إعطاءُ كفارةِ اليمينِ لعائلةٍ فقيرةٍ أفرادُها أقلُّ من عشرةٍ

يقول السائل:ورد في آية كفارة اليمين قولهُ تعالى:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}فهل العددُ مشروطٌ في ذلك أم أنه يجوز إعطاءُ كفارةِ اليمينِ لعائلةٍ فقيرةٍ أفرادُها أقلُّ من عشرةٍ، أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:قال الله تعالى:{لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة المائدة الآية 89.

هذه الآية الكريمة بينت خصال كفارة اليمين،فخصال الكفارة هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة على التخيير ، فإذا عجز الحانث عن هذه الخصال الثلاث انتقل إلى الصوم، والإطعام هو الخصلة الأولى.

ومقدار الإطعام عند جمهور أهل العلم أن يطعم كل مسكين مداً بمقدار مدّ النبي صلى الله عليه وسلم من غالب قوت البلد. فقد ذكر مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يكَفِّرُ عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مداً من حنطة.

وروى مالك عن سليمان بن يسار أنه قال:[ أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مداً من حنطة بالمدِّ الأصغر ،ورأوا ذلك مجزئاً عنهم ] قال الحافظ ابن عبد البر:[ والمدُّ الأصغرُ عندهم مدُّ النبي صلى الله عليه وسلم] الاستذكار 15/87-88 . والمدُّ يساوي في زماننا نصف كيلو وزيادة قليلة .

ويرى بعض العلماء أنه يكفي في الإطعام أن يطعم المساكين العشرة وجبتي غداء وعشاء .

قال الإمام مالك:[إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه ] الاستذكار 15/89 .

ثانياً: نصَّت الآيةُ الكريمةُ على عدد المساكين بأنه عشرة{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}،فهل العدد هو المقصود أم أن مقدار الإطعام هو المقصود؟خلافٌ بين الفقهاء،فعند المالكية والشافعية والحنابلة، العددُ هو المقصود،وبالتالي قالوا لا بدَّ من إطعام عشرة مساكين عدداً.

وقال الحنفيةُ والأوزاعي وأبو عبيد القاسم بن سلام مقدارُ الإطعام هو المقصود،فيجوز إطعامُ أقلَّ من عشرة بأن يعطيهم طعام العشرة، وهو رواية عند الحنابلة ذكرها أبو الخطاب الكلوذاني كما في المغني.

قال ابن رشد القرطبي مبيناً سبب اختلاف الفقهاء:[ وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ، وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الْمَسَاكِينِ لكفارة اليمين، فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالا:لا يُجْزِيهِ إِلا أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ.

وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ:هَلِ الْكَفَّارَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَفِّرِ فَقُدِّرَ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ؟

فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْعَدَدِ كَالْوَصِيَّةِ، فَلا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ.

وَإِنْ قُلْنَا:حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَفِّرِ لَكِنَّهُ قُدِّرَ بِالْعَدَدِ أَجْزَأَ مِنْ ذَلِكَ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ عَلَى عَدَدِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ.] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ص381.

وقال الكاساني الحنفي:[وهل يشترط عدد المساكين صورةً في الإطعام تمليكاً وإباحةً ؟ قال أصحابنا:ليس بشرطٍ. وقال الشافعي رحمه الله:شرطٌ،حتى لو دفع طعام عشرة مساكين،وذلك خمسة أصوعٍ إلى مسكينٍ واحدٍ في عشرة أيام كل يوم نصف صاع، أو غدَّى مسكيناً واحداً أو عشاه عشرة أيام أجزأ عندنا.

وعنده لا يجزيه إلا عن واحدٍ،واحتج بظاهر قوله جل شأنه:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} نصَّ على عدد العشرة،فلا يجوز الاقتصارُ على ما دونه كسائر الأعداد المذكورة في القرآن العظيم،كقوله عزَّ شأنه:{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وقوله جلَّ شأنه:{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ونحو ذلك،والدليل عليه أنه لو دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكينٍ واحدٍ دفعةً واحدةً في يومٍ واحدٍ لا يجوز.

