المُرُوءَةُ وخوارمها

يقول السائل:ما المقصود بخوارم المُرُوءَة،وهل تقدحُ في عدالة الشخص،وهل تسقطُ شهادته أمام القضاء إذا اتصف بأحد خوارم المُرُوءَة،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: المُرُوءَةُ في اللغة كما قال ابن منظور:كَمالُ الرُّجُوليَّة…وقيل للأحنف ما المُرُوءَة:فقال العفة والحرفة، وسئل آخر عن المُرُوءَة فقال:المُرُوءَةُ أَن لا تفعل في السِّرِّ أَمراً وأَنت تَسْتَحْيِي أَن تَفْعَلَهُ جَهْراً.لسان العرب مادة مرأ.

وقال الفقهاء:إنها صفةٌ تمنعُ صاحبها عن ارتكابِ الخصالِ الرذيلة، كما قال القليوبي.

وقال الخطيب الشربيني:وأحسن ما قيل في تفسير المُرُوءَة أنها تَخَلُّق المرء بخلق أمثاله من أبناء عصره ممن يراعي مناهج الشرع وآدابه في زمانه ومكانه.الموسوعة الفقهية 37/33.

وقال الماورديُّ:المُرُوءَة مراعاة الأحوال إلى أن تكون على أفضلها،حتَّى لا يظهر منها قبيحٌ عن قصد،ولا يتوجَّه إليها ذمٌّ باستحقاق.أدب الدنيا والدين 325.

وقال ابن عرفة:المُرُوءَةُ هي المحافظَةُ على فِعْل ما تَرْكُه من مُباحٍ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا…وعلى ترْك ما فعلُه من مُباحٍ يوجبُ ذَمَّه عُرْفًا. شرح حدود ابن عرفة 591.

ويمكن القول:إن المُرُوءَةَ تعني جُماع مكارم الأخلاق وكمال الأدب وحُسن السلوك،وتمام الخُلق الإنساني الرفيع.

وصدق من قال:

إنـي لتُطرِبُني الـخِلالُ كريمةً  *** طرَبَ الغريبِ بأوبـةٍ وتلاقي

وتـهزُّني ذكرى المُرُوءَةِ والنَّدى  *** بين الشمائل هِـزَّةَ المـُشتاقِ

ثانياً:لا شك أن المُرُوءَة من مقاصد الشرع الشريف،لأنها آدابٌ نفسانيةٌ تحملُ مراعاتها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات،كما قال الفيومي في المصباح المنير 569، وهي رعيٌ لمساعي البر ورفع لدواعي الضر، وهي طهارةٌ من جميع الأدناس والأرجاس،لذا فإنَّ كلَّ آية من كتاب الله تأمر بفضيلةٍ من الفضائل، أو تنهى عن رذيلةٍ من الرذائل فهي تدلُّ على المُرُوءَة،وترشد إلى طريقها،وهنالك كثير من الآيات الكريمات التي تأمر بالتحلي بمحاسن الأخلاق،والتزين بجميلها،وهذه الآيات متضمنة لأصول المروءَة وركائزها التي تُبنى عليها،وإن كانت لا تدلُّ على المُرُوءَةِ بحروفها وألفاظها،ومن أجمعها قول الله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}سورة الأعراف الآية 99.

قيل لسفيان بن عيينة:[قد استنبطتَ من القرآن كل شيءٍ، فهل وجدت المُرُوءَةَ فيه؟فقال:نعم،في قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}يقول:ففيه المُرُوءَةُ وحُسن الأدب ومكارم الأخلاق،فجمع في قوله:{خُذِ الْعَفْوَ}صلة القاطعين والعفو عن المذنبين،والرفق بالمؤمنين،وغير ذلك من أخلاق المطيعين،وذلك في قوله:{خُذِ الْعَفْوَ}ودخل في قوله:{وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}صلة الأرحام،وتقوى الله في الحلال والحرام،وغض الأبصار،والاستعداد لدار القرار،ودخل في قوله:{وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}الحضُّ على التَّخَلق بالحلم، والإعراض عن أهل الظلم،والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة والأغبياء،وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة ].

وقال الله تبارك وتعالى في صفات عباده الذين اتصفوا بأعلى صفات المُرُوءَةِ ووصلوا إلى غاياتها:{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} سورة الفرقان الآيات 63-76.

وقال الله تعالى:{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}سورة النحل الآيات 90– 92.

وقد جعل سفيان الثوري المُرُوءَةَ مبنيةً على ركنين استمدهما من هذه الآية الكريمة،حيث سئل عن المُرُوءَةِ ما هي؟فقال:[الإنصاف من نفسك،والتفضل لله تعالى:إنَّ الله يأمر بالعدل،وهو الإنصاف، والإحسان،وهو التفضل،ولا يتمُّ الأمر إلا بهما،ألا تراه لو أعطى جميع ما يملك،ولم ينصف من نفسه لم تكن له مروءة؛لأنَّه لا يريد أن يعطي شيئًا إلا أن يأخذ من صاحبه مثله،وليس مع هذا مروءة].

