رؤيةٌ شرعيةٌ في الجَلوةِ العشائرية

يقول السائل:أرجو توضيح الحكم الشرعي في “الجلوة” المتعارف عليها في القضاء العشائري، وخاصةً أنه يترتب عليها ظلمٌ لأقارب الجاني في حالة القتل العمد، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:القضاءُ العشائري هو في الحقيقة قضاءٌ بالعرف، وهو:[مجموعةٌ من القوانين والأعراف المتداولة والمتعارف عليها، والتي تحوي خلاصة تجارب السنين، وما مرَّ به المجتمع البدوي من أمور ومشاكل، تكرَّر حدوثها حتى وجد الناسُ لها حلولاً رضوا عنها، وصاروا يتعاملون بها، حتى ثبتت وأصبحت دستوراً يتعامل به الناس ويسيرون وفق نظامه وتعاليمه. وهذا القانون قابلٌ للتعديل والإضافة، ليتماشى مع كلّ عصرٍ وفق بيئته وظروفه] facebook.com/Hawamdehlegalfirm

ولا ننكرُ أن للعرف العشائري جوانب إيجابية في المجتمع، حيث يلجأ الناسُ لرجال العشائر في الحوادث، وخاصة في حالة القتل العمد، ولرجال العشائر دورٌ واضحٌ في تهدئة النفوس عند حصول حوادث القتل العمد، بأخذ ما يُعرف بالعطوة، ولكن هنالك أموراً كثيرة في الأعراف العشائرية مخالفةٌ لشرع الله عز وجل، يحرمُ الحكم بها، كما في حالة “فورة الدم” في الأعراف العشائرية، فعندما تقعُ جريمةُ قتلٍ عمدٍ، ويصل الخبرُ الى أولياء المقتول، فيعتريهم شعورٌ عارمٌ وغضبٌ شديدٌ وتوترٌ وهيجانٌ للثأر والانتقام من الجاني وذويه، وكلُ ما يحصل في هذه الفترة من هدمٍ وحرقٍ ونهبٍ وتخريبٍ في ممتلكات جماعة القاتل، يسمح به العرفُ العشائري تحت مسمَّى “فورة الدم” ويقولون عنها “تحت الفراش”.

وإن ما يقرره العرف العشائري من أن أعمال الحرق والنهب والتخريب أثناء ما يسمَّى “فورة الدم” لا ضمان فيها، أمرٌ باطلٌ شرعاً، وأنه جاهليةٌ محاها الإسلام، ولا يقرُّ الإسلامُ بحالٍ من الأحوال أعمال الحرق والنهب والتخريب أثناء “فورة الدم”، وعلى من قام بذلك الضمان، وعلى رجال العشائر أن يتقوا الله عز وجل في أموال الناس وممتلكاتهم، وعليهم أن يحكموا شرع الله عز وجل، لا شرعة الجاهلية، قال تعالى:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} سورة المائدة الآية50. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أَبْغَضُ النَّاسِ إلى اللَّهِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَمِ، ومُبْتَغٍ في الإسْلامِ سُنَّةَ الجاهِلِيَّةِ، ومُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بغيرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) رواه البخاري. والأخير هو: مَنْ يجتهدْ في السَّعيِ لِطلبِ قتلِ امرئٍ مُسلمٍ وإراقةِ دمِه بغير حقٍّ.

والجلوة من الأعراف العشائرية، وهي مأخوذة من الجلاء والترحيل، ومعناها هو القيام بترحيل أهل الجاني وخمسته -أي حتى الجد الخامس- من المنطقة التي يسكنها الى منطقةٍ بعيدةٍ عن أهل المجني عليه، وذلك للمحافظة على أرواح وممتلكات أهل الجاني، وعدم وقوع المشكلات، وخاصةً في الساعات الأولى من وقوع الجريمة عند “فورة الدم”، والهدف من الجلوة في الأعراف العشائرية هو تهدئة نفوس أهل المجني عليه، وتعتبر الجلوة عقوبةً عشائرية ضد الجاني وخمسته] شبكة الإنترنت.

وتكون الجلوة في حالة كون أهل القاتل وأهل القتيل مجاورين لبعضهم، فإن كانوا من بلد والآخرين من بلد فلا يرحلون. القضاء العشائري عند قبائل بئر السبع، ص124.

والغالب أن الجلوة تكون في حالة القتل العمد، وتكون أيضاً في حالة التعدي على العرض.

ويشمل الجلاء والترحيل “خمسة القاتل” أي الأب والجد والإخوة والأعمام وكل من له صلةٌ بالجاني إلى الجد الخامس، وهذا يشملُ النساء والأطفال. العرف العشائري ص 363.

ولا شك أنه قد يكون للجلوة بعضُ الأثر الطيب في تهدئة النفوس، والمحافظة على أهل الجاني، ولكن لها سلبياتٌ كثيرةٌ، وخاصةً أن أحوال الناس مختلفةٌ تماماً عمَّا كان عليه الحال في المجتمع العشائري سابقاً، فقد كان الناس في المجتمع العشائري يسكنون في بيوت الشَّعر، وينتقلون من مكانٍ الى آخر طلباً للمياه والعشب، فالرحيل ليس صعباً عليهم، وأما اليوم فالناس يسكنون في بيوتٍ ثابتةٍ في القرى والمدن، وأولادهم في المدارس والجامعات ومنهم موظفون يشتغلون في الدوائر والمؤسسات، فإجلاء هؤلاء وترحيلهم اليوم يسبب لهم أضراراً كبيرةً، وخاصةً في طرف النساء والأطفال.

ونظراً لهذه الآثار السلبية للجلوة ضجَّ كثيرٌ من الناس، ومن رجال العرف العشائري في الأردن، حيث يسود العرفُ العشائري عندهم أكثر مما في بلادنا، وطالبوا بفرض قيودٍ على الجلوة، كأن تقتصر على أقارب الجاني من الدرجة الأولى والثانية فقط، فتشمل أولاد الجاني وأباه وإخوته، ولا تتعدى إلى غيرهم من القرابة. وهنالك مطالبُ بإلغاء الجلوة مطلقاً.

ثانياً: إذا تقرر هذا فإن “الجلوة العشائرية” في نظر الشريعة الإسلامية أمرٌ باطلٌ، وخاصةً أنها تقع على أناسٍ ليس لهم علاقةٌ بالجريمة، وعلاقتهم بالجاني فقط من جهة القرابة، ومن المقرر شرعاً أن كل إنسانٍ مسؤولٌ عما يفعل، ولا يُحاسب شخصٌ سواه على ما فعل، إلا إذا كان له مشاركةٌ في الجريمة، وأما كونه قريباً للجاني فليس جُرماً يُحاسب عليه، فشرعنا الحنيف لا يحاسبُ الانسانَ إلا بما كسبت يداه، وهذا مقتضى العدل الإلهي المطلق، قال الله تعالى:{ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}سورة الأنعام الآية 164.

وقال تعالى:{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} سورة الإسراء الآية 15.

وقال تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}سورة فاطر الآية 18. [أي في حكم الله وقضائه بين عباده أنّ النفسَ المذنبة الحاملة لذنبها لا تحملُ وزرَ أي ذنب نفسِ أخرى، بل كلُّ وازرةٍ تحمل وزرها وحدها ] أيسر

التفاسير 3/339.

وقال تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} سورة المدثر الآية 38، أي: محبوسة.

وقال تعالى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} سورة الطور الآية 21.

وفي “الجلوة” عقوبةٌ قاسيةٌ للأبرياء، فيُخرَجون من بيوتهم ويُرَحَلون إلى بلدةٍ أخرى، بلا ذنبٍ اقترفوه، ويتضررون هم وأولادهم صغاراً وكباراً وكذا نساؤهم. ولا يجوز شرعاً إلحاق الضرر بالآخرين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني.

وقد جعل أهل العلم هذا الحديث قاعدةً من القواعد المعروفة في الفقه الإسلامي.

وإن كان الأمر يقتضي المحافظة على أهل الجاني من “فورة الدم” ومن غضب أهل المجني عليه، فلا بأس من إبعاد أهل الجاني عن أهل المجني عليه لمدةٍ قصيرةٍ لا تعدو أياماً قليلةً، حتى تهدأً ثورة غضبهم. أما تهجيرهم من بيوتهم شهوراً وأحياناً سنواتٍ، فهذا أمرٌ لا تقرهُ الشريعةُ الإسلامية بحالٍ من الأحوال.

