صيامُ رمضان في ظلِّ أزمةِ “فيروس كورونا”

يقول السائل: ما قولكم فيما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي من تهوين شأن صوم رمضان بسبب انتشار”فيروس كورونا”، وأن مجردَ خوفِ المسلمِ على نفسه من الإصابة “بكورونا” يُبيح له الفطرُ في رمضان، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: من المعلوم أن صِيَام رَمَضَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ شرعاً، وهو المسلم البالغ العاقل الخالي من الأعذار المبيحة للفطر، وأصحاب الأعذار على وجه الإجمال هم: المسافر والمريض والمرأة المرضع والحامل والهَرِم، أي الكبير في السن، والمكرَه على الفطر، والحائض والنفساء. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة الآيتان 183-184.

وقد أجمع أهل العلم على أن المرضَ في الجملة عذرٌ يُبيح الفطر، كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني 3/155.

ولكن العلماء اختلفوا في تحديد طبيعة المرض المبيح للفطر، وأرجح الأقوال في المسألة هو قول من قال: هو كل مرض يزيد بالصوم أو يُخشى تأخرُ الشفاء معه، فهذان يجيزان الفطر في رمضان.

وأما القول بأن مطلق المرض يُبيح الفطرَ، فقولٌ غير مسلَّمٍ، فهناك كثيرٌ من الأمراض والأوجاع لا تؤثر على الصائم، كمن به صداعٌ أو ألمٌ في يده ورجله أو نحو ذلك، فمن كان به شيءٌ من ذلك فلا يجوز له الفطر.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ. قِيلَ لأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ. قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى ؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى!].

وقال القرطبي:[ وقال جمهور العلماء إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده يصحُّ له الفطرُ، قال ابن عطية: وهذا مذهب

حذَّاق أصحاب مالك وبه يُناظرون، وأما لفظُ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به ] تفسير القرطبي 2/276 .

وقال الإمام النووي:[ الْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ لا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ… وَهَذَا إذَا لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالصَّوْمِ وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَالَةٍ لا يُمْكِنُهُ فِيهَا الصَّوْمُ , بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا : شَرْطُ إبَاحَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ يُشَقُّ احْتِمَالُهَا ]المجموع 6/258 .

وقال الإمام النووي أيضاً: [وَأَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لا يَلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ بِلا خِلَافٍ عِنْدَنَا] المجموع 6/261.

وقال الكاساني:[ أَمَّا الْمَرَضُ فَالْمُرَخِّصُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يُخَافُ أَنْ يَزْدَادَ بِالصَّوْمِ وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ خَافَ إنْ لَمْ يُفْطِرْ أَنْ تَزْدَادَ عَيْنَاهُ وَجَعًا، أَوْ حُمَّاهُ شِدَّةً أَفْطَرَ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي يُبِيحُ الْإِفْطَارَ هُوَ مَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، أَوْ زِيَادَةُ الْعِلَّةِ كَائِنًا مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ يُبَاحُ لَهُ أَدَاءُ صَلَاةِ الْفَرْضِ قَاعِدًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْطِرَ، وَالْمُبِيحُ الْمُطْلَقُ بَلْ الْمُوجِبُ هُوَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ لِأَنَّ فِيهِ إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لَا لِإِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَالْوُجُوبُ لَا يَبْقَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّهُ حَرَامٌ فَكَانَ الْإِفْطَارُ مُبَاحًا بَلْ وَاجِبًا ]

ثم قال الكاساني:[ وَكَذَا مُطْلَقُ الْمَرَضِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلرُّخْصَةِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ ، وَالسَّفَرِ لِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ بِالصَّوْمِ تَيْسِيرًا لَهُمَا وَتَخْفِيفًا عَلَيْهِمَا عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} سورة البقرة الآية 185. وَمِنْ الْأَمْرَاضِ مَا يَنْفَعُهُ الصَّوْمُ وَيُخِفُّهُ وَيَكُونُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَرِيضِ أَسْهَلَ مِنْ الْأَكْلِ، بَلْ الْأَكْلُ يَضُرُّهُ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَمِنْ التَّعَبُّدِ التَّرَخُّصُ بِمَا يَسْهُلُ عَلَى الْمَرِيضِ تَحْصِيلُهُ، وَالتَّضْيِيقُ بِمَا يَشْتَدُّ عَلَيْهِ] بدائع الصنائع 2/245-246.

[وبعد هذا العرض لأقوال العلماء، فالصواب من القول في ذلك عندنا أن المرض الذي أباح الله تعالى الإفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده جهداً غير محتملٍ، فكلُّ من كان كذلك، فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر، وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمر، فإن لم يكن مأذوناً له في الإفطار، فقد كلف

عسراً ومنع يسراً، وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بقوله:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} سـورة الـبـقـرة الآية 185.

وأما من كان الصوم غير جاهده، فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم، فعليه أداء فرضه. قلت: والذي يظهر لي من أدلة الكتاب والسنة: أن كل مرض يضرُّ صاحبه بالصوم سواء كان بزيادة المرض أو بتباطؤ برئه، فإنه يباح له الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر.

أما إذا قدر المريض على الصوم بغير جهدٍ ولا مشقة تلحقه من أجل مرضه ولا يخشى أن يزيد الصيام في مرضه، فعليه أن يصوم، لأن مطلق المرض ليس سبباً للرخصة على الصحيح، كما أن المسافر لا يباح له الفطر إذا كان سفره دون مسافة قصر، فالرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيراً لهما وتخفيفاً عليهما، كما قال تعالى:{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} سورة البقرة الآية 185 .

ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويكون الصوم علاجاً له أو مفيداً فيه، ويكون الصيام على المريض أسهل من الأكل، بل الأكلُ قد يضره ويشتد عليه كمرض التخمة والإسهال ونحو ذلك.

ويدل على أن الرخصة في الإفطار للمريض متعلقة بخوف الضرر ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ) ومعلوم أن الرخصة للحامل والمرضع في الإفطار موقوفة على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما وإن لم تكونا مريضتين…والمريض أيضاً أبيح له الإفطار لخوف الضرر فمتى خاف الضرر جاز له الفطر والله أعلم ] أحكام المريض ص94-95

ثانياً:إذا تقرر هذا فإن القول بأن انتشار “فيروس كورونا” سببٌ لإسقاط الصوم عن الناس كافةً، قولٌ باطلٌ شرعاً.

وكذلك هو قولٌ باطلٌ عند المختصين من الأطباء، والواجب الشرعي أن نسأل أهل الاختصاص وهم الأطباء في هذه النازلة المستجدة “فيروس كورونا”، ومبدأُ الاستشارة ومشاورة أهل الاختصاص مبدأٌ أصيل في ديننا الإسلامي،

فالرجوع إلى أهل العلم في هذه التخصصات مطلوبٌ شرعاً امتثالاً لقوله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} سورة النحل الآية 43.

وقال الله تعالى:{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} سورة النساء الآية 83، ففي هذه الآية أمرٌ من الله تعالى للمؤمنين بالرجوع فيما يُشكل عليهم ويغمض عليهم علمُهُ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى البصراء بالأمور من أهل المعرفة والفطنة والتجربة. وأهل الاختصاص من الأطباء ينبغي الردُّ إليهم، والأخذُ بقولهم في المسائل التي تدخل في نطاق اختصاصهم.

يقول الخطيب البغدادي:[ثم يذكر – أي المفتي- المسألةَ لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب، ويسأل كل واحدٍ منهم عما عنده، فإن في ذلك بركة واقتداء بالسلف الصالح، وقد قال الله تبارك وتعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ}، وشاور النبـي صلى الله عليه وسلم في مواضع وأشياء وأمر بالمشاورة، وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى والأحكام] الفقيه والمتفقه 2/71.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ إذا اختلف في الشجة هل هي موضحة أو لا ؟…وغيرها من الجراح التي لا يعرفها إلا الأطباء، أو اختلفا في داء يختص بمعرفته الأطباء أو في داء الدابة، يؤخذ بقول طبيبين أو بيطارين إذا وجدا، فإن لم يقدر على اثنين أجزأ واحدٌ؛ لأنه مما يختص به أهل الخبرة من أهل الصنعة ] الموسوعة الفقهية الكويتية 19/17-24 بتصرف.

وبعد النظر في كلام المختصين من الأطباء وجدناهم يقولون: لا يوجد دليلٌ علميٌ مؤكدٌ حتى الآن على وجود ارتباط بين الصوم والإصابة “بفيروس كورونا “.

وما تداولته بعض مواقع التواصل الاجتماعي حول الموضوع من أنه لا بدَّ من استمرار شرب الماء، وأنه يقي من انتشار العدوى “بفيروس كورونا ” غيرُ صحيحٍ طبياً، كما قالت منظمةُ الصحة العالمية جواباً على سؤال: هل شرب الماء يخفف من التهاب الحلق؟ وهل يقي من العدوى بمرض فيروس كورونا -كوفيد-19؟

فأجابت:من المهم شرب الماء للحفاظ على مستوى الرطوبة في الجسم مما يحفظ الصحة العامة، ولكن لا يقي شربُ الماء من العدوى بمرض كوفيد – 19.

