كيفيةُ الدَّفنِ حالَ امتلاءِ المقبرةِ

يقول السائل: امتلأت المقبرةُ في بلدتنا ،ولا يوجد مكانٌ آخر في البلدة لإنشاء مقبرةٍ جديدةٍ،وأراضي البلدة محاصرةٌ بالمستوطنات حيث صُودرت أراضينا من الاحتلال، فهل يجوز أن نجعل القبرَ طوابق كما اقترح بعضُ الناس، أو أن نطمرَ المقبرةَ القديمة بالتراب حتى ارتفاع مترين أو ثلاثة، ونعملُ قبوراً جديدةً كما اقترح آخرون،فما هو الحلُّ الموافق للشرع في حالة امتلاء المقبرة، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

الأصلُ المقررُ شرعاً هو دفنُ كلِّ مسلمٍ مُتوفى في قبرٍ خاصٍ به، كما دلت عليه السنةُ النبويةُ،ويكون القبر في باطن الأرض، ولا يُرفع إلا بنحو شبرٍ،فعن هشام بن عامر رضي الله عنه قال شُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجراحاتُ يوم أُحدٍ، فقال:

(احفروا وأوسعوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبرٍ واحدٍ، وقدِّموا أكثرَهم قرآناً، فمات أبي فقُدِّم بين يدي رجلين)

رواه الترمذي،وقال:حديثٌ حسنٌ صحيحٌ،وصححه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص 143.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال في مرضه الذي هلك فيه:

( الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا ، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(اللَّحدُ لنا والشقُّ لغيرنا)

رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما وصححه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص 145.
واللَّحدُ هو أن يُحفر للميت في قاع القبر حفرة من جهة القبلة يوضع فيها. والشقٌّ هو أن يُحفر له حفرة إلى أسفل.
قال الإمام النووي:[ أجمع العلماء أن الدفن في اللحد وفى الشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبةً لا ينهارُ ترابُها، فاللحدُ أفضل لما سبق من الأدلة، وان كانت رخوةً تنهار فالشقُ أفضل] المجموع 5/287.
والمتعارف عليه في بلادنا فلسطين هو الشقُّ، لأن التربة لينةٌ وخشيةَ أن ينهار القبرُ من المطر.
ومن السنة أن يُرفع القبر قليلاً عن وجه الأرض بمقدار شبرٍ، لما رواه البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مُسَنَّماً) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[أي مرتفعاً…واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور,وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية]فتح الباري 3/257.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ويُرفع القبرُ عن الأرض قدر شبرٍ ليعلم أنه قبرٌ، فيُتوقى ويُترحم على صاحبه ،وروى الساجي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع قبرهُ عن الأرض قدر شبرٍ. وروى القاسم بن محمد‏‏ قال‏:‏قلتُ لعائشة‏:‏يا أمَّاهُ اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه،فكشفت لي عن ثلاثة قبورٍ لا مشرفة ولا لاطئةٍ، مبطوحةٍ ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود] المغني 2/379.

ثانياً:

لا بد من التذكير بالمحافظةِ على حُرمة الأموات، لأن المسلم محترمٌ حياً وميتاً،وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(إن كسرِ عظمِ المؤمن ميتاً مثل كسرهِ حياً)

رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 3/314. أي أن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم، كما جاء في رواية القضاعي من وجه آخرٍ (في الإثم).
قال الطيبي:إشارة إلى أنه لا يهانُ ميتاً كما لا يهان حياً.وقال الباجي:يريد أن له من الحرمة في حال موته كما له من الحرمة في حال الحياة. انظر فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(لأن يجلس أحدُكم على جمرةٍ فتحرقَ ثيابَه فتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ) رواه مسلم.

وعن عمارة بن حزمٍ رضي الله عنه قال:

(رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على قبرٍ،فقال يا صاحب القبر انزل عن القبر لا تُؤذي صاحب القبر ولا يُؤذيك)

رواه أحمد والطبراني،وقال الحافظ ابن حجر:إسناده صحيح،فتح الباري3/285،وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم 3566.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

(أذى المؤمنِ في موتهِ كأذاه في حياته) رواه ابن أبي شيبة في المصنف.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه سئل عن الوطـءِ على القبرِ، فقال: كما أَكرهُ أذى المؤمن في حياته، فإني أكرهُ أذاه بعد موته.

ثالثاً:

من أسباب امتلاء المقابر البناءُ على القبور، فترى كثيراً من القبور قد بُنيت بالحجارة أو الرخام، حتى إن كثيراً من الناس أصبحوا يتفاخرون بالبناء على قبور موتاهم، وبعض هذه القبور كلَّفت مبالغ طائلة، وكل ذلك من شُؤم الابتعاد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم،فعند البناء على القبور تبقى على مدى الأيام، وبالتالي لا يمكن في المستقبل الدفنُ فيها إذا ضاقت المقبرة كما هو الحال في السؤال.وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور،فعن أبي الهياج الأسدي قال:قال لي عليٌ رضي الله عنه:

(ألا أبعثك على ما بعثتني رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) رواه مسلم.

وعن جابر رضي الله عنه قال:

(نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصص القبرُ وأن ُيبنى عليه)رواه مسلم.

وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه:

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بتسوية القبور)رواه مسلم.

فهذه الأحاديث تدل دلالةً صريحةً على تحريم البناء على القبور، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، والأصلُ في النَّهي أنه يفيدُ التحريم، لذلك فإن جماهير علماء المسلمين متفقون على أن البناء على القبور من المحرمات.
قال الإمام الشوكاني:[ إعلم أنه اتفق الناس سابقُهم ولاحقُهم وأولُهم وآخرُهم من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى هذا الوقت،أن رفع القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهي عنها،واشتد وعيدُ رسول الله لفاعلها…ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين] شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص 8 .
لذا أرى هدم كل الأبنية على القبور لمخالفتها للشرع.

