عَالِمٌ بِأَمْرِ الدُّنْيَا جَاهِلٌ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ

يقول السائل: قرأتُ حديثاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:(إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ حِمَارٍ بِالنَّهَارِ عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ) فما المراد بهذا الحديث، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: قال الإمامُ ابنُ حبان في صحيحه:[ ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنِ الْعِلْمِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا مَعَ الِانْهِمَاكِ فِيهَا وَالْجَهْلِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَمُجَانَبَةِ أَسْبَابِهَا] ثم روى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ)ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده، وقال عنه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح.

وقال عنه الشيخ شعيب الأناؤوط في تحقيقه للمسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.

ورواه البيهقي في سننه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رجاله رجال الصحيح.

والحديث صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة وغيرها، ولكنه تراجع عن تصحيحه، ولكن الحديث ورد بألفاظٍ وطرقٍ أخرى عن عددٍ من الصحابة غير أبي هريرة رضي الله عنه، كما في مسند الإمام أحمد وغيره، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وسراقة بن مالك المدلجي، وأنس بن مالك…وقد صحح الألباني عدداً منها في السلسلة الصحيحة وصحيح الترغيب والترهيب وصحيح الجامع الصغير…وعلى ذلك، فالحديثُ صالحٌ للعمل والاحتجاج. www.islamweb.ne

وقد ورد عددٌ من الأحاديث في المعاني التي اشتمل عليه الحديثُ المذكور، ومنها: عن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنه أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) رواه البخاري ومسلم.

وعَنْ عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ – صاحب ثوبين خلقين لا يُوْبَهُ به – لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ ذِي تَبَعٍ – طوافٍ على الناس سائل لهم -) رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وصحح إسناده ابن القيم في “حادي الأرواح”، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

وعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ:(يَا سُرَاقَةُ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ الضُّعَفَاءُ الْمَغْلُوبُونَ) رواه أحمد والطبراني والحاكم والمنذري في الترغيب والترهيب، وقال إسناده حسن.

ثانياً: إن الله سبحانه خلق الجن والإنس ليعبدوه، ولا يُشركوا به شيئاً، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}سورة الذاريات الآية 56. وهذه الآية الكريمة تدل على مفهوم العبادة الصحيح في الشرع، وهو مفهومٌ واسعٌ شاملٌ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في

رسالته القيمة العبودية:[ الْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ. فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ وَصِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالْمَمْلُوكِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَةِ-يَعْنِي الظَّاهِرَةَ- وَكَذَلِكَ حَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَتُهُ وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ وَالصَّبْرُ لِحُكْمِهِ وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالرَّجَاءُ لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْفُ لِعَذَابِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ هِيَ مِنَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ-يَعْنِي الْبَاطِنَةَ- وَجُمَّاعُ الْعِبَادَةِ كَمَالُ الْحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ ] رسالة العبودية ص 38 .

وبناءً على هذا الفهم النَّير للعبادة، فإن حياة المسلم كلها لله رب العالمين، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}سورة الأنعام الآيتان 162- 163.

ثالثاً: إذا تقرر هذا فنأتي إلى شرح الحديث، فقد اشتمل الحديث على عدة صفاتٍ قبيحةٍ ينبغي للمسلم أن يتجنبها وهي:

الصفة الأولى: الجَعْظَرِيُّ، وتأتي لعدة معانٍ في لغة العرب، قال ابن منظور:[ والجَعْظَرِيّ: القصير الرجلين العظيم الجسم مع قوّة وشدّةِ أَكل. وقال ثعلب: الجَعْظَرِيُّ المتكبر الجافي عن الموعظة؛ وقال مرة: هو القصير الغليظ. وقال الجوهري: الجَعْظَرِيُّ الفَظُّ الغليظ.] لسان العرب.

وقال الأَزهري: الجَعْظَريُّ الطويل الجسم الأَكول الشروب البَطِرُ الكافر. وقال أَبو عمرو: الجَعْظَريُّ القصير السمين الأَشِرُ الجافي عن الموعظة.] لسان العرب.

وعليه فالإنسان الجعظري موصوفٌ بصفاتٍ قبيحةٍ، كشدة الأكل والتكبر والفظاظة والغلظة.

الصفة الثانية: الجَوَّاظُ وتأتي أيضاً لعدة معانٍ في لغة العرب، قال ابن منظور:[ الجَوَّاظ الطويل الجسم الأَكول الشَّرُوبُ البَطِرُ الكَفُورُ] لسان العرب.

وقال أيضاً:[ الكثير اللحم الجافي الغليظ الضخم المُخْتالُ في مِشْيَتِه؛وقال ثعلب: الجَوَّاظُ المتكبِّر الجافي،وقيل: هو الفاجر، وقيل: هو الصَّيَّاح الشِّرِّير. وقال الفرَّاء: يقال للرجل الطويل الجسيم الأَكُولِ الشَّرُوب البَطِر الكافر: جَوَّاظٌ جَعْظٌ جِعْظار… والجَوَّاظُ: الجَمُوع المَنُوع الذي جمَع ومنَع.] لسان العرب.

وعليه فالإنسان الجواظ موصوفٌ بصفاتٍ قبيحةٍ أيضاً، فهو أَكولٌ شَّرُوبٌ بَطِرٌ كَفُورٌ، جماعٌ للمال ومنَّاعٌ، أي أنه يجمع المال بطرقٍ غير شرعيةٍ، وينفقه في ملذاته وشهواته، ولا يؤدي حقَّ الله عز وجل في المال، فهذا هو المذموم شرعاً، لأنه لا يُبالي من حلالٍ أخذهُ أم من حرامٍ، ولا يبالي فيما أنفقه.

وأما من يكسب المال بالحلال، وينفقه في الحلال أيضاً، ويؤدي حقَّ الله فيه، فليس بمذمومٍ شرعاً، وقد ورد عن أبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:( إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ. وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ) رواه أحمد والترمذي، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي.

الصفة الثالثة:السَخَّابُ بِالْأَسْوَاقِ، أو الصَخَّاب، فهما بمعنى واحدٍ، قال ابن منظور:[ الصَّخَبُ: الصِّـياحُ والجلَبة، وشدة الصوت واختلاطُهُ…ورجل صَخَّاب وصَخِبٌ وصَخُوبٌ وصَخْبانُ: شديد الصخَب كثيرهُ]

ولا شك أن هذه صفةً قبيحةً، فالسَخَّابُ كثيرُ الصياح في المجالس والأسواق، وهي من صفات الأشرار، قال ابن منظور:[وفي الحديث في ذكر المنافقين: “خُشُبٌ بالليلِ سُخُبٌ بالنهار” يقول: إِذا جنَّ عليهمُ الليلُ سَقَطُوا نِـياماً كأَنهم خُشُبٌ، فإِذا أَصْبَحُوا تَسَاخَبُوا على الدُّنيا شُحّاً وحِرْصاً. والسَّخَب والصَّخَب بمعنى الصياح] لسان العرب.

ولعل ابن منظور يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(إنَّ للمُنافِقينَ عَلاماتٍ يُعرَفون بها، تَحيَّتُهم لَعنةٌ، وطَعامُهم نُهبةٌ، وغَنيمَتُهم غُلولٌ، ولا يَقرَبون المساجِدَ إلَّا هَجرًا، ولا يأتون الصَّلاةَ إلَّا دُبُرًا – قُرب انتهاء الإمام -، مُستكبِرينَ، لا يَألَفون ولا يُؤلَفون، خُشُبٌ باللَّيلِ، صُخُبٌ بالنَّهارِ. وقال يَزيدُ مرَّةً: سُخُبٌ بالنَّهارِ) رواه أحمد في المسند، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن.

الصفة الرابعة: جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ، أي أنه ينام ليلاً طويلاً، ولا يصلي بالليل، وشبًّههُ بالجيفة وهي جثة الميت،قال ابن منظور:[ الجِيفةُ: معروفة جُثَّةُ الميت، وقيل: جثة الميت إذا أَنـْتَنَتْ؛ ومنه الحديث: “فارْتَفَعَت ريحُ جِيفةٍ”، وفي حديث ابن مسعود: “لا أَعرِفَنَّ أَحدَكم جِيفةَ لَيْلٍ، قُطْرُبَ نهارٍ ” أَي يَسْعَى طُول نهارِه لدنياه، ويَنامُ طُولَ ليلِه كالجِيفة التي لا تتحرك] لسان العرب. وما ذكره ابن منظور من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، رواه الطبراني في المعجم الكبير، ومعناه: النهي عن النشاط الشديد وكثرة الصخب بالنهار، والنوم العميق بالليل الذي لا ينتبه صاحبهُ لقيام الليل، ولا لذكر الله، فشبهه بالقُطْرُبِ وهو دويبة لا تستريح نهارها سعيًّا.

