعدة: “الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة” وغير ذلك.

ومع أني لا أرجح هذا القول ولكنه قولٌ معتبرٌ وله حظٌ من النظر،أخذت به جهاتٌ شرعيةٌ،كالهيئة الشرعية لبنك الراجحي،والهيئة الشرعية للبنك الأهلي التجاري،ومن العلماء الشيخ ابن عثيمين،والدكتور نزيه حماد،والقاضي محمد تقي العثماني،والشيخ القرضاويوالشيخ علي القرة داغي وغيرهم،وقد قرروا أن الاكتتاب في تلك الشركات يجوز للحاجة إذا كانت نسبة الاستثمارات المحرمة في الشركة قليلة جداً ومغمورة بالنسبة للاستثمارات المباحة فيها، مع وجوب بذل الوسع في التخلص من النسبة المحرمة من الربح،وعدم الرضا بتلك الممارسات،والسعي الحثيث لإيقافها.انظر”أحكام الاكتتاب في الشركات المساهمة”ص 28 فما بعدها.

الثالث:لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات عملها مباح ولكنها تملك أسهماً في البنوك الربوية،لأن من مصادر دخلها ما هو رباً،وتحريم الربا قليلاً كان أو كثيراً قطعيٌ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

الرابع:لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمحرمات،كالشركات المنتجة للخمور والدخان وشركات التأمين التجاري وكل ما هو محرم شرعاً كالقمار ونحو ذلك من المحرمات.

الخامس:لا يجوز تداول أسهم الشركات التي ما زالت في طور التأسيس قبل أن يتحوّل رأس مال الشركة إلى سلع ومعدات وأعيان،فلا يجوز بيع هذه الأسهم بأكثر من قيمتها الحقيقية،لأنه حينئذٍ يكون بيع نقودٍ بنقودٍ مع زيادةٍ،وهذا ربا واضح، إلا إذا بِيعت الأسهم بنفس قيمتها الاسمية دون أية زيادة فهذا جائز.

السادس:لا يجوز شراء السهم بقرضٍ ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم،لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.

السابع:لا يجوز أيضاً بيع سهمٍ لا يملكه البائع،وإنما يتلقى وعداً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم،لأنه من بيع ما لا يملك البائع،ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض.

الثامن:التداول في الأسهم عن طريق ما يسمى البيع على المكشوف والمراد به:[قيام شخصٍ ببيع أسهم لا يملكها،عن طريق اقتراضها من آخرين،مقابل الالتزام بإعادة شرائها، وتسليمها للمقرض في وقتٍ محدد]وهذا النوع محرم لاشتماله على الربا والغرر.

جاء في قرار المجمع الفقهي:[إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف،أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع بالكيفية التي تجري في السوق المالية(البورصة) غير جائزةٍ شرعاً؛لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك اعتماداً على أنه سيشتريه فيما

بعد ويسلمه في الموعد،وهذا منهيٌ عنه شرعاً،لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لا تبع ما ليس عندك)،وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)]

خامساً:وأما عن الاكتتاب العام في سوق فلسطين المالي،فلا بدَّ أن نعرف أن السوق المالي (البورصـة) تتعامل بالأسهم والسندات بشكلٍ عامٍ،وقد سبق بيان ضوابط التعامل بالأسهم.

وأما السندات فهي عبارةٌ عن قروضٍ طويلة الأجل تتعهد الشركة المقترضة بموجبها أن تسدد قيمتها في تواريخ محددة مع فائدة متفق عليها.المعاملات المالية المعاصرة ص 176.

وبناءً على ذلك تجوز المعاملة بالسوق المالي(البورصة)بشرط أن لا يترتب على التعامل بها أيُّ محظورٍ شرعي كالربا والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل،فلا يجوز للمسلم قبول أسهم الامتياز التي تعطي له حق الحصول على ربحٍ ثابتٍ سواء أربحت الشركة أم خسرت،لأن هذا ربا محرم شرعاً.

ولا يجوز للمسلم قبول أسهم التمتع التي تعطي صاحبها حق الحصول على الأرباح دون أن يكون شريكاً في المال والعمل،لأن هذا أكـلٌ لأمــوال النــاس بالباطل.المعاملات المالية المعاصرة ص 169-173.

ولا يجوز شرعاً تداولُ أسهم البنوك الربوية وشركات التأمين،وكل شركة تتعامل بالمحرمات كشركات إنتاج الخمور ونحوها.