رابعاً:

إن امتلاءً المقبرة وعدم إمكانية إنشاء مقبرةٍ جديدةٍ لضيق الأراضي ومصادرة الاحتلال لأراضي البلدة، يعتبر حالةَ ضرورةٍ، تجيزُ الخروج عن الأصل المقرر شرعاً في الدفن،وبناءً على تقدير حالة الضرورة من أهل العلم،فالحلولُ المتفقةُ مع الشرعِ لمشكلة إمتلاءِ المقبرة يمكن أن تكون ما يلي:
(1) استعمالُ القبور القديمة والتي بليَ الأمواتُ فيها وصاروا تراباً،ويُرجع إلى أهل الخبرة في تحديد مدةِ بلاء الميت،فإن البلاد والأرض تختلف طبيعتها،ويغلب على ظني أن مدة بلاء الميت حتى يصير تراباً لا تقلُّ عن خمسة عشر عاماً في بلادنا.
وقد أجاز الفقهاءُ الدفنَ في قبر الميت الذي بليَ ولم يبق منه شيءٌ،قال ابن عابدين الحنفي:[قال الزيلعي:ولو بليَ الميتُ وصار تراباً، جاز دفنُ غيره في قبره وزرعهُ والبناءُ عليه،قال في الإمداد:ويخالفه ما في التتارخانية إذا صار الميت تراباً في القبر يُكره دفنُ غيره في قبره،لأن الحرمة باقية…قلت – ابن عابدين- لكن في هذا مشقةً عظيمةً،فالأولى إناطةُ الجواز بالبلى؛إذ لا يمكن أن يُعدَّ لكل ميتٍ قبرٌ لا يُدفن فيه غيرهُ،وإن صار الأول تراباً،لا سيما في الأمصار الكبيرة الجامعة،وإلا لزم أن تعمَّ القبورُ السهلَ والوعر، على أن المنع من الحفر إلى أن يبقى عظمٌ عسِرٌ جداً، وإن أمكن ذلك لبعض الناس، لكن الكلام في جعله حكماً عاماً لكل أحدٍ، فتأمل] حاشية ابن عابدين 3/138-139.
وقال العيني الحنفي:[ولو بليَ الميتُ وصار تراباً يجوز دفن غيرُه في قبره وزرعه والبناء فيه وسائر الانتفاعات به] البناية في شرح الهداية 3/295.
وقال الدردير المالكي:[ ولا يُنبش، أي يحرم ما دام الميت، أي مدة ظن دوام شيءٍ من عظامه، غير عَجْبِ الـذَّنَبِ به أي فيه، وإلا جاز المشيُ والنبشُ للدفن فيه لا بناؤهُ داراً ولا حرثهُ للزراعة ] الشرح الكبير 1/428.
وقال الإمام النووي الشافعي:[ يجوز نبشُ القبر إذا بليَ الميتُ وصار تراباً، وحينئذ يجوز دفنُ غيره فيه…وهذا كله إذا لم يبق للميت أثرٌ من عظمٍ وغيره. قال أصحابنا رحمهم الله ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض ويُعتمد فيه قولُ أهل الخبرة بها ] المجموع للنووي 5/303.
وقال الإمام النووي أيضاً:[لا يجوز أن يُدفن ميتٌ في موضعِ ميتٍ حتى يبلى الأولُ، بحيث لا يبقى منه شيءٌ، لا لحمٌ ولا عظمٌ، وهذا الذى ذكرناه من المنع من دفن ميتٍ على ميتٍ هو منعُ تحريمٍ…فأما إذا بليَ ولم يبق عظمٌ، بل انمحق جسمهُ وعظمهُ وصار تراباً، فيجوز بعد ذلك الدفنُ في موضعه بلا خلافٍ…ولا يجوز بعد البلي أن يُسوى عليه الترابُ ويُعمَّرَ عمارةَ قبرٍ جديدٍ، إن كان في مقبرةٍ مسبَّلةِ –موقوفة-، لأنه يوهم الناسَ أنه جديدٌ، فيمتنعون من الدفن فيه، بل يجب تركهُ خراباً ليدفنَ فيه من أراد الدفنَ.]المجموع 5/284.
وقال المرداوي الحنبلي:[متى عُلم أن الميت صار تراباً، قال في الفروع: ومرادهم ظنُّ أنه صار تراباً، ولهذا ذكر غير واحدٍ يُعمل بقول أهل الخبرة، فالصحيح من المذهب أنه يجوز دفن غيره فيه]الإنصاف 1/553.
وإذا وجدت بعض عظام الميت عند فتح القبر،تنحى إلى جانب القبر بكل احترامٍ ودون كسرها.
وبناءً على ما سبق ينبغي وضعُ حجرٍ على قبرِ كل ميتٍ يُكتب عليه تاريخ وفاته،حتى إذا غلب على الظنِّ أن الميت قد بلي فُتح القبرُ ودُفن فيه ميتٌ آخر.
ويدل على جواز وضع حجرٍ على القبر حديث المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ،أَمَرَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم رَجُلاً أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ- قَالَ كَثِيرٌ قَالَ الْمُطَّلِبُ قَالَ الَّذِى يُخْبِرُنِى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ:أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي) رواه أبو داود وحسنه العلامة الألباني في أحكام الجنائز.
وقال الشيخ ابن حزم الظاهري:[لو نُقش اسمهُ – الميت- في حجرٍ لم نكره ذلك] المحلى3/356.

(2) بناءً على أن الحالة المذكورة في السؤال ليست حالة اختيارٍ وسَعةٍ، وإنما حالةُ اضطرارٍ، فيجوز جعلُ القبر طابقين أو أكثر،ويكون ذلك تحت الأرض وليس فوقها،بتعميق القبر،فيدفن الميتُ فيه،ويُغطى بقطعةٍ من الباطون على شكل بلاطةٍ كبيرةٍ،ثم يوضع ترابٌ فوقها،ويدفن الميتُ الثاني ويصنعُ فيه ما صُنع بالأول وهكذا.ورد في فتوى لدار الإفتاء المصرية:[وإذا حصلت الضرورةُ فيُمكِن عملُ طوابق في داخل القبر الواحد، لو هناك متسع إن أمكن،أو تغطيةُ رفاة الميت القديم بقَبْو مِن طوبٍ أو من حجارةٍ لا تَمَسَّ جسده أو عظامه ثم يوضع على القَبْو الترابُ ومن ثمَّ يتمُّ دفَن الميتِ الجديد فوقَه]
وقال مفتي مصر سابقاً الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل:[وأما بناء المقبرة من طابقين:فإن من سنن الحياة التغير والتطور في كل شيءٍِ، ومنها المقابر، فقد لاحقها التطورُ أيضاً، فبعد أن كانت تُبنَى باللَّبـِن أصبحت تُبنَى بالآجُرّ، وعند الضرورة لا مانعَ من بنائها من طابقين شريطةَ أن يكون السُّفْليُّ منه بعمقٍ تحت الأرض، والعُلْويّ يُغطَّى بالتراب حتى منتصفه، ولا يظهر منه فوق الأرض إلا مقدار شبرٍ حتى يَمْتَصَّ الطابقان رطوبةَ جسد الميت بعد دفنه، ولا يتأتى ذلك إلا بتعميق هذه المقبرة وبنائها تحت سطح الأرض.]
(3) طمرُ المقبرةِ كلِّها بعد مدة البلاء، فإذا صارت عظام الأموات رميماً وتراباً، كأن يكون قد مضى على دفن آخر ميت دُفن في المقبرة خمسة عشر عاماً، فيجوز حينئذٍ طمرُ المقبرة كلها، ومن ثم إعادةُ الدفن فيها من جديدٍ.
وهذه الصور الثلاث التي ذكرتها تعتبر من باب الضرورة التي تبيحُ الدفن بهذه الطرق، والضرورة تقدر بقدرها،ولا يجوز استخدامُها في حال السعة والاختيار.قال الله سبحانه وتعالى:

{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} سورة الأنعام الآية 119.