وقالت منظمة الصحة العالمية أيضاً جواباً على السؤال التالي: هل تساعد الغَرْغَرَةُ بغسول الفم على الوقاية من العدوى بفيروس كورونا المستجد؟

فأجابت: الصحيح أنه لا توجد أي بيّنةٍ على أن استخدام غسول الفم يقي من العدوى بفيروس كورونا، ولفتت منظمة الصحة العالمية إلى أنه هناك بعض العلامات التجارية لغسول الفم قد تقضي على جراثيم معينة لبضع دقائق في اللُّعَاب الموجود بالفم، لكن لا يعني ذلك أنها تقي من العدوى بفيروس كورونا.

وأقتبس هنا كلاماً مهماً للدكتور معز الإسلام عزت فارس/ أستاذ مشارك في التغذية العلاجية والحميات من بحثٍ له بعنوان:” الصوم ومناعة الجسم ضد العدوى: ماذا يقول العلم ؟”: [أظهرت نتائجُ الدراسة غيابَ أي تغير سلبي للصيام في شهر رمضان بأي من المتغيرات المناعية لدى أفراد الدراسة. وغياب أي أثر سلبي أو ضار للصيام في شهر رمضان على كفاءة الجهاز المناعي ووظائفه لدى البالغين الأصحاء.

ونتيجةً لتراكم الدراسات العلمية حول أثر الصيام في شهر رمضان على مناعة الجسم، فقد تمَّ مراجعة 45 دراسة علمية محكَّمة. وقد أظهرت تلك المراجعة العلمية لمجموع الدراسات المنشورة غيابَ أي أثرٍ سلبي للصيام على المؤشرات المناعية لدى الأفراد الأصحاء، وأنه لا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالعدوى أو الاضطرابات المناعية.

وأظهرت الدراسة قدرة الصيام في شهر رمضان على تقليل فرص العدوى بهذا الجرثوم المُمْرِض وزيادة مقاومة الجسم له من خلال زيادة عدد الخلايا البلعمية Macrophages.

كما أثبتت الدراسة قدرة الصيام على زيادة إفراز مركب الإنترفيرون-جاما Interferon (INF)-Gamma القادر على تحفيز آليات المناعة المقاومة للعدوى الجرثومية بنوعيها البكتيرية والفيروسية.

ولم تظهر تلك الدراسات أي أثرٍ سلبي للصيام على الجهاز المناعي، ما يدحض القول المدَّعى، ويبطل الزعم المفترى بوجود أثرٍ سلبي محتملٍ للصيام في زيادة شدة تأثير فيروس كورونا (COVID-19) على الجهاز المناعي.]

وقال الدكتور ربيع عدوان إخصائي الامراض السارية والمعدية في مستشفى المقاصد في القدس والمستشفى الاستشاري في رام الله:

[بناءً على الموضوع المُوكل إليَّ من سماحتكم، وهو فيما إذا كان هناك علاقةٌ بين انتشار فيروس كورونا والصوم في الشهر الفضيل،بالإضافة إلى تأثيره على المصابين أو المعزولين منزلياً؟

أكتب رأيي المتواضع بعد مراجعة بعض الأوراق العلمية وفهمي لمرض فيروس كورونا:

بالنسبة للأشخاص المصابين فعلياً؛ فهم يحتاجون الراحة والنوم وكثرة السوائل وشرب الأدوية، وهذه قضيةٌ معروفةٌ لدى الجميع،ولكن من يستطيع منهم الصوم فهو أعلم بنفسه وقدرته.

أما بالنسبة للمجتمع عامةً والحاملين للفيروس بدون أعراض؛ فقد قمت بمراجعة وتصفح المجلات العلمية المنشورة عن هذا الموضوع؛ ومعظم الحديث أن الصوم المتقطع،والصوم لفتراتٍ طويلةٍ؛ يدعم ويقوي جهاز المناعة وبالتالي يكون حامياً ضد الالتهابات عامةً والفيروسية خاصة. وليس هناك أي دليلٍ أن الغرغرة والاستنشاق يمنعان الإصابة بالفيروس،فإحدى طرق دخول الفيروس للجسم هي من العينين! أما بالنسبة للحاملين للفيروس فيترك الموضوع للطبيب المعالج ووضع الشخص الحامل للفيروس.

لكن هنا لا بدَّ من التركيز على بعض النقاط وهي:

خلال الشهر الفضيل هذا العام يجب أن نثقف الناس بعدم التجمعات، وعدم عمل الولائم والعزائم، إضافةً إلى التقليل من السهر والتركيز على النوم.

ويفضل – إذا افترضنا أنه تم إعادة فتح المساجد – إلغاء صلاة التراويح تجنباً للتجمعات.

ونقطة مهمة إذا حافظنا على إغلاق أو تنظيم فتح المحال التجارية، والحدِّ من التنقل في الحركة، سوف يكون رمضان عاملاً مساعداً للحدِّ من هذا الوباء، وخصوصاً أن الصائم سوف يلتزم البيت نهاراً.

وخلاصة الموضوع أنه لا يوجد أيُّ دليلٍ علمي حقيقةً لنقول إن الصوم يؤثر سلبياً على الفيروس وانتشاره وتفشيه]

وبناءً على كلام الأطباء المختصين المتقدم وكلام غيرهم بأنه لا يوجدُ سببٌ طبي لإسقاط الصوم عن المسلمين كافةً، فلا يجوز شرعاً للمسلم أن يُفطِرَ في رمضان بسبب تخوفه من الإصابة “بفيروس كُورونا” إلَّا إذا قرَّر الأطباء المختصون أن الصِّيام سيجعل المريضَ “بفيروس كُورونا” عرضةً للخطر الحقيقي.

ثالثاً: يجب التحذيرُ مما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي من تهوين شأن صوم رمضان بسبب وباء كورونا، وأن مجرد خوف المسلم على نفسه من الإصابة “بكورونا” يُباح له الفطرُ في رمضان، فهذا كلامٌ باطلٌ شرعاً، لأن كثيراً من الناس يخافون الإصابة “بكورونا”، وهذا الخوفُ ليس سبباً شرعياً للفطر!

ويجب التحذير أيضاً من أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتوى اليوم على الفضائيات من مشايخ التمييع وأبواق الظلمة، فيصدرون الفتاوى العرجاء، فهؤلاء لا يعتدُّ بقولهم، وقد تجرأ في زماننا على الفتوى أنصافُ المتعلمين، وأرباعهم، وأدنى من ذلك، فضلاً عن غيرهم ممن لا علاقة لهم من قريبٍ ولا من بعيدٍ بالإسلام وعلومه وفنونه، ومن لا علمَ له ولا فقهَ ولا خبرةَ ولا قدرةَ على الاستدلال بالنصوص، وإنزالها في منازلها، ولا يدري شيئاً عن قواعد الاستدلال، من حيث العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد والنسخ، والمصالح والمفاسد، وهؤلاء وإن كانوا بارعين في مجالاتٍ معينةٍ أو في اختصاصاتهم وفنونهم التي يشتغلون بها، لكنهم في العلم الشرعي لا يخرجون من فصيلة العوام، فالفتوى لأهل الذكر فقط ،وليست لهؤلاء المميعين وأشباه طلبة العلم.

قال العلامة ابن القيم: [وَلَمَّا كَانَ التَّبْلِيغُ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَعْتَمِدُ الْعِلْمَ بِمَا يُبَلَّغُ، وَالصِّدْقَ فِيهِ، لَمْ تَصْلُحْ مَرْتَبَةُ التَّبْلِيغِ بِالرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا إلَّا لِمَنْ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ؛ فَيَكُونُ عَالِمًا بِمَا يُبَلِّغُ صَادِقًا فِيهِ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، مَرَضِيَّ السِّيرَةِ، عَدْلًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مُتَشَابِهَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَة ِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَأَحْوَالِهِ؛ وَإِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عَنْ الْمُلُوكِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ

فَضْلُهُ، وَلَا يُجْهَلُ قَدْرُهُ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ، فَكَيْف بِمَنْصِبِ التَّوْقِيعِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؟ فَحَقِيقٌ بِمَنْ أُقِيمَ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ أَنْ يَعُدَّ لَهُ عِدَّتَهُ، وَأَنْ يَتَأَهَّبَ لَهُ أُهْبَتَهُ، وَأَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ الْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَالصَّدْعِ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُ وَهَادِيهِ، وَكَيْف هُوَ الْمَنْصِبُ الَّذِي تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ رَبُّ الْأَرْبَابِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} سورة النساء الآية 127، وَكَفَى بِمَا تَوَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ شَرَفًا وَجَلَالَةً؛ إذْ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {يَسْتَفْتُونَك قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} سورة النساء الآية 176، وَلِيَعْلَمَ الْمُفْتِي عَمَّنْ يَنُوبُ فِي فَتْوَاهُ، وَلِيُوقِنَ أَنَّهُ مَسْئُولٌ غَدًا وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ ]إعلام الموقعين 2/16-17.