ولنا – أي دليلنا- أن في النصِّ إطعام عشرة مساكين،وإطعامُ عشرة مساكين قد يكون بأن يطعم عشرة مساكين،وقد يكون بأن يكفي عشرة مساكين سواء أطعم عشرة مساكين أو لا،فإذا أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام قدر ما يكفي عشرة مساكين، فقد وجد إطعام عشرة مساكين، فخرج عن العهدة، على أن معنى إطعام مساكين إن كان هو بأن يطعم عشرة مساكين،لكن إطعام عشرة مساكين على هذا التفسير قد يكون صورةً ومعنىً بأن يطعم عشرةً من المساكين عدداً في يومِ واحدِ أو في عشرة أيام،وقد يكون معنىً لا صورةً،وهو أن يطعم مسكيناً واحداً في عشرة أيام،لأن الإطعام لدفع الجوعة وسدِّ المسكنة،وله كل يوم جوعة ومسكنة على حدة،لأن الجوع يتجدد، والمسكنة تحدث في كل يوم،ودفع عشر جوعات عن مسكينٍ واحدٍ في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يومٍ واحدِ أو في عشرة أيام، فكان هذا إطعام عشرة مساكين معنىً فيجوز.

ونظير هذا ما روي في الاستنجاء بثلاثة أحجارٍ، ثم لو استنجى بالمدر أو بحجرٍ له ثلاثة أحرفٍ جاز،لحصول المقصود منه،وهو التطهير كذا هذا،ولأن ما وجبت له هذه الكفارة يقتضي سقوط اعتبار عدد المساكين،وهو ما ذكرنا من إذاقة النفس مرارة الدفع،وإزالة الملك لابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى لتكفير ما أتبعها هواها وأوصلها إلى مُناها،كما خالفَ اللهَ عز وجل في فعله،بترك الوفاء بعهد الله سبحانه وتعالى،وهذا المعنى في بذل هذا القدر من المال تمليكاً وإباحةً،لا في مراعاة عدد المساكين صورةً بخلاف ذكر العدد في باب الحدِّ والعدةِ، لأن اشتراط العدد هناك ثبت نصاً غير معقول المعنى،فلا يحتمل التعدية،وههنا معقولٌ على ما بينا،وبخلاف الشهادات حيث لا تجوز إقامة الواحد فيها في يومين أو في دفعتين مقام شهادة شاهدين،لأن هناك المعنى الذي يحصل بالعدد لا يحصل بالواحد،وهو انتفاءُ التهمة ومنفعةُ التصديق ونفاذُ القول على ما نذكره في كتاب الشهادات – إن شاء الله تعالى – وههنا معنى التكفير ودفعِ الحاجة وسدِّ المسكنة لا يختلف لما بينا.] بدائع الصنائع 5/105.

وبكلام الكاساني هذا يتضح ما قرره الحنفية من أن المقصود هو سدُّ خلة المحتاج،فإذا دفع لأقل من العشرة كخمسة مساكين طعام عشرة مساكين، فقد سدَّ حاجتهم، لأن المطلوب سدُّ الخَلَّةِ لا محلها.

وقالوا أيضاً إن المقصود من الإطعام في الكفارة، هو مقدار الطعام، وليس المقصود عدد العشرة ،أي ما يكفي عشرة، فلو دفعها الْمُكَفِّرُ لأسرةٍ أقل من عشرة أجزأه، وهذا القول هو الذي أرجحه في المسألة.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وأجاز الأوزاعي دفعها- أي الكفارة- إلى واحدٍ.وقال أبو عبيد – القاسم بن سلام-:إن خصَّ بها أهل بيتٍ شديدي الحاجة جاز, بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع في رمضان حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله:(أطعمه عيالك).

ولأنه دفع حقَّ الله تعالى إلى مَنْ هو من أهل الاستحقاق فأجزأه, كما لو دفع زكاته إلى واحدٍ.