وخلاصة الأمر أن الأصلَ المقررُ شرعاً هو دفنُ كلِّ مسلمٍ مُتوفى في قبرٍ خاصٍ به، كما دلت عليه السنةُ النبويةُ ويكون القبرُ في باطنِ الأرض، ولا يُرفع إلا بنحو شبرٍ.
وأن المسلم محترمٌ حياً وميتاً وكسرُ عظمِ المؤمن ميتاً مثل كسره حياً في الإثم.
وأن من أسباب امتلاء المقابر البناءُ على القبور،وهذا يحولُ دون الدفنِ فيها مستقبلاً إذا احتيج لذلك، لذا أرى هدم كل الأبنية على القبور لمخالفتها للشرع.
وأن امتلاء المقبرة وعدم إمكانية إنشاء مقبرةٍ جديدةٍ لضيق الأراضي ومصادرة الاحتلال لأراضي البلدة،يعتبر حالةَ ضرورةٍ، تجيزُ الخروج عن الأصل المقرر شرعاً في الدفن.
وأن الحلولَ الموافقة للشرع لمشلكة إمتلاء المقبرة في نظري ثلاثةٌ:
استعمالُ القبور القديمة والتي بليَ الأمواتُ فيها وصاروا تراباً.
يجوز جعلُ القبر طابقين أو أكثر،ويكون ذلك تحت الأرض وليس فوقها.
طمرُ المقبرة كلها بعد مدة البلاء، فإذا صارت عظام الأموات رميماً وتراباً كأن يكون قد مضى على دفنِ آخر ميتٍ دُفن فيها خمسة عشر عاماً، فيجوز حينئذٍ طمرُ المقبرة كلها، ومن ثم إعادةُ الدفن فيها من جديدٍ.
والله الهادي إلى سواء السبيل

تكريم الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانة في التميز في البحث العلمي

كرّمت جامعة القدس : الإثنين، 04 كانون2/يناير 2016 ثلةً من الباحثين ممثلين عن كليات الجامعة، على رأسهم صاحب مبادرة علوم الأعصاب الفلسطينية ومؤسس مختبر علوم الأعصاب الإدراكية في الجامعة د. محمد حرز الله، فيما كرّمت المساهمين في انجاح نشاطات الإبداع والتميز في الجامعة، وكذلك مجموعة من الطلبة الباحثين، وذلك برعاية مجلس الجامعة ممثلاً بالأستاذ الدكتور عماد أبو كشك رئيس الجامعة، وبحضور عدد من أساتذة الجامعة والضيوف والمهتمين.

وهدف التكريم لإبراز دور الطلاب والجيل الشاب في بناء البنية التحتية للبحث العملي”، وذلك في إطار اهتمام الجامعة بالبحث العلمي والباحثين، وتقديراً للباحثين من مدرسين وطلبة، باعتبارهم ثروة الجامعة التي تبني لأجيال مستقبل فلسطين.

وقال عميد البحث العلمي د.معتز قطب” نحتفل اليوم من أجل تنشيط وتشجيع التواصل والبحث العلمي، فتم اختيار ممثلين عن الكليات بالتعاون مع العمداء بناءً على النشاط البحثي الحاضر من أجل تحقيق الهدف المعلن وهو التواصل والسمو لحاضر ومستقبل البحث العلمي في جامعة القدس”.

وأثنى رئيس جامعة القدس أ.د.عماد أبو كشك بجهود الباحثين الأساتذة والطلبة، مؤكداً على أهمية العمل من خلال فريق واحد في إطار شبكة بحثية لخلق بيئة بحثية متكاملة.

وقال: “إننا اليوم بأمس الحاجة لعمل نهضة إقتصادية، لذلك توجهت الجامعة للبحث عن طرق خلاقة وربطها بالتنمية، من خلال خلايا بحثية تتكون من باحثين متميزين على مستوى العمل البحثي الجماعي للخروج بنتائج إيجابية للمجتمع”.

وأكد أبو كشك إن هذا التكريم بمثابة دعم وتحفيز لهؤلاء الباحثين، ولباحثين آخرين لدفع عجلة التنمية في الجامعة والمجتمع.

وكرَّم رئيس الجامعة أ.د.عماد أبو كشك، ونائبه لشؤون الاتصال والتنمية أ.د.حسن دويك، ونائبه للشؤون الأكاديمية د.حنا عبد النور، مجموعة الباحثين على النحو التالي:

أ.د حسام الدين عفانة – مرشح كلية الدعوة وأصول الدين

وأ.د. مشهور عبد الرحمن الحبازي- مرشح كلية الآداب

د. ابراهيم عوض- مرشح كلية الأعمال والاقتصاد

و د. عمر طالب الريماوي – مرشح كلية العلوم التربوية

ود.موسى الدويك – مرشح كلية الحقوق

ود. عبد العزيز ثابت – مرشح كلية الصحة العامة غزة

ود.صالح ابو لافي – مرشح كلية الصيدلة

د. فؤاد الريماوي – مرشح كلية العلوم

ود.زيدون صلاح – مرشح كلية القدس-بارد

و د.حاتم التميمي – مرشح كلية كلية القرآن والدراسات الاسلامية

و د.أكرم خروبي – مرشح كلية المهن الصحية

ود.عبد العزيز القنطار – مرشح كلية الهندسة

ود.الهام الخطيب – مرشحة كلية طب الأسنان.
وتم تكريم الذين ساهموا في انجاح نشاطات التميز والابداع في جامعة القدس، د. عبد الله كمال – كلية العلوم، ود.سمير عبد اللطيف محمود البرغوثي – كلية المهن الصحية، ود. محمد حجوج – كلية المهن الصحية.

والطلبة: هنادي عطيه – كلية العلوم، وأحمد الكسواني – طب الأسنان، والمجموعة البحثية – كلية الصيدلة.

بدوره علّق نائب رئيس الجامعة للبحث والتطوير والإبداع د. بديع السرطاوي قائلاَ،”إن الباحثين الشباب هم أملنا في بناء القدرات البحثية التي هي العمود الفقري للتطوير والتنمية”، مضيفاَ ” نحتفي بإنجاز لباحث من جيل الشباب الطموح الذي قرر أن يفتح آفاقاَ بحثية له ولطلبته في مجال علوم الأعصاب على المستوى الفلسطيني والعالمي”.