وقد ردت أحاديثُ كثيرةٌ تشير إلى ما تضمنته صفة المُرُوءَة من حُسن الخلق وجميل المعاشرة،والتحذير من كلِّ ما يشين الإنسان،ويدنِّس عرضه،ومنها:(قيل:يا رسول الله،من أكرم الناس؟قال:أتقاهم لله.قالوا:ليس عن هذا نسألك.قال: يوسف نبي الله بن نبي الله،بن خليل الله.قالوا:ليس عن هذا نسألك.قال:فعن معادن العرب تسألوني؟خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) رواه البخاري ومسلم .

قال الإمام النووي:[ وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْمُرُوءَاتِ وَمَكَارِمِ الأخلاق في الجاهلية اذا أسلموا وفقهوا فَهُمْ خِيَارُ النَّاسِ] شرح النووي على صحيح مسلم 15/135.وانظر موسوعة الأخلاق من موقع الدرر السنية .

ثالثاً:المقصود بخوارم المُرُوءَة هي النقائص التي تُخرج من التزام المُرُوءَة تركاً لها وإفساداً.أو هي كل قولٍ أو فعلٍ أو حِرفةٍ يوجب فعلُها أو تركُها الذمَّ في عادات الناس وأعرافهم المعتبرة شرعاً.المُرُوءَة وخوارمها ص 281.

ويمكن وضع ضابط لخوارم المروءة بأنه كل ما يدعو إلى ذم الفاعل في نظر مجتمعه أو نظر الشرع من الأفعال،وهذا يختلف باختلاف المجتمعات كما سأبين،فكم من مسألةٍ تُذمُّ في مجتمعٍ،وتُمدح في مجتمعٍ آخر

وبناءً على ذلك ذكر العلماء عدداً كبيراً مما يعتبر من خوارم المُرُوءَة،فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: 

(1)كثرة المزاح والجلوس في الطرقات لرؤية النساء

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[كثرة المزاح واللهو وفحش القول،والجلوس في الأسواق لرؤية من يمرّ من النساء من خوارم المروءة]فتح الباري 11/40.

(2)من خوارم المروءة أن يُقبِّل الرجلُ زوجته أمام الناس.

قال الخطيب الشربيني:[من خوارم المروءة قُبلة زوجةٍ أو أَمَة له بحضرة الناس،أو وضْع يده على موضع الاستمتاع منها من صدرٍ ونحوه] مغني المحتاج 4/577.

(3)قصُّ شعر الرأس واللحية بأشكالٍ غريبةٍ وغير مألوفة كما هو حال كثير من شبابنا في هذه الأيام،

فقد انتشرت بعض قصات الشعر الغريبة التي تشوه الرؤوس والوجوه،وما هي إلا تقليدٌ أعمى للغربيين من لاعبي الكرة والممثلين ونحوهم.

(4)امتهانُ الشحاذة-التسول- ومدُّ اليد للناس من غير حاجةٍ ضروريةٍ تدعو إلى ذلك.

فهذه مسقطة للمُرُوءَة،لما فيها من الكذب والتصنع والخداع والغش للناس.

(5)إضاعة الأوقات بالجلوس لوقتٍ طويلٍ في المقاهي والملاهي ولعب الورق ونحوه.

(6)البحث والتفتيش في حاويات القمامة لغير حاجة.

(7)من خوارم المروءة القبيحة جداً أن يتحدّث الرجل في مجالسه عن العلاقة الجنسية مع زوجته،وهذا أم منكرٌ ومحرمٌ شرعاً،لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إن من شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة،الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه،ثم ينشر سرها)رواه مسلم.

وفي رواية أخرى عند مسلم:(إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)

قال الإمام النووي:[وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك،وما يجري من المرأة فيه من قولٍ أو فعلٍ ونحوه،فأمّا مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدةٌ ولا إليه حاجةٌ فمكروهٌ لأنّه خلافُ المُرُوءَةَ] شرح النووي على صحيح مسلم 10/8-9  .

وخوارم المُرُوءَة كثيرةٌ ومنتشرةٌ خاصةً في زماننا،

قال الشاعر:

مررتُ على المروءةِ وهي تبـكي فقلتُ:عَلامَ تنتـحبُ الفتاةُ؟

فقالت:كيف لا أبـكي وأهلي جمـيعاً دون خَـلق الله مـاتوا

رابعاً: من المقرر عند أهل العلم أن المُرُوءَة وخوارمها تختلف باختلاف المجتمعات والأزمان والبلدان،قال القرطبي:[وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك،والعادة متباينة فيه،وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم،ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر،خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة]تفسير القرطبي 13/238.

وقال السخاوي:[وما أحسن قول الزنجاني في شرح الوجيز:المُرُوءَةُ يُرجع في معرفتها إلى العرف،فلا تتعلق بمجرد الشرع،وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلَّما تنضبط،بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان،فكم من بلدٍ جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعُدَّ خرماً للمُرُوءَة.وفي الجملة رعاية مناهج الشرع وآدابه والاهتداء بالسلف والاقتداء بهم أمرٌ واجبُ الرعاية] فتح المغيث 2/6.

وبناءً على ذلك يراعى في اعتبار الْمُرُوءَاتِ واعتبار ما يخرمها اختلاف البلدان والأزمان والأشخاص،فيتغير كون الفعل حسناً أو قبيحاً باختلاف المجتمعات،وقد مثَّل الشاطبي لذلك فقال:[ مثل كشف الرأس،فإنه يختلف بحسب البقاع فى الواقع،فهو لذوي الْمُرُوءَاتِ قبيح فى البلاد المشرقية،وغير قبيح فى البلاد المغربية،فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك،فيكون عند أهل المشرق قادحاً فى العدالة،وعند أهل المغرب غير قادح] الموافقات 2/284.