وقال أصحاب الرأي:يجوز أن يرددها على مسكينٍ واحدٍ في عشرة أيام، إن كانت كفارة يمين أو في ستين إن كان الواجبُ إطعام ستين مسكيناً, ولا يجوز دفعها إليه في يومٍ واحدٍ.

وحكاه أبو الخطاب روايةً عن أحمد،لأنه في كل يوم قد أطعم مسكيناً ما يجب للمسكين، فأجزأ كما لو أعطى غيره, ولأنه لو أطعم هذا المسكين من كفارةٍ أخرى أجزأه، فكذلك إذا أطعمه من هذه الكفارة ] المغني 9/ 543.

والحديث الذي ورد في كلام أبي عبيد هو ما ورد عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ.قَالَ:مَا لَكَ؟ قَالَ:وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟قَالَ:لاَ،قَالَ:فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ:لاَ،فَقَالَ:فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟ قَالَ:لاَ. قَالَ:فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ – وَالعَرَقُ المِكْتَلُ – قَالَ:أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ:أَنَا،قَالَ:خُذْهَا،فَتَصَدَّقْ بِهِ،فَقَالَ الرَّجُلُ:أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا – يُرِيدُ حَرَّتَيْ المدينة-أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي،فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ،ثُمَّ قَالَ:أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) رواه البخاري ومسلم.

والشاهد في الحديث أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن للرجل أن يطعم الكفارةَ، وهي إطعام ستين مسكيناً لعددٍ أقل، وهم أهل بيت الرجل السائل،والعَرَق يساوي خمسة عشر صاعاً،والصاع أربعة أمداد،أي لكل مسكين مدٌّ من الطعام، وهذا يدل على أن المقصود هو مقدار الإطعام وليس عدد المساكين.

ويؤيد هذا القول بالجواز في هذه المسألة ما ذكره الشيخ ابن قدامة المقدسي من أن الْمُكَفِّرَ قد دفع حقَّ اللهِ تعالى إلى مَنْ هو من أهل الاستحقاق فأجزأه, كما لو دفع زكاته إلى واحدٍ.

ثالثاً:ينبغي التنبيه على أنه يجوز إخراجُ القيمة بدلاً عن الإطعام في كفارة اليمين،أي إعطاء المسكين نقوداً بقيمة الطعام،وذلك قياساً على جواز إخراج القيمة في الزكاة وفي صدقة

الفطر، وهو مذهب الحنفية، ونقل هذا القولُ عن جماعةٍ من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري،ونقل عن جماعةٍ من الصحابة أيضاً، وهذا القولُ هو الراجح إن شاء الله تعالى، وهو الذي يحققُ مصلحة الفقيرِ، وخاصةً في هذا الزمان.

وهو قولٌ وجيهٌ تؤيده الأدلةُ الكثيرةُ، ومنها أن أخذ القيمة في الزكاة ثابتٌ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن جماعةٍ من الصحابة، فمن ذلك ما ورد عن طاووس،قَالَ:قَالَ مُعَاذٌ – يَعْنِي ابْنَ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ- ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ،وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ] رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج، والبيهقي في السنن الكبرى. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال:[ بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ طَاووس:قَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ اليَمَنِ:ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ – أَوْ لَبِيسٍ – فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ] واحتجاج الإمام البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 4/54.

ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن رشيد قال:وافق البخاري في هذه المسألة الحنفيةَ مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليلُ.وفعل معاذ مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته.

وكذلك فإن سدَّ حاجة المسكين تتحقق بالنقود أكثر من تحققها بالأعيان، وخاصةً في زماننا هذا،لأن نفع النقود للفقراء أكثرُ بكثيرٍ من نفع الطعام لهم، ولأن الفقير يستطيع بالمال أن يقضي حاجاته وحاجات أولاده وأسرته.

وتقدر قيمة الإطعام في كفارة اليمين بمئة وخمسين شيكلاَ في أيامنا هذه.

وخلاصة الأمر:

أنه يجوز إطعامُ أقلَّ من عشرة في كفارة اليمين بأن يعطيهم طعام العشرة على الراجح من قولي الفقهاء في المسألة.