وتابع ” جاء التميز هنا من تميز المبادرة، وتميز الفكرة، وتميز الباحثين، وتميز علاقتها بالمجتمع الصحي الفلسطيني، مؤكداَ على أهمية تكرار هذا النمط من بناء فرق بحثية من طلابنا المتميزين بقيادة أعضاء الهيئة التدريسية المميزة المعطاءة.وأشار ألى أن الجامعة.

تعمل بكل جهودها في إدارة الجامعة لتوفير البيئة البحثية اللازمة إدراكا منها بما تمتلكه من قدرات ذهنية وأفكار تساعدنا على المضي قدما في تحقيق حلم الجامعة، معتبراً جامعة القدس رافعة للمجتمع من أجل الإبداع والإنتاج بهدف تشبيك الباحثين محلياً ودولياً واستقطاب الشراكات.

ولفت السرطاوي ألى أن هذا التكريم هو البداية، وسيتبعه تكريم آخر للباحثين المخضرمين والبنائين الأوائل امتداداً للباحثين الشباب كل في مجال تخصصه.

التوضيحُ والبيانُ في الردِّ على افتراءات يوسف زيدان

يقول السائل:

زعم الكاتبُ المصري يوسف زيدان أن المسجد الأقصى الموجود في مدينة القدس المحتلة، ليس هو المسجد الأقصى ذو القدسية الدينية الذي ذُكر في القرآن الكريم، والذي أسرى الرسولُ صلى الله عليه وسلم إليه، وأن ذلك مجرد خرافات ,والمسجد الأقصى في الجعرانة على طريق مدينة الطائف في السعودية، فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

قرأتُ وسمعتُ ما قاله يوسف زيدان وتتبعتُ أقواله المنشورة على عددٍ كبيرٍ من المواقع الألكترونية،حول قضية الإسراء والمعراج ومدينة القدس ومكان المسجد الأقصى وتاريخ بناءه، ولا يتسع المقام للردِّ عليه في كل ما قال، وسأكتفي بإبطال مزاعمه حول مكان المسجد الأقصى،فأقول:

أولاً: كلُّ ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى، ما هو إلا تكرارٌ لما قاله المستشرقون اليهود وغيرهم، فهو لم يأتِ بجديدٍ، وليس صحيحاً ما زعمه بعض المدافعين عن يوسف زيدان بأن [ما حاوله الرجل ولا يزال، طرح فكرة خرجت بعد الكثير الكثير من الدراسة. فنحن لا نتكلم هنا عن رجلٍ هاوٍ ولا عن رجلٍ يقلب بين صفحات قصة هنا وراوية هناك. نحن نتكلم عن رجل قدًّم للأدب العربي الحديث ما لم يقدمه أحد في هذه العقود الأخيرة. رجوعه التاريخي وتنقيبه بالمخطوطات والوثائق لا يستهان به ولا يوجد من ينافسه أو يقترب من فيه] 

فهذا الكلام أُكذوبةٌ كبرى تدل على جهل قائلها بالعلم وبالبحث التحقيق وبالتاريخ ، فكلام يوسف زيدان في هذه القضية مجرد اجترار لما قاله من سبقه من المشككين في مكان المسجد الأقصى، لا عن بحثٍ ولا عن كثير دراسةٍ ولا قليلها ولا يحزنون؟!

ثانياً: زعم يوسف زيدان أن المسجد الأقصى الحقيقي الذي ذُكر في القرآن يوجد بالجعرانة على طريق “الطائف”، وهذا الزعم سبقه إليه عددٌ من المستشرقين اليهود والأجانب وأفراخ المستشرقين، وكذا بعض المخدوعين بكلامهم من أدعياء العلم الباحثين عن الشهرة، ولو بنشر الأباطيل،حتى قال بعضهم إن المسجد الأقصى موجود في طور سيناء ؟! وغير ذلك من الترهات .

فالمستشرقون والباحثون اليهود شكَّكوا في مكانة وموقع المسجد الأقصى المبارك، فزعموا والزعمُ مطية الكذب، أن المسجد الأقصى يقع في مكانٍ يسمى الجعرانة قرب مكة المكرمة، وهذا ما زعمه الباحث اليهودي أهارون بن شيمش في تحريفه لمعاني القرآن الكريم، وكذا زعمه مردخاي كيدار مدير معهد دراسات الشرق الأوسط والإسلام في جامعة بار ايلان الإسرائيلية.

وكذلك الكاتب “يهودا ليطاني” في مقالٍ له في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بعنوان “معركة ذهنية حول المسجد الأقصى” زعم أن المسجد الأقصى يقع بالقرب من المدينة المنورة، وشكَّك في مقاله ” أن يكون المسجد الأقصى محل إجماع عند المسلمين أنه المسجد في القدس، وأضاف: والحق أن هناك تفسيرات إسلامية لعبارة المسجد الأقصى تجعله في مناطق أخرى من جملتها بقرب المدينة المنورة!!

وزعم بعض الباحثين اليهود أن المسجد الأقصى مسجدٌ في السماء، وليس هو الموجود في بيت المقدس، [جاء في “الموسوعة الإسلامية “ncyclopacdia of Islam ” والتي كتبها اليهودي” بوهل” تحت كلمة: AL-Kuds ما يأتي: ربما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظن أن المسجد الأقصى مكان في السماء “!!

ورجَّح بعد ذلك: “أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما فهم منذ البداية أن المسجد المذكور في الآية الكريمة إنما هو مكان في السماء، وليس المسجد الذي بُني فيما بعد في مدينة بيت المقدس”

ويقول إسحق حسون الباحث اليهودي، وعضو معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في الجامعة العبرية “إن علماء المسلمين لم يتفقوا جميعاً على أن المسجد الأقصى هو مسجد القدس،إذ رأى بعضهم أنه مسجد في السماء يقع مباشرة فوق القدس أو مكة”!!

وكتبت الباحثةُ اليهودية “حوا لاتسروس يافه” بحثاً أكدت فيه أن المسجد المذكور في آية الإسراء قد فُهم منذ البداية أنه مسجدٌ بعيدٌ قصيٌ سماوي! ولم يُقصد منه ذلك المسجد الذي لم يُقَم في القدس إلا زمن الأمويين.

ودعمت لاتسروس فكرتها بمقال كتبه “جوزيف هوروفيتش” حول الموضوع نفسه أكَّد فيه أن المسجد الذي عنته آية الإسراء، إنما هو مصلىً سماوي يقع في القدس السماوية العليا، وقال:”ينبغي أن نفهم أقوال مفسري القرآن الأقدمين على هذا النحو، حيث يُجمعون عادةً على أن المسجد الأقصى معناه بيت المقدس، وحسب رأيها فإنهم يقصدون القدس العليا، غير أن المصطلحات اختلطت على مرِّ الأجيال، وفُهم المسجد الأقصى الذي في القدس العليا على أنه موجود في القدس الحاضرة”.