وهذا من الظلم الواضح، ولا شك أن الظلم مرتعهُ وخيمٌ، والظلمُ من أقبح المعاصي وأشدها عقوبة، وقد حرم الله جل جلاله الظلم في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم، ومن يستعرض القرآن الكريم والسنة النبوية يقف على مئات الآيات والأحاديث التي تحدثت عن الظلم والظالمين، وتوعدت الظلمة ولعنتهم، قال الله تعالى:{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}سورة آل عمران الآية 57، وقال الله تعالى:{وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}سورة آل عمران الآية 86، وقال الله تعالى:{إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} سورة الأنعام الآية 21، وقال الله تعالى:{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} سورة الأعراف الآية 44، وقال الله تعالى:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}سورة هود الآية 102، وقال الله تعالى:{إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}سورة إبراهيم الآية 22، وقال الله تعالى:{وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}سورة الإسراء الآية 82، وقال الله تعالى:{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً}سورة الكهف الآية 29، وقال الله تعالى:{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}سورة الحج الآية 53، وقال الله تعالى:{وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً}سورة الفرقان الآية 37. وقال الله تعالى:{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}سورة غافر الآية 18، وقال الله تعالى:{يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}غافر الآية 52، وقال الله تعالى:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}سورة الحج الآية 71. وقال الله تعالى:{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِين ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}سورة يونس الآيتان13-14. وقال الله تعالى:{وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا}سورة الكهف الآية 59، وقال الله تعالى:{وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء}سورة إبراهيم الآيتان42-43، وقال الله تعالى:{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}سورة الشورى الآية 42، وغير ذلك من الآيات.

وأما الأحاديث النبوية فمنها: ما ورد في الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربِّ العزة والجلال:( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا) رواه مسلم.

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ) رواه مسلم.

وجاء في خطبة الوداع قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:(ألا إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم.

والأصل في المسلم أنه لا يظلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) رواه البخاري، وغير ذلك من الأحاديث.

إن الواجب الشرعي على رجال الخير والإصلاح وقضاة العشائر أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، وليعلموا أنه لا يجوز لهم أن يحكموا بغير ما أنزل الله عز وجل، قال تعالى:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}سورة المائدة الآية 50، وقال تعالى:{وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}سورة المائدة الآية 49، فعليهم الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، لأن الشريعة الإسلامية هي الكفيلة بتحقيق العدل بين الناس.

ثالثاً: زعم بعض قضاة العشائر أن “الجلوة ” لها أصلٌ شرعيٌ، وهو حادثةُ قتلِ حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه على يد وحشي رضي الله عنه، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم وحشياً بالجلاء عن المدينة، والقصة كما رواها البخاري بسنده عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري وفيها…ثم قال وحشي:( فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ – يعني من أُحد- رَجَعْتُ مَعَهُمْ، فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلاَمُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّهُ لاَ يَهِيجُ الرُّسُلَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: آنْتَ وَحْشِيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ، قُلْتُ: لَأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، قَالَ: فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ، قَالَ: فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ)

وهذه الحادثةُ لا يصحُ الاستدلالُ بها على مشروعية “الجلوة العشائرية” لأن وحشياً رضي الله عنه قد قتل حمزة رضي الله عنه حال كفره وقبل إسلامه، والإسلام يجبُّ ما قبله، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم لوحشي:( فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟) كان بمقتضى الطبع البشري، فالنبي صلى الله عليه وسلم بشرٌ له عواطفه وميوله الخلْقية، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ في الحديث أَنَّ الْمَرْءَ يَكْرَهُ أَنْ يَرَى مَنْ أَوْصَلَ إِلَى قَرِيبَهُ أَوْ صَدِيقِهِ أَذًى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ الْهِجْرَةِ الْمَنْهِيَّةِ بَيْنَهُمَا] فتح الباري 7/371.

وقال ابن الجوزي:[ وقوله” هل تستطيع أن تغيب وجهك عني” في هذا إشكالٌ على مَنْ قلَّ علمهُ، فإنه يقول إذا كان الإسلام يجبُّ ما قبله، فما وجه هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو قولٌ يشبه موافقة الطبع، وأين الحِلم؟ والجواب: أن الشرع لا يكلفُ نقلَ الطبعِ، إنما يكلفُ تركَ العمل بمقتضاه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما رأى وحشياً ذكر فعله فتغيظ عليه بالطبع، وهذا يضرُّ وحشياً في دينه، فلعله أراد اللطف في إبعاده] كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/1126.

وكذلك فإن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” هل تستطيع أن تغيب وجهك عني” إنما يتعلق بالقاتل نفسه، ولا يتعلق بغيره من أقاربه.

ويمكن الاستدلال بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” هل تستطيع أن تغيب وجهك عني” في حال أنه قد تمَّ الصلحُ بين ورثة المقتول وبين القاتل، كأن عفا ورثة المقتول عن القاتل وقبلوا الدية الشرعية، فلا مانع أن يتضمن الصلحُ إبعادَ القاتل من بلدة المقتول، تطييباً لنفوس ورثة المقتول.

وكذلك لا يصحُ قياسُ “الجلوة العشائرية” على التغريب أو النفي المعروف في الفقه الإسلامي في بعض الجرائم، كزنا البكر وإبعاد أهل الفساد وغيرهم، لأن التغريب في تلك الحالات عند مَنْ قال به من الفقهاء، يكون للجاني فقط وليس لقرابته.

وخلاصة الأمر أن القضاء العشائري هو في الحقيقة قضاءٌ بالعرف.

وأن للعرف العشائري جوانب إيجابية في تهدئة النفوس عند حصول حوادث القتل العمد.

وأن أموراً كثيرة في الأعراف العشائرية مخالفةٌ لشرع الله عز وجل.

وأن “الجلوة العشائرية” هي ترحيلُ أهل الجاني وخمسته حتى الجد الخامس من المنطقة التي يسكنها الى منطقةٍ بعيدةٍ عن أهل المجني عليه.

وأن للجلوة بعضُ الأثر الطيب في تهدئة النفوس، والمحافظة على أهل الجاني، ولكن لها سلبياتٌ كثيرةٌ.

وأن “الجلوة العشائرية” في نظر الشريعة الإسلامية أمرٌ باطلٌ، وخاصةً أنها تقع على أناسٍ ليس لهم علاقةٌ بالجريمة، وعلاقتهم بالجاني فقط من جهة القرابة.

وأن كل إنسانٍ مسؤولٌ شرعاً عما يفعل،ولا يُحاسب شخصٌ سواه على ما فعل، إلا إذا كان له مشاركةٌ في الجريمة، وأما كونه قريباً للجاني فليس جُرماً يُحاسب عليه، فشرعنا الحنيف لا يحاسبُ الانسانَ إلا بما كسبت يداه، وهذا مقتضى العدل الإلهي المطلق.

وأن الواجب الشرعي على رجال الخير والإصلاح وقضاة العشائر أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وأن يحكموا ما أنزل الله عز وجل.

وأن زعم بعض قضاة العشائر أن “الجلوة ” لها أصلٌ شرعيٌ، وهو حادثةُ قتلِ حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه على يد وحشي رضي الله عنه، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم وحشياً بالجلاء عن المدينة.

وأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لوحشي رضي الله عنه:”هل تستطيع أن تغيب وجهك عني” كان بمقتضى الطبع البشري، فالنبي صلى الله عليه وسلم بشرٌ له عواطفه وميوله الخلْقية.

وأنه يمكن الاستدلال بذلك في حال تمَّ الصلحُ بين ورثة المقتول وبين القاتل، كأن عفا ورثة المقتول عن القاتل وقبلوا الدية الشرعية، فلا مانع أن يتضمن الصلحُ إبعادَ القاتل من بلدة المقتول، تطييباً لنفوس ورثة المقتول.

وأنه لا يصحُ قياسُ “الجلوة العشائرية” على التغريب أو النفي المعروف في الفقه الإسلامي في بعض الجرائم، لأن التغريب في تلك الحالات يكون للجاني فقط وليس لقرابته.

والله الهادي إلى سواء السبيل

حكمُ التغريمِ بالمالِ في التحكيمِ الشرعي والعُرفِ العشائري

يقول السائل:ما قولكم فيما يُصدرُه المُحكَّمون الشرعيون وقضاةُ العُرفِ العشائري من غراماتٍ ماليةٍ في الخصوماتِ التي تُعرض عليهم، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الأصلُ المقررُ شرعاً أنّ إقامة الحدود والقصاص من أعمال الحاكم المسلم، أو من يُنيبه، وليس ذلك لأفراد الناس، فلا يجوز لفردٍ أو جماعةٍ تطبيق الحدود والقصاص، لأن هذا يفتح باباً عريضاً من أبواب الشر والفساد.

ومن الأدلة على أن تنفيذ الحدود والقصاص من اختصاص الدولة المسلمة ممثلةً بالإمام أو من يقومُ مقامَه، قولُ الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}سورة البقرة الآية 178. قال الإمام القرطبي في تفسير الآية:[لا خلاف في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأُ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مَقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود] تفسير القرطبي 2/245.

ومما يدل على ذلك قوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}سورة النور الآية 2. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية:[لا خلاف أن المخاطبَ بهذا الأمر الإمامُ ومن نابَ منابَه] تفسير القرطبي 12/161.

ويدلُ على ذلك أيضاً ما ورد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَه، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ) رواه مالك في الموطأ والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال العلامة الألباني:وهو كما قالا. السلسلة الصحيحة 2/272.

قال الإمام الشافعي:[لا يقيمُ الحدودَ على الأحرار إلا الإمامُ ومن فوض إليه الإمامُ، لأنه لم يُقَم حدٌّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، لأنه حقُّ الله يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَنُ في استيفائه الحيفُ، فلم يجز بغير إذن الإمام.] الأم 6/154.