وأن المقصود من الإطعام هو سدُّ خَلَّةِ المساكين،فإذا دفع لأقل من العشرة كأسرة فقيرة من سبعة أفراد طعام عشرة مساكين، فقد سدَّ حاجتهم، فالمطلوبُ سدُّ الخَلَّةِ لا محلها.

وأن المقصود من الإطعام في الكفارة أيضاً،هو مقدار الطعام،وليس المقصود عدد العشرة،فلو دفعها الْمُكَفِّرُ لأسرةٍ أقل من عشرة أجزأه.

وأنه يجوز إخراجُ القيمة بدلاً عن الإطعام في كفارة اليمين،أي إعطاء المسكين نقوداً بقيمة الطعام.

والله الهادي إلى سواء السبيل

لا تدخلُ النيابةُ اليمينَ

يقول السائل:وقع أخي في مشكلةٍ مع امرأةٍ وطلبت عائلتها من كبير عائلتنا أن يحلفَ يميناً أن أخي لا علاقةَ له بالمشكلة،فهل يجوز لكبير العائلة أن يحلفَ اليمينَ نيابةً عن أخي،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:الأصلُ المقررُ عند العلماء أن المكلفَ شرعاً يقوم بما كُلِّف به بنفسه، إلا أن نصوصَ الشريعة دلت على جواز دخول النيابة بعض الأعمال، والمقصود بالنيابة هو:[قيام الإنسان عن غيره بفعلِ أمرٍ ] الموسوعة الفقهية الكويتية 42/25.

وقد قسَّم الفقهاءُ العبادات إلى ماليةٍ محضةٍ ، وبدنيةٍ محضةٍ ، ومشتملةٍ على البدن والمال.

فقالوا إن العبادات المالية المحضة كالزكاة،والصدقات،والكفارات،والنذور، تجوز فيها النيابةُ على الإطلاق،سواء كان مَنْ عليه العبادةُ قادراً على الأداء بنفسه،أو لا.وهذا باتفاق الفقهاء .

واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}سورة التوبة الآية 60.ووجه الدلالة أن الله عز وجل جوَّز العملَ على الزكاة ،وذلك بحكم النيابة عن المستحقين لها .

واحتجوا بما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:( أردتُ الخروجَ إلى خيبر ، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمتُ عليه وقلت له: إني أردتُ الخروجَ إلى خيبر ،فقال:إذا أتيتَ وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آيةً فضع يدك على ترقوته) رواه أبو داود بسند حسن كما قال الحافظ العسقلاني.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إن الخازنَ المسلم الأمين الذي ينقل ما أُمر به فيعطيه كاملاً موفراً طيبةً به نفسه، فيدفعهُ إلى الذي أمر به أحدُ المتصدقين)رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:( وكلني النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان) رواه البخاري.

وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عقبة بن عامر غنماً يقسمها على صحابته) رواه النسائي وابن ماجة،وصححه العلامة الألباني.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:( أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال:(استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاُ من الأُسْد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه) رواه البخاري ومسلم .

وأما العباداتُ البدنيةُ المحضةُ كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث، فهذا النوع من العبادات لا تجوز فيه النيابةُ على الإطلاق باتفاق الفقهاء بالنسبة للحي.

واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} سورة النجم الآية 39. إلا ما خصَّه الدليل، ولقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:( لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ،ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ) رواه النسائي في الكبرى بإسناد صحيح كما قال الحافظ العسقلاني.

وعن مالك بلغه(أن ابن عمر كان يُسأل:هل يصوم أحدٌ عن أحدٍ أو يصلي أحدٌ عن أحدٍ ؟ فيقول: لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ . ولا يصلي أحدٌ عن أحدٍ) رواه في الموطأ.