الصفة الخامسة: حِمَارٌ بِالنَّهَارِ، يطلق لفظ الحمار على الإنسان البليد، فهو يشبه الحمارَ في البلادة والجهل، قال الله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}سورة الجمعة الآية 5. قال الإمام الطبري:[كمثل الحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم، لا ينتفع بها، ولا يعقلُ ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة التي فيها بيانُ أمر محمدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، مثلهم إذا لم ينتفعوا بما فيها، كمثل الحمارِ الذي يحملُ أسفارًا فيها علمٌ، فهو لا يعقلها ولا ينتفعُ بها.]تفسير الطبري 12/92.

وقوله تعالى:{كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} سورة المدثر الآية 50,والحُمُر: جمع حمار، والمراد به الحمار الوحشي المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة، فشبههم بالحُمُر لشدة نفورهم عن الحق.

وقوله “حِمَارٌ بِالنَّهَارِ” أي يعمل طوال نهاره لدنياه كالحمار، فهو بليدٌ في فهمه، منهمكٌ في عمله للدنيا، ولا يلتفت إلى غيره من الطاعات والعبادات.

الصفة السادسة: عَالِمٌ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٌ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ، أي أنه يعرف عمرانَ الدنيا، وهو في أمر الدِّين جاهلٌ. ومثله كالكفار الذين قال الله تعالى في حقهم:{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }سورة الروم الآية 7. والعالمُ بالدنيا الحريصُ عليها, وفي ذاتِ الوقت هو جاهلٌ بالآخرة وغافلٌ عنها، مكروهٌ مبغوضٌ كما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إن الله تعالى يُبغضُ كلَّ عالمٍ بالدنيا، جاهلٍ بالآخرة ) رواه الحاكم في تاريخه، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير.

والمسلمُ الصادقُ هو من يوازن بين العمل في الدنيا والعمل للآخرة، كما قال تعالى:{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} سورة القصص الآية 77.

ومطلوبٌ من المسلم شرعاً أن يتفقه في دين الله بالقدر الذي يؤدي فرائض الله ويجتنب المحرمات على أقل تقديرٍ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ) رواه ابن ماجة وغيره، وهو حديثٌ صحيحٌ بمجموع طرقه. والمقصودُ بالعلم الذي هو فريضةٌ، ما هو فرضُ عينٍ، وفرضُ العين ما يجب على كل مسلمٍ مكلفٍ أن يحصله ولا يعذرُ بجهله، وهو ما تتوقفُ عليه صحةُ العبادة أو المعاملة، فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة إن كان عنده نصاب، والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة، وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها.

وخلاصة الأمر:

أن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ ،سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ) حديثٌ صحيحُ.

وأننا إذا تأملنا الحديثَ وفهمنا معانيه، نجدُ انطباقه على الواقع الذي نعيشه.

وأن لبعض المسلمين نصيباً كبيراً من الأوصاف الواردة في الحديث.

فكم من الناس من هو موصوفٌ بصفاتٍ قبيحةٍ، كشدة الأكل والتكبر والفظاظة والغلظة.

وكم من الناس مَنْ هو جماعٌ للمال منَّاعٌ لحقوق الله تعالى فيه.

وكم من الناس مَنْ هم خُشُبٌ بالليلِ سُخُبٌ بالنهار.

وكم من الناس مَنْ يعمل طوال نهاره لدنياه كالحمار فهو بليدٌ في فهمه، منهمكٌ في عمله للدنيا، ولا يلتفتُ إلى الطاعات.وكم من الناس مَنْ يعرفُ عمران الدنيا، وهو في أمرِ الدِّين جاهلٌ.

والواجب على المسلم أن يجتنب هذه الأوصاف القبيحة التي هي من أوصاف أهل النار والعياذ بالله.

وأن يتحلى بالأوصاف التي يستحقُّ أصحابُها أن يكونوا من أهل الجنة كما قال تعالى:{ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِما رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدار}سورة الرعد الآيات 19-24.

نسألُ اللهَ العظيمَ أن نكون منهم.

والله الهادي إلى سواء السبيل

” الغِشُّ السياسيُ” غِشُّ الراعي للرعية

يقول السائل:ذكرتَ في الحلقة السابقة من”يسألونك”حديث النبي صلى الله عليه وسلم:(مَنْ غَشَّنَا،فَلَيْسَ مِنَّا) فأرجو أن تبين لنا نوعاً خطيراً من الغِش وهو غِشُّ الراعي للرعية،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:لا شك أن غِشَّ الراعي للرعية من أخطر أنواع الغِش وأعظمها ضرراً على الأمة،ونستطيع أن نسميه”الغِش السياسي”وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها:عن معقل بن يسار المزني رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:(مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً،يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ،إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)رواه مسلم.

وفي رواية أخرى قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(ما مِن عَبْدٍ اسْتَرْعاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً،فَلَمْ يَحُطْها بنَصِيحَةٍ،إلَّا لَمْ يَجِدْ رائِحَةَ الجَنَّةِ)رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية لمسلم:(ما مِن أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ المُسْلِمِينَ،ثُمَّ لا يَجْهَدُ لهمْ وَيَنْصَحُ،إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ معهُمُ الجَنَّةَ)

ومعنى (لا يَجْهَدُ) أي لا يبذل جهدهُ وطاقته.

وهذا الحديث برواياته يدلُّ على خطر الولاية وعظم مسؤوليتها أمام الله سبحانه وتعالى،وهو عامٌ في كل مسؤولية يتولاها المسلم،ابتداءً من منصب الحاكم والوزير والوكيل والمدير والزوج والزوجة،وانتهاءً بأي ولايةٍ وإن صغرت.ويدل على ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ،الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا،وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،قَالَ:وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ:وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الحديث التحذير الشديد من غش الراعي الرعيةَ،وأنه من كبائر الذنوب.

وعن عائذ بن عمرو المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إنَّ شرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ) رواه مسلم.والحُطَمةُ:صيغة مبالغة من الحطم،وأصل الحطم كسر الشَّيء اليابِس،والحَطِم:السَّواق بعنفٍ كَأَنَّه يحطم الأنعام بعضها بِبَعض فهو عنيف في سوقها،ويدخل في عموم الحديث الحكام الظلمة المفسدون الذي يبطشون ويسوسون رعيتهم بالقهر والظلم والعسف والجبروت ولا يرفقون في معاملتها.

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال:(لا يَستَرعي اللهُ تَبارك وتَعالى عبدًا رعيَّةً،قَلَّتْ أو كَثُرَتْ،إلَّا سَأَلَه اللهُ تَبارك وتَعالى عنها يَومَ القيامَةِ،أقامَ فيهم أمْرَ اللهِ تَبارك وتَعالى أم أضاعَه؟حتى يَسأَلَه عن أهْلِ بَيتِه خاصَّةً)رواه أحمد وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط.

وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عن قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(ما مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلا جيء بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةٌ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ حَتَّى يُطْلِقَهُ الْحَقُّ أَوْ يُوبِقَهُ وَمَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ)رواه أحمد.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عن أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:(مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلاَّ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةٌ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ أَطْلَقَهُ الْحَقُّ أَوْ أَوْثَقَهُ)رواه الدارمي،وقال العلامة الألباني حسن صحيح في صحيح الترغيب والترهيب.وغير ذلك من الأحاديث.

قال الإمام النووي:[قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي بَعْدَهُ سَبَقَ شَرْحُهُمَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ،وَحَاصِلُهُ:أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ،أَحَدُهُمَا:أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا لِغِشِّهِمْ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ،وَيَخْلُدُ فِي النَّارِ.

وَالثَّانِي:أَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّهُ فَيَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِهَا أَوَّلَ وَهْلَةٍ مَعَ الْفَائِزِينَ،وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ:(لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ)أَيْ:وَقْتَ دُخُولِهِمْ،بَلْ يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ عُقُوبَةً لَهُ إِمَّا فِي النَّارِ وَإِمَّا فِي الْحِسَابِ،وَإِمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ .

وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ:وُجُوبُ النَّصِيحَةِ عَلَى الْوَالِي لِرَعِيَّتِهِ،وَالِاجْتِهَادِ فِي مَصَالِحِهِمْ،وَالنَّصِيحَةِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ،وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ قَبْلَ حَالَةِ الْمَوْتِ نَافِعَةٌ]شرح النووي على صحيح مسلم 2/345.