كما لا يجوز إجراء عمليات البيع الآجلة،لأن هذا النوع من العمليات لا يتم فيه تسليم المعقود عليه لا الثمن ولا المثمن،بل يشترط تأجيلها،فهذه العملية لا تجوز،لأن شرط صحة العقود أن يتم تسليم العوضين أو أحدهما،ولا يجوز تأجيل الاثنين حيث إنها تدخل في معنى بيع الكالئ بالكالئ،فهذه العمليات تدخل في القمار الممنوع،لأن البائع يضارب على هبوط السعر في اليوم المحدد والمشتري يضارب على صعوده ومن يصدق توقعه يكسب الفرق.انظر الأسواق المالية ص 327.

وبناءً على ما سبق فالصحيح من أقوال أهل العلم جوازُ التعامل بالأسهم ضمن ضوابط معينة، وحرمةُ التعامل بالسندات لأنها قروض ربوية.

وخلاصة الأمر:

أن الشركات المساهمة هي شركاتُ أموالٍ تشمل الشركات المساهمة العامة المحدودة والشركات المساهمة الخصوصية المحدودة.

وأن الأسهم عبارةٌ عن حصص الشركاء في الشركات المساهمة، حيث إن رأسمال الشركة المساهمة يقسم إلى أجزاء متساوية يسمى سهماً.

وأن الأصل في الشركة المساهمة الجواز إذا كانت خاليةً من الربا والتعامل المحرم.

وأن القول بتحريم الشركة المساهمة قولٌ ضعيف جداً لا يؤيده دليلٌ معتبر.

وأنه يجوز تحويل شركة مُساهمةٍ خاصةٍ إلى شركةٍ مساهمةٍ عامةٍ وفق الضوابط الشرعية المقررة عند فقهاء العصر والمجامع الفقهية المعتبرة.

والله الهادي إلى سواء السبيل

حكم ُبيعِ الوكيلِ لنفسهِ

يقول السائل:وكَّلني أخي المقيمُ في الخارج ببيعِ قطعةِ أرضٍ يملكها في بلدتنا، فهل يجوز لي أن أشتريها لنفسي ،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الوكالة من العقود المشروعة،والتوكيل أن يفوض الشخصُ التصرفَ إلى غيره،وسُمِّيَ الوكيلُ وكيلاً لأن مُوَكِّله قد فوض إليه القيام بأمره،فهو موكول إليه الأمر.

وعرَّف الحنفيةُ الوكالة بأنها إقامةُ الغير مقام نفسه في تصرفٍ جائزٍ معلومٍ.حاشية ابن عابدين4/400

وعرفتها مجلةُ الأحكام العدلية في المادة (1449):الوكالة هي تفويض أحدٍ في شغلٍ لآخر وإقامته مقامه في ذلك الشغل،ويقال لذلك الشخص مُوَكِّلٌ،ولمن أقامه وكيلٌ،ولذلك الأمر مُوَكَّلٌ به.

وقد اتفق الفقهاء على أن الوكالة جائزة ومشروعة،واستدلوا على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً}سورة الكهف الآية 19.

وبقوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}سورة النساء الآية 35.

وعن عروة البارقي رضي الله عنه قال:(عرض للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم جلَبٌ – ما جُلِبَ من إِبلٍ وغنمٍ ومتاعٍ للتجارة-فأعطاني دينارًا، فقال أيْ عروةُ:ائْتِ الجلَبَ فاشتَرِ لنا شاةً،قال:فأتيتُ الجلَبَ فساومتُ صاحبَه،فاشتريتُ منه شاتَيْن بدينارٍ فجئتُ أسوقُهما،أو قال:أقودُهما،فلقِيني رجلٌ فساوَمني فأبيعُه شاةً بدينارٍ،فجئتُ بالدِّينارِ وجِئتُ بالشَّاةِ،فقلتُ:يا رسولَ اللهِ،هذا دينارُكم وهذه شاتُكم،قال:وصنعتَ كيف؟فحدَّثتُه الحديثَ،فقال:اللَّهمَّ بارِكْ له في صفقةِ يمينِه،فلقد رأيتُني أقِفُ بكُناسةِ الكوفةِ-سوق- فأربحُ أربعين ألفًا قبل أن أصِلَ إلى أهلي)وأصل الحديث رواه البخاري

وعن جابر رضي الله عنهما قال:(أردت الخروج إلى خيبر،فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمتُ عليه،وقلت له:إني أردت الخروج إلى خيبر،فقال:إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً،فإن ابتغى منك آيةً فضع يدك على ترقوته)رواه أبو داود والدارقطني،وحسَّنَ إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير3/51.