وأما النيابةُ عن الميت في العبادات البدنية المشتملة على البدن والمال، وهي الحج والعمرة ،فقد اتفق جماهير أهل العلم على جواز دخول النيابة في الحج في الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: الميت فيجوز الحج عن الميت فقد ثبت في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما:( أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟! اقضوا اللهَ فاللهُ أحقُّ بالوفاء ) رواه البخاري.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( قال رجلٌ: يا رســــول الله! إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: أرأيتَ لو كان على أبيك دينٌ أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدينُ الله أحقُّ ) رواه النسائي وصححه العلامة الألباني..

قال الإمام أبو إسحق الشيرازي:[ ولأنه حقٌ تدخله النيابةُ لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كديْن الآدمي] المهذب مع شرحه المجموع 7/109.

الحالة الثانية:المريضُ مرضاً مزمناً لا يرجى شفاؤُه،والمعضوبُ وهو الذي لا يثبت على الراحلة أو من لا يستطيع السفر لاعتلال صحته وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على ذلك:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( كان الفضلُ بن عباس رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأةٌ من خثعم،فجعل الفضلُ ينظر إليها وتنظرُ إليه،فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصرفُ وجهَ الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبـي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع) رواه البخاري ومسلم.وفي رواية لمسلم:( قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم ).

وعن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أنه قال:( يا رسول الله:إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال:حج عن أبيك واعتمر)رواه النسائي، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي 2/556، والظعن أي الارتحال والسفر.

وذهب مالك على المعتمد في مذهبه إلى أن الحج لا يقبل النيابة لا عن الحي ولا عن الميت،معذوراً أو غير معذورٍ. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 42/27 فما بعدها.

ثانياً: إذا تقرر هذا فقد اتفق الفقهاءُ من المذاهب الأربعة وغيرهم على أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين، فلا يحلفُ أحدٌ عن أحدٍ،قال السرخسي الحنفي عند كلامه على إقرار الشريكين:[وإن ادَّعى رجلٌ عليهما مالاً،ولم يكن له بينةٌ فحلف أحدُهما وأبى الآخر أن يحلف، لزمهما جميعاً المالُ;لأن نكوله عن اليمين كإقراره،ولأن حَلِفَ أحدهما لا يسقطُ اليمينَ عن الآخر،بخلاف ما إذا كانت الدعوى لهما على إنسانٍ، فاستحلف أحدهما المطلوب، فحلف لم يكن للآخر أن يستحلفه;لأن النيابة في الاستحلاف تجزئ،وفي الحَلِفِ لا تجزئ، فلا يمكن أن يُجعل الحالف منهما نائباً عن صاحبه في اليمين]المبسوط 21/227.

وقال برهان الدين محمود بن مَازَةَ البخاري الحنفي:[إذا وكَّل الرجلُ رجلاً بطلب شفعته، فادَّعى المشتري على الوكيل أن موكله قد سلَّم الشفعةَ، وطلب من القاضي أن يحلف الوكيل، فالقاضي لا يُحلفه؛ لأن الوكيل لو حلف، حلف بطريق النيابة عن الموكل؛لأن الشفيع لا يدعي التسليم على الوكيل،إنما يدعيه على الموكل، والاستحلاف لا يجري فيه النيابة؛وهذا لأن اليمين شُرعت بدل حق المدَّعي بالنص بخلاف القياس؛ لأنه لا مماثلة بين أصل حقه وبين اليمين، وما عُرف شرعاً بخلاف القياس، يراعى لصحة جميع ما ورد به الشرعُ، والشرع جعلها بدل حقه إذا كان المدَّعي قبله أصلاً في الحلف] الميحط البرهاني 8/742.

وورد في مجلة الأحكام العدلية المادة (1745):[تجري النيابةُ في التحليف،ولكن لا تجري في اليمين،فلذلك لوكلاء الدعاوى أن يحلِّفوا الخصمَ، ولكن إذا توجهت اليمينُ إلى موكليهم، فيلزم تحليفُ الموكلين بالذات،ولا يحلف وكلاؤُهم ] .