وقال الكاساني الحنفي:[وأما شرائط جواز إقامتها -الحدود- فمنها ما يعمُّ الحدودَ كلها، ومنها ما يخصُّ البعض دون البعض، أما الذي يعمُّ الحدود كلها فهو الإمامة، وهو أن يكون المقيمُ للحدِّ هو الإمامُ أو من ولاه الإمام.]بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 9\204.

وقال الإمام القرطبي:[ اتفق أئمة الفتوى أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصَّ من أحدٍ حقه دون السلطان،وليس للناس أن يقتصَّ بعضُهم من بعضٍ، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل اللهُ السلطانَ ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض]تفسير القرطبي 2 \256.

وقال الشيخ العدوي المالكي:[إقَامَةُ الْحُدُودِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ، فَلَوْ تَوَلَّاهَا غَيْرُ الْإِمَامِ لَوَقَعَ مِنْ النِّزَاعِ مَا لَا يُحْصَى، إذْ لَا يَرْضَى أَحَدٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ] حاشيته على كفاية الطالب 1/360.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[لا يجوز لأحدٍ إقامةُ الحدِّ، إلا للإمام أو نائبه لأنه حقُّ لله تعالى، ويفتقرُ إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه الحيف، فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدَّ في حياته، ثم خلفاؤهُ بعده] الكافي 4/106.

وروى الإمام البيهقي بإسناده:[عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين يُنتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان] سنن البيهقي 8/245.

وقال الشيخ عبد القادر عوده تحت عنوان من الذي يُقيم الحدّ:[من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدَّ إلا الإمام أو نائبه، لأن الحدَّ حقُّ الله تعالى، ومشروعٌ لصالح الجماعة، فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة، وهو الإمام، ولأن الحدَّ يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤمنُ في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب، فوجب تركهُ لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه. وحضورُ الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ حضوره لازماً، فقال:(اغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، وأمر صلى الله عليه وسلم برجم ماعزٍ ولم يحضر الرجم. وأُتي بسارقٍ فقال: (اذهبوا به فاقطعوه)، لكن إذن الإمام بإقامة الحدِّ واجبٌ، فما أُقيم حدٌّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، وما أُقيم حدٌّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي 2/444.

وجاء في الموسوعة الفقهية:[اتفق الفقهاء على أنه لا يقيمُ الحدَّ إلا الإمام أو نائبه، وذلك لمصلحة العباد، وهي صيانةُ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والإمام قادرٌ على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً، كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفيةٌ عن الإقامة في حقه، فيقيمها على وجهه، فيحصل الغرضُ المشروع بيقين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] الموسوعة الفقهية الكويتية 17/144-145.

ثانياً:ما تقرر سابقاً من أنّ إقامة الحدود والقصاص في حال وجود الحاكم المسلم الذي يسوس الدنيا بالدِّين، وأما في حال غيابه كما هو واقع المسلمين الآن، فإن من الفقهاء من يرى تنفيذها، وهو واجبُ العلماء وأهلُ الرأي في المجتمع حال غياب الإمام، قال إمام الحرمين الجويني: [وقد قال بعض العلماء:لَوْ خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ، فَحَقٌّ عَلَى قُطَّانِ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَسُكَّانِ كُلِّ قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ; فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ إِظْلَالِ الْوَاقِعَاتِ.] غياث الأمم ص 387.

وقال إمام الحرمين الجويني أيضاً:[ فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمورُ موكولةٌ إلى العلماء، وحقٌّ على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد

هُدوا إلى سواء السبيل، وصار علماءُ البلاد ولاةَ العباد ] غياث الأمم ص 391.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، كَالْجِهَادِ وَالْإِمَامَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ؟!] المغني 10/32.

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي:[ إذَا عدِمَ السُّلْطَانُ لَزِمَ أَهْل الشَّوْكَةِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا، فَتَنْفُذَ حِينَئِذٍ أَحْكَامُهُ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لِذَلِكَ.وقد صرح بنظير ذلك الإمام – الجويني- في الغياثي فيما إذا فقدت شوكةُ سلطان الإسلام أو نوابه في بلدٍ أو قطرٍ، وأطال الكلام فيه ونقله عن الأشعري وغيره. واستدل له الخطابي بقضية خالد بن الوليد وأخذه الراية من غير إمرةٍ لما أُصيب الذين أمَّرهم صلى الله عليه وسلم زيد فجعفر فابن رواحة رضي الله عنهم. قال: وإنما تصدى خالدٌ للإمارة لأنه خاف ضياع الأمر، فرضي به صلى الله عليه وسلم ووافق الحقَّ فصار ذلك أصلاً في الضرورات إذا وقعت في قيام أمر الدِّين.] تحفة المحتاج 7/257.

وقال العز بن عبد السلام:[إن من كُلِّف بشيءٍ من الطاعات فَقَدَر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه] قواعد الأحكام 2/ 6.

وقال الخطيب الشربيني:[ ولو خلا الزمانُ عن إمامٍ رجع الناسُ إلى العلماء، فإن كثُرَ علماء الناحية فالمتبع أعلمهم، فإن استووا وتنازعوا أُقرع كما قاله الإمام- الجويني-] مغني المحتاج ٤/ ٣٧٣.

وقال شيخ لإسلام ابن تيمية:[ وَالْأَصْلُ أَنَّ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ- إقامة الحدود- تُقَامُ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، فَمَتَى أَمْكَنَ إقَامَتُهَا مِنْ أَمِيرٍ لَمْ يُحْتَجْ إلَى اثْنَيْنِ، وَمَتَى لَمْ يَقُمْ إلَّا بِعَدَدِ وَمِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ، أُقِيمَتْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إقَامَتِهَا فَسَادٌ يَزِيدُ عَلَى إضَاعَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ “بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ” فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ وُلَاةِ الْأَمْرِ أَوْ الرَّعِيَّةِ مَا يَزِيدُ عَلَى إضَاعَتِهَا لَمْ يُدْفَعْ فَسَادٌ بِأَفْسَدَ مِنْهُ.] مجموع الفتاوى 34/176.

واستدل هذا الفريق من العلماء بقول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}سورة التغابن الآية 166.

وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) رواه البخاري ومسلم.

والذي أُرجحهُ في هذه المسألة هو جوازُ العقوبة المالية فقط في بلادنا لما سبق من الأدلة،وخاصةً أنه قد طال وقتُ غياب الدولة المسلمة بالاصطلاح الشرعي أكثر من قرنٍ من الزمان.وأنه يجب النظرُ إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد عند تطبيق عقوبة التعزير بالمال، فمن المعلوم أن الواجب على المسلمين العملُ بأحكام الشريعة الإسلامية على قدر الوسع والطاقة، وإذا عجَزوا عن بعض أحكامها لم يسقط عنهم ما كانوا قادرين عليه من أحكامها، والقاعدة الفقهية تقول:” الميسورُ لا يسقطُ بالمعسور” ومعناها أنَّ المأمور به إذا لم يتيسَّر فعلُه على الوجه الأكمل الذي أمَر به الشارع؛لعدم القدرة عليه،وإنما يمكن فعلُ بعضه

مما يمكن تجزُّؤه،فيجب فعلُ المقدور عليه، ولا يُتركُ الكلُّ بسبب البعض الذي يشقُّ فعله. www.alukah.net/sharia/0/9442/#ixzz65hsELqdJ

كما وأرجحُ أنه لا يجوز تنفيذُ القصاص والحدود في بلادنا في ظل غياب دولة الإسلام، لما قد يترتب عليه من مفاسد كبيرةٍ ، ومعلومٌ أن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح.

ورد في فتوى للشبكة الإسلامية:[ أما إقامة الحدود والتعزير، فلا يكون إلا لولي أمر المسلمين، لأن القول بخلاف ذلك مدعاةٌ للفساد والإفساد، فربما حدث خلافٌ بين اثنين فقام أحدهما بقتل صاحبه، فإذا حوكم قال: كان المقتول تاركاً للصلاة، أو نحو ذلك. ويستثنى من ذلك ما إذا كانوا بأرضٍ لا إمام فيها للمسلمين، فيكون إلى أعلم الناس إقامةُ الأحكام الشرعية من حدودٍ وتعازير ونحوهما. قال الإمام الشربيني:ولو خلا الزمان عن إمام رجع الناسُ إلى العلماء، فإن كثُر علماءُ الناحية فالمتبعُ أعلمهم، فإن استووا وتنازعوا أُقرع كما قال الإمام.ا.هـ ولاشك أن هذا مقيدٌ بعدم حصول فتنة، ومفسدة أكبر يغلب على الظن وقوعها.] www.islamweb.net

ثالثاً: العقوبة بالمال – الغرامة المالية – محلُّ خلافٍ بين الفقهاء المتقدمين والمعاصرين، والمسألةُ من مسائل الخلاف الكبيرة، فقد بحثها الفقهاءُ في مواضع متعددة ،منها مسألة مانع الزكاة، وفي التعدي على الأموال وغيرهما، ولا يتسع المقام للتفصيل، ولكن القول الراجح أن مبدأ العقوبة بالمال مشروعٌ، وقامت الأدلةُ الكثيرةُ على جوازه بشكلٍ عام، واشتهر عن الصحابة رضي الله عنهم جواز التعزير بالمال، فقد نُقل ذلك عنهم في قضايا كثيرة ولم يُعرف منهم مخالفٌ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[والتعزير بالمال سائغٌ إتلافاً وأخذاً، وهو جارٍ على أصل أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابهُ أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها. وقول الشيخ أبى محمد المقدسي: ولا يجوز أخذ مال المعزَّر فإشارةٌ منه إلى ما يفعله الولاةُ الظلمةُ] الاختيارات الفقهية 1/261.