وقال القاضي عياض:[ معناهُ بيِّنٌ في التحذير من غِش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئاً من أمرهم واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤتمن عليه فلم ينصح فيما قلده إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم،وأخذهم به،وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل متصدٍّ لإدخال داخلةٍ فيها أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم،أو تضييع حقوقهم،أو ترك حماية حوزتهم،ومجاهدة عدوهم،أو ترك سيرة العدل فيهم،فقد غشَّهم.قال القاضي:وقد نبه صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة.] المصدر السابق.

وقال القرطبي المحدث:[قوله صلى الله عليه وسلم( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللّهُ رَعِيَّةً) الحديث هو لفظٌ عامٌ في كل من كُلِّف حفظ غيره،كما قال صلى الله عليه وسلم:(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته،وهذا الرجل في أهل بيته والولد والعبد،والرعاية:الحفظ والصيانة،والغِش ضد النصيحة، وحاصله راجعٌ إلى الزجر عن أن يُضيَّع ما أُمر بحفظه، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكن من فعل ما يتعين عليه] المفهم شرح صحيح مسلم 1/353–354.

ثانياً:إن واقع الأمة المسلمة في زماننا محزنٌ ومؤسفُ، حيث افترق السلطان عن الدِّين والقرآن،مما أدى إلى تولي الظلمة مقاليد الأمور،فسعوا في الأرض فساداً وإفساداً،قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[إن انفرد السلطان عن الدِّين،أو الدِّين عن السلطان،فسدت أحوالُ الناس] السياسة الشرعية لابن تيمية 460.

ومظاهر غش الحكام للرعية في زماننا كثيرة جداً منها:

(1)تخلي الحكام عن الحكم بما أنزل الله عز وجل،لذا استحقوا الوعيد الشديد لذلك،قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سورة المائدة الآية 44،وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة المائدة الآية 45،وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة المائدة الآية 47.

(2) سياسةُ الأمة بالقسوة والغلظة والشدة،وما يجري للمسلمين في ديار المسلمين من قتلٍ وذبحٍ وتشريدٍ واعتقالٍ،معروفٌ ومشهورٌ.يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) رواه مسلم.

(3) فقدانُ العدل غالباً في بلاد المسلمين مما دفع كثيراً من الناس إلى الهجرة من بلادهم،والفرار إلى دول الغرب كما هو حال الملايين من الشعب السوري الذين لجأوا إلى تركيا وأوروبا.يقول تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} سورة النساء الآية 58، وقال تعالى:{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } سورة المائدة الآية 49.

(4) من أعظم غِشِّ الحكام وخيانتِهِم للرعية تولية المناصب لمن ليس أهلاً لها من أولادهم وأقاربهم وجماعتهم،مع وجود من هو أولى وأصلح،فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ) رواه الحاكم وصححه.

ورواه الطبراني بلفظ:( مَنْ تَوَلَّى مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَعْلَمُ مِنْهُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ ).قال الهيثمي في مجمع الزوائد :” فيه أبو محمد الجزري حمزة ولم أعرفه،وبقيَّه رجاله رجال الصحيح”.

وقال صلى الله عليه وسلم:(مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ) رواه الحاكم وصححه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ)رواه البخاري.

(5) غش الأمة في رعاية مصالحها العامة، وهذا أمرٌ ظاهرٌ في كثيرٍ من بلاد المسلمين،حيث تجد ضعف التعليم والصحة، وانتشار البطالة بين الشباب، وتدني الرواتب والأجور،وعدم توفير الحاجات الأساسية للناس كالخبز والمياه،وسوء أحوال الطرق والكهرباء،واختلال الأمن والأمان، وغير ذلك.

(6) غش الأمة في المال العام، فقد سيطر الحكام وحاشيتهم على خيرات الأمة ونهبوها،وحولوا البلاد إلى مزارع شخصية لهم ولزوجاتهم ولأعوانهم،واستولوا على الملايين،وحولها إلى حساباتهم الشخصية في بنوك العالم.

وغير ذلك من مظاهر غش الحكام للرعية، ويكفينا قول النبي صلى الله عليه وسلم :( إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ)رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح”. وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، وفي صحيح الجامع وفي السلسلة الصحيحة.

قال الإمام النووي:[أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلُّونَ]مَعْنَاهُ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَخَافُهَا عَلَى أُمَّتِي، أَحَقُّهَا بِأَنْ تُخَافَ: الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ]شرح النووي على صحيح مسلم 18/64.

والمراد بالأئمة المضلين هم الذين يتبعهم الناس من الحكام الظلمة الفسدة،والعلماء الفسقة الفجرة،والعُبَّاد الجهلة،فيضلون الناس عن كتاب الله عز وجل وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم،ولا شك أن ضلال هؤلاء الأصناف الثلاثة فيه ضلالٌ لمتبعيهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[فالأئمة المضلون هم الأمراء] مجموع الفتاوى 1/355 .

وقال الشيخ العثيمين:[(الأئمة المضلين)، أئمة الشر، وصدق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن أعظم ما يخاف على الأمة الأئمة المضلون؛كرؤساء الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذين تفرقت الأمة بسببهم.

والمراد بقوله: «الأئمة المضلين» : الذين يقودون الناس باسم الشرع، والذين يأخذون الناس بالقهر والسلطان؛ فيشمل الحكام الفاسدين، والعلماء المضلين، الذين يدعون أن ما هم عليه شرع الله، وهم أشد الناس عداوة له] مجموع رسائل وفتاوى العثيمين 9/477.

ثالثاً:وأخيراً أختم بصورتين مشرقتين من تاريخنا الإسلامي في بيان ما كان عليه حال الحكام،فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوماً فقال:( ألا إنما أبعثُ عُمَّالي ليُعلِّموكم دِينَكُمْ وليُعلِّموكم سُنَّتَكُمْ ولا أبعثهم ليَضربوا ظهوركم ولا ليَأخذوا أموالكم,ألا فمن رابَهُ شيٌء من ذلك فليرفعْهُ إليَّ فوالذي نفسُ عمرَ بيدِهِ لأُقِصَّنَّكُمْ منهُ.فقام عمرو بنُ العاصِ فقال يا أميرَ المؤمنينَ,إن بعثتَ عاملًا من عُمَّالِكَ فأَدَّبَ رجلًا من رعيتِهِ فضربَهُ إنك لمُقِصَّهُ منهُ ؟ قال:نعم,والذي نفسُ عمرَ بيدِهِ لأُقِصَّنَّ منهُ,وقد رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُقِصُّ من نفسِهِ,أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ،وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ،وَلَا تُجَمِّرُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُم،وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ) رواه أحمد وغيره.

والغِياض: جمع غَيْضة، وهي الشجر المُلْتَف؛ لأنهم إذا نزَلُوها تفرَّقوا فيها، فتمكََّن منهم العدوُّ.

وورد في الوصية الرائعة التي أرسلها الإمام الحسن البصري،إلى الخليفة الراشد عمرَ بنِ عبد العزيز رضي الله عنه:[ اعلم يا أمير المؤمنين،أنَّ اللهَ جعل الإمامَ العادلَ قِوَام كلِّ مائل،وقَصْدَ كلِّ جائرٍ،وصلاحَ كلِّ فاسدٍ،وقوةَ كلِّ ضعيفٍ،ونَصَفَةَ- إنصاف – كلِّ مظلوم،ومَفْزَعَ كلِّ ملهوف.

والإمام العادل – يا أمير المؤمنين – كالرَّاعي الشفيقِ على إبلِهِ،الرفيقِ بها،الذي يَرتَادُ لها أطيبَ المراعي،ويذودُهَا عن مَرَاتِعِ الهَلَكة،ويحميها منَ السِّبَاعِ،ويُكنُّهَا من أذى الحرِّ والقَرِّ.

والإمام العادل – يا أمير المؤمنين – كالأبِ الحاني على وَلدِه،يسعى لهم صغاراً،ويعلمهم كباراً؛يكتسبُ لهم في حياته،ويدَّخِرُ لهم بعدَ مماتِهِ.

والإمام العدل – يا أمير المؤمنين – كالأمِّ الشفيقةِ البرَّةِ الرَّفِيقَةِ بولدها،حملتهُ كُرْهَاً،ووضعتهُ كُرْهَاً،وربَّتهُ طِفْلاً تسهرُ بسهرِهِ،وتسكنُ بسكونِهِ،ترضعُهُ تارةً وتفْطمُهُ أخرى،وتفرَحُ بعافيتِهِ،وتغْتَمُّ بشكَايَتِهِ.

والإمام العدل – يا أمير المؤمنين – وَصِيُّ اليتامى،وخازنُ المساكينِ،يُرَبِّي صغيرَهم،ويمونُ كبيرَهُم.