وقال شارح المجلة:[ تجري النيابةُ في التحليف، يعني لنائب المدَّعي كوكيله أو وصيه أو وليه أن يطلب تحليفَ المدَّعى عليه اليمينَ عند توجه اليمين عند المدَّعى عليه،انظر المادة (1495).ولكن لا تجري النيابةُ في اليمين، أي في الحلف.وبتعبيرٍ آخر ليس لأحدٍ أن يوفي بالنيابة اليمينَ التي تتوجه على المدَّعى عليه، فلذلك لوكلاء الدعاوى وللولي والوصي والمتولي أن يحلِّف خصمه اليمين، حتى لو لم يكن مصرحاً في وكالة الوكيل بالإذن له بالتحليف.وهذا المثال متفرعٌ على الفقرة الأولى،ولكن إذا توجهت اليمين على موكليهم أو على الصغير فيلزم تحليفُ الموكلين بالذات، والصبيَّ بعد البلوغ، ولا يحلفُ وكلاؤُهم أو أولياؤهم أو أوصياؤهم] درر الحكام 12/361.

وقال محمد بن رشد الجد المالكي:[…هذا بيِّنٌ على ما قاله،إذ لا يحلفُ أحدٌ عن أحدٍ] البيان والتحصيل 16/15.

وقال يحيى العمراني الشافعي:[مسائل لا يمكن فيها ردُّ اليمين:ذكر أصحابنا ثلاث مسائل لا يمكن فيها رد اليمين على المدَّعي:إحداهن:إذا مات رجلٌ ولا وارث له غير المسلمين، فوجد في دفتره أن له ديناً على رجلٍ، أو شهد له بذلك شاهدٌ واحدٌ، وأنكر من عليه الدَّين ونكلَ عن اليمين،فلا يمكن ردُّ اليمين هاهنا على أحدٍ وماذا يفعل فيه؟ قال أبو سعيد الإصطخري: فيه وجهان:أحدهما: يُحكم على المدَّعى عليه هاهنا بالنكول، فيجب عليه الدَّينُ؛ لأنه موضع ضرورة.
والثاني: يُحبس المدَّعى عليه حتى يُقرَّ أو يحلف، وهو الأصح؛ لأنه لا يمكن ردُّ اليمين على القاضي؛ لأن النيابة في اليمين لا تصح، ولا على المسلمين؛ لأنهم لا يتعينون، ولا يحكم عليه بالنكول؛ لأن ذلك لا يجوز عندنا، فإن تعذر ذلك لم يبق إلا حبس المدَّعى عليه إلى أن يحلف أو يقر ] البيان في مذهب الشافعي 13/95.وانظر الحاوي الكبير 10/364

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ولا تدخلُ اليمينَ النيابةُ ، ولا يحلفُ أحدٌ عن غيره ، فلو كان المدَّعى عليه صغيراً أو مجنوناً ، لم يُحلف عنه ،ووقف الأمرُ حتى يبلغ الصبيَُ ويعقل المجنونُ ، ولم يحلفْ عنه وليهُ ]المغني 12/124.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي أيضاً:[فإن كان في الورثة صغيرٌ أو معتوهٌ‏,‏ وُقف حقهُ حتى يبلغ الصغيرُ ويعقل المعتوهُ، لأنه لا يمكن أن يحلف على حاله، ولا يحلفُ وليهُ، لكون اليمين لا تدخلُها النيابةُ] المغني 12/102.

وقال البهوتي الحنبلي: [ولا تدخلُ النيابةُ في اليمين، فلا يحلفُ أحدٌ عن غيره، فلو كان المدَّعى عليه صغيراً أو مجنوناً لم يحلف ، لأنه لا يعول على قوله،ووقف الأمرُ إلى أن يكلفا، فيقرا أو يحلفا أو يُقضى عليهما بالنكول] كشاف القناع عن متن الإقناع 6/571.

وقال د. وهبة الزحيلي:[ ولا تدخل النيابةُ في اليمين، ولا يحلفُ أحدٌ عن غيره، فلو كان المدَّعى عليه صغيراً أو مجنوناً، لم يحلف عنه، ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، ولم يحلفْ عنه وليهُ] الفقه الإسلامي وأدلته 8/6066.