وخلاصة الأمر أن صِيَام رَمَضَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ شرعاً، وهو المسلم البالغ العاقل الخالي من الأعذار المبيحة للفطر.

وأن المرض المبيح للفطر هو كل مرضٍ يزيد بالصوم أو يُخشى تأخرُ الشفاء معه.

وأن القول بأن انتشار “فيروس كورونا” سببٌ لإسقاط الصوم عن الناس كافةً، قولٌ باطلٌ شرعاً. وأنه باطلٌ عند المختصين من الأطباء الذين قالوا إنه لا يوجد دليلٌ علميٌ مؤكدٌ حتى الآن على وجود ارتباط بين الصوم والإصابة “بفيروس كورونا”.

وأنه لا يوجد أيُّ دليلٍ علمي على أن الصوم يؤثر سلبياً على “فيروس كورونا” وانتشاره وتفشيه.

وأن صوم رمضان يدعم ويقوي جهاز المناعة عند الصائمين.

وأنه يجب التحذيرُ مما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي من تهوين شأن صوم رمضان بسبب وباء كورونا، وأن مجرد خوف المسلم على نفسه من الإصابة “بكورونا” يُباح له الفطرُ في رمضان، فهذا كلامٌ باطلٌ شرعاً، لأن كثيراً من الناس يخافون الإصابة “بكورونا”، وهذا الخوفُ ليس سبباً شرعياً للفطر!

وأن الفتوى في دين الإسلام لأهل الذكر فقط، وليست للمميعين وأشباه طلبة العلم من أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتوى اليوم على الفضائيات من مشايخ

التمييع وأبواق الظلمة، فيصدرون الفتاوى العرجاء، فهؤلاء لا يعتدُّ بقولهم، ولا يؤخذُ العلم الشرعي منهم.

والله الهادي إلى سواء السبيل

الردُّ على شُبهات منكري صيام عاشوراء

يقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن صوم عاشورء ليس من الدِّين، وإنما هو أكذوبةٌ، وأن الأحاديث الواردة في صيام عاشوراء مكذوبةٌ على النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب:

أولاً: سمعت مقطع فيديو لشيخٍ مصري يدعى “محمد عبد الله نصر” ينكر فيه صيام عاشوراء، ويزعم أن عاشوراء أكذوبةٌ، وأن الحديث الوارد فيها موضوعٌ، لا أصلَ له، حيث قال بلغته العامية:[وبعد بحث اكتشفت إنو ما فيش حاجة اسمها عاشورا. وهي أكذوبة. والحديث حديث موضوع. ولا أصل له].

وزعم أن أول دليل على بطلان عاشوراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل أن ذلك اليوم كان عيداً عند اليهود، وأنه اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى عليه السلام من كيد فرعون، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صام مع اليهود يوم عاشوراء، أصبح تابعاً لليهود، وليس متبوعاً.

وقال إنه ورد في حديث عاشوراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لئن عشتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع)

وزعم أن ذلك يدل على كذب الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن عاشوراء في أول سنة هاجر إلى المدينة، وقوله (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش في المدينة سنةً واحدةً فقط، لأنه ورد في آخر الحديث أنه لم يأت عاشوراء التالي إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قال في آخر كلامه [شفتوا إزاي لازم نفكر ونشغل عقلنا في كل رواية نسمعها ونعرفها. أنت بالعقل لا بالجسم إنسان. عاشورا أكذوبة كبيرة. لا دليل عليها. والحديث حديث موضوع، فتوى مني ما فيش حاجة اسمها عاشورا أصلاً. دي إسطورة أكذوبة. أنا عايز حد يجيب لي دليل على أنه في حاجة اسمها عاشوراء؟ ]

هذه أهم الترهات التي ساقها هذا المتعالم.

والغريب ليس سرعة انتشار هذه الأباطيل في أيامٍ قليلةٍ، فهذا ليس بمستغربٍ في عصر تكنولوجيا الاتصالات.

ولكن الأغرب هو اقتناع بعض المشايخ الذين أجَّروا عقولهم بهذه الترهات حيث طلب بعضهم من الناس أن لا يصوموا عاشوراء، لأنه لا يوجد في دين الإسلام شيءٌ اسمه صيام عاشوراء؟!

ثانياً: الأحاديث التي وردت في يوم عاشوراء وفضيلة صومه، أحاديث صحيحةٌ متواترةٌ، رواها عددٌ كبيرٌ من الصحابة رضوان الله عليهم، وذكرتها كتب السنة النبوية، وقد رواها البخاري ومسلم عن عشرة من الصحابة رضي الله عنهم هم: عائشة وابن عمر وابن عباس ومعاوية وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وسلمة بن الأكوع والرّبيّع بنت معوذ وأبو قتادة وجابر بن سمرة رضي اله عنهم أجمعين.

قال الإمام البخاري في صحيحه-وهو أصح كتب السنة النبوية-:[ باب صيام يوم عاشوراء ثم روى عدة أحاديث هي:(عن سالم عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء إن شاء صام ).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضانُ ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه.

وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: يوم عاشوراء عام حج على المنبر يا أهل المدينة، أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر).

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال:(ما هذا؟ قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه).

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال:(كان يوم عاشوراء تعدُّه اليهودُ عيداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فصوموه أنتم).

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره، إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر. يعني شهر رمضان.

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال:(أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم أن أذن في الناس، أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء).

هذه الأحاديث التي ساقها البخاري في بابٍ واحدٍ، مع العلم أن منهج الإمام البخاري تفريق الأحاديث في عدة أبواب لمناسباتٍ يراها. فما بالك بكتب السنة الأخرى كالسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها التي روت أحاديث عاشوراء!

ثالثاً: التعالمُ آفةٌ من الآفات الخسيسة، وآفةُ التعالم قديمةٌ جديدةٌ، فالمتعالمون موجودون في كل عصرٍ وأوان، وقد ابتليت الأمة بالمتعالمين، الذين يظهرون في لباس العلماء، وحقيقتهم جهلٌ فاضحٌ، بل جهلٌ مركبٌ، فهم جاهلون ويجهلون أنهم جاهلون. وهؤلاء المتعالمين ذوي ألسنةٍ حدادٍ يسلطونها على أهل العلم، المتقدمين منهم والمتأخرين، فيسفهون أقوالهم ويلمزونهم، وينتقصونهم، ويلصقون كل مذمةٍ بهم، وفي زماننا هذا كثر المتعالمون، خاصة مع انتشار الإنترنت والفضائيات ووسائل الاتصال الأخرى، فترى كتابات المتعالمين وأقوالهم تغص بها مواقع كثيرة على الشبكة العنكبوتية، وآفة هؤلاء المتعالمين أنهم لم يتعلموا قبل أن يتصدروا، فهم قد تزببوا قبل أن يتحصرموا، أي صاروا زبيباً قبل أن يصيروا حصرماً.

وأنى لإنسانٍ أن يصير عالماً قبل أن يتعلم، بل قبل أن يتعب في طلب العلم على العلماء، فمن لم يحن ركبتيه في مجالس العلماء، لا يجوز أن تُحنى عنده الركب، ومن لم يحصل العلم كيف له أن يُعلِّم غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهؤلاء المتعالمين يزعمون أنهم قد حازوا علوم الشرع كلها، بقراءة كتاب أو كتابين، فترى بعضهم يفسر القرآن الكريم، ويستخف بابن جرير الطبري شيخ المفسرين، ولا يساوي ابن كثير وغيره من المفسرين شيئاً عنده، وآخر يعد نفسه مجتهداً في الفقه والأحكام، وكأنه أبو حنيفة زمانه، أو شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا،

وهؤلاء المتعالمين ينطبق عليهم قول الشيخ ابن دقيق العيد:

يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ ومن أنتمو حتى يكون لكم عندُ.

فهذا الجاهل جهلاً مركباً يزعم أن عاشوراء أكذوبةٌ وأسطورةٌ، وأن الحديث الوارد فيها موضوعٌ لا أصلَ له؟! أين علماء الأمة على مدى القرون عن ذلك؟ أين علماء الحديث الذين نقلوا لنا أحاديث عاشوراء؟ وخاصة البخاري ومسلم، كيف ما عرفوا أن حديث عاشوراء مكذوب!أين فقهاء الإسلام الذين بينوا في كتبهم استحباب صوم عاشوراء بناءً على تلك الأحاديث؟ هل اعتمدوا على حديثٍ مكذوبٍ!