خامساً:اعتبر الفقهاءُ أن خوارمَ المُرُوءَة من مسقطات الشهادة،وتعتبر قدحاً في عدالة المسلم،قال العيني الحنفي:[كل فعلٍ فيه تركُ المروءةِ يوجب سقوطَ شهادته بلا خلافٍ بين الأئمة الأربعة]البناية شرح الهداية 9/150.

وقرر الفقهاء وجود ارتباطٍ كبير بين العدالة والمُرُوءَة،فالمُرُوءَة داخلةٌ في العدالة لأنها تمنعُ الكذب،لأن الكذب دناءةٌ والمُرُوءَةُ تمنع منه،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وَإِذَا كَانَتِ الْمُرُوءَةُ مَانِعَةً مِنَ الْكَذِبِ اعْتُبِرَتْ فِي الْعَدَالَةِ كَالدِّينِ] المغني 9/168-169.

وورد في الموسوعة الفقهية الكويتية 37/34 ما يلي:[المُرُوءَةُ من لوازم قبول الشهادة،فيشترط في الشاهد فوق اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر:الترفع عن ارتكاب الأمور الدنيئة المزرية بالمرء وإن لم تكن حراماً،وهي كل ما يذمُّ فاعلُه عرفاً من أمثاله في زمانه ومكانه،لأن الأمور العرفية قلما تنضبط،بل تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والبلدان]وانظر المُرُوءَة وخوارمها ص 283 فما بعدها.

وخلاصة الأمر:

أن المُرُوءَة هي كَمالُ الرُّجُوليَّة وتعني جماع مكارم الأخلاق وكمال الأدب وحُسن السلوك،وتمام الخُلق الإنساني الرفيع.

وأن المُرُوءَةَ من مقاصد الشرع الشريف،وفي ذلك ورد كثيرٌ من الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة التي تأمر بالتحلي بمحاسن الأخلاق،والتزين بجميلها.

وأن خوارم المُرُوءَة هي كل قولٍ أو فعلٍ أو حِرفةٍ يوجب فعلُها أو تركُها الذمَّ في عادات الناس وأعرافهم المعتبرة شرعاً.

وأن المُرُوءَة وخوارمها تختلف باختلاف المجتمعات والأزمان والبلدان،وعليه فيجب أن يراعى في اعتبار الْمُرُوءَاتِ واعتبار ما يخرمها اختلاف البلدان والأزمان والأشخاص،فيتغير كون الفعل حسناً أو قبيحاً باختلاف المجتمعات.

وأن خوارمَ المُرُوءَة من مسقطات الشهادة،وتعتبر قدحاً في عدالة المسلم.

وأن كل فعلٍ فيه تركُ المُرُوءَةِ يوجبُ سقوطَ الشهادة بلا خلافٍ بين الأئمة الأربعة.

والله الهادي إلى سواء السبيل

التوضيحُ والبيانُ في الردِّ على افتراءات يوسف زيدان

يقول السائل:

زعم الكاتبُ المصري يوسف زيدان أن المسجد الأقصى الموجود في مدينة القدس المحتلة، ليس هو المسجد الأقصى ذو القدسية الدينية الذي ذُكر في القرآن الكريم، والذي أسرى الرسولُ صلى الله عليه وسلم إليه، وأن ذلك مجرد خرافات ,والمسجد الأقصى في الجعرانة على طريق مدينة الطائف في السعودية، فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

قرأتُ وسمعتُ ما قاله يوسف زيدان وتتبعتُ أقواله المنشورة على عددٍ كبيرٍ من المواقع الألكترونية،حول قضية الإسراء والمعراج ومدينة القدس ومكان المسجد الأقصى وتاريخ بناءه، ولا يتسع المقام للردِّ عليه في كل ما قال، وسأكتفي بإبطال مزاعمه حول مكان المسجد الأقصى،فأقول:

أولاً: كلُّ ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى، ما هو إلا تكرارٌ لما قاله المستشرقون اليهود وغيرهم، فهو لم يأتِ بجديدٍ، وليس صحيحاً ما زعمه بعض المدافعين عن يوسف زيدان بأن [ما حاوله الرجل ولا يزال، طرح فكرة خرجت بعد الكثير الكثير من الدراسة. فنحن لا نتكلم هنا عن رجلٍ هاوٍ ولا عن رجلٍ يقلب بين صفحات قصة هنا وراوية هناك. نحن نتكلم عن رجل قدًّم للأدب العربي الحديث ما لم يقدمه أحد في هذه العقود الأخيرة. رجوعه التاريخي وتنقيبه بالمخطوطات والوثائق لا يستهان به ولا يوجد من ينافسه أو يقترب من فيه] 

فهذا الكلام أُكذوبةٌ كبرى تدل على جهل قائلها بالعلم وبالبحث التحقيق وبالتاريخ ، فكلام يوسف زيدان في هذه القضية مجرد اجترار لما قاله من سبقه من المشككين في مكان المسجد الأقصى، لا عن بحثٍ ولا عن كثير دراسةٍ ولا قليلها ولا يحزنون؟!