وادَّعى بعض أهل العلم أن العقوبة المالية منسوخةٌ، ودعوى النسخ هذه غير مُسلَّمةٍ، قال الإمام النووي:[ النسخ يحتاج إلى دليلٍ ، ولا قدرة لهم عليه هنا ] روضة الطالبين 5/209.

وقال العلامة ابن القيم:[ ومن قال إن العقوباتِ المالية منسوخةٌ، وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالاً، فأكثر هذه المسائل سائغٌ في مذهب أحمد وغيره، وكثيرٌ منها سائغٌ عند مالك، وفعلُ الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطلٌ أيضاً لدعوى نسخها، والمدَّعون للنسخ ليس معهم كتابٌ ولا سنةٌ ولا إجماعٌ يُصحح دعواهم…ومن ادَّعى أنها منسوخةٌ بالإجماع، فهذا خطأٌ أيضاً، فإن الأمة لم تجمع على نسخها، ومحالٌ أن ينسخ الإجماعُ السنة] الطرق الحكمية ص 309.

وبناءً على ما تقدم فإن التعزير بالمال مشروعٌ وهو القول الراجح [ وذلك للأسباب التالية:

1. النصوص التي استند إليها المانعون للتعزير بالمال تعتبر نصوصاً عامة، وقد خصصت بأدلة كثيرة.

2. إن دعوى النسخ والإجماع التي ساقها المانعون لم تثبت، لأنها لا تستند إلى حجة شرعية.

3. عدم تعارض العقوبة المالية مع أصول الشريعة.

4. إن عملية الجمع والتوفيق بين الأدلة أولى من الترك والإهمال لبعضها؛ فالقول بالعموم والخصوص أولى من القول بالنسخ.

5. وقوع العقوبة المالية من قبل النبي صلي الله عليه وسلم، والصحابة رضوان الله عليهم من بعده.

6. إن القول بالتعزير بالمال أمرٌ تقره المصلحةُ وتقتضيه، وذلك لما فيه من مرونة في إيجاد العقوبات المناسبة والكفيلة بردع الجناة، لتواكب التغيرات النفسية والمعنوية للناس، فقديماً كان يكفي أن يُعزر الإمامُ بخلع العمامة، وكان ذلك يحقق مقصود العقوبة، وأما اليوم ونحن في ظل التخلي عن المروءة، فإن العقوبات المالية تحقق مقصد العقوبة أفضل من عقوبة الضرب والحبس والتوبيخ، حيث إن هذه العقوبات باتت لا تؤثر كثيراً في كثير من الناس، وهو بخلاف العقوبات المالية.] موقع الدكتور مازن اسماعيل هنية.

رابعاً: إذا تقرر أن العقوبة المالية مشروعة على القول الراجح من أقوال الفقهاء، فإن العقوبة المالية في ظل غياب الإمام جائزةٌ أيضاً كما قرره كثيرٌ من الفقهاء، قال الشيخ محمد ميارة الفاسي المالكي:[حاصل ما عند ابن الشماع منع العقوبة بالمال، وتخطئة من يقول بجوازها، إلا أن كلام البرزلي ومن ردَّ عليه هو – والله أعلم – مفروضٌ مع وجود الإمام، وتمكنه من إقامة الحدود، وإجراء الأحكام الشرعية، ولا شك أن العدولَ عنها إلى غيرها حينئذ مع إمكانها تبديلٌ للأحكام، وحكمٌ بغير ما أنزل الله الموصوف فاعلهُ بالظلم والفسق.

وأما مع عدم الإمام، وعدم التمكن من إقامة الحدود، وإجراء الأحكام على أصلها فذاك -والله أعلم- أولى من الإهمال، وعدم الزجر، وترك القوي يأكلُ الضعيفَ، فعِظَمُ المفسدة في ذلك يغني فيه العيانُ عن البيان، وذلك مُفضٍ لخراب العمران، وهدم البنيان، بل إذا تعذَّر إقامةُ الحدود ولم تبلغها الاستطاعةُ، وكان التعزير يحتاج إلى إيقاع الزواجر، وكانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزيرٍ يزدجر به، تنزلت أسبابُ الحدود منزلةَ أسباب التعزير، أي فيجرى منها ما هو معلوم في التعزير، وليس المراد أن الحدَّ يسقط بذلك، ولكن ذلك غاية ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعاً للمفسدة ما أمكن، فإن أمكن بعد ذلك إقامةُ الحدِّ أقيم إن اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحقُّ أن يُحمل عليه ] “فصل المقال في الجواب عن حادثة السؤال ونفي العقوبة بالمال” للأخميمي ص 45-57.

وورد في المصدر السابق:[ كما أفتى الشيخ محمد العربي الفاسي رحمه الله بجوازها في بعض الصور،فقد سئل عن حال القبائل في الزمان الذى لا سلطانَ فيه، أن من قطع منهم طريقاً، أو نهب مالاً مثلاً لا يمكن زجره إلا بالعقوبة المالية، ومن رام غير ذلك من العقوبة في البدن تعرض لوقوع ما هو أنكر وأعظم.

فأجاب الشيخ الفاسي: إغرامُ أهل الجنايات ما يكون زجراً لهم من باب العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها-أي عند المالكية- وأفتى بجوازها الشيخ أبو القاسم البرزلي، وأملى في ذلك تأليفاً، وردَّ عليه عصريهُ وبلديهُ الشيخ أبو العباس ابن الشماع، خَطَّأَ فيه من يقول

بالجواز، إلا أن كلام ابن الشماع مفروضٌ مع وجود الإمام، والنازلةُ المسؤولُ عنها مفروضةٌ مع عدمه، وعدم التمكن من إقامة الحدود الشرعية، وحينئذٍ إما أن يُهْمَلَ الناسُ؛ فلا ينزجرون عن مُوجِبات الحدود، وعِظَمِ المفسدة في ذلك يغني عنه العيان عن البيان، وإما أن يزجرهم من له نوعُ قدرةٍ على نوعٍ من الزجر، وذلك هو الجاري على المعروف من الشريعة من تأكيد درء المفاسد، والإتيان من الأمر بالمستطاع. والمألوفُ في الشرع هو العقوبةُ البدنية، والواقع الآن بالمشاهدة أن القبائل التي لا تنالها أحكام السلطان لا تُمكن فيهم العقوبةُ بالأبدان؛ لأنهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم. ووقع القطع بأن إرادة تنفيذ ذلك مُوقعٌ فيما هو أدهى وأمرُّ من الفتنة والفساد. وقد قال العلماء: لا يُغير المنكرُ إذا لم يُؤمنْ من أن يُؤدي إنكارهُ إلى أنكرَ منه. والمشاهد في الوقت أن القبائل بعيدةٌ عن تنفيذ الزواجر فيها على الوجه الشرعي، ونهيهم دون زجر لا يؤثر، ثم إن القبيلة قد يتصدى أهلُ الرأي منهم لتغيير المنكر، وغايةُ ما تصلُ إليه قدرتهم في زجر أهل الفساد، ما ألفوه من العقوبة المالية، فإن تُرِكَ ذلك وهو غاية المقدور، أَدَّى إلى استيلاء الفساد المحظور.]”فصل المقال في الجواب عن حادثة السؤال ونفي العقوبة بالمال” للأخميمي ص 44-45.

ومما استدل به أصحاب هذا القول قوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } سورة المائدة الآية 89، فهذه الآية تدلُ على مشروعية التغريم بالمال، وتطبقُ هذه العقوبةُ المالية، وهي الإطعام أو الكسوة أو قيمتُهما في حالِ غيابِ الإمام.