وعن أبي رافع رضي الله عنه قال:(تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة رضي الله عنها وهو حلال،وبنى بها وهو حلال،وكنت أنا الرسول بينهما)رواه الترمذي وحسنه.

وقد أجمع الفقهاء على جواز الوكالة ومشروعيتها.الموسوعة الفقهية الكويتية 45/5-8.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة،ولأن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك،فإنه لا يمكن كل واحدٍ فعل ما يحتاج إليه,فدعت الحاجة إليها]المغني5/201.

ثانياً: اتفق العلماء على أن الوكيلَ أمينٌ،فالوكالة من العقود التي يتجلّى فيها طابعُ الحفظ والأمانة،وتسمَّى عقودَ أمانة، ويكون المالُ المقبوض فيها أمانةً في يد القابض، لا يضمنه إلاّ إذا تلف بسبب تقصيره في حفظه. الموسوعة الفقهية الكويتية 28/235.

فإذا تمت الوكالة كان الوكيل أميناً فيما وكل فيه، فيده يدُ أمانةٍ لا يدَ ضمان، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط،ويُقبل قولهُ في التلف كغيره من الأمناء.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[والوكيل أمينٌ لا ضمان عليه فيما تلف تحت يده بغير تفريطٍ بجعل وبغير جعل لأنه نائب المالك أشبه المودع]

وقال الشيخ العثيمين:[الصحيح أن جميع الأمناء لا ضمان عليهم إلا بتعدٍ أو تفريطٍ، والأمناء هم كل من قبض المال بإذن الشرع أو بإذن المالك فهذا هو الأمين فهو كل من كان المال تحت يده بإذن من الشارع كوكيل اليتيم أو بإذن من المالك كالوكيل والمستأجر ومن أشبهه]

شرح الكافي 5/125.

ثالثاً: اختلف الفقهاء في حكم بيع الوكيل وشراءه لنفسه على أقوال:

قال المالكية في المعتمد عندهم والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة لا يجوز للوكيل البيعُ ولا الشراءُ لنفسه، وهو قولٌ في مذهب الحنفية،وهو ما اعتمدته مجلة الأحكام العدلية كما سيأتي.

قال ابن نجيم الحنفي:[وأشار المؤلف إلى منع بيعه من نفسه بالأولى قال في البزازية:الوكيل بالبيع لا يملك شراءه لنفسه،لأن الواحد لا يكون مشترياً وبائعاً، فيبيعه من غيره ثم يشتريه منه، وإن أمره المُوَكِّل أن يبيعه من نفسه أو أولاده الصغار أو ممن لا تقبل شهادته فباع منهم جاز أ.هـ] البحر الرائق 7/167.

وقال النفراوي المالكي:[وكيلُ البيع أو الشراء لا يجوز له الشراء لنفسه ولا البيع من نفسه ومحجوره كولده الصغير أو السفيه بمنزلته لاتهامه،إلا أن يكون ذلك بحضرة المُوَكِّل أو يسمي له الثمن،فيجوز له شراءُ ما وكل على بيعه بعد تناهي الرغبات فيه] الفواكه الدواني 7/314.

وقال الخطيبُ الشربيني الشافعي:[والوكيل بالبيع والشراء مطلقاً لا يبيع ولا يشتري لنفسه ولا لولده الصغير ونحوه من محاجيره،ولو أذن له فيه لتضاد غرضي الاسترخاص لهم والاستقصاء للموكل، وكذا لو قدر له الثمن ونهاه عن الزيادة، لأن الأصل عدم جواز اتحاد الموجب والقابل وإن انتفت التهمة ] مغني المحتاج ٢/٢٢٥.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[(وشراء الوكيل من نفسه غير جائز . وكذلك الوصي)وجملة ذلك أن من وكُّل في بيع شيء،لم يجز له أن يشتريه من نفسه، في إحدى الروايتين.نقلها مهنا. وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي.وكذلك الوصي،لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين.وهو مذهب الشافعي.وحكي عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما.والرواية الثانية عن أحمد:يجوز لهما أن يشتريا بشرطين:أحدهما،أن يزيدا على مبلغ ثمنه في النداء.

والثاني،أن يتولى النداء غيره.قال القاضي:يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره النداء واجباً،ويحتمل أن يكون مستحباً،والأول أشبه بظاهر كلامه.

وقال أبو الخطاب:الشرط الثاني،أن يولي من يبيع،ويكون هو أحد المشترين]المغني 6/353.

وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء:[من وكل في بيع سلعة من السلع فليس له أن يشتري لنفسه؛لأنه مظنة التهمة بأن يكون مقصراً في النداء أو العرض،فصيانةً لعرضه لا يشتري الوكيل لنفسه] فتاوى اللجنة الدائمة 14/314.