ثانياً: زعم يوسف زيدان أن المسجد الأقصى الحقيقي الذي ذُكر في القرآن يوجد بالجعرانة على طريق “الطائف”، وهذا الزعم سبقه إليه عددٌ من المستشرقين اليهود والأجانب وأفراخ المستشرقين، وكذا بعض المخدوعين بكلامهم من أدعياء العلم الباحثين عن الشهرة، ولو بنشر الأباطيل،حتى قال بعضهم إن المسجد الأقصى موجود في طور سيناء ؟! وغير ذلك من الترهات .

فالمستشرقون والباحثون اليهود شكَّكوا في مكانة وموقع المسجد الأقصى المبارك، فزعموا والزعمُ مطية الكذب، أن المسجد الأقصى يقع في مكانٍ يسمى الجعرانة قرب مكة المكرمة، وهذا ما زعمه الباحث اليهودي أهارون بن شيمش في تحريفه لمعاني القرآن الكريم، وكذا زعمه مردخاي كيدار مدير معهد دراسات الشرق الأوسط والإسلام في جامعة بار ايلان الإسرائيلية.

وكذلك الكاتب “يهودا ليطاني” في مقالٍ له في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بعنوان “معركة ذهنية حول المسجد الأقصى” زعم أن المسجد الأقصى يقع بالقرب من المدينة المنورة، وشكَّك في مقاله ” أن يكون المسجد الأقصى محل إجماع عند المسلمين أنه المسجد في القدس، وأضاف: والحق أن هناك تفسيرات إسلامية لعبارة المسجد الأقصى تجعله في مناطق أخرى من جملتها بقرب المدينة المنورة!!

وزعم بعض الباحثين اليهود أن المسجد الأقصى مسجدٌ في السماء، وليس هو الموجود في بيت المقدس، [جاء في “الموسوعة الإسلامية “ncyclopacdia of Islam ” والتي كتبها اليهودي” بوهل” تحت كلمة: AL-Kuds ما يأتي: ربما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظن أن المسجد الأقصى مكان في السماء “!!

ورجَّح بعد ذلك: “أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما فهم منذ البداية أن المسجد المذكور في الآية الكريمة إنما هو مكان في السماء، وليس المسجد الذي بُني فيما بعد في مدينة بيت المقدس”

ويقول إسحق حسون الباحث اليهودي، وعضو معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في الجامعة العبرية “إن علماء المسلمين لم يتفقوا جميعاً على أن المسجد الأقصى هو مسجد القدس،إذ رأى بعضهم أنه مسجد في السماء يقع مباشرة فوق القدس أو مكة”!!

وكتبت الباحثةُ اليهودية “حوا لاتسروس يافه” بحثاً أكدت فيه أن المسجد المذكور في آية الإسراء قد فُهم منذ البداية أنه مسجدٌ بعيدٌ قصيٌ سماوي! ولم يُقصد منه ذلك المسجد الذي لم يُقَم في القدس إلا زمن الأمويين.

ودعمت لاتسروس فكرتها بمقال كتبه “جوزيف هوروفيتش” حول الموضوع نفسه أكَّد فيه أن المسجد الذي عنته آية الإسراء، إنما هو مصلىً سماوي يقع في القدس السماوية العليا، وقال:”ينبغي أن نفهم أقوال مفسري القرآن الأقدمين على هذا النحو، حيث يُجمعون عادةً على أن المسجد الأقصى معناه بيت المقدس، وحسب رأيها فإنهم يقصدون القدس العليا، غير أن المصطلحات اختلطت على مرِّ الأجيال، وفُهم المسجد الأقصى الذي في القدس العليا على أنه موجود في القدس الحاضرة”.

وكذلك شكَّك باحثون يهود آخرون في مكانة المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين.انظر كتاب”الشيعة والمسجد الأقصى”ص 36 فما بعدها.

ثالثاً: إن ما قاله يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس، ما هو إلا تردادٌ لما قاله المستشرقون من قبله،أمثال المســتشرق المجري اليهودي”جولــد تســيهر” والمستشرق اليهودي ” غويتاين “وغيرهما من المستشرقين، فجميع أبحاث المستشرقين في دراساتهم المتعلقة بالمسجد الأقصى والقدس تؤكد أنه لم تكن هناك أي قداسةٍ لبيت المقدس في الإسلام، قبل حكم الخلافة الأموية لبيت المقدس، وأن الخليفة عبد الملك بن مروان قد بنى قبة الصخرة المشرفة ليصرف أنظار المسلمين عن الكعبة، وذلك بسبب ثورة ابن الزبير، وأن بناءه لقبة الصخرة المشرفة جاء ليكون مبنىً يحجُ إليه المسلمون، يُنافس الكعبةَ في مكة المكرمة، التي كانت آنذاك تحت سيطرة عبد الله بن الزبير، ولأن عبد الملك لم يُرِدْ أن يحجَّ رعاياهُ إلى منطقة التمرد، وأن عبد الملك قد منع الأمويين من أداء الحج في مكة .