وكذلك شكَّك باحثون يهود آخرون في مكانة المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين.انظر كتاب”الشيعة والمسجد الأقصى”ص 36 فما بعدها.

ثالثاً: إن ما قاله يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس، ما هو إلا تردادٌ لما قاله المستشرقون من قبله،أمثال المســتشرق المجري اليهودي”جولــد تســيهر” والمستشرق اليهودي ” غويتاين “وغيرهما من المستشرقين، فجميع أبحاث المستشرقين في دراساتهم المتعلقة بالمسجد الأقصى والقدس تؤكد أنه لم تكن هناك أي قداسةٍ لبيت المقدس في الإسلام، قبل حكم الخلافة الأموية لبيت المقدس، وأن الخليفة عبد الملك بن مروان قد بنى قبة الصخرة المشرفة ليصرف أنظار المسلمين عن الكعبة، وذلك بسبب ثورة ابن الزبير، وأن بناءه لقبة الصخرة المشرفة جاء ليكون مبنىً يحجُ إليه المسلمون، يُنافس الكعبةَ في مكة المكرمة، التي كانت آنذاك تحت سيطرة عبد الله بن الزبير، ولأن عبد الملك لم يُرِدْ أن يحجَّ رعاياهُ إلى منطقة التمرد، وأن عبد الملك قد منع الأمويين من أداء الحج في مكة .

وهذه الفرية من افتراءات المستشرق اليهودي “جولد تسيهر”: [ لقد مال الباحثون إلى الاعتقاد وبينهم “جولد تسيهر” أن عبد الملك قصد من إقامته المبنى – قبة الصخرة – إعداد مبنىً يحج إليه المسلمون ينافس الكعبة في مكة المكرمة التي كانت آنذاك تحت سيطرة خطرٍ هو عبد الله بن الزبير. إما لأن عبد الملك لم يُرد أن يحج رعاياه إلى منطقة التمرد، وإما لأن عبد الملك قد منع الأمويين من أداء شعائر الحج في مكة،وتفيد الروايات أن عبد الملك لم يكتفِ بإقامة (معبد) قبة الصخرة الضخم، بل وجنَّد من أجل هدفه هذا محدثين يروون الأحاديث عن النبي التي تُشيد بالصلاة في القدس، وفي الحرم، وقبة الصخرة على وجه الخصوص.إن أشهر تلك الأحاديث المنسوب إلى أبي هريرة الصحابي الذي يضعفه الكثيرون!؟ والمنسوب لآخرين كذلك، وهذا نصه:(لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) لقد انتشر هذا الحديث، وأحاديث أخرى متشابهة في المرويات الإسلامية،ولذلك يطلق على القدس والحرم، ثالث الحرمين. وهناك من يروي أن عبد الملك كان قد حاول في تلك الأيام أن يطور شعائر عبادة في الحرم، تُشبه تلك التي تقام في الكعبة، كالطواف غير أن طواف الصخرة من اليمين إلى اليسار ، على عكس الطواف في الكعبة، وعادات أخرى غدت بدعاً ]أدب فضائل المدن في دراسات المستشرقين اليهود ص 16.

ويعتقد المستشرق “غويتاين” أن الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الواقع سياسية، وإنما دينية.

ويزعم المستشرقون أن الأحاديث التي رويت في فضائل المسجد الأقصى وبيت المقدس وُجدت في فترةٍ متأخرةٍ، وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان،وأن جُلَّ الأحاديث هذه،هي من اختلاق محمد بن شهاب الزهري.وغير ذلك من الأكاذيب والمفتريات والمغالطات.

رابعاً: إن المشككين في مكانة ومكان المسجد الأقصى المبارك من الباحثين والمستشرقين اليهود والأجانب وأتباعهم كيوسف زيدان قد اعتمدوا على مراجع غير موثوقة،كما في زعمهم أن المسجد الأقصى في السماء،فقد اعتمدوا على مصادر شيعيةٍ غير موثوقةٍ بحالٍ من الأحوال، ولا تعتمد صحة الأسانيد، وإنما مجرد سردٍ للأخبار من غير تدقيقٍ ولا تحقيقٍ كحاطبِ ليلٍ، ومن المعلوم أن مصادرَ الشيعة محشوةٌ بالأكاذيب والخرافات من غير زمامٍ ولا خطام.

وقد ألَّف أحدُ مراجع الشيعة، وهو جعفر مرتضى العاملي، كتاباً بعنوان (المسجد الاقصى أين؟) جاء فيه:[ لقد تبين لنا عدة حقائق بخصوص المسجد الأقصى، والذي يحسم الأمرَ أنه ليس الذي بفلسطين ] ونصَّ فيه على أن المسجد الأقصى مسجدٌ في السماء. وكذا ورد في تفسير الصافي للكاشاني عند تفسيره لآية الإسراء أن المسجد الأقصى في السماء.

وجاء في كتاب منتهى الآمال لعباس القمي ص70:[والمشهور على أن المسجد الأقصى هو بيت المقدس، ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أن المرادَ منه هو البيتُ المعمورُ الذي يقع في السماء الرابعة، وهو أبعد المساجد].

وورد نفس الكلام في تفسير العياشي وفي البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني وفي بحار الأنوار للمجلسي وفي الكافي للكليني، وغيرها من مراجع الشيعة.

كما اعتمد الذين زعموا أن المسجد الأقصى في الجعرانة على رواياتٍ ذكرها المؤرخون كالواقدي في كتابه المغازي والأزرقي في تاريخ مكة المكرمة وغيرهما، وقد أساؤوا فهمها إما عمداً أو جهلاً بلغة العرب وبالأمكنة التاريخية، فقد روى الأزرقي بسنده عن [زياد بن محمد بن طارق أخبره أنه اعتمر مع مجاهد من الجعرانة، فأحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة قال: ومن ههنا أحرم النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأعرف أول من اتخذ المسجد على الأكمة، بناه رجل من قريش سمَّاه، واشترى بمالٍ عنده نخلاً، فبنى هذا المسجد. قال ابن جريج: فلقيت أبا محمد بن طارق فسألته فقال: اتفقتُ أنا ومجاهد بالجعرانة، فأخبرني أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بالجعرانة، قال: وأما هذا فإنما بناه رجلٌ من قريش. وذكر الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، وكان مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالجعرانة، فأما الأدنى فبناه رجل من قريش].

وقال أبو الطيب المكي الحسني الفاسي:[ ونقل ابن خليل عن ابن جريج أن الرجل الذي بنى المسجد الأُديني هو عبد الله بن خالد الخزاعي.] شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام1/384.

وقال د. حسين الشافعي:[ورد ذكر مسجدين في الجعرانة ، أحدهما بالعدوة القصوى من الوادي في موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم،والثاني بالعدوة الدنيا من الوادي، بناه عبد الله بن خالد الخزاعي] المساجد الأثرية في مكة وما حولها ص 41.