هذا الزعم من هذا المتعالم بأن حديث عاشوراء مكذوب، وأنه يتحدى أن يثبت له أحدٌ صحته كأنه يقول بلسان حاله:

وإني وإن كنت الأخير زمانُهُ لآتٍ بما لم تأت به الأوائل.

رابعاً: إن تحكيم العقل في النصوص الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمه عليها هو منهج المعتزلة في ردِّ النصوص، ويحاول العصرانيون تجديده في زماننا، وقد قال هذا المتعالم:[شفتوا ازاي لازم نفكر ونشغل عقلنا في كل رواية نسمعها ونعرفها. أنت بالعقل لا بالجسم إنسان]وما درى هذا المتعالم أنه عرف شيئاً وغابت عنه أشياء، وكما قال الشاعر:

وكمْ من عائِبٍ قوْلاً صَحيحاً وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّـــــقيمِ

فقد زعم المتعالم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل أن ذلك اليوم كان عيداً عند اليهود، وأنه اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى عليه السلام من كيد فرعون، وما درى هذا المسكين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء قبل قدومه المدينة، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه) فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى اليهود تصومه سألهم عن سبب صيامهم، ولم يسألهم عن الحكم، لأنه كان يعلمه قبلهم كما سبق في الحديث.

وزعم المتعالم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صام عاشوراء يكون تابعاً لليهود وليس متبوعاً. وهذا كلام باطل، فقوله صلى الله عليه وسلم:(فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فهو صلى الله عليه وسلم تَبِع موسى عليه السلام في صيامه، وقد قال تعالى في حثِّ النبي صلى الله عليه وسلم لمتابعة الأنبياء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}سورة الأنعام الآية 90.

وزعم المتعالم أن أول الحديث يناقضُ آخرَه، وأنه يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عاماً واحداً!فهذا جهلٌ مركبٌ، لأن المتعالم جعل عبارة (لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأُصَومنَّ التاسع) من ضمن حديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عن صيام يوم عاشوراء حين قدم المدينة، وليس الأمر كذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمر الإسلام يحب موافقة أهل الكتاب ومخالفة مشركي العرب، لكون أهل الكتاب أقرب منهم له.

وقد قال ابن عباس رضي الله عنه كما في البخاري ومسلم:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء) ثم بعدما أسلم كثيرٌ من مشركي العرب ولم يبق إلا أهل الكتاب على دينهم، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم، ومن ضمن ذلك مخالفتهم في صوم عاشوراء بأن يصوم معه تاسوعاء كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال:(حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم.

وبهذا يتضح لنا أنهما حادثتين مختلفتان، فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود كان عند مقدمه للمدينة، وأما المخالفة التي فيها ذكر تاسوعاء فكانت في آخر حياته صلى الله عليه وسلم.

خامساً: عند تتبع الأحاديث التي وردت في صيام عاشوراء يظهر أن ذلك قد مرَّ في أربعة مراحل كما يلي:

[الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء بمكة، ولا يأمر الناس بصومه.

الثانية: لما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فصامه وأمر الناس بصيامه، حتى أمر من أكل في ذلك اليوم أن يمسك بقية ذلك اليوم، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة؛لأنه قدم المدينة في ربيع الأول.

الثالثة: لما فرض رمضان في السنة الثانية نُسِخَ وجوب صوم عاشوراء، وصار مستحباً، فلم يقع الأمر بصيامه إلا سنة واحدة…

الرابعة: الأمر بمخالفة اليهود في صيام عاشوراء…فعزم على أن لا يصوم عاشوراء مفرداً، فكانت مخالفته لهم في ترك إفراد عاشوراء بالصوم كما سبق في الحديث(فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم) http: //www. saaid. net/mktarat/mohram/9. htm.

ولا يتسع المقام لأكثر من هذا الرد.

وخلاصة الأمر:

أن الأحاديث التي وردت في يوم عاشوراء وفضيلة صومه، أحاديث صحيحةٌ متواترةٌ ثابتةٌ ثبوتاً قطعياً لا شك فيه، وتحكيم العقل في النصوص الشرعية وتقديمه عليها هو منهج المعتزلة في ردِّ النصوص، ويحاول العصرانيون تجديده في زماننا وأن التعالم آفةٌ من الآفات الخسيسة، وأن الواجب الشرعي على المسلمين أن يأخذوا العلم من أهله وليس من النكرات ولا من المتعالمين، كما قال الإمام التابعي محمد بن سيرين:(إن هذا العلم دينٌ، فانظروا عمن تأخذون دينكم) رواه مسلم في مقدمة صحيحه.

فالواجب على المسلم عامةً وطالب العلم خاصةً أن ينظر عمن يأخذ دينه، فلا يأخذه إلا من العلماء العاملين الصادقين، الذين ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يحملُ هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عدولُهُ، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) وهو حديثٌ مشهورٌ صححه الإمام أحمد وابن عبد البر وغيرهما. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا منهم.

والله الهادي إلى سواء السبيل

بيانٌ إلى أهلنا في فلسطين حول صيام اليوم الثلاثاء المتمم لشهر رمضان لسنة 1440هـ

يَسَعُنا ما وسعَ السلفَ الصالح

لا شك أن جمهور أهل العلم يرون أنه لا عبرة باختلاف المطالع وأن على المسلمين جميعاً أن يصوموا في يومٍ واحدٍ.

وأنا أقولُ بهذا القول وأعتقدُ رجحانه، ولكن هذا الرأي مع قوته ورجحانه، إلا أنه رأيٌ نظريٌ لم يأخذ طريقه إلى التطبيق الفعلي في تاريخ المسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا تُعلم فترةٌ جرى فيها توحيدُ المسلمين على رؤيةٍ واحدةٍ إلا أن يكون حصل ذلك عرضاً ودون ترتيب لذلك الأمر.

وقد يستغربُ بعض الناس هذا الكلام، ولكنه الواقع، لأن جمع المسلمين على رؤيةٍ واحدةٍ عند الصيام أو عند الأعياد، يحتاج إلى وسائل اتصالات حديثة وسريعة حتى يصل الخبرُ خلال ساعات إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي ليصوموا في نفس اليوم.

وهل هذا الأمرُ كان متوفراً للمسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء من بعده!

ونحن نعلم أن وسائل الاتصال الحديثة قريبة العهد، ولنضرب ثلاثة أمثلةٍ تقرب الصورة:

المثال الأول: في عهد الخلافة الراشدة كان مقر الخليفة في المدينة المنورة، وكانت دولة الخلافة مترامية الأطراف.

هل كان إذا ثبتت رؤية هلال رمضان لدى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة المنورة تطير البرقيات وتشتغل الهواتف لإخبار المسلمين في اليمن وفي مصر والشام وفي العراق ليصوموا في يوم واحد أو يعيدوا في يوم واحد؟ كل ذلك ما حصل وما وقع.

المثال الثاني: تخيل نفسك أخي المسلم أنك تعيش في دمشق زمن الخلافة الأموية وخليفة المسلمين هو عمر بن عبد العزيز وكانت دولة الخلافة مترامية الأطراف.

هل كان إذا ثبتت رؤية هلال رمضان لدى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في دمشق تطير البرقيات وتشتغل الهواتف لإخبار المسلمين في جزيرة العرب وفي اليمن وفي مصر وبلاد المغرب وفي العراق ليصوموا في يوم واحد أو يعيدوا في يوم واحد؟ كل ذلك ما حصل وما وقع.

المثال الثالث: تخيل نفسك أخي المسلم أنك تعيش في بغداد زمن الخلافة العباسية وخليفة المسلمين هارون الرشيد وكانت دولة الخلافة مترامية الأطراف من الصين شرقاً إلى المغرب غرباً.

هل كان إذا ثبتت رؤية هلال رمضان لدى الخليفة هارون الرشيد رضي الله عنه في بغداد تطير البرقيات وتشتغل الهواتف لإخبار المسلمين في جزيرة العرب وفي اليمن وفي مصر وبلاد المغرب وفي الشام وفي بلاد فارس والمشرق ليصوموا في يوم واحد أو يعيدوا في يوم واحد؟ كل ذلك ما حصل وما وقع.ومن قال بخلاف هذا فقد أخطأ.

إن القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع رأيٌ نظريٌ لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي في تاريخ المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحاضر، لعدم توفر وسائل الاتصال التي تربط أنحاء الدولة الإسلامية بعضها مع بعض ومعلوم أن وسائل الاتصال حديثة العهد.

ألا يَسَعُنا ما وسعَ السلفَ الصالح ووسعَ المسلمين على مرِّ العصور ؟؟!!

وهل حال المسلمين في القرون السابقة بما فيها القرون الثلاثة التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية له علاقة بسايكس بيكو ؟؟؟!!!