وهذه الفرية من افتراءات المستشرق اليهودي “جولد تسيهر”: [ لقد مال الباحثون إلى الاعتقاد وبينهم “جولد تسيهر” أن عبد الملك قصد من إقامته المبنى – قبة الصخرة – إعداد مبنىً يحج إليه المسلمون ينافس الكعبة في مكة المكرمة التي كانت آنذاك تحت سيطرة خطرٍ هو عبد الله بن الزبير. إما لأن عبد الملك لم يُرد أن يحج رعاياه إلى منطقة التمرد، وإما لأن عبد الملك قد منع الأمويين من أداء شعائر الحج في مكة،وتفيد الروايات أن عبد الملك لم يكتفِ بإقامة (معبد) قبة الصخرة الضخم، بل وجنَّد من أجل هدفه هذا محدثين يروون الأحاديث عن النبي التي تُشيد بالصلاة في القدس، وفي الحرم، وقبة الصخرة على وجه الخصوص.إن أشهر تلك الأحاديث المنسوب إلى أبي هريرة الصحابي الذي يضعفه الكثيرون!؟ والمنسوب لآخرين كذلك، وهذا نصه:(لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) لقد انتشر هذا الحديث، وأحاديث أخرى متشابهة في المرويات الإسلامية،ولذلك يطلق على القدس والحرم، ثالث الحرمين. وهناك من يروي أن عبد الملك كان قد حاول في تلك الأيام أن يطور شعائر عبادة في الحرم، تُشبه تلك التي تقام في الكعبة، كالطواف غير أن طواف الصخرة من اليمين إلى اليسار ، على عكس الطواف في الكعبة، وعادات أخرى غدت بدعاً ]أدب فضائل المدن في دراسات المستشرقين اليهود ص 16.

ويعتقد المستشرق “غويتاين” أن الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الواقع سياسية، وإنما دينية.

ويزعم المستشرقون أن الأحاديث التي رويت في فضائل المسجد الأقصى وبيت المقدس وُجدت في فترةٍ متأخرةٍ، وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان،وأن جُلَّ الأحاديث هذه،هي من اختلاق محمد بن شهاب الزهري.وغير ذلك من الأكاذيب والمفتريات والمغالطات.

رابعاً: إن المشككين في مكانة ومكان المسجد الأقصى المبارك من الباحثين والمستشرقين اليهود والأجانب وأتباعهم كيوسف زيدان قد اعتمدوا على مراجع غير موثوقة،كما في زعمهم أن المسجد الأقصى في السماء،فقد اعتمدوا على مصادر شيعيةٍ غير موثوقةٍ بحالٍ من الأحوال، ولا تعتمد صحة الأسانيد، وإنما مجرد سردٍ للأخبار من غير تدقيقٍ ولا تحقيقٍ كحاطبِ ليلٍ، ومن المعلوم أن مصادرَ الشيعة محشوةٌ بالأكاذيب والخرافات من غير زمامٍ ولا خطام.

وقد ألَّف أحدُ مراجع الشيعة، وهو جعفر مرتضى العاملي، كتاباً بعنوان (المسجد الاقصى أين؟) جاء فيه:[ لقد تبين لنا عدة حقائق بخصوص المسجد الأقصى، والذي يحسم الأمرَ أنه ليس الذي بفلسطين ] ونصَّ فيه على أن المسجد الأقصى مسجدٌ في السماء. وكذا ورد في تفسير الصافي للكاشاني عند تفسيره لآية الإسراء أن المسجد الأقصى في السماء.

وجاء في كتاب منتهى الآمال لعباس القمي ص70:[والمشهور على أن المسجد الأقصى هو بيت المقدس، ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أن المرادَ منه هو البيتُ المعمورُ الذي يقع في السماء الرابعة، وهو أبعد المساجد].

وورد نفس الكلام في تفسير العياشي وفي البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني وفي بحار الأنوار للمجلسي وفي الكافي للكليني، وغيرها من مراجع الشيعة.

كما اعتمد الذين زعموا أن المسجد الأقصى في الجعرانة على رواياتٍ ذكرها المؤرخون كالواقدي في كتابه المغازي والأزرقي في تاريخ مكة المكرمة وغيرهما، وقد أساؤوا فهمها إما عمداً أو جهلاً بلغة العرب وبالأمكنة التاريخية، فقد روى الأزرقي بسنده عن [زياد بن محمد بن طارق أخبره أنه اعتمر مع مجاهد من الجعرانة، فأحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة قال: ومن ههنا أحرم النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأعرف أول من اتخذ المسجد على الأكمة، بناه رجل من قريش سمَّاه، واشترى بمالٍ عنده نخلاً، فبنى هذا المسجد. قال ابن جريج: فلقيت أبا محمد بن طارق فسألته فقال: اتفقتُ أنا ومجاهد بالجعرانة، فأخبرني أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بالجعرانة، قال: وأما هذا فإنما بناه رجلٌ من قريش. وذكر الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، وكان مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالجعرانة، فأما الأدنى فبناه رجل من قريش].

وقال أبو الطيب المكي الحسني الفاسي:[ ونقل ابن خليل عن ابن جريج أن الرجل الذي بنى المسجد الأُديني هو عبد الله بن خالد الخزاعي.] شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام1/384.

وقال د. حسين الشافعي:[ورد ذكر مسجدين في الجعرانة ، أحدهما بالعدوة القصوى من الوادي في موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم،والثاني بالعدوة الدنيا من الوادي، بناه عبد الله بن خالد الخزاعي] المساجد الأثرية في مكة وما حولها ص 41.

ومن المعلوم في السيرة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة عندما اعتمر، وفيها المسجد الذي صلّى فيه، وأحرم منه عند مرجعه من الطائف بعد فتح مكة، ويقع هذا المسجد وراء الوادي بالعدوة القصوى، ويُعرف بالمسجد الأقصى، لوجود مسجدٍ آخر بُني من قبل أحد المحسنين يعرف بالمسجد الأدنى.