ثالثاً: ما قرره الفقهاءُ من أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين، هو مقتضى الأدلة الواردة في السنة النبوية،فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على من أنكر )رواه الترمذي والبيهقي،وهو حديثٌ صحيحٌ كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل.فهذا الحديث يدل على أن اليمين تطلب من المُنكرِ وهو أحدُ طرفي الخصومة.

وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال :( كانت بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ ،فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله:( شاهداك أو يمينه)رواه مسلم. وهذا الحديث يدل على ما دلَّ عليه الحديث السابق.

وعنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) قَالَ فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ نَزَلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ فَقُلْتُ لَا قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ إِذَنْ يَحْلِفُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فَنَزَلَتْ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. رواه مسلم ، وغير ذلك من الأحاديث

وخلاصة الأمر:

أن الأصلَ المقرر عند العلماء أن المكلفَ شرعاً يقوم بما كُلِّف به بنفسه، إلا أن نصوص الشريعة دلت على جواز دخول النيابة بعض الأعمال.

وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم على أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين، فلا يحلفُ أحدٌ عن أحدٍ.

وأن ما قرره الفقهاء من أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين هو مقتضى الأدلة الواردة في السنة النبوية.

والله الهادي إلى سواء السبيل

معاهدة الله

يقول السائل : إذا عاهد شخص الله جل جلاله على أن يقوم بعمل ما أو يكف عن عمل ما ثم نقض عهده فهل يكون منافقاً تنطبق عليه الآيات الواردة في الذين ينقضون عهد الله ؟

الجواب : وردت آيات عديدة في عهد الله أو معاهدة الله سبحانه وتعالى ومنها قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) سورة البقرة الآية 27 .ومنها قوله تعالى : ( إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة آل عمران الآية 77 .ومنها قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) سورة التوبة الآيات 75 -77 . وغير ذلك من الآيات . قال الراغب الأصفهاني : ( … وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها وعلى هذا قوله : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) – (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) – (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ ) ] المفردات في غريب القرآن ص350 . وقال العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) [ والمراد بالعهد ها هنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله تعالى عليهم وسلم وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذم لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا جميع الكفار . وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره . وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه . والناقضون حيئذ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول وعكس بعض – ولكل جهة – وقيل : الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السماوات والأرض عن أن يحملنها وقيل : هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم ] روح المعاني 1/112-113 . وقد قرر العلماء أن من عاهد الله سبحانه وتعالى ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية من المعاصي وينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ) رواه البخاري ومسلم . وجاء في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) رواه البخاري ومسلم . قال الإمام النووي في شرح الحديث السابق :[ هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك . وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال . وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله . وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه . فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بـأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى الموجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأئتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر . ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله صلى الله عليه وسلم : كان منافقاً خالصاً معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال . قال بعض العلماء : وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالباً عليه . فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه . فهذا هو المختار في معنى الحديث . وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي رضي الله عنه معناه عن العلماء مطلقاً فقال : إنما معنى هذا عند أهل العمل نفاق العمل . وقال جماعة من العلماء : المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوا بإيمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم . وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن اليصري رحمه الله بعد أن كان على خلافه وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم . وروياه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض رحمه الله وإليه مال كثير من أئمتنا وحكى الخطابي رحمه الله قولاً آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق . وحكى الخطابي رحمه الله أيضاً : عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول : فلان منافق وإنما كان يشير إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يفعلون كذا ؟ والله أعلم ] شرح النووي على صحيح مسلم 1/235-236 . ومن العلماء من حمل النفاق في الحديث على نفاق العمل كما سبق في كلام النووي عن الترمذي ونص كلام الإمام الترمذي في سننه هو :[ وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال : النفاق نفاقان : نفاق العمل ونفاق التكذيب ] سنن الترمذي 5/21 . قال القرطبي المحدث :[ إن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق ؟ أي من صفات المنافقين الفعلية ووجه هذا أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها فصدق عليه اسم منافق ] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/250 .وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في تفسير النفاق :[ وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي ] فتح الباري 1/98 . وخلاصة الأمر أنه يجب على المسلم إذا عاهد الله أن يفعل خيراً أو ينتهي عن معصيه فعليه الوفاء بما عاهد عليه الله . قال تعالى : ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) سورة الإسراء الآية 34 . وأما إذا نقض عهده مع الله فقد ارتكب معصية وقد عدها جماعة من العلماء من كبائر الذنوب وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/225-227 .فعلى من نقض عهد الله أن يبادر إلى التوبة ويفي بما عاهد الله عليه .وأخيراً أنبه على أن من حلف بعهد الله فهذه تعد يميناً يلزمه الوفاء بها وإذا حنث لزمته كفارة يمين قال الكاساني :[ ولو قال عليَّ عهد الله أو ذمة الله أو ميثاقه فهـو يمين لأن اليمين بالله تعالى هي عهد الله على تحقيقه أو نفيه ألا ترئ إلى قوله تعالى : ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ) سورة النحل الآية 91 . ثم قال سبحانه وتعالى : ( وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) سورة النحل الآية 91 . وجعل العهد يميناً والذمة هي العهد ] بدائع الصنائع 3/15 .