والإمام العدل – يا أمير المؤمنين -كالقلبِ بينَ الجوارِحِ،تَصْلُحُ الجوارحُ بصلاحِهِ،وتَفْسُدُ بفسادِهِ.

فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما مَلَّكَكَ اللهُ عزَّ وجلَّ كعبدٍ ائتمَنَهُ سيدُهُ،واستحفَظَهُ مَالَهُ وعيَالَهُ،فَبَدَّدَ المالَ وشَرَّدَ العيَالَ،فأفقرَ أهلَهُ،وفَرَّقَ مالَهُ] الحسن البصري لابن الجوزي والعقد الفريد لابن عبد ربه 1/12.

رابعاً:إن الحاكم في الإسلام ليس مطلق الصلاحيات، يفعلُ ما يريد بلا حسيبٍ ولا رقيبٍ،بل هو مقيدٌ بشرع الله عز وجل،وهو غير معصومٍ من الخطأ والزلل،لذلك واجبٌ على الأمة أن تنصحه وتراقبه وتحاسبه إن أخطأ ويُعزل إن ارتكب ما يستوجب العزل.عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِي رضي الله عنه أَنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قَالَ:(الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)رواه مسلم.

وقال أبو بكر الصديق يوم أن بويع بالخلافة:[أَيّهَا النّاسُ!فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ,فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي؛وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي.الصّدْقُ أَمَانَةٌ وَالكَذِبُ خِيَانَةٌ.وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللهُ,وَالقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللهُ.لا يَدَعُ قَوْمٌ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلا ضَرَبَهُمْ اللّهُ بِالذّلّ.وَلا تَشِيعُ الفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلا عَمّهُمْ اللّهُ بِالبَلَاءِ.أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللّهَ وَرَسُولَهُ,فَإِذَا عَصَيْتُ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.قُومُوا إلَى صَلاتِكُمْ يَرْحَمُكُمْ الله] رواه عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في السنن الكبرى وقال ابن كثير :إسناده صحيح.

وخلاصة الأمر:
أن غِشَّ الراعي للرعية من أخطر أنواع الغِش وأعظمها ضرراً على الأمة،ونستطيع أن نسميه”الغِش السياسي.

وأن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً،يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ،إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) أصل في هذا الباب وورد في معناه أحاديثُ كثيرةٌ.

وأن هذا الحديث برواياته يدلُّ على خطر الولاية وعِظم مسؤوليتها أمام الله سبحانه وتعالى،وهو عامٌ في كل مسؤولية يتولاها المسلم،ابتداءً من منصب الحاكم والوزير والوكيل والمدير والزوج والزوجة،وانتهاءً بأي ولايةٍ وإن صغرت.

وأن مظاهر غش الحكام للرعية في زماننا كثيرةٌ جداً.

وأن خروج الحاكم على الأمة هو السائد الغالب في زماننا، وليس خروج الأمة على الحاكم.

وأن الحاكم في الإسلام ليس مطلق الصلاحيات، يفعلُ ما يريد بلا حسيبٍ ولا رقيبٍ،بل هو مقيدٌ بشرع الله عز وجل،وهو غير معصومٍ من الخطأ والزلل،لذلك واجبٌ على الأمة أن تنصحه وتراقبه وتحاسبه إن أخطأ، ويُعزل إن ارتكب ما يستوجب العزل.

والله الهادي إلى سواء السبيل

الحكم على حديث “حبسُ اللهِ المطرَ في أوانهِ ويُنزلُهُ في غير أوانهِ”

يقول السائل:إن فصل الشتاء قد طال في هذا العام مع أمطارٍ غزيرةٍ حتى في بداية هذا الأسبوع،فهل ينطبقُ علينا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:(يأتي زمانٌ على أمتي لا يُعرف من الاسلام الا اسمهُ، ولا من القرآن الا رسمه، همهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، لا يعبدون الله إلا في شهر رمضان، فإذا فعلوا ذلك ابتلاهم الله بالسنين، قالوا: وما السنون يا رسول الله؟ قال: جور الحكام، وغلو المؤونة، ويحبسُ اللهُ المطرَ في أوانه، ويُنزله في غير أوانه) فهل هذا الحديث ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:المطر رحمةٌ من رب العالمين يغيث به العباد والبلاد، قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} سورة الشورى الآية 28.

وقال تعالى{وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} سورة الحج الآية 5.

وقال تعالى:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} سورة ق الآية 9.

وقال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}سورة فصلت الآية 39.

وإنزال المطر أو الغيث مما اختص الله سبحانه وتعالى به،فالله جل جلاله ينزل الغيث،ولا يُنزله أحدٌ سواه كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة لقمان الآية34.

والمطر قد يكون رحمةً من رب العالمين وقد يكون نقمةً وعذاباً كما هو مشاهد في الفيضانات التي تغرق العباد والبلاد.

وقد أنزل الله سبحانه وتعالى المطر رحمةً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم في غزوة بدر،كما قال تعالى:{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} سورة الأنفال الآية 11.

وعن أنس رضي الله عنه قال:(أَصَابَنَا وَنَحْنُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَطَرٌ، قالَ:فَحَسَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَوْبَهُ، حتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قالَ: لأنَّهُ حَديثُ عَهْدٍ برَبِّهِ تَعَالَى.) رواه مسلم.

قال الإمام النووي:[ومعناه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيتبرك بها.]شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 302.

وكذلك فإن المطر يكون عذاباً ونقمةً يُعذِّب الله به من يشاء من عباده، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} سورة الفرقان الآية 40.

وقال تعالى:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ}سورة الشعراء الآية 173.

وقال تعالى:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } سورة الأعراف الآية 84.

كما قال تعالى:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}سورة القمر الآيات 9-12.

ثانياً:الحديث المذكور:(يأتي زمانٌ على أمتي لا يُعرف من الاسلام الا اسمهُ، ولا من القرآن الا رسمه، همهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، لا يعبدون الله إلا في شهر رمضان، فإذا فعلوا ذلك ابتلاهم الله بالسنين، قالوا: وما السنون يا رسول الله؟ قال: جور الحكام، وغلو المؤونة، ويحبسُ اللهُ المطرَ في أوانه، ويُنزله في غير أوانه)

حديثٌ باطلٌ غيرُ ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال علماء الحديث،وقد روي بألفاظٍ مختلفةٍ، ويتناقله كثيرٌ من الناس مع تفاوت في ألفاظه وعباراته،وهو منتشرٌ على صفحات التواصل الاجتماعي، وقد طبعه بعض الناس في نشراتٍ وزعت على الناس وعُلقت في بعض المساجد.

وقد روى بعض ألفاظه الديلمي في مسند الفردوس، وهو موطن الروايات الواهية والموضوعة المكذوبة، وذكر بعض ألفاظه صاحب كنز العمال والبيهقي وغيرهم.

وينبغي التنبيه على أن الأمطار هذا العام جاءت في فصل الشتاء تقريباً وإن زادت، ولا مانع أن يأتي بعض المطر في الربيع وحتى في الصيف أحياناً، ولا يصح أن المطر في غير أوانه يكون نقمةً وعذاباً، وخاصةً إذا كان في الصيف ،وما روي في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ لِلسَّاعَةِ أَعْلَامًا،وَإِنَّ لِلسَّاعَةِ أَشْرَاطًا ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَعْلَامِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ غَيْظًا ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَطَرُ قَيْظًا)رواه الطبراني وغيره،فهذا الحديث موضوعٌ أي مكذوبٌ على النبي صلى الله عليه وسلم ،وتكلم عليه العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة.

ثالثاً:من قواعد وأصول أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال الاعتمادُ على السنَّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس على الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة، والحكايات والأساطير وما لا أصلَ له.

وإذا تقرر أن الحديث المذكور في السؤال مكذوبٌ، فإن الواجب على من يذكرون الأحاديث في كتاباتهم على صفحات التواصل الاجتماعي والخطباء والوعاظ والمدرسين وغيرهم، أن يتثبتوا من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس،لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم فيُسهم هؤلاء وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك.

وبناءً على ذلك فإني أنصح كل من يذكر حديثاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتثبت من ذلك الحديث، وأن يرجع إلى كتب أهل الحديث ليعرف حال ذلك الحديث قبل أن يذكره للناس، فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال:(من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

وقال الحافظ ابن حبان:[فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو غير عالم بصحته]، ثم روى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وإسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط، الإحسان 1/210، ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) وأخرجه مسلم أيضاً.

وقال الإمام الشوكاني:[فلما كان تمييز الموضوع من الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجَلِّ الفنون، وأعظم العلوم، وأنبل الفوائد من جهات يكثر تعدادها، ولو لم يكن منها إلا تنبيه المقصرين من علم السنة على ما هو مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحذروا من العمل به واعتقاد ما فيه وإرشاد الناس إليه.