ومن المعلوم في السيرة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة عندما اعتمر، وفيها المسجد الذي صلّى فيه، وأحرم منه عند مرجعه من الطائف بعد فتح مكة، ويقع هذا المسجد وراء الوادي بالعدوة القصوى، ويُعرف بالمسجد الأقصى، لوجود مسجدٍ آخر بُني من قبل أحد المحسنين يعرف بالمسجد الأدنى.

والمراد بالعدوة ضفة الوادي وشاطئه، والوادي له عدوتان قصوى ودنيا، كما قال الله تعالى في قصة غزوة بدر:

{إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى}

سورة الأنفال الآية 42

[قال عكرمة:العدوة الدنيا:شفير الوادي الأدنى،والعدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى] الدر المنثور 4/73.

وبهذا يظهر لنا جلياً أن المسجد الأقصى بالجعرانة إنما سُمِّي كذلك من باب ما يقابله وهو المسجد الأدنى، ولا علاقة لذلك بالمسجد الأقصى المبارك بالقدس، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ.وإن حمل النصوص الواردة في المسجد الأقصى المبارك، على مسجد الجعرانة هو تماماً كما أوَّلَ الشيعةُ قول الله تعالى تأويلاً باطلاً:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}قال الشيعة البقرة هي عائشة؟؟!!

وخلاصة الأمر أن ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى ما هو إلا تكرارٌ لما قاله المستشرقون اليهود وغيرهم، فهو لم يأت بجديدٍ وإنما هو تقليدٌ أعمى لمقولات المستشرقين.

وأن أباطيل المستشرقين وأفراخهم حول مكان وجود المسجد الأقصى كقولهم إنه في الجعرانة أو في طور سيناء أو بالقرب من المدينة المنورة أو في السماء، كلها تُرهاتٍ لا تثبت عند أي نقاشٍ علميٍ.

وأن مقولة يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس،ما هو إلا اجترارٌ لما قاله المستشرقون من قبله، وعمدتُهم في ذلك أكاذيبٌ ومفترياتٍ ومغالطاتٍ.

وأن كل المشككين في مكان المسجد الأقصى المبارك من الباحثين والمستشرقين اليهود والأجانب وأتباعهم كيوسف زيدان قد اعتمدوا على مراجع غير موثوقة،واعتمدوا على مصادرَ شيعيةٍ غير موثوقةٍ بحالٍ من الأحوال، ولا تعتمد صحة الأسانيد، وإنما مجرد سردٍ للأخبار من غير تدقيقٍ ولا تحقيقٍ كحاطبِ ليلٍ، وأن مصادرَ الشيعة محشوةٌ بالأكاذيب والخرافات من غير زمامٍ ولا خطام.

والله الهادي إلى سواء السبيل

إصدار جديد للأستاذ الدكتور حسام الدِّين عفانة

صورة (3)

صدر عن دار البشائر الإسلامية في بيروت / لبنان “ رسالةٌ في حُكمِ صلاةِ الجنازة في المسجد الأقصى المبارك
للشيخ العلامة إبراهيم بن علاء الدين بن أحمد الفِتْيَانِي الحنفي، المقدسي المتوفى سنة 1025هـ وفق سنة 1616م
قدَّم لها وحققها وعلَّق عليها الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة، أستاذ الفقه والأصول في كلية الدعوة وأصول الدين جامعة القدس.
وقد ورد في مقدمة المحقق ما يلي:[ لا تخفى المكانة العظيمة التي تحظى بها مدينة القدس خاصةً وفلسطين عامةً في نفوس المسلمين ، فهذه البلاد المباركة شهدت معجزة الإسراء والمعراج قال الله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} سورة الإسراء الآية 1.

وقد ربط النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى في قوله صلى الله عليه وسلم:( لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى ) رواه البخاري ومسلم.

وأخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي زمانٌ يتمنى المرءُ رؤيةَ المسجد الأقصى المبارك؛ فقد ورد في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال:(تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل أمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بيت المقدس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه،ولنِعمَ المُصلَى هو، وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه – حبلُ الفرس- من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس، خيرٌ له من الدنيا جميعاً)رواه الطبراني والطحاوي والبيهقي والحاكم.وصححه الشيخ الألباني،بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى.]

رُؤيةٌ شرعيةٌ في عملِ المرأةِ مأذوناً شرعياً

يقول السائل: ما قولكم في تولي المرأةِ وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:

ليس في فقهنا الإسلامي وظيفة مأذونٍ شرعيٍ،وإنما أُحدثت هذه الوظيفة بعد القرن الخامس الهجري على قول بعض الباحثين، وفي زماننا أصبحت وظيفة المأذون الشرعي متفرعةً عن القضاء الشرعي، فالقاضي الشرعي هو الذي يكلف المأذون الشرعي بكتابة وتوثيق عقود النكاح، وتسجليها في المحكمة الشرعية.

ورد في قانون الأحوال الشخصية المعمول به في الضفة الغربية: [ المادة 17:
(أ) يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه لإجراء العقد.
(ب) يجري عقد الزواج من مأذون القاضي بموجب وثيقة…وكل مأذونٍ لا يُسجل العقدَ في الوثيقة الرسمية بعد استيفاء الرسم يعاقب بالعقوبتين المشار إليهما في الفقرة السابقة مع العزل من الوظيفة.
(هـ) يُعينُ القاضي الشرعي مأذونَ عقود الزواج بموافقة قاضي القضاة، ولقاضي القضاة إصدار التعليمات التي يراها لتنظيم أعمال المأذونين.]

ومن المعلوم أنه لا بد من توثيق عقود النكاح وتسجليها في المحكمة الشرعية من باب حفظ الحقوق، وخاصة حق المرأة.وأرى أن تسجيلَ عقد الزواج في المحاكم الشرعية واجبٌ شرعاً، فيجب كتابة عقد الزواج خطياً وتسجيله في المحاكم الشرعية، ولا يُكتفى بالإيجاب والقبول الشفويين، كما أنه لا يُكتفى بكتابة ورقةٍ ولو كان ذلك بحضور الولي والشهود، لأن في كتابة عقد الزواج وتسجيله في المحاكم الشرعية تحقيقٌ لمصالح عظيمة للناس، وفيه محافظةٌ على حقوق المتزوجين، وتسجيل الزواج بوثيقةٍ رسميةٍ يجب من باب سد الذرائع المؤدية للفساد بضياع الحقوق، ولما في التسجيل من إثباتٍ للزوجية القائمة بين الزوجين، وثبوتِ نسب الأولاد، وحفاظاً على بناء الأسرة في المجتمع المسلم على أساسٍ سليمٍ وقويٍ، وقواعد الشرع العامة توجب التسجيل.