لا شك أنني آمل أن يتحقق جمع المسلمين على رؤية واحدة وأن هذا الأمر لسهل ميسور في هذا الزمان في ظل دولة إسلامية واحدة ومع تقدم وسائل الاتصال، ولكن إلى أن يتحقق هذا الأمل، أقول: بأنه يجب على أهل كل بلد من بلدان المسلمين أن يصوموا في يوم واحد وأن يكون عيدهم في يوم واحد. فنحن أهل فلسطين علينا أن نصوم جميعاً في يوم واحد وأن يكون عيدنا واحداً، لأن في هذا الأمر محافظة على وحدتنا الجزئية إلى أن تتحقق وحدة العالم الإسلامي الكلية، فلا يقبل أن يختلف أهل البلدة الواحدة أو المدينة الواحدة أو القرية الواحدة، فبعضهم صائم وبعضهم يصلي العيد.

وضابط هذا الأمر هو الالتزام بما يصدر عن أهل العلم في ذلك البلد وهم القضاة في المحاكم الشرعية وطاعتهم في ذلك طاعة في المعروف، وإن كان هذا مخالفاً لرؤية أهل بلد آخر، لأن الأصل في الصوم أن يكون مع جماعة المسلمين وعامتهم لما ثبت في الحديث من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون)رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي وهو حديث صحيح.

قال الإمام الترمذي رحمه الله:[وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] وعلى المسلمين في هذه الديار أن يعلموا أنه يسعهم ما وسع المسلمين في السابق، بل أيام قيام دولة الإسلام، فما كانوا يصومون في يوم واحد وما كان عيدهم في يوم واحد لما ذكرته سابقاً، وأنقل كلام بعض أهل العلم في ذلك:

قال الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله، في كتابه “العلم المنشور في إثبات الشهور” ص15 ما نصه:

[…لأن عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين لم ينقل أنهم كانوا إذا رأوا الهلال يكتبون إلى الآفاق ولو كان لازماً لهم لكتبوا إليهم لعنايتهم بأمور الدين].

وقـال العلامة ناصر الدين الألباني:[… وإلى أن تجتمع الأمـة الإسـلامية على ذلك -توحيد الصوم والعيد- فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته ولا ينقسم على نفسه فيصوم بعضهم معها وبعضهم مع غيرها، تقدمت في صيامها أو تأخرت. لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد] تمام المنه في التعليق على فقه السنة، ص 398.

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:[إن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم وسائر شعائرهم وشرائعهم أمر مطلوب دائماً ولا ينبغي اليأس من الوصول إليه، ولا من إزالة العوائق دونه، ولكن الذي يجب تأكيده وعدم التفريط فيه بحال هو: أننا إذا لم نصل إلى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام

في القطر الواحد، فلا يجوز أن نقبل بأن ينقسم أبناء البلد الواحد أو المدينة الواحدة فيصوم فريق اليوم على أنه من رمضان ويفطر آخرون على أنه من شعبان وفي آخر الشهر تصوم جماعة وتعيّد أخرى فهذا وضع غير مقبول].

فمن المتفق عليه أن حكم الحاكم أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيهـا فإذا أصدرت السلـطة الشرعية المسؤولـة عن إثبـات الهـلال في بلـد إسـلامي -المحكمة العليا أو دار الإفتاء أو رئاسة الشؤون الدينية- قراراً بالصوم أو الإفطار فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والالتزام.

لأنها طاعة في المعروف وإن كان ذلك مخالفاً لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول: إن لكل بلد رؤيته. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) وفي لفظ (وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون) فتاوى معاصرة ج 2 ص223.

تنبيهات مهمة:

أولاً: إن تشتت المسلمين وتفرقهم في الصيام والعيد في زماننا مع وجود إمكانية كبيرة لتوحدهم مرجعه للحكام الظلمة ولتشرذم المسلمين إلى دويلات كثيرة.

ثانياً: إن الحديث عن وحدة المسلمين في الصيام وفي العبادة في ظل الواقع السياسي الممزق للأمة الإسلامية، ما هو إلا ترفٌ فكريٌ وقصورٌ في الهمة وتعامٍ عن مواجهة الحقيقة والواقع، فلو فرضنا جدلاً أن جميع دول مسلمي اليوم صامت في يومٍ واحد أو فطرت في يوم واحد، فهل توحدت الأمة؟ الجواب بالتأكيد لا.

إن وحدة الأمة الإسلامية أعمق من وحدتهم في الصيام والعيد وإن وحدة المسلمين الحقيقية تكون بتحكيم شرع الله تعالى في جميع شؤونهم!

ثالثاً: إن القول باتباع أول بلد أعلن الفطر أو الصيام أدى إلى تمزق هذه الوحدة في البلد الواحد بل في الأسرة الواحدة فبعض الناس أفطر يوم الثلاثاء والأكثر صاموه فهل هذا مقبول في شرع الله أن تكون نهاية رمضان في يومين مختلفين في البلد الواحد؟ وماذا سنصنع في العيد، هل سيكون عيد الفطر في يومين أيضاً؟ وهل ستقام صلاة العيد في يومين؟

إن ما فعله المفطرون في هذا اليوم زاد الأمة تشرذماً وتفرقاً،لأنهم فرقوا بين أهل البلد الواحد والمدينة الواحدة والقرية الواحدة وبين أهل المسجد الواحد، بل بين أفراد الأسرة الواحدة!!!!

وهذه النتيجة المأساوية أسوأ مما فعله الحكام من تفريقٍ للأمة؟!

رابعاً: إني لأستغرب لم لا تثار هذه القضية عند بداية شهر ذي الحجة الذي ترتبط به فريضة الحج!!

ولا فرق بين هلال رمضان وبين هلال ذي الحجة!!

ولماذا يقبل جميع المسلمين ما تقرره السعودية ؟!! ولا نسمع أحداً من الناس يدَّعي خلاف ذلك فيقف في عرفات حسب رؤيته!!

خامساً: إن بعض الناس يوهم العامة أن وحدة المطالع هو الرأي الوحيد في المسألة وهذا خطأٌ واضحٌ مخالفٌ لما عليه أهل العلم، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ كُرَيْبٍ:( أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ ؟ فَقَالَ:لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)

سادساً: إن مسائل العلم كهذه المسألة من شأن أهل العلم، وليست من شأن عامة الناس والمتفهيقين الذين يهرفون بما لا يعرفون،فهؤلاء لا قولَ لهم في مسائل العلم. قال الشاعر:

يا نـــاقِـــــداً لِـــكَــــلامٍ لَيْسَ يَفْهمُهُ .. مَنْ لَيْسَ يَفْهَـمُ قُــلْ لي كَـيْفَ يَنْتَـقِدُ؟

وقال الآخر:

أتانا من الآفاق قومٌ تفقهوا وليس لهم في الفقه قبلٌ ولا بعدُ

يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ فمَنْ أنتمُ حتى يكونَ لكم عِندُ؟

سابعاً:ما المخرج من هذا الخلاف والنزاع في بداية رمضان ونهايته؟

الذين يقولون نفطر مع أول بلد يعلن الفطر، ليس لديهم السلطان ليلتزم الناس بقولهم فالخلاف سيستمر ولن ينقطع.

واعتقد أنه يسع المسلمين اليوم ما وسع المسلمين خلال تاريخهم الطويل وحين كانت لهم دولة واحدة فما كانوا يصومون في يوم واحد وما كان عيدهم واحداً.

وبناءً على ما تقدم أرى أن الحل الصحيح لهذه القضية هو الالتزام بما تعلنه الجهة المخولة في كل بلد كالقاضي الشرعي أو دار الإفتاء فيصوم أهل القطر الواحد جمعياً ويفطرون جميعاً وإذا أطعنا هؤلاء القضاة والمفتين في هذا الأمر فإنما نطيعهم في المعروف بغض النظر عمن عينهم فحكم الحاكم الشرعي في مثل هذه المسألة يقطع النزاع ويرفع الخلاف.