كما وقع لكثير من المصنفين في الفقه والمتصدرين للوعظ والمشتغلين بالعبادة والمتعرضين للتصنيف في الزهد فيكون لمن بين لهؤلاء ما هو كذبٌ من السنة أجرُ من قام بالبيان الذي أوجبه الله، مع ما في ذلك من تخليص عباد الله من معرة العمل بالكذب، وأخذه على أيدي المتعرضين لما ليس من شأنه من التأليف والاستدلال والقيل والقال، وقد أكثر العلماء رحمهم الله من البيان للأحاديث الموضوعة وهتكوا أستار الكذابين، ونفوا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم انتحال المبطلين وتحريف الغالين وافتراء المفترين وزور المزورين] الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص 3.

وكما ينبغي أن يُعلم أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة.

وخلاصة الأمر:

أن المطر قد يكون رحمةً من رب العالمين يغيث به العباد والبلاد، وقد يكون عذاباً ونقمةً يعذِّب اللهُ به من يشاء من عباده.

وأن الحديث المذكور:(يأتي زمانٌ على أمتي لا يُعرف من الاسلام الا اسمهُ، ولا من القرآن الا رسمه، همهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، لا يعبدون الله إلا في شهر رمضان، فإذا فعلوا ذلك ابتلاهم الله بالسنين، قالوا: وما السنون يا رسول الله؟ قال: جور الحكام، وغلو المؤونة، ويحبسُ اللهُ المطرَ في أوانه، ويُنزله في غير أوانه) حديثٌ باطلٌ غير ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأن من قواعد وأصول أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال الاعتمادُ على السنَّة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس على الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة، والحكايات والأساطير وما لا أصل له.

وأن الواجب على من يذكرون الأحاديث في كتاباتهم على صفحات التواصل الاجتماعي والخطباء والوعاظ والمدرسين أن يتثبتوا من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس،حتى لا ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم:(من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)

وأن علماء الحديث بينوا الأحاديث الموضوعة وهتكوا أستار الكذابين، ونفوا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم انتحال المبطلين وتحريف الغالين وافتراء المفترين وزور المزورين.

والله الهادي إلى سواء السبيل

منزلةُ السنةِ النبويةِ من القرآنِ الكريم

يقول السائل: قرأت العبارة التالية في سنن الدارمي،قال يحيى بن أبي كثير:” السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ ” فما المراد بهذا الكلام ،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: قال الإمام الدارمي في سننه:” باب السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ على كتاب الله” ثم روى بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال:”السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ “. وهذه العبارة صدرت عن رجلٍ محدثٍ علمٍ من أعلام الأمة،فيحيى بن أبي كثير قال عنه الإمام الذهبي:[الإمامُ الحافظُ،أحدُ الأعلام…وقال أبو حاتم الرازي:هو إمامٌ لا يروي إلا عن ثقةٍ، وقد نالته محنةٌ،وضُرب لكلامه في ولاة الجور]سير أعلام النبلاء 6/27.

ثانياً: قبل أن أذكر المراد بعبارة يحيى بن أبي كثير،لا بدَّ أن أبين تعريف السُّنة النبوية باعتبارها مصدراً تشريعياً عند الأصوليين:فهي ما ثَبَتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – غير القرآن الكريم- مِن قولٍ أو فِعْلٍ أو تقريرٍ. لأن هذه الثلاثة يُستدل بها على الأحكام الشرعية.

وأما عند المحدثين فالسُّنة النبوية هي: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته الخِلْقِية والخُلُقية، وسائر أخباره، سواءٌ أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها.فالسُّنة عندهم مرادِفةٌ للحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

السنةُ النبوية مصدرٌ تشريعيٌ من المصادر الأربعة المتفق عليها بين جماهير علماء المسلمين، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس.

وقد بين علماء الأصول حجية السنة النبوية أوضح بيان وذكروا النصوص من كتاب الله عز وجل التي تدل على ذلك فمنها:

قوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}سورة الحشر الآية 7.

وقوله تعالى:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} سورة آل عمران الآية 32.

وقوله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}سورة النور الآية 63.

وقوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} سورة الأحزاب الآية 36.

وقوله تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} سورة النساء الآية 65.

وقوله تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}سورة النساء الآية 59.

وقوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}سورة النحل الآية 44.

ثالثاً:علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم علاقةٌ وثيقةٌ جداً لا يمكن فصلها، وقد بين العلماء هذه العلاقة بالتفصيل، قال العلامة ابن القيم:[والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه;أحدها:أن تكون موافقةً له من كل وجه;فيكون تواردُ القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.

الثاني:أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن وتفسيراً له.

الثالث:أن تكون موجبةً لحكمٍ سكت القرآنُ عن إيجابه أو محرمةً لما سكت عن تحريمه،ولا تخرج عن هذه الأقسام]إعلام الموقعين 2/221.

وبيان ذلك باختصار كما يلي:(1)السنة المؤكِّدة لما ورد في القرآن الكريم.والأمثلة على ذلك كثيرة كما في أركان الإسلام الواردة في قوله تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}

سورة البقرة الآية 285.فقد جاء تأكيد ذلك في الحديث المشهور بحديث جبريل عَنْ عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه قَالَ:(بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم،فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْت.فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ.قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْت. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قَلَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)رواه مسلم.

وكما في العبادات المفروضة في القرآن الكريم،كقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} سورة النساء الآية 103.

وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة الآية 183.

وقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سورة التوبة الآية 103.

وقوله تعالى:{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} سورة آل عمران الآية 97.

فجاءت السنة النبوية وأكدت كل ذلك في قول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ:شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،وَإِقَامِ الصَّلاةِ،وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ،وَالْحَجِّ،وَصَوْمِ رَمَضَان)رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك.

(2)السنة المُبَيِّنَة لما ورد في القرآن الكريم من بيانٍ للمجمل،وتخصيصِ العام،وتقييد المطلق.قال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} سورة النحل الآية 44.فمن بيان المجمل ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ }سورة البقرة الآية 43.فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة في أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ،فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى،فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،فَرَدَّ،وَقَالَ:(ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ،فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى،ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،فَقَالَ:ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ،ثَلَاثًا،فَقَالَ:وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ،فَعَلِّمْنِي،فَقَالَ:إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ،ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا،ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا،ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا،ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا،وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)رواه البخاري ومسلم.

وخصصت السنة النبوية ما ورد عاماً في القرآن الكريم كما في الحديث عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)رواه البخاري ومسلم، فهذا الحديث خصَّصَ عموم قوله تعالى:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}سورة النساء الآية 11، فالابن الكافر لا يرث من أبيه المسلم .

وقيدت السنة النبوية مطلق القرآن الكريم كما ثبت في السنة النبوية أن قطع يد السارق يكون من مفصل الكف بالاتفاق،وهذا تقييد لمطلق اليد الواردة في قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}سورة المائدة الآية 38.

(3)السنة النبوية تستقل بالتشريع،وهذا باتفاق أهل العلم،فإن هنالك أعداداً كبيرةً من الأحكام الشرعية استقلت السنة النبوية بتشريعها ولم يرد لها ذكرٌ في القرآن الكريم، كتحريم الذهب والحرير على الرجال وتحريم لحوم الحمر الأهلية، ورجم الزاني المُحصن،وميراث الجدَّة، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم الرضاع بالنسب، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

وقد قامت الأدلة الشرعية على استقلال السنة النبوية بالتشريع كما في قوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}سورة الحشر الآية 7.وقال تعالى:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}سورة النساء الآية80.

وقال تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}سورة النساء الآية 65.

وقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}سورة الأحزاب الآية 36.

وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجلٌ شبعانٌ على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه،ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع…) رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.وقال العلامة الألباني: صحيح.

قال الإمام الخطابي في شرح الحديث:[يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا…وفي الحديث دليلٌ على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ كان حجة بنفسه]معالم السنن 4/276.

وورد في كتاب عمر رضي الله عنه إلى القاضي شريح:[ إذا أتاك أمر في كتاب الله ، فاقض به، فإن لم يكن في كتاب الله وكان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض به، فإن لم يكن فيهما،فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن فأنت بالخيار،إن شئت تجتهد رأيك، وإن شئت تؤامرني،ولا أرى مؤامرتك إياي إلا أسلم لك]سير أعلام النبلاء 4/101.

وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وكذا علماءُ السلف والخلف من يزعم الاكتفاءَ بما ورد في القرآن الكريم دون الأخذ بالسنة النبوية، فعن أبي رافع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ –السرير- يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) رواه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: صحيح.