ثانياً:

عملُ المأذون الشرعي هو كتابةُ وتوثيقُ عقود النكاح وتسجليها في المحكمة الشرعية،ولا يتولى التزويج،وإنما يُلقنُ الوليَ والزوجَ عباراتِ الإيجاب والقبول،ويتأكد من رضا المرأة وقَبولها بالزوج.ويتأكد من وجود الزوجين الخاليين من الموانع الشرعية لصحة العقد،ويتأكد من شخصية الشهود وتوثيق شهادتهم،ويوثق تسمية المهر ومقداره، المعجل والمؤجل،وهل استلمته الزوجة أو ليها أم لا،ويسجل الشروط الخاصة إن وجدت.ومن عمل المأذون الشرعي أيضاً إلقاءُ خُطبة النكاح.

ثالثاً:

إذا تقرر هذا فإن توليَ المرأة وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ،مسألةٌ شرعيةٌ مستجدةٌ، حيث لم يرد فيها كلامٌ للفقهاء المتقدمين، فلا بدَّ من عرضها على الأصول الشرعية ، وعلى مقاصد الشريعة الإسلامية لمعرفة حكمها.
وبعد إجالة النظر والفكر في هذه المسألة يظهرُ لي أن توليَ المرأةِ وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ يتعارض مع الأصول الشرعية، ويناقض مقاصد الشريعة الإسلامية، ويترتب عليه مفاسدُ عديدةٌ، ويظهر ذلك فيما يلي:

(1) عمل المرأة كمأذونٍ شرعيٍ لا بدَّ فيه من اختلاطها بالرجال، وحضور مجالسهم، والكلام معهم، والأخذ والرد، وغير ذلك، وهذا لا يجوز شرعاً في حق المرأة،لأنه يُفضي الى ما حرم الله تعالى،ولا شك أن الاختلاط من أعظم المفاسد التي ابتلي بها الناس في هذا الزمان. ومن المعروف في مجتمعنا أن الذين يحضرون عقد النكاح هم الرجال في الغالب، وستكون المرأة (المأذون الشرعي) بينهم. ويترتب على الاختلاط مفاسد كثيرة .
قال الشيخ ابن العربي المالكي:[فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرُز إلى المجالس،ولا تُخالط الرجالَ ، ولا تُفاوضهم مفاوضةَ النظيرِ للنظير،لأنها إن كانت فتاةً حَرُم النظرُ إليها وكلامُها، وإن كانت مُتَجَالَّةً – عجوزٌ كبيرةٌ – بَرْزَةً – امرأةٌ بَرْزَةٌ: جَليلةٌ – لم يجمعها والرجالَ مجلسٌ تزدحم فيه معهم، وتكون مَنْظَرَةً لهم – ما يقعُ عليه النَّظرُ -، ولم يفلح قط مَنْ تصور هذا، ولا من اعتقده ]

أحكام القرآن 6/213.

(2) عملُ المرأة كمأذونٍ شرعيٍ لا بدَّ فيه من النظر إليها باستمرار،وبالتالي لا يمكن غض البصر المأمور به شرعاً، فإن الإسلام حرم النظر إلى المرأة الأجنبية من غير سببٍٍ مشروعٍ،قال تعالى:

{قل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}

سورة النور الآيتان 30-31.

والأمر يقتضي الوجوب.

والرسول الله صلى الله عليه وسلم قد حثَّ المسلمَ على أن يصرف بصرَه إذا وقع على امرأةٍ أجنبيةٍ، فقد ثبت في الحديث عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة ،فقال:اصرف بصرَك)

رواه مسلم .

وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

( يا علي، لا تتبع النظرةَ النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة )

رواه أحمد وأبو داوود والترمذي ،وهو حديثٌ حسنٌ كما قال العلامة الألباني.
وما هو الحال لو كان المأذون الشرعي ( المرأة ) شابةً جميلةً، فلا شك أنها ستفتن الرجال بكلامها وهيئتها وجلوسها معهم.والأدلة على تحريم هذه الأمور كثيرة.

(3) إن ما جرى عليه العرفُ العام في بلادنا أن إبرام عقود النكاح إنما هو من اختصاص الرجال، ولا علاقة للنساء به،وصار هذا الأمرُ معروفاً ومعمولاً به في كثيرٍ من بلاد المسلمين أيضاً، فيكون له من قوة الثبوت، قوة الثابت بدليلٍ شرعي، لأن العرفَ معتبرٌ شرعاً فيما لا يخالفُ النصَّ، كما هو مذهب كثيرٍ من العلماء، قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:
والعُرف في الشرع له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار
انظر نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف، رسائل العلامة ابن عابدين 2/112.

(4) ذكرتُ أن المأذون الشرعي يقوم بإلقاء خُطبة النكاح، وستقوم المرأةُ ( المأذون الشرعي )بإلقاء الخُطبة وسط الرجال،وترفع صوتها بين الرجال،ويصوبون النظر إليها،وهو أمرٌ منكرٌ عند كثيرٍ من أهل العلم.وقد منع جمهور الفقهاء على سبيل التحريم المرأةَ أن تؤذن لما في الأذان من رفع الصوت،ولما في ذلك من التعرض للفتنة،وقد ورد في الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُّ على الرجال من النساء)

رواه البخاري ومسلم.

(5) إذا طلب أهلُ الزوجين من المأذون الشرعي ( المرأة ) عقدَ النكاح في المسجد، وكان المأذون الشرعي ( المرأة ) حائضاً أو نفساء، فتُمنعُ من دخول المسجد كما هو قول جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.

(6) إن تولي المرأة وظيفة مأذونٍ شرعي يقتضي الذهاب إلى بيوت الناس وخروجها من بيتها ، وقد يكون ذلك في أوقاتٍ متأخرةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، وسيكون ذلك على حساب زوجها وأولادها وبيتها.

(7) يرى من أجاز أن تكون المرأة مأذوناً شرعياً ،أن ذلك بناءً على قول الحنفية بانعقاد النكاح بعبارتها،ومن المعلوم أن مذهب جمهور الفقهاء أن النكاح لا ينعقد بعبارة المرأة، والحنفية عندما أجازوا ذلك قالوا:

[ يستحبُ للمرأة تفويضُ أمرِها إلى وليها كي لا تُنسب إلى الوقاحة]

رد المحتار 9/345.