والمراد بالعدوة ضفة الوادي وشاطئه، والوادي له عدوتان قصوى ودنيا، كما قال الله تعالى في قصة غزوة بدر:

{إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى}

سورة الأنفال الآية 42

[قال عكرمة:العدوة الدنيا:شفير الوادي الأدنى،والعدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى] الدر المنثور 4/73.

وبهذا يظهر لنا جلياً أن المسجد الأقصى بالجعرانة إنما سُمِّي كذلك من باب ما يقابله وهو المسجد الأدنى، ولا علاقة لذلك بالمسجد الأقصى المبارك بالقدس، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ.وإن حمل النصوص الواردة في المسجد الأقصى المبارك، على مسجد الجعرانة هو تماماً كما أوَّلَ الشيعةُ قول الله تعالى تأويلاً باطلاً:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}قال الشيعة البقرة هي عائشة؟؟!!

وخلاصة الأمر أن ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى ما هو إلا تكرارٌ لما قاله المستشرقون اليهود وغيرهم، فهو لم يأت بجديدٍ وإنما هو تقليدٌ أعمى لمقولات المستشرقين.

وأن أباطيل المستشرقين وأفراخهم حول مكان وجود المسجد الأقصى كقولهم إنه في الجعرانة أو في طور سيناء أو بالقرب من المدينة المنورة أو في السماء، كلها تُرهاتٍ لا تثبت عند أي نقاشٍ علميٍ.

وأن مقولة يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس،ما هو إلا اجترارٌ لما قاله المستشرقون من قبله، وعمدتُهم في ذلك أكاذيبٌ ومفترياتٍ ومغالطاتٍ.

وأن كل المشككين في مكان المسجد الأقصى المبارك من الباحثين والمستشرقين اليهود والأجانب وأتباعهم كيوسف زيدان قد اعتمدوا على مراجع غير موثوقة،واعتمدوا على مصادرَ شيعيةٍ غير موثوقةٍ بحالٍ من الأحوال، ولا تعتمد صحة الأسانيد، وإنما مجرد سردٍ للأخبار من غير تدقيقٍ ولا تحقيقٍ كحاطبِ ليلٍ، وأن مصادرَ الشيعة محشوةٌ بالأكاذيب والخرافات من غير زمامٍ ولا خطام.

والله الهادي إلى سواء السبيل

نظراتٌ شرعيةٌ في مصطلح ” تجديد الخطاب الديني “

يقول السائل:تتداول وسائلُ الإعلام عبارة “تجديد الخطاب الديني” فما المقصود بذلك،أفيدونا؟

الجواب:أولاً:مصطلح”تجديد الخطاب الديني”أو”تطوير الخطاب الديني”المستعملان في وسائل الإعلام،وعلى ألسنة كثيرٍ من الكاتبين والمتحدثين،من المصطلحات التي اختلط فيها الحق بالباطل،وقد يختلف المراد بها حسب المستعملِ لها،فأدعياء التنوير والتقدم من اللبراليين والعلمانيين والتغريبين،ومن لفَّ لفَّهم من عبيد الفكر الغربي،يريدون بمصطلح”تجديد الخطاب الديني”تغيير ثوابت الدين الإسلامي وأصوله،ويهدفون إلى هدم قيمه ومبادئه الإسلامية،واستبدالها بأخرى محرفةٍ ومبدلةٍ،وهم في الحقيقة يقصدون جعل دين الإسلام متوافقاً مع النظرة الغربية للدين،بحجة جعل الإسلام متلائماً مع ظروف العصر.وأما دعاة الإسلام وعلماؤه وفقهاؤه،فمنهم من يقصد بمصطلح”تجديد الخطاب الديني”تحديث وسائل الدعوة إلى الإسلام،والتجديد فيها،ومنهم من يقصد بيان حكم الإسلام في النوازل المستجدة،ومنهم من يقصد تنـزيل الحكم الشرعي على الواقع المعاش،ومراجعة التراث الفقهي مراجعة استفادةٍ وتمحيصٍ،وتقريبٍ الفقه للناس وتيسيره، ونحو ذلك من المعاني الشرعية.

ثانياً:ورد التجديد في السنة النبوية،بمفهومٍ شرعيٍ،فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الإيمان ليَخْلَقُ فى جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوب،فاسألوا اللهَ أن يُجددَ الإيمانَ فى قلوبكم)رواه الطبرانى والحاكم،وقال الهيثمي:إسناده حسن.وحسنه أيضاً العراقي،وصححه العلامة الألباني.ومعنى”يَخْلَقُ”أي يبلى.وعن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة،مَنْ يُجددُ لها دينَها)رواه أبو داود والحاكم والطبراني والبيهقي في المعرفة،وقال العراقي:سنده صحيح.وصححه العلامة الألباني.

قال المناوي:[قوله صلى الله عليه وسلم”يُجددُ لها دينها”أي يبين السُنَّةَ من البدعة،ويكثِّرُ العلمَ،وينصر أهله،ويكسر أهل البدعة ويذلهم]فيض القدير2/357.

وقال أبو الطيب الآبادي:[المراد من التجديد،إحياءُ ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة،والأمر بمقتضاهما،وإماتةُ ما ظهر من البدع والمحدثات]عون المعبود 11/263.