ورواه الترمذي أيضاً عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ)وقال العلامة الألباني: صحيح.

وروى الخطيب البغدادي بسنده عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه كان جالساً ومعه أصحابه يحدثهم، فقال رجل من القوم لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له عمران بن حصين:(ادنه-اقترب- فدنا، فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين، أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة ثم قال: أي قوم، خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلن)

وفي رواية أخرى: (أن رجلاً قال لعمران بن حصين: ما هذه الأحاديث التي تحدثونها وتركتم القرآن؟ قال: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفة، ورمي الجمار كذا، واليد من أين تقطع، أمن هنا أم هاهنا أم من هاهنا، ووضع يده على مفصل الكف، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب، اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم]الكفاية في علم الرواية1/28.

وقال أيوب السختياني:[إذا حدثتَ الرجلَ بالسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضالٌ مضلٌ] الكفاية في علم الرواية1/28.

وقال أبو قلابة:[إذا حدثتَ الرجلَ بالسنة فقال:دعانا من هذا وهات من كتاب الله،فاعلم أنه ضالٌ]طبقات بن سعد 7/184.

وقال الإمام مالك:[السنَّةُ سفينة نوح عليه السلام من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق] تاريخ دمشق لابن عساكر 14/9.

وقال الإمام الشافعي: [أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد] إعلام الموقعين 2/11.

وقال الإمام أحمد:[من ردَّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة] المناقب لابن الجوزي ص 182.

وقال الإمام البربهاري: [وإذا سمعت رجلاً يطعن في الأحاديث، ويردُّ الأحاديث والآثار، ويورد غير الآثار، ويعتمد على عقله ولا يريد أن يعتمد على الحديث، فاتهمه على الإسلام، وفي إسلامه دخن، ولا تشك أنه صاحب هوى وصاحب بدعة] كتاب السنة ص51.

وقال الإمام الشوكاني:[إن ثبوت حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورةٌ دينيةٌ، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في الإسلام] إرشاد الفحول ص 33.

رابعاً:إذا تقرر ما سبق فإن عبارة يحيى بن أبي كثير:” السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ ” يقصد بها المرتبةُ الثانيةُ التي ذكرتها في مكانة السنة من القرآن الكريم، وهي السنة المُبَيِّنَة لما ورد في القرآن الكريم من بيانٍ للمجمل،وتخصيصِ العام،وتقييد المطلق.

قال الإمام الأوزاعي: [وذلك أن السنة جاءت قاضية على الكتاب ولم يجيء الكتاب قاضياً على السنة] مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص 52.

والمراد أن السنة تبين معاني القرآن المجملة وتوضحها وتخصص العام،وتقيد المطلق وليس عكس ذلك.

قال الزركشي:[مسألة:”حاجة الكتاب إلى السنة”قال الأوزاعي:الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب.قال أبو عمر : يريد أنها تقضي عليه،وتبين المراد منه.

وقال يحيى بن أبي كثير : السنة قاضية على الكتاب .

وقال الفضل بن زياد:سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الحديث الذي روي: أن السنة قاضية على الكتاب.فقال:ما أجسر على هذا أن أقوله ولكن أقول:إن السنة تفسر الكتاب وتبينه]البحر المحيط 6/11.

وقال مكحول: [الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ ]تفسير القرطبي 1/39.

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: [السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه] دقائق التفسير 2/26.

فهذا هو المراد الذي يظهر من عبارة يحيى بن أبي كثير.

وخلاصة الأمر:

أن يحيى بن أبي كثير قال:”السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ ” وأن هذه العبارة صدرت عن رجلٍ محدثٍ علمٍ من أعلام الأمة.

وأن معناها أن السنة النبوية تبين معاني القرآن المجملة وتوضحها وتخصص العام،وتقيد المطلق وليس عكس ذلك.

وأن حجية السنة النبوية أمرٌ واضحٌ دلت عليه النصوص من كتاب الله عز وجل.

وأن علاقة السنة النبوية بالقرآن الكريم علاقةٌ وثيقةٌ جداً لا يمكن فصلها.

وأن منزلة السنة النبوية مع القرآن على ثلاثة أوجه كما ذكرتها.

وأن السنة النبوية تستقل بالتشريع باتفاق أهل العلم.

وأن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد حذَّر وكذا علماءُ السلف والخلف من يزعم الاكتفاءَ بما ورد في القرآن الكريم دون الأخذ بالسنة النبوية.

والله الهادي إلى سواء السبيل

وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ … وأحبارُ سُوءٍ ورُهبانُها

يقول السائل: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:(أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ) وهل الحديث يشمل العلماء بالإضافة للحكام،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ )رواه أبو داود والترمذي وقال:”حديث صحيح”.وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، وفي صحيح الجامع وفي السلسلة الصحيحة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[حديث الأئمة المضلون محفوظ،وأصله في الصحيح]بيان تلبيس الجهمية 2/293.وللحديث عدة ألفاظ وورد بعدة طرق والحديث صحيحٌ كما سبق.

ثانيا : قال الإمام النووي:[أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلُّونَ]مَعْنَاهُ : أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَخَافُهَا عَلَى أُمَّتِي،أَحَقُّهَا بِأَنْ تُخَافَ:الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ]شرح النووي على صحيح مسلم 18/64. والمراد بالائمة المضلين هم الذين يتبعهم الناس من الحكام الظلمة الفسدة،والعلماء الفسقة الفجرة،والعُبَّاد الجهلة،فيضلون الناس عن كتاب الله عز وجل وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن ضلال هؤلاء الأصناف الثلاثة فيه ضلالٌ لمتبعيهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ فالأئمة المضلون هم الأمراء] مجموع الفتاوى1/355 .

وقال الشيخ العثيمين:[(الأئمة المضلين)،أئمة الشر،وصدق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن أعظم ما يخاف على الأمة الأئمة المضلون؛كرؤساء الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذين تفرقت الأمة بسببهم.

والمراد بقوله:«الأئمة المضلين»:الذين يقودون الناس باسم الشرع،والذين يأخذون الناس بالقهر والسلطان؛فيشمل الحكام الفاسدين،والعلماء المضلين،الذين يدعون أن ما هم عليه شرع الله،وهم أشد الناس عداوة له.] مجموع رسائل وفتاوى العثيمين 9/477.

ولا شك أن تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة المضلين جاء لخطورة مقامهم ومكانتهم في المجتمعات، وضلالُ هؤلاء معروفٌ عند أهل الكتاب قبل الإسلام،قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}سورة التوبة الآية 34. فكما كان عند أهل الكتاب من أهل الضلال فكذا عند المسلمين، قال سفيان بن عيينة: [كَانُوا يَقُولُونَ:مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ،وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وقال غير واحد من السلف:احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ،فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ

] مجموع فتاوى ابن تيمية 1/197.

ثالثاً: إن الأئمة المضلين الذين حذَّر منهم النبي صلى الله عليه وسلم هم من مصائب الأمة الإسلامية على مرِّ تاريخها،فهذه الأصناف الثلاثة الفاسدة المفسدة-الحكام والعلماء والعُبَّاد- من أخطر الفئات على دين الإسلام،وأخطرها على المجتمع المسلم،وقد حذَّر منهم أهل العلم قديماً وحديثاً، فقد ذكر الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته عبد الله بن المبارك هذه الأصناف الثلاثة الفاسدة في أبيات له أحلى من العسل وأصفى من الذهب فقال:

رَأَيْت الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ * * * وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمَانُهَا

وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ * * * وَخَيْرٌ لِنَفْسِك عِصْيَانُهَا

وهل أفسد الدين إلا الملوكُ * * * وأحبارُ سوء ورهبانُها

وباعوا النفوس فلم يربحوا * * * ولم تغل في البيع أثمانها

لقد وقع القوم في جيفةٍ * * * يبين لذي اللب إنتانها

فالصنف الأول: حكامٌ طغاةٌ ظلمةٌ، لا يحكمون بشرع الله عز وجل، بل استبدلوه بالقوانين الغربية وهم من بني جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، ولكنهم أشدُ وطأةً على شعوبهم من الكفار، يحاربون دعاة الإسلام ويزجونهم في السجون، ويستبعدون من يشمُّون منه رائحة الإسلام الصحيح، بحجة محاربة التطرف والإرهاب، ويكممون الأفواه،بل إنهم قننوا خطبة الجمعة لتوافق أهواؤهم باسم خطبة الجمعة الموحدة.

ويغيرون المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، لتخرِّج أجيالاً مفصولةً عن دينها وعقيدتها.