ورد في فتوى لدار الإفتاء المصرية بعنوان: [التعزير بالمال في المجالس العرفية: والذي نراه راجحًا هو جواز العقوبة بالمال، وهو الذي أخذ به القانون المصري كما في المادة (22 عقوبات)، حيث نصَّت على أن العقوبة بالغرامة إلزام للمحكوم عليه بأن يدفع إلى خزينة الحكومة المبلغ المقدَّر في الحكم، وقد بيَّن القانونُ حدودَ الغرامة لكل جريمة على حدة. وعليه وفي واقعة السؤال: فيجوز للمجلس العرفي إلزام أحد الخصمين بجزءٍ من المال لخصيمه، ويحلُّ للخصيم أخذ هذا المال، لكن يُراعى في تقدير العقوبة أن تكون مناسبةً؛ فلا يتعدى فيها فيُفْرِط، ولا يتهاون فيُفَرِّط، وأن يراعى في ذلك حال المعَاقَب والبيئة التي يعيش فيها وملابسات السبب المُوجِب للعقوبة، وغير ذلك مما له تأثيرٌ في الحكم، والحذر من أن تكون تلك العقوبة بالمال ذريعةً لأكل الربا، مع الأخذ في الاعتبار أن تتحقق المصلحةُ المرجوة من تلك العقوبة، وهو كفُّ الجاني عن جنايته، وتتأثر تلك المصلحة سلبًا إذا ثبت حكمٌ شرعي على المراد معاقبته بالمال، كأن يكون مستحق قطع اليد. وعلى كلٍّ فللمجلس العرفي الأخذ بما يريد، وبالشكل الذي يحقِّق المصلحة، وبالضوابط التي تتفق مع قواعد الشريعة.] dar-alifta.org.eg/AR/ViewResearch.aspx?ID=228

وختاماً فإنه يجوز للمُحكَّمين الشرعيين ولقضاة العُرفِ العشائري أن يحكموا بالغرامات المالية في الخصوماتِ التي تُعرض عليهم، ويشترط لصحة أحكامهم أن تصدر عن المؤهلين لذلك، وأن تكون العقوبةُ المالية عادلةً، وأن لا تخالف الشرع كتضمنها للربا، وأن يوازنوا بين المصالح والمفاسد عند الحكم بالغرامات المالية.

ومع الأسف الشديد فإن بعض قضاة العُرفِ العشائري يبالغون مبالغةً منكرةً في تقدير العقوبة المالية، فتجدُ بعضَهم وخاصةً من يسمَّى “المنشد” يقرر عقوبةً ماليةً بمبلغٍ كبيرٍ جداً، وهذا مجافٍ للعدلٍ ولا يقرهُ شرعٌ ولا فرعٌ.

وخلاصة الأمر:

أن الأصلَ المقرر شرعاً أنّ إقامة الحدود والقصاص من أعمال الحاكم المسلم، أو من يُنيبه، وليس ذلك لأفراد الناس، فلا يجوز لفردٍ أو جماعةٍ تطبيق الحدود والقصاص.

وأن ذلك في حال وجود الحاكم المسلم الذي يسوس الدنيا بالدِّين، وأما في حال غيابه كما هو واقع المسلمين الآن، فإن من الفقهاء من يرى تنفيذها، وهو واجبُ العلماء وأهلُ الرأي في المجتمع حال غياب الإمام.

وأن مبدأ العقوبة بالمال مشروعٌ على القول الراجح من أقوال الفقهاء.

وأن العقوبة المالية في ظل غياب الإمام جائزةٌ أيضاً كما قرره كثيرٌ من الفقهاء.

وأنه يجوز للمُحكَّمين الشرعيين ولقضاة العُرفِ العشائري أن يحكموا بالغرامات المالية في الخصوماتِ التي تُعرض عليهم، ويشترط لصحة أحكامهم أن تصدر عن المؤهلين لذلك، وأن تكون العقوبةُ المالية عادلةً، وأن لا تخالف الشرع كتضمنها للربا، وأن يوازنوا بين المصالح والمفاسد عند الحكم بالغرامات المالية.

وأن بعض قضاة العُرفِ العشائري يبالغون مبالغةً منكرةً في تقدير العقوبة المالية، فتجدُ بعضَهم وخاصةً من يسمَّى “المنشد” يقرر عقوبةً ماليةً بمبلغٍ كبيرٍ جداً، وهذا مجافٍ للعدلٍ ولا يقرهُ شرعٌ ولا فرعٌ.

والله الهادي إلى سواء السبيل

عقوباتُ قاتلِ المؤمنِ عمداً

يقول السائل:تزداد حالات القتل العمد في مجتمعنا داخل مناطق الثمانية وأربعين بشكل لافت، وصار قتل الانسان أمراً سهلاً في أعين القاتلين، فهل لكم أن توضحوا لنا خطورة الأمر وعقوبته،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: لا بد أن يعلم أولاً أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك، فمنها قوله تعالى:{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} سورة الإسراء الآية 33. وقوله تعالى:{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} سورة النساء الآية 93. وقال الله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} سورة الفرقان الآيتان 68-69.

وثبت في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور. قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصبْ دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: [ الفسحة في الدِّين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري 12/233.

وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:(إن من وَرَطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله)، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء،… وهي جمع وَرْطة، بسكون الراء وهي الهلاك، يقال وقع فلان في وَرْطة، أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها] فتح الباري 12/233-234.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره… كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً – أي تسيل – يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش)

رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/40.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56.

وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/629.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول:(ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمدٍ بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.

ونظر ابن عمر رضي الله عنه يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.

ثانياً: إن من أهم أسباب التساهل في القتل العمد وكثرته غياب الوازع الديني عند كثيرين،ويبدو أن القتلة لا يفهمون النصوص الشرعية المرهبة من جريمة القتل العمد.

إن الاستهتار بجريمة القتل وهي من كبائر الذنوب الموبقات مؤشرٌ على التساهل والاستخفاف في الكبائر في مجتمعنا، ويلاحظ ذلك جلياً في كبائر الذنوب التي صارت من الصغائر في أعين كثيرٍ من الناس، بل أصبحت أموراً عاديةً كما هو الحال في ترك الصلاة والتعامل بالربا والتبرج وغيرها.

إن انهيار المنظومة الأخلاقية المستمدة من شرعنا الشريف ومن العادات الطيبة في مجتمعنا،أسهمت في انتشار الجرائم بشكلٍ عامٍ وجريمة القتل بشكلٍ خاصٍّ مع ما يرافقها من تشنيعٍ وتقطيعٍ للجثة وإخفاءها.

كما أن الاستخدام السيئ لشبكات التواصل الاجتماعية وشبكة الإنترنت والألعاب الأكترونية ،ووسائل الإعلام الفاسدة والمفسدة، كلُّ ذلك يغذي العنف ومظاهره في نفوس الشباب، ولهذه الوسائل أثرٌ واضحٌ في ازدياد معدلات الجرائم.

وكذلك تراجع دور الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة في التأثير في المجتمع؟!

ويضاف إلى ما سبق غيابُ العقوبات الرادعة، فإن الله ليزعُ بالسلطان ما لا يزعُ بالقرآن.

قال د. مشهور محاجنة رئيس المجلس الإسلامي للإفتاء في مناطق الثمانية وأربعين:[ إنّنا نعيش في السنوات الأخيرة بما يشبه الحرب الأهلية، قتلٌ وتخويفٌ وترويعٌ والقاءُ قنابل وحرقٌ، ولا ندري إلى متى سيبقى الحال هكذا، فلطالما حذّرنا ونبهنا ورددنا بحرمة دم المسلم على المسلم، ولكنّ الأمر يزداد سوءً، ولا رادع لهذا السّرطان الذّي يجتاح مجتمعاتنا وبلادنا .

الذّين يتحملون المسؤولية كُثرٌ، ولكن المسؤول الأكبر الذّي يتحمل مسؤولية هذه الجرائم هي الشّرطة، التّي بات الصغير والكبير منّا يدرك أنّ لديها سياسةً ممنهجةً للتستر على الجرائم ، فإن كانت تعلم المجرم وتتستر عليه فهي مصيبةٌ، وإن كانت لا تعلم المجرم فالمصيبة أكبر، لماذا في المجتمعات اليهودية يتمّ العثور على الجاني بمجرد التفكير والتخطيط وقبل الشّروع في الفعل .

وأضاف فضيلته قائلاً: وفي حال تمّ العثورُ على الجاني – وذلك في حالاتٍ نادرةٍ، فإنّ العقوبة القانونية ليست رادعةً، وإنّما يأخذ أدنى وأخف العقوبات،وفي ذلك تشجيعٌ بطريقةٍ غير مباشرة على العنف]http://shof.co.il/index.php?mod=articles&ID=43476

ثالثاً: قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}. سورة النساء الآيتان 92-93.

قررت الآيةُ الأولى أن الأصل أن المسلم لا يقتلُ مسلماً إلا خطأً،ولا يقتلهُ عمداً،قال المفسرون:[ تضمنت الآية الإخبار بعدم جواز إقدام المؤمن على قتل أخيه المؤمن بأسلوب يستبعد احتمال وقوع ذلك منه إلا أن يكون خطأً، حتى لكأن صفة الإيمان منتفية عمن يقتل مؤمنًا متعمدًا؛ إذ لا ينبغي أن تصدر هذه الجريمة النكراء ممن يتصف بالإيمان، لأن إيمانه ـ وهو الحاكم على تصرفه وإرادته ـ يمنعه من ارتكاب جريمة القتل عمدًا.إن قتل النفس التي حرَّم الله تعالى إلا بالحق من أحرم الحرام، ومن أفظع الأعمال جرمًا وأكبرها إثمًا، وقد توعد اللهُ قاتلَ المؤمن عمدًا بأنواع العقوبات، كلُّ واحدةٍ أعظمُ من الأخرى، وأنزل غضبه عليه ] ar.islamway.net

وقال تعالى:{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} وهذه الآية الكريمة بينت بوضوح عقوبة قاتل المؤمن عمداً[ إن قاتل المؤمن تنتظره هذه العقوبات الأربع:الخلود في نار جهنم، مع الغضب واللعن والطرد والإبعاد عن رحمة الله والعذاب العظيم.إنه وعيد رهيب قاصم، أشدُ على سمع المؤمن من أي عقاب؛ إذ ليس بعد هذا الوعيد وعيد، وليس بعده جزاء، وذلك كله دليلٌ واضحٌ على حرمة دم المؤمن، وحرص الإسلام على المحافظة على النفس المؤمنة . ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ، فلقد شدد الإسلام في النهي عن قتل المسلم واسمع لربك عز وجل يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً}سورة الإسراء الآية 33. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في آخر نصائحه للأمة في خطبته الجامعة المانعة فيما رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن الأحوص أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) وما هذا النهي الشديد إلا لحرمة دم الآدمي] almeshkat.net/vb/showthread.php?t=47289

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (كلُّ ذنبٍ عسَى اللهُ أنْ يَغفِرَهُ، إلَّا مَن مات مُشْرِكًا، أوْ مُؤْمِنٌ قَتَل مؤمِنًا مُتعمِّدًا.)