ثالثاً:المجددون لدين الإسلام بالمفهوم الشرعي للتجديد،هم أهل العلم خاصةً،ومَنْ ينصرون الإسلام عامةً من القادة والخلفاء،قال المناوي:[قال ابن كثير قد ادَّعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث،والظاهر أنه يعمُّ جملةً من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسرٍ ومحدثٍ وفقيهٍ ونحويٍ ولغويٍ وغيرهم]فيض القدير2/357.

وقد عدَّ العلماءُ عمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنه من مجددي الإسلام،قال الإمام النووي في شرح حديث الطائفة الظاهرة:[ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين،منهم شجعان مقاتلون،ومنهم فقهاء،ومنهم محدثون،ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر،ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير،ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم 5/58-59.

رابعاً:ذكر جماعة من العلماء مجموعةً من الضوابط للتجديد الشرعي،منها:

(1)مراعاة الاختصاص،يقول الله تعالى:{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}سورة النحل الآية 43.

واليوم يتجرأ على التجديد وينظر له أنصاف المتعلمين،وأرباعهم،وأدنى من ذلك،فضلاً عن غيرهم ممن لا علاقة لهم من قريبٍ ولا من بعيدٍ بالإسلام وعلومه وفنونه،ومن لا علمَ له ولا فقهَ ولا خبرةَ ولا قدرةَ على الاستدلال بالنصوص،وإنزالها في منازلها،ولا يدري شيئاً عن قواعد الاستدلال،من حيث العموم والخصوص،والإطلاق والتقييد والنسخ،والمصالح والمفاسد،وهؤلاء وإن كانوا بارعين في مجالاتٍ معينةٍ أو في اختصاصاتهم وفنونهم التي يشتغلون بها،لكنهم في العلم الشرعي لا يخرجون من فصيلة العوام،فالتجديدُ مهمةُ الراسخين في العلم،وأهلُ الحل والعقد في الأمة،عبر المجامع والمؤتمرات العلمية الجامعة التي تتمتع بالاستقلال وحرية الرأي.

(2)الموضوعية والتجرد من الأهواء المذمومة،فالمجددُ لا بد أن يكون  باحثاً عن الحقيقة،اتفقت مع ميوله أو لم تتفق،ومتمسكاً بالحق بعيداً عن الأهواء الباطلة،كالكبر والمذهبية والتقليد الأعمى وغيرها.

(3)الاعتصام بالأصول والثوابت الإسلامية،فأصولُ الدين وثوابتهُ وقواعدهُ لا تقبل التجديد بأي حالٍ من الأحوال،وأي دعوةٍ لتجديدها،مردودةٌ ومرفوضةٌ،كالتجديد الذي يبيح الربا،ويرفض الحجاب،ويرفض إقامة الحدود،ويساوي بين الرجل والمرأة مساواةً مطلقةً.والتجديدُ المقبول شرعاً في الأصول والثوابت الإسلامية هو التجديدُ الذي يحيي الأصولَ ويعيدُ الحيوية إلى الثوابت،ويدعو إلى تطبيقها في واقع الناس اليوم،فدين الإسلام صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ.

(4)الاعتراف بمحدودية العقل البشري،وعدم إحلاله محل الوحي أو تقديم العقل على النصوص الثابتة المنقولة،لأن العقل البشري مهما بلغ في درجات الكمال،فالنقصان من لوازمه،فالنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مقدمةٌ على العقل.

(5)أن يكون القصد من التجديد إصلاح الفكر الديني لدى الأمة،وتوعيتها بدينها الحق،وشرح أحكام الدين للناس بطريقةٍ صحيحةٍ بناءً على الأسس والثوابت.

(6)الالتزام بأساليب اللغة العربية وقواعدها في تفسير النصوص الدينية وتأويلها،لأن لغة العرب هي لغةُ الكتاب والسنة.قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}سورة الشعراء الآيات192-195.

(7)الحذرُ من الحُكم على أمرٍ ما اعتمادًا على نصٍ واحدٍ،وإغفال بقية النصوص التي وردت فيه،فلا بدَّ للمجدد أن يدرس المسائل الشرعية دراسةً عميقةً،وأن يدرس جميع النصوص الواردة في المسألة قبل أن يُصدر حكمه.انظر بحث”رؤية معاصرة في تجديد الخطاب الإسلامي”بتصرف.

وبمراعاة هذه الضوابط يظهر لنا أن التجديد يكون نابعاً من فهم الإسلام فهماً صحيحاً من مصادره الأصلية،بعيداً عن تحريف الغالين،وانتحال المبطلين،وتأويل الجاهلين،كما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يحملُ هذا العلمَ من كل خلفٍ عُدولهُ،ينفون عنه تحريف الغالين،وانتحال المبطلين،وتأويل الجاهلين)رواه البيهقي وغيره،وصححه الإمام أحمد وابن عبد البر والعلامة الألباني،والمقصود بهذا الحديث أن علوم الشرع يحملها من كل قرنٍ يَخلفُ السلفَ عدولهُ،أي ثقاتهُ،يعني من كان عدلاً صاحب التقوى والديانة،نافين عنه،أي طاردين عن هذا العلم،تحريف الغالين،أي المبتدعة الذين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عن المعنى المراد،فينحرفون عن جهته،وانتحال المبطلين،أي الادعاءات الكاذبة،وتأويل الجاهلين،أي تأويل الجهلة لبعض القرآن والسنة إلى ما ليس بصواب.انظر المرقاة1/508-509.