ومعلوم أن جميع المسلمين في هذه البلاد يرجعون إلى القضاء الشرعي في قضاياهم المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وغيرها فيقبلون قولهم فلم لا يقبلون قولهم في هذه المسألة؟

والله الهادي إلى سواء السبيل

إبطالُ دعوى أن الحائضَ تصومُ رمضان

يقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أنه يجب شرعاً على الحائض أن تصوم رمضان، ويزعم أنه لم يرد في القرآن الكريم ما يمنع الحائض من الصيام، فما الردُّ الشرعيُ على ذلك ،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: ليس مستغرباً أن ينتشر هذا القولُ بأنه يجب شرعاً على الحائض أن تصوم رمضان، على ألسنة كثيرٍ من دعاة تجديد الخطاب الديني ممن يسمُّون أنفسهم بالتنويريين أو القرآنيين منكري السنة النبوية، ومن العقلانيين الذين يدعون إلى تحكيم العقل في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة. وكل أؤلئك المأجورين لجهات معادية للإسلام خارجيةٍ أو داخليةٍ،وانظر إلى قول المستشار أحمد عبده ماهر المحامي،الذي يصف نفسه بأنه كاتبٌ إسلامي،وقد كان ضابطاً في المخابرات الحربية برتبة عميد، يقول:[الشعائر توقيفية من الله فلا دخل للسُنّة النبوية بها… لذلك فعلى الحائض والنفساء صيام، لأنه لا يشترط الطهارة لممارسة فريضة الصيام، لا من الحدث الأكبر ولا الأصغر،لكن بناءً على حديثٍ مأفونٍ رواه البخاري تمَّ الحكمُ بترك كل نساء أهل الإسلام صيام رمضان حال الحيض بكل الأجيال وحتى يومنا هذا…وأنا أردُّ عليهن وعلى الرجال وعلى البخاري الذي ساق لنا هذا الخرف… أذكر لكم ذلك لأطهر نفسي من متابعة فقه الفقهاء، ولأنهى عن منكرهم بشأن وجوب إفطار المرأة الحائض والنفساء بشهر رمضان مع إلزامها بالقضاء في غيره.]

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=978555318858877&id=689400621107683

ومثله قال الدكتور أحمد عمارة إستشاري الصحة النفسية بالطاقة الحيوية وكذا مقولة القرآني أحمد منصور وغيرهم.

إن قول هؤلاء وأمثالهم بهذه المقولات دليلٌ على قبح جهلهم وضلالالهم، وهو مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويوضع الجهل، فعَن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يَقُول:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)رواه البخاري.

وينبغي أن يُعلم أن مقولة وجوب صوم الحائض لرمضان ، سبق للخوارج أن قالوها، قال الشوكاني:[والخوارج لا يستحقون المطاولة والمقاولة لا سيما في مثل هذه المقالة الخارقة للإجماع،الساقطة عند جميع المسلمين بلا نزاع، لكنه لما رفع من شأنها بعض المتأخرين لمحبة الإغراب التي جُبل عليها ذكرنا طرفًا من الكلام في المسألة]نيل الأوطار 1/349.

ثانياً: إن موقف المسلم المتبع لكلام رب العالمين هو التسليم بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة والامتثال لها ، سواء علم الحكمة منها أو جهلها،كما قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}سورة الأحزاب الآية 36.وقال تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}سورة النور الآية 51.وقال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}سورة النساء الآية 59.

وقال تعالى:{وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}سورة الحشر الآية 7.

ومن المعلوم بالضروة في دين الإسلام أن السنة النبوية تشرع أحكاماً لم ترد في القرآن الكريم،فهي المصدر الثاني من مصادر التَّشريع الإسلامي،وقد بين علماء أصول الفقه علاقة السنَّة النبوية بالقُرْآن الكريم،قال العلامة ابن القيم:[والسنَّة مع القُرْآن على ثلاثة أوجه:أحدها: أن تكون موافقةً له من كل وجهٍ، فيكون توارد القُرْآن والسنَّة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.

الثاني: أن تكون بيانًا لِما أريد بالقُرْآن وتفسيرًا له.

الثالث: أن تكون موجبةً لحكمٍ سكت القُرْآن عن إيجابه،أو محرِّمةً لِما سكت عن تحريمه،ولا تخرج عن هذه الأقسام] إعلام الموقعين 2/220.

ودعوى أنه لا بدَّ أن يكون كلُّ حكمٍ في القرآن الكريم، دعوى زائفةٌ باطلةٌ، يقول تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}سورة النساء الآية 65.

قال الإمام الشافعي:[نزلت هذه الآية في رجلٍ خاصم الزبيرَ في أرضٍ، فقضى النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بها للزبير،وهذا القضاءُ سنَّةٌ من رسول الله،لا حُكمٌ منصوصٌ في القُرْآن]مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص 31.

وإن القرآنيين الذين يزعمون بأن الأحكام لا بدَّ أن تكون في القرآن،إنما هم مكذبون لآيات القرآن،ولو سألتهم أين نجد صفة الصلاة في القرآن الكريم،من حيث عدد ركعاتها وأوقاتها وأركانها وشروطها،لم يحروا جواباً.ولا يتسع المقام لمزيدٍ من التفصيل في هذه القضية.

ومن المقرر عند أهل العلم أن الإسلام هو الاستسلام لله سبحانه وتعالى ولشرعه الذي شرعه في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،قال الإمام الطحاوي:[وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ]

وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي:[أي لا يثبت إسلام من لم يسلِّم لنصوص الوحيين ، وينقاد إليها ، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه . روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قال: “من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ،وعلينا التسليم”وهذا كلامٌ جامعٌ نافعٌ،وما أحسن المثلَ المضروب للنقل مع العقل،وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد،بل هو دون ذلك بكثيرٍ،فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً،ولا يمكن للعالم أن يصير نبياً رسولاً،فإذا عرف العامي المقلد عالماً فدل عليه عامياً آخر،ثم اختلف المفتي والدال،فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال،فلو قال الدال:الصواب معي دون المفتي،لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ،فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ،فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي:أنت لمَّا شهدت له بأنه مفت ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك،فموافقتي لك في هذا العلم المعين،لا يستلزم موافقتك في كل مسألة ،وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك ،لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ ، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطىء ،والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى،لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له،والانقياد لأمره.]شرح العقيدة الطحاوية ص 231.

وقال الشيخ محمد المنجد فرج الله كربه:[ما معنى الإسلام؟ هو الاستسلام لله،ومن ذلك أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، لماذا تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ هكذا جاء الشرع المطهر، ولكنك لو تبصرت بالعقل الصريح لوجدت أن النقل الصحيح يوافق العقل الصريح،وأنه يشق عليها أن تقضي هذه الصلوات الطويلة في وقت حيضها،لكنها تصوم أيام العادة المعدودة،”لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهرها” كما قال علي رضي الله عنه.] https://almunajjid.com/6349

ثالثاً: وردت الأدلة من السنة النبوية على أن الحائض لا تصوم،بل يلزمها أن تفطر وتقضي بعد ذلك،فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال:(مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ ، قُلْنَ : وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟قَالَ : أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا ، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قَالَ : فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) رواه البخاري.

وفي رواية عند مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه:(وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي،وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ)

قال الشوكاني:[والحديث يدل على عدم وجوب الصوم والصلاة على الحائض حال حيضها وهو إجماع.]نيل الأوطار 1/348.

وعَنْ مُعَاذَةَ ، قَالَتْ :(سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، فَقُلْتُ : مَا بَالُ الْحَائِضِ،تَقْضِي الصَّوْمَ،وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ قُلْتُ : لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ ، قَالَتْ : كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ )رواه البخاري ومسلم.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ يقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروريٌ،لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي رضي الله عنه بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها،وهم فرقٌ كثيرةٌ، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذُ بما دلَّ عليه القرآن، وردُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقاً، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار ] فتح الباري 1/422.

وقال ابن دقيق العيد:[ الحروري من ينسب إلى حرواء وهو موضع بظاهر الكوفة اجتمع فيه أوائل الخوارج ثم كثرُ استعماله حتى استعمل في كل خارجيٍ،ومنه قول عائشة لمعاذة:”أحرورية أنت؟”أي أخارجية،وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة،وإنما ذكرت ذلك أيضا لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد،بل صيغتها قد تشعر بتعجبٍ أو إنكارٍ،فقالت لها عائشة:”أحرورية أنت” فأجابتها بأن قالت لا،ولكني أسأل،أي أسأل سؤالاً مجرداً عن الإنكار والتعجب،بل لطلب مجرد العلم بالحكم،فأجابتها عائشة بالنص.]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 1/90.

وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كنا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ)قال الترمذي:[ هذا حديثٌ حسنٌ.والعمل على هذا عند أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً إن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة] سنن الترمذي 1/418.

قال الحافظ ابن عبد البر:[وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام حيضتها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لا خلاف في شيءٍ من ذلك والحمد لله، وما أجمع المسلمون عليه فهو الحقُّ والخبرُ القاطع للعذر، وقال الله عز وجل:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} والمؤمنون هنا الإجماع]التمهيد 22/107.

وقال الإمام النووي:[هَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لا تَجِب عَلَيْهِمَا الصَّلاة وَلا الصَّوْم فِي الْحَال , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لا يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلاة , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم.

قَالَ الْعُلَمَاء:وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الصَّلاة كَثِيرَة مُتَكَرِّرَة فَيَشُقّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْم,فَإِنَّهُ يَجِب فِي السَّنَة مَرَّة وَاحِدَة ,وَرُبَّمَا كَانَ الْحَيْض يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ]شرح النووي على صحيح مسلم 4/26.