وعن عُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ، أن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (مَن قَتَل مُؤْمِنًا فاغتَبَطَ بقَتْلِهِ لم يَقْبَلِ اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا.)

وعن أبي الدَّرْداءِ، أن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (لا يَزالُ المُؤْمِنُ مُعْنِقًا صالِحًا ما لَمْ يُصِبْ دمًا حرامًا، فإذا أَصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ.) رواها أبو داود وصححها العلامة الألباني في صحيح أبي داود.

ومعنى بَلَّحَ الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرّك، يريد به وقوعه في الهلاك بإصابة الدم الحرام، وقد تخفف اللام. النهاية في غريب الحديث 1/151.

وقال ابن العربي المالكي:[قد ثبت عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النهيُ عن قتل البهيمة بغير حق، وبَيَّنَ وعيد من ارتكب ذلك، فكيف بمن اعتدى على مؤمنٍ تقيٍّ صالحٍ فقتله؟!]فتح الباري 12/189

وخلاصة الأمر أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب. وقد وردت النصوصُ الكثيرةُ من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك.

وأن هناك أسباباً كثيرةً أدت إلى التساهل في القتل العمد وأهمها غيابُ الوازع الديني عند كثيرين،ويبدو أن القتلة لا يفهمون النصوص الشرعية المرهبة من جريمة القتل العمد.

وأن انهيار المنظومة الأخلاقية المستمدة من شرعنا الشريف ومن العادات الطيبة في مجتمعنا،أسهمت في انتشار الجرائم بشكل عام وجريمة القتل بشكل خاص مع ما يرافقها من تشنيع وتقطيع للجثة وإخفاءها.

وأن الاستخدام السيئ لشبكات التواصل الاجتماعية وشبكة الإنترنت والألعاب الأكترونية ،ووسائل الإعلام الفاسدة والمفسدة كل ذلك يغذي العنف ومظاهره في نفوس الشباب ولهذه الوسائل أثرٌ واضحٌ في ازدياد معدلات الجرائم.

وأن تراجع دور الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة في التأثير في المجتمع أسهم في انتشار جرائم القتل العمد.

وأن غياب العقوبات الرادعة أسهم في انتشار جرائم القتل العمد، فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وأن قاتل المؤمن تنتظره عقوبات أربع وهي:الخلود في نار جهنم، مع الغضب واللعن والطرد والإبعاد عن رحمة الله والعذاب العظيم.

والله الهادي إلى سواء السبيل

حالاتُ إهْدَارِ دمِ المسلمِ

يقول السائل:ما معنى إهْدَارِ دمِ المسلمِ ؟ ومتى يعتبر دمُ المسلم مُهدراً شرعاً، أفيدونا؟

الجواب: أولاً: لا بد أن يُعلم أن عصمةَ دم المسلم وتحريمَ سفك دمه من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذلك، فمنها:قوله تعالى:{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} سورة الإسراء الآية الإسراء 33.

وقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} سورة النساء الآيتان 92-93.

وقال تعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} سورة المائدة الآية 32.

وعنْ أَبي بكْرةَ رضي الله عنه أنَّ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ في خُطْبتِهِ يوْم النَّحر بِمنىً في حجَّةِ الودَاعِ:(إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت )رواه البخاري ومسلم.

وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ ، قَالُوا : يَوْمٌ حَرَامٌ ، قَالَ : فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا : شَهْرٌ حَرَامٌ ، قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فَأَعَادَهَا مِرَارًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ – قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ – فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) رواه البخاري. وغير ذلك من النصوص.

ثانياً: إهْدَارُ الدَمِ يعني اِسْتِبَاحَتهُ، أي جَعْلَهُ مُبَاحاً.وعند الفقهاء النَّفْسُ الْهَدْرُ: هِيَ الَّتِي لاَ قَوَدَ فِيهَا وَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ.

وقد اتفق علماء الإسلام على أن الأْصْلَ أَنَّ دَمَ الإْنْسَانِ مَعْصُومٌ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ خاصةٍ، قامت الأدلة عليها، كما في الحديث عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)رواه البخاري ومسلم.

وقال شمس الأئمة السرخسي: [ولا يجوز إهدارُ الدماء المحقونة ]المبسوط 24/72.

وهنالك حالاتٌ يهدر فيها الدَمُ منها:

الأولى: القاتل عمداً:أجمع العلماء على أن قاتل النفس المعصومة عمداً، مستحقٌ للقتل إذا انطبقت عليه الشروط ، يقول تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس }سورة المائدة الآية 45.

الثانية: الْمُرْتَدُّ عن دين الإسلام: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِ تُهْدِرُ دَمَهُ؛ لما ورد في الحديث السابق:( وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ).وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) رواه البخاري .

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:[وأما التارك لدينه المفارق للجماعة فالمراد به من ترك الإسلام وارتدَّ عنه ، وفارق جماعة المسلمين ، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان]جامع العلوم والحكم 1/318.

وقال ابن مفلح الحنبلي في تعريف المرتد:[هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر ، إما نطقاً أو اعتقاداً أو شكاً ، وقد يحصل بالفعل]المبدع شرح المقنع 9/175.

فالردة قد تكون بالقول الصريح:كأن يكفر بالله صراحة،أو بالاعتقاد:كأن يجحد شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة،أو إنكار النبوة أو البعث ،وتكون الردة أيضاً باستحلال ما حرم الله،أو تحريم ما أحل الله،كما قد تكون بالفعل:كمن رمى المصحف في مكان القاذورات -والعياذ بالله-أو سجد لصنم، ونحو ذلك.

الثالثة:الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً مُكَفِّرَةً:فقد ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُبْتَدِعَ بِدَعَةً مُكَفِّرَةً يُهْدَرُ دَمُهُ لِكُفْرِهِ. الموسوعة الفقهية الكويتية 42/196-197.

[وأما أهل البدع المكفرة، فإنه يجب على ولي الأمر قتلهم، فإن لم يقتلهم وجب على الناس هجرهم، قال ابن العربي في أحكام القرآن:فإن الكافر من أهل الأهواء يجب قتله] http://www.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=19998

[وضابط البدعة المكفرة: تضمنها لكفرٍ،كإنكار المعلوم بالدين من بالضرورة، أو تكذيب القرآن،ونحو ذلك،كإنكار القدرية علم الله عز وجل،وقضاءه وقدره،مثلاً القدرية قالوا: إن الله لا يعلم أنه سيحدث شر أو فتنة،أو شرك في الأرض، أو عدوان، أو ظلم، أو زنا، أو فاحشة، أو بغي، فأنكروا علم الله، والله بكل شيء عليم، والله كتب المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض، كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من خير أو شر.

ومثل بدع البابية، والبهائية، والقاديانية.فالقاديانية؛ أنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وزعموا: أن صاحبهم “غلام مرزا أحمد”القادياني أنه نبي!.

يقول الشيخ الحكمي في “معارج القبول”مميزاً بين البدع الكفرية المكفرة، والبدع غير المكفرة، يقول: “فَضَابِطُ الْبِدْعَةِ الْمُكَفِّرَةِ: مَنْ أَنْكَرَ أَمْرًا مُجَمْعًا عَلَيْهِ مُتَوَاتِرًا مِنَ الشَّرْعِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، مِنْ جُحُودِ مَفْرُوضٍ، أَوْ فَرْضِ مَا لَمْ يُفْرَضْ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ”معارج القبول: 3/1228]بتصرف https://almunajjid.com/8853

الرابعة: الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ: وهو من الذين يحاربون المسلمين،فليس بيننا وبينهم عهد ولا ذمة ولا أمان.

واتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ مُهْدَرٌ.قال الزركشي:[لأن هدر دمه من المعلوم من الدِّين بالضرورة]البحر المحيط 4/310.

والكافر الحربي هُوَ غَيْرُ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُؤَمَّنِ، فهؤلاء يحرم قتلهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ،وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)رواه البخاري.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[والمراد به من له عهدٌ مع المسلمين،سواء كان بعقد جزيةٍ،أو هدنةٍ من سلطانٍ ،أو أمانٍ من مسلمٍ]فتح الباري 12/259.