وقال المالكية في قولٍ آخر: يجوز للوكيل البيع والشراء لنفسه إذا أذن المُوَكِّل له،وهو قول عند الحنفية وقول الأوزاعي.

وقال الحنابلة في الرواية الثانية عن أحمد:يجوز للوكيل أن يبيع لنفسه أو يشتري إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ،أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ،لأِنَّهُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ غَرَضُ المُوَكِّل مِنَ الثَّمَنِ،أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لأِجْنَبِيٍّ.

واستدل جمهور الفقهاء على منع بيع الوكيل وشراءه لنفسه بأن العرف قد جرى في البيع أن يبيع الرجلُ من غيره، فحُملت الوكالةُ عليه.

وبأن بيع الوكيل وشراءه لنفسه فيه لحاقُ التهمة للوكيل، بأنه يحابي نفسه على حساب المُوَكِّل.

وبأن الأصل في عقد البيع وجود متعاقدين،فلا يجتمع الإيجاب والقبول في شخصٍ واحدٍ،بأن يكون بائعاً ومشترياً في وقتٍ واحدٍ.

وأما من أجاز بيع الوكيل وشراءه لنفسه فيرى أنه في حال انتفاء التهمة يصح ذلك،وكذلك يصح بيع الوكيل وشراءه لنفسه إن أذن له المُوَكِّل،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وإذا أذن للوكيل أن يشتري من نفسه جاز له ذلك] المغني 6/354.

وقال الزركشي:[إذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ وَنَهَاهُ عَنْ الزِّيَادَةِ فَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ،إذْ اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ إنَّمَا يُمْنَعُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ الْجَوَازِ فِي حَقِّ الْأَبِ وَالْجَدِّ] المنثور في القواعد الفقهية 1/23.

رابعاً:منع القانون المعمول به في بلادنا -مجلة الأحكام العدلية- بيع الوكيل لنفسه كما في الْمَادَّةُ (1496):( إذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مَالَ مُوَكِّلِهِ لِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ )

وقال شارح المجلة علي حيدر:[إذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مَالَ مُوَكِّلِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَا يَصِحُّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُفِيدًا لِلْمُوَكِّلِ بِأَنْ يَبِيعَ الْمَالَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ حَتَّى لَوْ أَذِنَ المُوَكِّل صَرَاحَةً بِذَلِكَ;لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ بَائِعًا وَمُشْتَرِيًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بِسَبَبِ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ;لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَقْضِي وَالْقَابِضُ وَالْمُسْلِمُ وَالْمُخَاصِمُ فِي الْعَيْبِ وَالْمُخَاصَمُ وَاحِدًا.وَلَا يَخْفَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ مِنْ التَّضَادِّ فِي ذَلِكَ]درر الحكام 3/627.

خامساً: وبعد النظر في أقوال الفقهاء وحججهم يترجح لي قول جمهور الفقهاء بمنع بيع الوكيل وشراءه لنفسه في زماننا هذا، نظراً لقلة التقوى والورع،ولكثرة الطمع والجشع،ولانتشار الخيانة في التعامل بين الناس،ولمكان التهمة والمحاباة في هذه المعاملة.

ولكن إن انتفى كلُّ ذلك،وانتفت التهمةُ،وتحققت شروطُ المجيزين كإذن المُوَكِّل، فالجوازُ له وجهٌ قويٌ في المسألة.

وخلاصة الأمر:

أن الوكالة من العقود المشروعة وقامت الأدلةُ من الكتاب والسنة على ذلك.

وأن العلماء متفقون على أن الوكيلَ أمينٌ،فالوكالة من العقود التي يتجلّى فيها طابعُ الحفظ والأمانة،وتسمَّى عقودَ أمانة.

وأن جمهور الفقهاء قالوا لا يجوز للوكيل البيعُ ولا الشراءُ لنفسه، ومنهم من أجازه بشروط معينة.

وأن القول الراجح هو قولُ جمهور الفقهاء بمنع بيع الوكيل وشراءه لنفسه في زماننا هذا، نظراً لقلة التقوى والورع،ولكثرة الطمع والجشع،ولانتشار الخيانة في التعامل بين الناس،ولمكان التهمة والمحاباة في هذه المعاملة.

وأنه إذا انتفى كلُّ ذلك،وانتفت التهمةُ،وتحققت شروطُ المجيزين كإذن المُوَكِّل، فالجوازُ له وجهٌ قويٌ في المسألة.

والله الهادي إلى سواء السبيل