وقال الإمام النووي أيضاً:[ أجمعت الأمةُ على تحريم الصوم على الحائض والنفساء،وعلى أنه لا يصح صومها،كما قدمنا نقله عن ابن جرير، وكذا نقل الإجماع غيرهُ، قال إمام الحرمين: وكون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه، فإن الطهارة ليست مشروطة فيها،وأجمعت الأمة أيضاً على وجوب قضاء صوم رمضان عليها،نقل الإجماع فيه الترمذي وابن المنذر وابن جرير وأصحابنا وغيرهم.] المجموع 2/386.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ,وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ , وَيَقْضِيَانِ , وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ] المغني 3/39.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يُنَافِي الصَّوْمَ فَلا تَصُومُ الْحَائِضُ لَكِنْ تَقْضِي الصِّيَامَ] مجموع الفتاوى 25/219.

ومن هذه النقول عن العلماء يظهر لنا أن هذا الحكم ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ،وهو محلُّ إجماع علماء الأمة،إلا من شذَّ،والشاذُّ لا عبرة به،وأما الحروريةُ الجدد من شذاذ الآفاق، فلا تلتفتوا لشذوذهم، وعليكم باتباع سيل المؤمنين.ودليل هذا الإجماع حديث معاذةَ السابق قالت:(سَأَلْتُ عَائِشَةَ،فَقُلْتُ:مَا بَالُ الْحَائِضِ،تَقْضِي الصَّوْمَ ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ ؟ قَالَتْ : كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ)وهو حديث صحيح.

رابعاً:من المعلوم أن الحائض ومثلها النفساء لها أحكامٌ خاصةٌ في الفقه الإسلامي،فالحائض لا تصلي، قال ابن المنذر:أجمع أهل العلم على إسقاط فرض الصّلاة عنها في أيّام حيضها،لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش:(إذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة)رواه البخاري ومسلم.

والحائض لا تصوم ولا يصح صومها، ولو صامت فصومها باطلٌ شرعاً. ولا تمسُّ المصحف، ولا تطوف بالكعبة حتى تطهر، ولا تلبث في المسجد، والحائض لا يجامعها زوجها.انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 18/312 فما بعدها.

خامساً: اختلف العلماء في الحكمة من منع الحائض من الصوم، فقال بعض العلماء:الحكمة غير معلومة لنا،قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الجويني:[وَكَوْنُ الصَّوْمِ لا يَصِحُّ مِنْهَا لا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ,فَإِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِيهَا]المجموع 2/386.

وقال بعض العلماء المتقدمين وبعض الأطباء المعاصرين: إن الحكمة في ذلك دفعُ الضرر والأذى عن الحائض.

قال الشيخ سليمان البُجَيْرَمِيّ الشافعي:[قوله:(لا يدرك معناه)والصحيح أنه أمرٌ معقولُ المعنى، وذلك لأن الحيض يضعف البدن، والصوم يضعفه، واجتماع مضعفين يُضر ضررًا شديدًا، والشارعُ ناظرٌ لحفظ الأبدان.] حاشية البُجَيْرَمِيّ على الخطيب 2/382.

وسواء أدركنا الحكمة من منع الحائض من الصوم وإلزامها بالقضاء أو لم ندرك، فنقول سمعنا وأطعنا، وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم:[ وأما إيجاب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة: فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلفين؛ فإن الحيض لما كان منافيًّا للعبادة لم يشرع فيه فعلها، وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر؛ لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر، وهو شهرٌ واحدٌ في العام، فلو سقط عنها فعله بالحيض لم يكن لها سبيلٌ إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته، فوجب عليها أن تصوم شهرًا في طهرها؛ لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده، وإحسانه إليه بشرعه وبالله التوفيق.] إعلام الموقعين 2/46.

وخلاصة الأمر أنّه ليس مستغرباً أن ينتشر القولُ بوجوب صوم الحائض لرمضان، على ألسنة كثيرٍ من المأجورين لجهاتٍ معاديةٍ للإسلام خارجيةٍ أو داخليةٍ، من دعاة تجديد الخطاب الديني ممن يسمُّون أنفسهم بالتنويريين أو القرآنيين منكري السنة النبوية، ومن العقلانيين الذين يدعون إلى تحكيم العقل في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة .

إن موقف المسلم المتبع لكلام رب العالمين هو التسليمُ بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة والامتثال لها ، سواء علم الحكمة منها أو جهلها.

وأن من المعلوم بالضروة في دين الإسلام أن السنة النبوية تشرع أحكاماً لم ترد في القرآن الكريم،فهي المصدر الثاني من مصادر التَّشريع الإسلامي.ودعوى أنه لا بدَّ أن يكون كل حكمٍ في القرآن الكريم، دعوى زائفةٌ باطلةٌ.

وأن الأدلة من السنة النبوية تدل على أن الحائض لا تصوم،بل يلزمها أن تفطر وتقضي بعد ذلك.وهذا محلُّ إجماع علماء الأمة،إلا من شذَّ،والشاذُّ لا عبرة به، وأما الحرورية الجدد من شذاذ الآفاق، فلا نلتفتُ لشذوذهم، وعلينا اتباع سبيل المؤمنين.

وأن الحكمة من منع الحائض من الصوم مختلفٌ فيها، وسواء أدركنا الحكمة أو لم ندركها، فنقول سمعنا وأطعنا.

والله الهادي إلى سواء السبيل

حكمُ الإفطارِ في صوم رمضان بسبب امتحانات التوجيهي

يقول السائل: كما تعلمون فإن امتحانات التوجيهي على الأبواب، وقد انتشرت بعض الأقاويل التي تفيد أنه يجوز لطلبة التوجيهي الفطر في نهار رمضان، وأن الامتحانات تُعدُّ عذراً للإفطار، فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: من المعلوم أن صوم رمضان ركنٌ من أركان الإسلام،قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة الآية 183. وقوله تعالى:{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ }:أي فُرِضَ. وقال تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } سورة البقرة الآية 185.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :( بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) رواه البخاري ومسلم.

وأجمعت الأمّة على أنّ صوم شهر رمضان فرضٌ، لا يجحدهُ إلاّ كافر .

والصيام فريضة على كل مكلف شرعاً، وهو المسلم البالغ العاقل الخالي من الأعذار المبيحة للفطر كما سيأتي.

وقد تقرر عند العلماء أن من ترك صوم رمضان لغير عذرٍ، فقد ترك ركناً من أركان الإسلام، ووقع في كبيرةٍ عظيمةٍ من كبائر الذنوب ، قال الإمام الذهبي:[ وعند المؤمنين مقررٌ أن من ترك صوم رمضان بلا مرضٍ ولا غرض – أي بلا عذرٍ يبيحُ الفطرَ- أنه شرٌ من الزاني ومدمنِ الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقةَ والانحلالَ] الكبائر ص 64.

وقد ورد في الحديث من الوعيد لمن أفطر في رمضان، عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:(بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا فَقَالَا لِيَ: «اصْعَدْ» فَقُلْتُ: «إِنِّي لَا أُطِيقُهُ»، فَقَالَا: «إِنَّا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ»، فَصَعِدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذَا أَنَا بأَصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ فَقُلْتُ: «مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ؟» قَالُوا: «هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ»، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قَالَ: قُلْتُ: «مَنْ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: «هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ} رواه ابنُ خزيمة وابنُ حبَّان والحاكمُ وصححه والذهبي ، وصحَّحه أيضاً العلامة الألبانيُّ في السلسلة الصحيحة.

وقد سئل الشيخ العثيمين عن حكم الفطر في نهار رمضان بدون عذرٍ،فأجاب :[الفطر في نهار رمضان بدون عذر من أكبر الكبائر،ويكون به الإنسان فاسقاً، ويجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره ، يعني لو أنه صام وفي أثناء اليوم أفطر بدون عذرٍ فعليه الإثمُ ، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره ؛ لأنه لما شرع فيه التزم به ودخل فيه على أنه فرضٌ، فيلزمه قضاؤه كالنذر ، أما لو ترك الصوم من الأصل متعمداً بلا عذر، فالراجح : أنه لا يلزمه القضاء ؛ لأنه لا يستفيد به شيئاً ، إذ إنه لن يقبل منه ، فإن القاعدة أن كل عبادةٍ مؤقتةٍ بوقت معينٍ فإنها إذا أُخرت عن ذلك الوقت المعين بلا عذرٍ لم تُقبل من صاحبها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ ) ولأنه مِن تعدي حدود الله عز وجل ، وتعدي حدود الله تعالى ظلمٌ ، والظالمُ لا يقبل منه ، قال الله تعالى : {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلظَّلِمُونَ } ولأنه لو قدَّم هذه العبادة على وقتها – أي فعلها قبل دخول الوقت – لم تُقبل منه ، فكذلك إذا فعلها بعده لم تُقبل منه إلا أن يكون معذوراً ] مجموع فتاوى الشيخ العثيمين 19 السؤال رقم 45.