الخامسة:الزَّانِي الْمُحْصَنُ:ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ دَمَ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مُهْدَرٌ. لما ورد في حديث ابن مسعود السابق: (وَالثَّيِّبُ الزَّانِي).

وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ،وَالرَّجْمُ) رواه مسلم.

السادسة:حالة دفع الصائل إذا لم يدفع إلا بقتله.والصائل هو المعتدي على نفس الغير أو عرضه أو ماله،فيجوز للمعتدى عليه أو المصول عليه ضرورة ردُّ هذا الاعتداء؛ حتى ولو أدى ذلك إلى قتل الصائل.ويسميه الفقهاء بالدفاع الشرعي.

ودفع الصائل واجبٌ شرعاً عند جمهور العلماء، فيجب على المسلم أن يدفع عن نفسه وعن نفس غيره وعن عرضه وعن ماله.والأصل في دفع الصائل قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} سورة البقرة الآية 194.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة الشورى الآيات 39-42.

ومن السنة ما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(يا رسول الله أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيدٌ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) رواه مسلم.

وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه (أن رجلاً عضَّ يدَ رجلٍ، فنزع يدَه من فمه فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يَعضُّ أحدُكُم أخاه كما يعضُّ الفحلُ! لا دية له) رواه البخاري ومسلم.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[فيه دفعُ الصائل؛ وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه إلا بجنايةٍ على نفسه أو على بعض أعضائه ففعل به ذلك كان هدراً] فتح الباري 12/223.

ولا بد أن يُعلم أنه لا يحل قتلُ الصائل بمجرد الصيال، بل هنالك خطواتٌ لدفع الصائل، فيبدأ بالأخف فالأخف، فإذا هاجمه الصائل صاح عليه واستغاث بالناس وإلا دفعه بيديه أو عصا وهكذا، فإن تعذر دفعه إلا بالقتل قتله، لأن المقصود دفع الصائل وطرده فإذا اندفع باليسير فلا حاجة إلى أكثر منه، قال الإمام النووي:[ فيجب على المصول عليه رعاية التدريج والدفع بالأهون فالأهون، فإن أمكنه الدفع بالكلام أو الصياح أو الاستغاثة بالناس لم يكن له الضرب]روضة الطالبين 7/392.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني :[لو لم يندفع بالشيء الخفيف جاز بالثقيل] فتح الباري12/245.

وقال المناوي:[للمصول عليه الدفع عن نفسه بالأخف وإن أفضى إلى قتل الصائل هُدر] فيض القدير 1/388.

وقال البهوتي الحنبلي:[فإن أمكن دفعه بكلامٍ أو استغاثةٍ حرُمَ الدفعُ بالضرب، أو بضرب بيدٍ حرُمَ بسوط، أو بسوط حرُمَ بعصا، أو بعصا حرُمَ بقطع عضو، أو بقطع عضو حرُمَ قتل؛ لأن ذلك جُوِّز للضرورة، ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل، وفائدة هذا الترتيب أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها ضمن، ويُستثنى من الترتيب ما لو التحم القتال بينهما واشتد الأمر عن الضبط سقط مراعاة الترتيب] الإقناع 2/199.

وقد ذكر الفقهاء أربعة شروط لجواز دفع الصائل وهي:[(1) أن يكون هناك اعتداء. (2)أن يكون الاعتداء حالاً: أي واقعاً بالفعل. (3) ألا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر، فإذا أمكنه ذلك بوسيلة أخرى كالاستغاثة أو الاستعانة بالناس أو برجال الأمن، ولم يفعل، فهو معتد. (4)أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة: أي بالقدر اللازم لرد الاعتداء بحسب ظنه. بالأيسر فالأيسر] مختصر أحكام دفع الصائل.

ثالثاً: لا شك أن إهدار الدم من قبل الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها فيه خطورةٌ كبيرةٌ،ليس على الفرد الذي أُهدر دمهُ فقط، بل على المجتمع وعلى النسيج الاجتماعي،مما يسبب مشكلاتٍ لا

تحُمد عُقباها،لذلك فإن إهدار الدماء في الحالات السابقة لا يكون إلا من خلال القضاء الشرعي الذي يحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ظل الدولة المسلمة، وليس ذلك للأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها ،فمن المقرر عند جمهور الفقهاء أن التجريم والعقاب من سلطان ولي الأمر وحده،أي أن إصدار وتنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة بأمر الإمام ولي أمر المسلمين، وليس من اختصاص الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها .

فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دم أربعة من المرتدين وهم: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح. فمنهم من ارتد وقتل أحداً من المسلمين، ومنهم من ارتد وكان يدَّعي أنه كان يصرف النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض كلمات الوحي، فيكتب غير ما أنزل، ومنهم من كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد روى النسائي في سننه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال:لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، َقَالَ:(اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ . فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَبَّ الرِّجْلَيْنِ فَقَتَلَهُ ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ،فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ:أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَهُنَا،فَقَالَ عِكْرِمَةُ:وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ الْبَحْرِ إِلا الإِخْلاصُ ما يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ،اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ،فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا،فَجَاءَ فَأَسْلَمَ،وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ،فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،قَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ ،فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاثًا،كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى،فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاثٍ،ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ،فَقَالَ :أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي،عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا:وَمَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ هَلا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ)ورواه أبو داود وغيره،وقال العلامة الألباني: حديثٌ صحيحٌ.

فالذي يتولى إصدار عقوبة القتل هو الإمام أو من ينيبه، ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية: [وَيَقْتُلُهُ الإْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ؛ لأِنهُ قَتْلٌ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ لِلإْمَامِ وَلِمَنْ أَذِنَ لَهُ الإْمامُ ]الموسوعة 42/197.

وقال الشيخ العثيمين:[قال العلماء:لا يقتله إلا الإمام أو نائبه، ونائب الإمام في هذا هو الأمير، وليس القاضي؛ لأن الأمير ينفذ، وهذا تنفيذ حكم، ولا يحل لأحدٍ قتله مع أنه مباح الدم؛ لأن في قتله افتياتاً على ولي الأمر، ولأن في قتله سبباً للفوضى بين الناس؛ فإن هذا ـوإن قتله بحق؛لأنه مهدر الدم ـ قد يسبب فتنة بين هذا القاتل وبين أولياء المقتول المرتد، فيحاولون أن يأخذوا بالثأر من هذا الذي قتل المرتد، ولهذا لا يتولى قتله إلا الإمام، أو نائبه]الشرح الممتع على زاد المستقنع14/455.

وقال الشيخ عبد القادر عوده تحت عنوان “من الذي يقيم الحدّ ” :[ من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد لأن النبي e لم ير حضوره لازماً فقال :اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها . وأمر عليه الصلاة والسلام برجم ماعز ولم يحضر الرجم وأتي بسارق فقال:

اذهبوا به فاقطعوه . لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب ، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه وما أقيم حدٌّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم ] التشريع الجنائي الإسلامي 2/444 .

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :[ اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والإمام قادرٌ على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] 17/144-145 .

ومما يدل على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة ممثلة بالإمام أو من يقوم مقامه قوله تعالى :{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} سورة النور الآية 2 .

قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية :[لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه] تفسير القرطبي 12/161 .

وخلاصة الأمر أن عصمة دم المسلم وتحريم سفك دمه من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذلك.

وأن إهْدَار دَمِ المسلم يعني اِسْتِبَاحَتهُ وعند الفقهاء النَّفْسُ الْهَدْرُ: هِيَ الَّتِي لاَ قَوَدَ فِيهَا وَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ.

وأن علماء الإسلام متفقون على أن الأْصْلَ أَنَّ دَمَ الإْنْسَانِ مَعْصُومٌ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ خاصةٍ، قامت الأدلة عليها.

وأنه يحرم شرعاً إهدارُ الدماء المحقونة.

وأنه يوجد حالاتٌ يُهدر فيها الدَمُ منها: القاتل عمداً والمرتد والزاني المحصن والمبتدع بدعةً مكفِرة والكافر الحربي وفي حالة دفع الصائل إذا لم يدفع إلا بقتله.

ولا شك أن إهدار الدم من قبل الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها فيه خطورةٌ كبيرةٌ على الفرد الذي أُهدر دمه وعلى المجتمع.

وأن إهدار الدماء في الحالات السابقة لا يكون إلا من خلال القضاء الشرعي الذي يحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ظل الدولة المسلمة،وليس ذلك للأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها.

لأنه من المقرر عند جمهور الفقهاء أن التجريم والعقاب من سلطان ولي الأمر وحده،أي أن إصدار وتنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة بأمر الإمام ولي أمر المسلمين، وليس من اختصاص الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها.

والله الهادي إلى سواء السبيل

يحرمُ التَّحريضُ على القتلِ بغيرِ حقٍّ

يقول السائل: ما حكمُ الشخص الذي يُحرِّضُ ويحثُّ على قتلِ أخيه المسلم بغير حقٍ،ويؤكد تحريضه باستعداده بتحمل تبعات القتل، من ديةٍ وغيرها ، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: لا بد أن يعلم أولاً أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب،ومن أخطر الجرائم، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك، فمنها قوله تعالى:{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} سورة الإسراء الآية 33.