هؤلاء الطواغيت شنوا حملاتٍ شرسةٍ على ثوابت الدين، وتطاولوا على المسلَّمات المقطوع بها،كمسائل الميراث،والحجاب،وقضايا المرأة. وصار العهر والتعري عندهم حريةً شخصيةً، واللباس الشرعي تطرفٌ وتخلفٌ ورجعيةٌ،واستعملوا لتحقيق أهدافهم الإعلام والقضاء وأشباه العلماء خدمة لأسيادهم أعداء الإسلام.

في الوقت الذي يحظى فيه المتدينون من غير المسلمين بمكانةٍ عظيمةٍ عند حكامهم، بل يشاركون في الحكومات، ويرسمون السياسات من منطلقاتٍ دينيةٍ، وهذا من المحرمات على دعاة الإسلام.

الصنف الثاني: علماءُ السوء الفسقة مطايا الحكام المدجنين لتحقيق توجهاتهم،وهؤلاء المتسلقين على حياض العلم،ممن ارتدَوا رداءَ العلماء،وظهروا بمظهرهم،ونسب بعضهم نفسه للسلفية زوراً وبهتاناً، والسلفُ منهم براء.

ولا شك لدي أنهم من الأئمة المضلين الذين حذَّر منهم النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَخْوَفُ مَا أَخَافَ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ)رواه أحمد والطبراني وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع،وفي السلسلة الصحيحة، فهؤلاء ممن يهدم الإسلام،كما ورد عن زياد بن حدير قال:[قال لي عمر رضي الله عنه:هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال:قلت: لا.قال:يهدمه زلةُ العالم، وجدالُ المنافق بالكتاب، وحكمُ الأئمة المضلين]رواه الدرامي وصححه العلامة الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح1/57.

وفي رواية أخرى قال عمر رضي الله عنه:[يفسد الناسَ ثلاثةٌ: أئمةٌ مضلون، وجدالُ منافقٍ بالقرآن والقرآنُ حقٌ، وزلةُ العالم] الآداب الشرعية 2/117.

وقد صار الإسلام بأفعال وأقوال أدعياء السلفية ديناً يقرُّ الظلم والاستبداد والدكتاتورية،ولا يجوز بحال من الأحوال أن يكون المشايخ دعامة من دعائم الظلم والفساد والاضطهاد في بلاد المسلمين، يساندون الظلمة والطغاة وأنظمتهم.

وأضفى علماءُ السوء على الحاكم هالةً من القداسة،حتى جعلوه خارجَ دائرة النقد،فمنعوا نقدَ الحاكم واعتبروا نقده علانيةً خروجاً عليه،وسمعنا بعض أدعياء السلفية يقول:[إنه لو قام الحاكم بالزنا لمدة نصف ساعة،وشرب الخمر على التلفزيون الرسمي، فإنه لا يصح الخروجُ عليه، أو انتقادهُ على العلن. ولو أن ولي الأمر زنا نصف ساعة على التلفاز، فلا يجوز لك التحريض عليه، ولا ذكر اسمه لا تصريحاً ولا تعريضاً] فأي شرعٍ وأي دينٍ يقرُّ هذا المنكر ، وهذا الهذيان، وإن السلف منكم براء.

هؤلاء الفسقة مطايا الحكام الظلمة ما هم إلا أدواتٍ في أيدي الطغاة للبطش بالمظلومين من المسلمين، فهم يقرون أحكام الإعدام التي يصدرها قضاة جهنم، فقد أحالت محكمةٌ مصريةٌ أوراق خمسة وسبعين متهماً إلى المفتي لأخذ رأيه الشرعي في إعدامهم في القضية المعروفة إعلاميًا بـ “فض اعتصام رابعة”.

هؤلاء الفسقة مطايا الحكام الظلمة باركوا التطبيع مع يهود بفتاواهم الساقطة وزينوه في نفوس الناس.

ومع الأسف الشديد فإن أنظمة الطغيان استطاعت أن تجند عدداً من أشباه العلماء الموالين لها والمدافعين عن توجهاتها، حتى لو كان في ذلك خيانةً لله ورسوله،كالذين يطعنون في ثوابت الدين

ومسلَّمات الإسلام، وكل ذلك له ثمنٌ يتقاضونه، إما بإغداق الأموال عليهم أو بتوليتهم مناصب عليا وغير ذلك، فباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فهم أخسر الأخسرين.

روى الحافظ ابن عبد البر عَنِ الإمام مالك رحمه الله أنه قال:[كَانَ يُقَالُ:أَخْسَرُ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ،وَأَخْسَرُ مِنْهُ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ]جامع بيان العلم وفضله 2/906.

وقَالَ سَحْنُونٌ الفقيه المالكي:[أَشْقَى النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ]الآداب الشرعية 2/63 .

فشتان بين أشباه العلماء هؤلاء، وعلماء الأمة من السلف والخلف.قال الإمام أبو حامد الغزالي:[فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين،لكونهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم،ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة،فلما أخلصوا لله النية أثَّرَ كلامُهم في القلوب القاسية فليَّنَها،وأزال قساوتها.وأما الآن فقد قيدت الأطماعُ ألسُنَ العلماء فسكتوا،وإن تكلموا لم تساعد أقوالهُم أحوالهَم،فلم ينجحوا، لو صدقوا وقصدوا حقَّ العلم لأفلحوا،ففسادُ الرعايا بفساد الملوك،وفسادُ الملوك بفساد العلماء،وفسادُ العلماء باستيلاء حبِّ المال والجاه،ومن استولى عليه حبُّ الدنيا،فلم يقدر على الحسبة على الأراذل،فكيف على الملوك والأكابر، والله المستعان على كل حال]إحياء علوم الدين 2/357.

وقال الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم في قصيدة له بعنوان (آثَارُ الْفِتْنَةِ):

أَبَتِ الْقَرِيحَةُ أَنْ تَجُودَ وَجَفَّ فِي يَدِيَ الْيَرَاعُ وَأَحْجَمَتْ كَلِمَاتِي

وَتَبَلَّدَ الْفِكْرُ الْخَصِيبُ وَطَالَمَا قَدْ كَانَ يُسْعِفُ بِالنُّهَى طَلَبَاتِي

وَتَعَجَّبَ الأَصْحَابُ مِنْ صَمْتِي وَمَا يَدْرُونَ سِرَّ تَوَقُّفِي وَصِمَاتِي

وَلَعَلَّ مِنْ نُصْحِ الأَحِبَّةِ أَنَّنِي أُبْدِي دَفِينًا طَالَ فِي جَنَبَاتِي

الصَّمْتُ أَفْضَلُ مِنْ كَلامِ مُدَاهِنٍ نَجِسِ السَّرِيرَةِ طَيِّبِ الْكَلِمَاتِ

عَرَفَ الْحَقِيقَةَ ثُمَّ حَادَ إِلَى الَّذِي يُرْضِي وَيُعْجِبُ كُلَّ طَاغٍ عَاتِ

لا تَعْجَبُوا يَا قَوْمِ مِمَّنْ أَخْصَبُوا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ بِالْكَلِمَاتِ

وَعَلُوا الْمَنَابِرَ وَالصَّحَائِفَ سَوَّدُوا وَتَقَدَّمُوا فِي سَائِرِ الْحَفَلاتِ

وَاللَّهِ مَا قَالُوا الْحَقِيقَةَ وَالْهُدَى كَلاَّ وَلا كَشَفُوا عَنِ الْهَلَكَاتِ

أَنَّى يُشِيرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ رَاغِبٌ فِي وَصْلِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالشَّهَوَاتِ

أَوْ طَالِبٌ لِلْجَاهِ فِي عَصْرٍ بِهِ ال تَّقْدِيرُ لِلْمَشْهُورِ بِالنَّزَوَاتِ

فَنَصِيحَتِي يَا قَوْمِ أَلا تَطْمَعُوا فِي عَصْرِنَا بِتَوَفُّرِ الرَّغَبَاتِ

عِيشُوا لِدِينِ اللَّهِ لا لِحَضَارَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِالرَّيْبِ وَالشُّبُهَاتِ

وَلْتَعْلَمُوا أَنَّا نَعِيشُ بِغُرْبَةٍ أَغْرَتْ عَدُوَّ الدِّينِ بِالْغَزَوَاتِ

وَتَوَاصَلَ الْغَزْوُ اللَّعِينُ وَمَا تَرَى فِي سَاحَةِ الإِسْلامِ غَيْرَ سُبَاتِ

عَرَفُوا الْحَقِيقَةَ وَاسْتَمَاتُوا دُونَهَا وَتَأَهَّبُوا لِتَحَمُّلِ التَّبِعَاتِ