وقال الإمام النووي:[وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة العلم و حفظه وعدالة ناقليه،وأن الله تعالى يوفق له في كل عصرٍ خَلَفاً من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف وما بعده،فلا يضيع.وهذا تصريحٌ بعدالة حامليه في كل عصرٍ.

وهكذا وقع ولله الحمد.وهذا من أعلام النبوة،ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئاً من العلم،فإن الحديث إنما هو إخبارٌ بأن العدول يحملونه،لا أن غيرهم لا يعرف شيئاً منه]تهذيب الأسماء واللغات1/17.

والمجددون لدين الإسلام هم الذين قال عنهم الإمام أحمد بن حنبل:[الحمد لله الذي جعل في كل زمانٍ فترةً من الرسل،بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى،ويصبرون منهم على الأذى،يحيـون بـكتاب الله المـوتى,ويبصرون بنور الله أهل العمى,فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه,وكم من ضالٍ تائهٍ قد هدوه,فما أحسنَ أثرهم على الناس,وما أقبحَ أثر الناس عليهم,ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين,وانتحال المبطلين,وتأويل الجـاهـليـن,الذين عـقدوا ألويـة البـدعة،وأطلقوا عنان الفتنة،فهم مخالفون للكتاب،مختلفون في الكتاب،مجتمعون على مفارقة الكتاب,يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم,يتكلمون بالمتشابه من الكلام,ويخدعون جُهَّالَ الناس بما يُشبِّهون عليهم,فنعوذ بالله من فتن المضلين]الفتاوى الكبرى6/253.

خامساً:المقصود المنحرف للتجديد كما يريده أعداء الإسلام من الكفرة واللبراليين والعلمانيين والتغريبين،هو هدم ثوابت الدين،فهذا تخريبٌ وليس تجديداً،قال الله عز وجل فيهم:{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}سورة البقرة الآية120،وقال تعالى:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}سورة آل عمران الآية118.

ومن أهم ملامح هذا التخريب الديني عند المجددين المعاصرين،أتباع الغرب الحاقد على دين محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما يلي:

(1)إباحة الربا.

(2)منع تعدد الزوجات إلا بموافقة الزوجة الأولى،فحظروا ما أباحه الله تعالى.

(3)اعتبار حجاب المرأة مسألةَ حريةٍ شخصيةٍ،لا أمراً شرعياً،فالتقاليد والأعراف تحكم لباس المرأة وليس الشرع.

(4)اعتبار الحدود الشرعية لا رحمةَ فيها،فضلاً عن تشويهها للمجتمع،فيجب إعادة النظر فيها.

(5)إلغاء آيات الجهاد من كتاب الله عز وجل،لأنها تدعو إلى الإرهاب والعنف في عالمٍ ينبغي أن يسوده السلام الذي يريدون.

(6)إلغاء حكم القوامة للرجل على المرأة في زمن خرجت فيه المرأة للعمل وتعلمت وحصلت على أعلى الشهادات العلمية،فلا مجال للحديث عن قوامة الرجل التي جاء بها القرآن الكريم في قوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}سورة النساء الآية34.

(7) تغيير مناهج التعليم طبقاً لسياسة تجفيف المنابع الدينية عند الناس.

(8)إغراق المجتمع في الفسق والرذائل الأخلاقية وتوسيع دائرة الانحلال الخلقي من خلال الأفلام والمسلسلات التي تدعو إلى ذلك.

(9)نشر الكتب ذات الثقافة الغربية والتي تطعن في دين الله مع تكريم أصحابها ومنحهم الجوائز العالمية على فعلهم الفاضح.

وخلاصة الأمر أن مصطلح”تجديد الخطاب الديني”،من المصطلحات التي اختلط فيها الحق بالباطل،وأن عبيد الفكر الغربي،يريدون بهذا المصطلح تغيير ثوابت الدين الإسلامي وأصوله،بحجة جعل الإسلام متلائماً مع ظروف العصر.وأما دعاة الإسلام وعلماؤه وفقهاؤه،فيقصدون بالتجديد،تحديث وسائل الدعوة إلى الإسلام،أو بيان حكم الإسلام في النوازل المستجدة،ونحو ذلك من المعاني الشرعية.وأن التجديد بمفهومه الشرعي الوارد في السنة النبوية،هو تبيين السُنَّةَ من البدعة،ونصرة أهل الإسلام،وإحياءُ ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة.وأن المجددين لدين الإسلام،هم أهل العلم خاصةً ومَنْ ينصرون الإسلام عامةً من القادة والخلفاء،وأن القصد من التجديد هو إصلاح الفكر الديني لدى الأمة،وتوعيتها بدينها الحق،وشرح أحكام الدين للناس بطريقةٍ صحيحةٍ بناءً على الأسس والثوابت.وأن التجديد الحقيقي هو إعادة الدِّين لما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم،وأن المقصود المنحرف للتجديد كما يريده أعداء الإسلام،هو هدم ثوابت الدين،فهذا تخريبٌ وليس تجديداً.والتجديد بهذا المعنى كلمةُ حقٍ أُريد بها باطل. والله الهادي إلى سواء السبيل