وذكر العلماء أن الحكمة الأولى لصوم رمضان هي تحقيقُ التقوى في حياة المسلم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فالصيامُ وسيلةٌ لتحقيق التقوى في نفس المسلم، والتقوى هي فعلُ ما أمر الله تعالى به ، وترك ما نهى عنه.

وللصوم حِكَمٌ أخرى، يقول الكمال ابن الهمام الحنفي عن الصوم:[هذا ثالث أركان الإسلام بعد لا إله إلا الله محمد رسول الله، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً شيئين: أحدهما عن الآخر سكون النفس الأمارة، وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج، فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها، وما عن هذا صفاء القلب من الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيها، وبصفائه تناط المصالح والدرجات، ومنها: كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا في عموم الأوقات فتسارع إليه الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألمٍ باطنٍ فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال ما عند الله تعالى من حسن الجزاء.ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحياناً، وفي ذلك رفع حاله عند الله تعالى] فتح القدير2/233.

ويقول العلامة ابن القيم:[لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر

الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال… وللصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(الصومُ جُنَّة) وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام وجعله وجاءَ هذه الشهوة.والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمةً بهم وإحساناً إليهم وحميةً لهم وجنة] زاد المعاد 2/28-30.

وذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي:[سئل بعض السلف: لِمَ شُرِع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع] لطائف المعارف ص 314.

ثانياً: من المعلوم أن صِيَام رَمَضَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ شرعاً،وهو المسلم البالغ العاقل الخالي من الأعذار المبيحة للفطر، وأصحاب الأعذار على وجه الإجمال هم: المسافر والمريض والمرأة المرضع والحامل والهرم أي الكبير في السن، والمكره على الفطر، والحائض والنفساء. قال تعالى:{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } سورة البقرة الآية 184.

وعن عائشة رضى الله عنها لما سئلت عن قضاء الحائض الصيام دون الصلاة، قَالَتْ:(كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصيام، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ) رواه البخاري ومسلم.

ثالثاً: إذا تقرر هذا فإن الدراسة للامتحانات ليست من الأعذار التي تبيح الفطر، والامتحانات شيئٌ عادي في حياة الطلبة، ولا يصح أن نجعل حولها هالةً تُضخمها وتُعطيها أكبرَ من حجمها، كما هو حالُ كثيرين من الناس!

والمشقة الموجودة في الامتحانات، مشقةٌ عاديةٌ مُحتَملةٌ، بخلاف المشقة التي تلحق الذين أجاز لهم الشارع الحكيم الفطر، فيستطيع الطالب أن يُكيف دراسته للامتحان في رمضان، بأن يجعلها في الليل وبعد السحور، فينبغي للطالب أن يتسحر سحوراً جيداً، ثم يصلي الفجر، ثم يذاكر امتحانه ، وبعد أن يمتَحن يعود إلى بيته فينام ويرتاح، ومعلوم أن الامتحانات تنتهي غالباً قبل الظهر، فليس هنالك تلك المشقة التي يُعظمها بعض أولياء أمور الطلبة ، وما هذا إلا دلعٌ في غير محله.

ولو فرضنا أن طالباً لحقته مشقةٌ شديدةٌ بأن غلبه الجوعُ أو العطشُ أو التعبُ حتى خاف على نفسه الضررَ الشديد، ولم يطق الصوم، فله أن يفطر يومه ذاك،لأنه صار معذوراً شرعاً ويلزمه قضاؤه بعد انتهاء رمضان. قال تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } سورة النساء الآية 29. وقال تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا } سورة البقرة الآية 286. وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } سورة الحج الآية 78.

وينبغي التنبيه إلى أن الواجب على الطالب أن يصوم يوم الامتحان ويذهب إلى الامتحان صائماً، فإذا طرأ عليه ما يبيح له الفطر أفطر حينئذ فقط.

وعلى أولياء أمور الطلبة أن يغرسوا في نفوس أبناءهم علو الهمة، ويبعدوهم عن الوهن والضعف والخور،وليعلموا أن طاعة الله عز وجل ومنها صوم رمضان،من أعظم أسباب التوفيق والنجاح في الدنيا ، وأن معصية الله، ومنها الفطر بدون عذرٍ، من أعظم أسباب الخذلان والفشل والرسوب في الامتحان.

رابعاً: ينبغي التنبيه إلى تساهل بعض المفتين في إباحة الفطر للطلبة بسبب الامتحانات، فقد صدرت بعض الفتاوى التي تفتح الباب واسعاً للفطر في صوم رمضان بسبب الامتحانات، ولا يجوز إصدار فتوى عامة تجعل الامتحانات عذراً من أعذار الفطر، أو تجعل مناط الحكم بالفطر غلبة ظن الطالب أنه سيرسب في الامتحان أو يضعف مستواه الدراسي، أو أن صحته ستضعف، فهذه أعذار موهومة ، لا تبيح الفطر، بل يجب أن يكون عذر الفطر حقيقياً لا متوهماً.

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة جواباً على السؤال التالي: هل الامتحان عذرٌ يبيح الإفطار في رمضان؟ لأنه انتشرت عندنا بعض الفتاوى بإباحة الفطر في رمضان لمن خاف شرود ذهنه وعدم تركيزه، وهل يجوز طاعة الوالدين في الفطر لسماعهم هذه الفتاوى التي تجيز الفطر؟ فأجابت اللجنة:[ الامتحان المدرسي ونحوه لا يعتبر عذراً مبيحاً للإفطار في نهار رمضان، ولا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار للامتحان، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية

الخالق، وإنما الطاعة بالمعروف، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم] فتاوى اللجنة الدائمة10/240.

وقال الشيخ العلامة ابن باز :[ لا يجوز للمكلف الإفطار في رمضان من أجل الامتحان؛ لأن ذلك ليس من الأعذار الشرعية؛ بل يجب عليه الصوم، وجعل المذاكرة في الليل إذا شقَّ عليه فعلها في النهار، وينبغي لولاة أمر الامتحان أن يرفقوا بالطلبة، وأن يجعلوا الامتحان في غير رمضان جمعاً بين مصلحتين: مصلحة الصيام والتفرغ للإعداد للامتحان، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه”، فوصيتي للمسؤولين عن الامتحان أن يرفقوا بالطلبة والطالبات، وألا يجعلوه في رمضان بل قبله أو بعده. ] فتاوى الشيخ ابن باز 4/223.

وخلاصة الأمر:

أنّ صوم رمضان ركنٌ من أركان الإسلام.

وأن من ترك صوم رمضان لغير عذرٍ فقد وقع في كبيرةٍ عظيمةٍ من كبائر الذنوب.

وأن الحكمة الأولى لصوم رمضان هي تحقيق التقوى في حياة المسلم.

وأن صِيَام رَمَضَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ شرعاً،وهو المسلم البالغ العاقل الخالي من الأعذار المبيحة للفطر، وأن أصحاب الأعذار على وجه الإجمال هم: المسافر والمريض والمرأة المرضع والحامل والهرم أي الكبير في السن، والمكره على الفطر، والحائض والنفساء.

وأن الدراسة للامتحانات ليست عذراً يبيح الفطر، والامتحانات شيئٌ عادي في حياة الطلبة، ولا يصح أن نجعل حولها هالة تُضخمها وتُعطيها أكبرَ من حجمها، كما هو حالُ كثيرين من الناس!

وأن المشقة الموجودة في الامتحانات، مشقةٌ عاديةٌ مُحتَملةٌ، بخلاف المشقة التي تلحق الذين أجاز لهم الشارع الحكيم الفطر.

وأن على أولياء أمور الطلبة أن يغرسوا في نفوس أبناءهم عُلوَ الهمة،ويبعدوهم عن الوهن والضعف والخَور،وليعلموا أن طاعة الله عز وجل ومنها صوم رمضان،من أعظم أسباب التوفيق والنجاح في الدنيا، وأن معصية الله، ومنها الفطر بدون عذرٍ، من أعظم أسباب الخذلان والفشل والرسوب في الامتحان.

وأنه ينبغي التنبيه إلى تساهل بعض المفتين في إباحة الفطر للطلبة بسبب الامتحانات، فقد صدرت بعض الفتاوى التي تفتح الباب واسعاً للفطر في صوم رمضان بسبب الامتحانات، ولا يجوز إصدارُ فتوى عامة تجعلُ الامتحانات عذراً من أعذار الفطر، أو تجعلُ مناط الحكم بالفطر غلبةَ ظن الطالب أنه سيرسب في الامتحان أو يضعف مستواه الدراسي، أو أن صحته ستضعف، فهذه أعذارٌ موهومةٌ ، لا تبيح الفطر، بل يجب أن يكون عذرُ الفطر حقيقياً لا متوهماً.

والله الهادي إلى سواء السبيل