وَاللَّهِ مَا هُمْ بِالَّذِينَ تَرَاهُمُوا فِي هَذِهِ الأَفْلامِ وَالنَّدَوَاتِ

كَلاَّ وَلا أَهْلُ الصَّحَافَةِ مِنْهُمُ إِلاَّ قَلِيلاً ضَيِّقُ الصَّفَحَاتِ

وَكَذَاكَ أَصْحَابُ الْعَمَائِمِ مَا أَرَى إِلاَّ قَلِيلاً صَادِقَ اللَّهَجَاتِ

وَكَذَا قُضَاةُ الْيَوْمِ خَابُوا مَا هُمُوا إِلاَّ يَدٌ لِمُدَبِّرِ السَّرِقَاتِ

أَيْنَ الْهُدَاةُ وَأَيْنَ أَصْحَابُ التُّقَى مَنْ أَعْرَضُوا عَنْ هَذِهِ الْخِدِمَاتِ

فِي عَهْدِ أَرْبَابِ الشَّرِيعَةِ وَالْهُدَى لا فِي عُهُودِ الْجَوْرِ وَالظُّلُمَاتِ

بِاسْمِ الشَّرِيعَةِ يَظْلِمُونَ وَسَوَّدُوا وَجْهَ الشَّرِيعَةِ مُشْرِقَ الْقَسَمَاتِ

اللَّهُ أَكْبَرُ كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أَعْطَتْ أَزِمَّتَهَا فَرِيقَ جُنَاةِ

وَيَغُرُّهَا عِنْدَ التَّأَمُّلِ فِرْقَةٌ لَبِسَتْ ثِيَابَ أَئِمَّةٍ وَدُعَاةِ

http://www.alukah.net/literature_language/0/18860/#ixzz5NHRPq3es]

الصنف الثالث من الأئمة المضلين الذين حذَّر منهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عُبَّادٌ جهلةٌ، ومن أكثرهم انتشاراً في بلاد المسلمين مشايخ الطرق الصوفية المنحرفة عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء يسوقون أتباعهم–وهم بالملايين-في الضلال والانحراف والابتداع،وهم من أكثر مطايا الطغاة خضوعاً وذلاً ومهانةً.

فهؤلاء تُفتح لهم المراكز الثقافية والمساجد والمسارح لإقامة الأنشطة الصوفية،وفي أغلبها مدائح نبوية كما يزعمون.بالإضافة إلى المناصب التي يشغلها كبارهم.وهؤلاء يتلقون دعماً كبيراً من الحكام ومن الدول والمنظمات الغربية،بل إن مراكز بحثية غربية أوصت بالترويج للتصوف ودعمه في مواجهة ما يسمونه”بحركات الإسلام السياسي” كما جاء في تقرير مؤسسة راند الأمريكية الصادر سنة 2007م.

كما أن المستشرقين والمؤرخين الأميركيين برنارد لويس ودانييل بايبس كانا من الداعين لعقد تحالفٍ مع الطرق الصوفية لملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة حسب قولهم. وهذه المواقف جاءت بناءً على أن مراكز الأبحاث الغربية والحكومات أيضاً يعلمون أن هؤلاء المتصوفة حصروا الإسلام في الأوراد والأذكار والمدائح، ويتساوقون مع توجهات الحكام وأنظمتهم المستبدة.

رابعاً: إن من أعظم واجبات الحاكم المسلم أن يسوس الدولة بالدين،وإقامة العدل وفق أحكام الشريعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[فالمقصودُ الواجبُ بالولايات:إصلاحُ دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاحُ ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم. وهو نوعان: قسمة المال بين مستحقيه،وعقوبات المتعدين، فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه.ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: إنما بعثت عمالي إليكم، ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، ويقيموا بينكم دينكم.فلما تغيرت الرعيةُ من وجهٍ، والرعاةُ من وجهٍ، تناقضت الأمور، فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله…وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : إِمامٌ عادِلٌ ، وشابٌّ نَشَأَ في عِبادة الله تعالى، ورَجُلٌ قَلْبُه مُعَلَّقٌ بالمساجد، ورَجُلانِ تَحَابَّا في الله: اجْتَمَعَا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورجلٌ دَعَتْه اْمرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ فقال: ” إِني أَخاف الله “، ورجلٌ تصدَّق بصَدَقَةٍ ، فأَخْفَاهَا حتِّى لا تَعْلَمَ شِمَالُه ما تُنْفِقُ يَمِينُه، ورجلٌ ذكر الله خالياً، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أهل الجنة ثلاثةٌ: سلطان مقسط، ورجلٌ رحيم القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجلٌ غنيٌ عفيفٌ متصدقٌ)] الحسبة ص 38.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:[إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُسْتَقِيمِينَ مَا اسْتَقَامَتْ لَهُمْ أَئِمَّتُهُمْ وَهُدَاتُهُمْ]رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في السنن الكبرى.

وقال عمر رضي الله عنه أيضاً:[الرعية مُؤدِّيةٌ إلى الإمام ما أدّى الإمامُ إلى الله،فإذا رَتع الإمامُ رتعوا] طبقات ابن سعد 3/272.

وأما عن دور العلماء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ،وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا،إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ،فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.وصححه العلامة الألباني.

وإن واجب العلماء الصادقين،هو الوقوف مع الحق وأهله،وواجبهم أن يجابهوا الظلم والطغيان والاستبداد،وأن من وقف منهم مسانداً للطغاة والظلمة ولو بكلمة،فقوله مردودٌ عليه،وقد خرج من دائرة ورثة الأنبياء،وخان أمانة العلم،قال تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}سورة النساء الآية 105،وقال تعالى:{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}سورة القصص الآية 17،ويكون من وقف مع الظلمة قد انسلخ عن مقام العلماء،كما قال الله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}سورة الأعراف الآيات 175-178.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم،فقد تُودع منهم)رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد،وقال الهيتمي:[رواه أحمد والبزار باسنإدين ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح]مجمع الزوائد 7/262.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال:(أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصالٍ من الخير،أوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم،وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرَّاً)رواه ابن حبان في صحيحه،وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/287.

وعن كعب بن عجرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي،فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليَّ الحوض،ومن غشي أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد عليًّ الحوض)رواه الترمذي والنسائي، وقال العلامة الألباني حسن صحيح كما في صحيح الترغيب 2/268.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(سيلي أموركم بعدي رجالٌ يطفئون السنة،ويعملون بالبدعة،ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها.فقلت يا رسول الله إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم عبدٍ كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله)رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجة 2/142.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( ما مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ، حَبَّةُ خَرْدَلٍ)رواه مسلم. وغير ذلك مما لا يتسع المقام لذكره.

وأما العُبَّاد الصادقون فدورهم عظيم في إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بها،وأن يكونوا قدوةً للناس،قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض،وإبراهيم بن أدهم،وأبي سليمان الدّاراني،ومعروف الكرخي،والسري السقطي،والجنيد بن محمد،وغيرهم من المتقدمين،ومثل الشيخ عبد القادر -الجيلاني-،والشيخ حمّاد،

وغيرهم من المتأخرين،فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء،أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين،بل عليه أن يفعل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت،وهذا هو الحق الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ وإجماعُ السلف، وهذا كثيرٌ في كلامهم]مجموع الفتاوى 10/500.

وخلاصة الأمر أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم:(أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ) حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ.

وأن المراد بالائمة المضلين هم الذين يتبعهم الناس من الحكام الظلمة الفسدة،والعلماء الفسقة الفجرة،والعُبَّاد الجهلة،فيضلون الناس عن كتاب الله عز وجل وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم،ولا شك أن ضلال هؤلاء الأصناف الثلاثة فيه ضلالٌ لمتبعيهم.

وأن الأئمة المضلين الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم هم من مصائب الأمة الإسلامية على مرِّ تاريخها،فهذه الأصناف الثلاثة الفاسدة المفسدة-الحكام والعلماء والعُبَّاد-من أخطر الفئات على دين الإسلام،وأخطرها على المجتمع المسلم،وقد حذر منهم أهل العلم قديماً وحديثاً،فقد ذكرهم الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته عبد الله بن المبارك فقال:

وهل أفسد الدين إلا الملوكُ * * * وأحبارُ سوء ورهبانُها

وأن من أعظم واجبات الحاكم المسلم أن يسوس الدولة بالدين وإقامة العدل وفق أحكام الشريعة

وأن واجب العلماء الصادقين،هو الوقوف مع الحق وأهله، وواجبهم أن يجابهوا الظلم والطغيان والاستبداد.

وأن العُبَّاد الصادقون فدورهم عظيم في إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بها،وأن يكونوا قدوةً للناس.

والله الهادي إلى سواء السبيل