وقوله تعالى:{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} سورة النساء الآية 93.

وقال الله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} سورة الفرقان الآيتان 68-69.

وثبت في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال:( الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور. قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصبْ دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: [الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري 12/233.

وروى أبو داود عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:( لا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقًا صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ، فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ ) والمعنق: طويل العنق، الذي له سوابق في الخير.

وبَلَّحَ أي أعيا وانقطع ووقع، وصححه العلامة الألباني.

وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:( إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ، الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ)، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[قوله (إن من وَرَطَاتِ) بفتح الواو والراء…وهي جمع وَرْطة، بسكون الراء وهي الهلاك، يقال وقع فلان في وَرْطة، أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله (التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها)] فتح الباري 12/233-234.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره…كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( يَجِيءُ المَقْتُولُ بِالقَاتِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا ، يَقُولُ: يَا رَبِّ ، قَتَلَنِي هَذَا ، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ العَرْشِ) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/40.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56.

وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/629.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ:( مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.

ونظر ابن عمر رضي الله عنه يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال:( ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.

ثانياً: تستعمل كلمة التحريض في عدة معانٍ، فتأتي بمعنى الحثِّ على القتال وغيره، وهو يكون في الخير والشر، ويغلب استعماله فيما يكون الحثُّ فيه لطرفٍ. وقريبٌ من التحريض الحثُّ والتحريشُ والإغراء والتهييج. الموسوعة الفقهية 11/188، والمراد في السؤال من التحريض هو الحثُّ على القتل المحرم شرعاً بغير حقٍ.

ولا شك أن التحريض على القتل المحرم يعتبر وسيلةً مؤديةً إلى الحرام، ووسيلةُ الحرام محرمةٌ، لأن للوسائل حكم مقاصدها شرعاً، قال الإمام العز بن عبد السلام:[ للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل ] قواعد الأحكام 1/46.

وقال الإمام شهاب الدين القرافي:[وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنَّها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة، ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة] الفروق2/33.

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين:[وقد قال أهل العلم للوسائل أحكام المقاصد فما كان وسيلةٌ لمطلوبٍ فهو مطلوب وما كان وسيلةً لمنهيٍ منه فهو منهيٌ عنه] شبكة الانترنت.

ولا شك أيضا أن التحريض على القتل المحرم يعتبر رضاً به ، وهذا نوعٌ من المشاركة في القتل، ولو كانت مشاركة معنوية،قال الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى:{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} سورة هود الآية 65 :[ قوله تعالى:{ فَعَقَرُوهَا} إنما عقرها بعضُهم،وأُضيف إلى الكلِّ؛ لأنه كان برضا الباقين.] تفسير القرطبي 9/54.

وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا – وَقَالَ: مَرَّةً أَنْكَرَهَا – كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا) رواه أبو داود، وحسنه العلامة الألباني.

وقد فصَّل الفقهاء مسألة الاشتراك في القتل، وهي من المسائل التي لها صور كثيرة ولا يتسع المقام للتفصيل، ولكن جمهور الفقهاء متفقون على أن المشارك في القتل إن لم يباشر القتل بنفسه، وإنما كانت مشاركتهُ معنوية كما في السؤال بأنه حرًّض وحثَّ على القتل، فإن ذلك يوجب التعزير فقط، وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة، وأما عند الإمام مالك فمن أعان على القتل فجزاؤه القصاص.

قال الشيخ المرداوي الحنبلي فيمن أمر غيره بالقتل فقتل:[وأما الآمر؛ فالصحيح من المذهب أنه يعزر لا غير] الإنصاف 9/454.

ثالثاً: يجب أن يُعلم أن من أبشع أنواع التحريض على القتل،هو تحريض مشايخ السلطان على قتل المعارضين للحكام الظلمة، كما صرح بذلك بعضهم عندما قال: اضرب في المليان، إياك أن تضحي بجنودك وأفرادك من أجل هؤلاء الخوارج. طوبى لمن قتلهم وقتلوه. من قتلهم كان أولى بالله منهم. بل إننا يجب أن نطهر مدينتنا ومصرنا من هؤلاء الأوباش.]

إن أمثال هؤلاء المفتين والمشايخ، أشباه العلماء اللابسين لباسهم ، قد أضلهم الله على علمٍ، وباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فهم من الأشقياء،قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِجُلَسَائِهِ: أَخْبِرُونِي بِأَحْمَقِ النَّاسِ ؟ قَالُوا: رَجُلٌ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ !! فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَحْمَقَ مِنْهُ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: رَجُلٌ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ !!رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 5/ 325.

وقال الإمام مالك: كَانَ يُقَالُ: أَخْسَرُ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ، وَأَخْسَرُ مِنْهُ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ .جامع بيان العلم وفضله 2/ 906 .

وقَالَ سَحْنُونٌ : أَشْقَى النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ. الآداب الشرعية 2/63.

يا مشايخ السلطان إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم. فكيف تحرشون الحكام الظلمة وتحرضونهم على قتل المعارضين لهم؟! وقد اتفق الفقهاء على حرمة التحريش بين البهائم، بتحريض بعضها على بعض وتهييجه عليه،لأنه سفهٌ، ويؤدي إلى حصول الأذى للحيوان،وربما أدى إلى إتلافه بدون غرضٍ مشروعٍ، فقد ورد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي. الموسوعة الفقهية الكويتية 10/195.

إذا كان هذا في التحريش بين البهائم فكيف بالتحريش على سفك دماء الملسلمين يا مشايخ الضلال.

رابعاً: نصَّت القوانين الوضعية على منع التحريض على القتل بأي وسيلةٍ كانت، وبينت عقوبة ذلك، فقد ورد في قانون العقوبات المطبق في بلادنا في المادة (80) [المحرض والمتدخل

1- يعدُّ محرضاً من حمل غيره على ارتكاب جريمة بإعطائه نقوداً أو بتقديم هدية له أو بالتأثير عليه بالتهديد أو بالحيلة والدسيسة أو بصرف النقود أو بإساءة الاستعمال في حكم الوظيفة.

2- يعد متدخلاً في جناية أو جنحة:

أ- من ساعد على وقوع جريمة بإرشاداته الخادمة لوقوعها.

ب- من أعطى الفاعل سلاحاً أو أدوات أو أي شيء آخر مما يساعد على إيقاع الجريمة.

ج- من كان موجوداً في المكان الذي ارتكب فيه الجرم بقصد إرهاب المقاومين أو تقوية تصميم الفاعل الأصلي أو ضمان ارتكاب الجرم المقصود.

د- من ساعد الفاعل على الأفعال التي هيأت الجريمة أو سهلتها أو أتمت ارتكابها.

هـ- من كان متفقاً مع الفاعل أو المتدخلين قبل ارتكاب الجريمة وساهم في إخفاء معالمها أو تخبئة أو تصريف الأشياء الحاصلة بارتكابها جميعها أو بعضها أو إخفاء شخص أو أكثر من الذين اشتركوا فيها عن وجه العدالة.

و- من كان عالماً بسيرة الأشرار الجنائية الذين دأبهم قطع الطرق وارتكاب أعمال العنف ضد أمن الدولة أو السلامة العامة، أو ضد الأشخاص أو الممتلكات وقدم لهم طعاماً أو مأوى أو مختبئاً أو مكاناً للاجتماع.

المادة (81)عقوبة المحرض او المتدخل

1- يعاقب المحرض أو المتدخل: أ- بالأشغال الشاقة المؤقتة من خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة إذا كانت عقوبة الفاعل الإعدام.

ب- بالأشغال الشاقة المؤقتة من سبع سنوات إلى خمس عشرة سنة إذا كانت عقوبة الفاعل الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد.

2- في الحالات الأخرى، يعاقب المحرض والمتدخل بعقوبة الفاعل بعد أن تخفض مدتها من السدس إلى الثلث.]

وخلاصة الأمر

أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب،ومن أخطر الجرائم، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة .

وأن التحريض على القتل المحرم يعتبر وسيلةً مؤديةً إلى الحرام، ووسيلةُ الحرام محرمةٌ.

وأن التحريض على القتل المحرم يعتبر رضاً به، وهو نوعٌ من المشاركة في القتل، ولو كانت مشاركة معنوية.

وأن الفقهاء قد فصَّلوا مسألة الاشتراك في القتل، ولها صور كثيرة.

وأن جمهور الفقهاء متفقون على أن المشارك في القتل إن لم يباشر القتل بنفسه وإنما كانت مشاركتهُ معنوية فإن ذلك يوجب التعزير فقط.

وأن من أبشع أنواع التحريض على القتل تحريضُ مشايخ السلطان على قتل المعارضين للحكام الظلمة.

وأن القوانين الوضعية نصًّت على منع التحريض على القتل بأي وسيلةٍ كانت، وبينت عقوبة ذلك.

والله الهادي إلى سواء السبيل