(8) إن القول بأن تولي المرأة وظيفة مأذونٍ شرعي، ما هو إلا فرعٌ عن توليها القضاء، قولٌ مردودٌ بردِّ أصله، لأن منصب القضاء الشرعي من الولايات العامة التي لا يجوز شرعاً للمرأة أن تتولاها، كما هو مقرر عند جماهير أهل العلم الذين لا يجيزون للمرأة أن تتولى القضاء،وإن أبى ذلك الذين يدَّعون مناصرة قضايا المرأة، ،وقد قامت على ذلك أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها، ولكن أذكر أهمها:
قال الله تعالى:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}

سورة النساء الآية 34.وهذه الآية عامةٌ حيث إن (أل) تفيد الاستغراق، فتشمل كل النساء والرجال في جميع الأحوال، ومن المقرر عند الأصوليين أن العامَّ يبقى على عمومه حتى يأتي ما يُخصصه، ولم يوجد مخصصٌ لهذا العموم. انظر إرشاد الفحول ص 14.
ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن أبى بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهلَ فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال:( لن يُفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأةً )، فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من أسباب عدم الفلاح تولي المرأة للولايات العامة، والقضاءُ داخلٌ فيها، فإن قال قائل إن هذا الحديث ورد في حادثةٍ خاصةٍ، فنقول إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين.
قال الأمير الصنعاني عند شرحه للحديث السابق:[ فيه دليلٌ على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقومها توليتها، لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجبٌ] سبل السلام 4/96.
ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء ما ورد في الحديث عن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

( القضاة ثلاثةٌ، واحدٌ في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجلٌ عرف الحق فقضى به، ورجلٌ عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار)

رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم 2315.

وهذا الحديث يدل دلالةً واضحةً على اشتراط كون القاضي رجلاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر القضاة بيَّنَهم بقوله:رجلٌ في الحالات الثلاث، قال ابن تيمية الجد :[ وهو – أي الحديث – دليلٌ على اشتراط كون القاضي رجلاً] وقال الشوكاني:[ واستدل المصنف أيضاً على ذلك بحديث بريدة المذكور في الباب لقوله فيه ( رجلٌ ورجلٌ)، فدلَّ بمفهومه على خروج المرأة ]

نيل الأوطار 4/112.

ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء أنه لم يثبت في تاريخ الإسلام، وعلى مدى هذه القرون المتطاولة أن تولت امرأةٌ القضاءَ، فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من خلفاء المسلمين، لا في عهد الراشدين، ولا الأمويين، ولا العباسيين، ولا غيرهم أنهم ولوا امرأةً القضاء، ولو حصل لنُقل، قال الإمام القرافي:[ ولذلك لم يُسمع في عصرٍ من الأعصار أن امرأةً وليت القضاء، فكان ذلك إجماعاً، لأنه غير سبيل المؤمنين ] الذخيرة 10/22.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ولهذا لم يول النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من خلفائه، ولا مَنْ بعدهم امرأةً قضاءً، ولا ولاية بلدٍ فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً ] المغني 5/34. وهنالك أدلة أخرى فصلتها في حلقة سابقة من ” يسألونك”
(9) إن الادعاء بأن تولي المرأة وظيفة مأذونٍ شرعي، ما هو إلا من باب نيل المرأة لحقوقها، وأنه من باب مساواة المرأة للرجل، ما هو إلا كذبٌ وافتراءٌ على دين الله عز وجل،فإن الدعوة إلى مساواة المرأة مع الرجل باسم التقدم والحضارة والانعتاق من التفسيرات الدينية المتشددة البالية التي تحطُّ من شأن المرأة كما زعموا، ونحو ذلك من الشعارات الخدَّاعة ما هي إلا أكذوبةٌ كبرى يسوقها أدعياءُ تحرير المرأة.

ولاشك أن الله جل جلاله قد خلق الذكر والأنثى وبينهما تفاوتٌ في مجالاتٍ عدة، ومنها تفاوتٌ وعدم تساوٍ في بعض الأحكام الشرعية، كما قال سبحانه وتعالى:

{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}

سورة آل عمران الآية 36

فليست الأنثى كالذكر في كل الأمور، فهنالك فوارقُ واضحةٌ في الخِلقَة الطبيعية، وكذلك في الأحكام الشرعية بين الذكر والأنثى، فالمرأةُ تختلف عن الرجل في أحكامٍ تتعلق بالصلاة والصيام والحج والنفقات والديات وولاية الحكم وغيرها،والتفريقُ بين الذكر والأنثى مقررٌ في شريعتنا وفي الشرائع السابقة، وحتى في الأنظمة الوضعية، فالدعوة إلى مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء، كذبٌ وافتراء على دين الإسلام، قال الله تعالى:

{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}

سورة القلم الآية 14

وقال الله تعالى:

{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}

سورة النساء الآية 32.

والهدفُ الحقيقيُ من الدعوة إلى تولي المرأة القضاء وتوليها وظيفة مأذونٍ شرعي، ليس هو الحرص على أحكام الإسلام وتطبيقها، وإنما التساوق مع الدعوات التغريبية، وإخراج المرأة من بيتها باسم الدِّين.
(10) لا شك لديَّ أن فتح باب تولي المرأة وظيفة مأذونٍ شرعي، ما هو إلا فتحٌ لبابِ شرٍ مستطيرٍ، وفتحٌ لأبواب الفساد، ومدخلٌ من مداخل الشيطان، بل هو من خطوات الشيطان إلى الحرام، وذريعةٌ للفتنة والفساد، ومن المعلوم أن من قواعد الشريعة سدُّ الذرائع المفضية إلى الفساد، وقاعدة سدِّ الذرائع من القواعد المقررة شرعاً، ويدل عليها قوله تعالى:

{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}

سورة الأنعام الآية 108. وقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}

سورة البقرة الآية 104.

وما ثبت في السنة النبوية

( أن النبي صلى الله عليه وسلم كفَّ عن قتل المنافقين، لأن قتلهم ذريعةٌ لأن يُقال إن محمداً يقتلُ أصحابه)

رواه البخاري ومسلم.

وخلاصة الأمر أنه ليس في فقهنا الإسلامي وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ، وأنها وظيفةٌ محدثةٌ. وأنه لا بدَّ من توثيق عقود النكاح وتسجليها في المحكمة الشرعية من باب حفظ الحقوق.وأن تسجيل عقد الزواج في المحاكم الشرعية واجبٌ شرعاً
وأن توليَ المرأة وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ،مسألةٌ شرعيةٌ مستجدةٌ،لم يرد فيها كلامٌ للفقهاء المتقدمين، فلا بدَّ من عرضها على الأصول الشرعية وعلى مقاصد الشريعة الإسلامية لمعرفة حكمها.
وأنه بعد إجالة النظر والفكر في هذه المسألة يظهرُ لي أن تولي المرأة وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ يتعارض مع الأصول الشرعية، ويناقضُ مقاصد الشريعة الإسلامية،وبناءً عليه فلا يجوز شرعاً توليَ المرأة وظيفةَ مأذونٍ شرعيٍ لما يترتب عليه من المفاسد العديدة التي بينتها.
والله الهادي إلى سواء السبيل