الأكل من الشاة المنذورة

يقول السائل : نذر إنسان أن يذبح شاة فهل يجوز أن يأكل منها هو وأهل بيته ؟

الجواب : إن الوفاء بالنذر واجب لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه ) رواه البخاري ومسلم . ويجب أن يعلم أن النذر حتى يعتبر نذراً لا بد أن يكون لفظاً يجري على اللسان وأما مجرد النية بالنذر فلا يعتبر ذلك نذراً ويدل على ذلك قوله تعالى : ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) سورة مريم الآية 26 . إذا ثبت هذا فنقول : إن من نذر شاة لله تعالى فيجب عليه أن يفي بنذره ويجب أن يصرفها مصرف الصدقات فلا يجوز له أن يأكل منها ولا يجوز لأهل بيته أن يأكلوا منها لأن الشخص وأهل بيته لا يصح صرف الزكاة إليهم وكذلك في النذر لله تعالى لا يصح ولا يجوز أن يأكلوا منه . وإذا أكلها هو وأهل بيته فعليه أن يذبح شاة أخرى بدلاً منها ويوزعها على الفقراء والمحتاجين .  وهذا هو الحكم في كل نذر لله تعالى إلا إذا كان الناذر قد نوى أن يذبح الشاة ويأكل منها هو وأهله وأقاربه وجيرانه مثلاً فإن كانت نيته كذلك فله أن يأكل منها هو واهله ومن ذكر ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم :  (إنما الأعمال بالنيات وللكل امرئ ما نوى ) رواه البخاري ومسلم .

يحرم على المسلم أن يحرم الحلال وكفارة ذلك.

يقول السائل : إن أباه حلف عليه يميناً أن لا يذهب إلى صلاة الجماعة في المسجد فما حكم هذه اليمين وما موقف الابن من يمين أبيه ؟

الجواب : إن أباك أخطأ في حلفه هذا ولا يجب عليك أن تبر بيمين أبيك ولا يصح للأب أن يجعل يمينه حائلاً دون فعل الطاعات لقوله تعالى : ( وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) . وعلى أبيك كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد يصوم ثلاثة أيام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه ) حديث صحيح . وكما قلت لا يجب عليك أن تبر بقسم أبيك لأن إبرار المقسم يكون مندوباً إذا لم يكن في اليمن مفسدة أو خوف ضرر أو أمر مكروه فإذا لم يكن في اليمين مثل ذلك يندب في حق المحلوف عليه أن يبر بقسم الحالف لما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام … إلخ الحديث ) . والأمر في الحديث على أمور مندوبة باتفاق أهل العلم كما قرره الإمام الشوكاني ، وقد أقسم أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بتأويل الرؤيا فقال عليه الصلاة والسلام ( لا تقسم ) ولم يخبره كما ثبت ذلك في الصحيح .