قِرَاءةُ القُرآنِ الكريمِ بين التَّرتيلِ والهَذْرَمَةِ

يقول السائل: ما قولكم فيمن يزعمُ أن بعض العُبَّادِ قرأَ القرآنَ الكريمَ كلَّهُ في مقدارِ خُطبةِ الخطيبِ يومَ الجمعة، أرجو تبيين حكم قراءةِ القرآنِ الكريمِ كاملاً في ساعاتٍ قليلةٍ، كما نشرت وسائلُ التواصلِ الاجتماعي أن شخصاً قرأَ القرآنَ الكريمً كاملاً غيباً في مجلسٍ واحدٍ في سبعِ ساعاتٍ، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: أبينُ معنى الترتيلِ والهَذْرَمَةِ، أما الترتيلُ فقد قال الله سبحانه وتعالى:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} سورة المزمل الآية 4، قال الإمام الطبري:[وبين القرآن إذا قرأته تبيينا، وترسل فيه ترسُّلاً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.] تفسير الطبري. والترسُّل يعني تلاوتهُ بالتأني والتمهُّل، أي نقرأُ بالترسُّلِ والنطق بالحروف مفسَّرةً واضحةً.

ومعنى الترتيلُ اصطلاحاً هو: قراءةُ القرآنِ الكريمِ قراءةً صحيحةً من حيث مخارجِ الحروف وأحكام التجويد.

وقد جعل بعضُ القُرَّاءِ الترتيلَ مرتبةً من مراتبِ تجويدِ القرآن الكريم التي هي: الترتيلُ، والتدويرُ، والْحَدَرُ، فالْقِرَاءَةُ بالتجويد عندهم تشملُ هذه المراتب الثلاث، والقارئُ للقرآنِ مطلوبٌ منه شرعاً أن يقرأ القرآنَ مجوداً بإحدى هذه المراتب.

وقال آخرون من القُرَّاءِ إن الترتيلَ ينتظمُ ثلاثَ مراتبَ وهي: الْحَدَرُ والتحقيقُ والتدويرُ -التوسُّطُ بينهما-، فالترتيلُ ليس مرتبةً منها، وليس قسيماً لها، بل كلٌّ منها يصدقُ عليها أنَّه ترتيلٌ، فالقرآنُ الكريم يُقرأُ بالترتيلِ، فإذا نشطَ القارئُ فقد يقرأُ بشيءٍ من السرعةِ، وهذا هو الْحَدَرُ. وقد يقرأُ برَويةٍ يُقَوِمُ الألفاظَ ويُتقنُ الْقِرَاءَةَ، وهذا هو التحقيقُ. وقد يقرأُ بين المرتبتين السابقتين، وهو ما يسمَّى بالتدوير، فالترتيل-جهرًا-ثلاثُ مراتب:(1)التحقيق: وهو الْقِرَاءَةُ بتؤدةٍ وطمأنينةٍ وتمهلٍ -بقصد التعليم- مع تدبرِ المعاني ومراعاةِ الأحكام. قال ابن الجزري: [وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَاوَزَ فِيهِ إِلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ] النشر في القراءات العشر ١/٢٠٥.

(٢)الْحَدَرُ: وهو الْقِرَاءَةُ بسرعةٍ مع مراعاةِ الأحكامِ. قال ابن الجزري: [فَالْحَدَرُ يَكُونُ لِتَكْثِيرِ الْحَسَنَاتِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَحَوْزِ فَضِيلَةِ التِّلَاوَةِ، وَلْيَحْتَرِزْ فِيهِ عَنْ بَتْرِ حُرُوفِ الْمَدِّ، وَذَهَابِ صَوْتِ الْغُنَّةِ، وَاخْتِلَاسِ أَكْثَرِ الْحَرَكَاتِ، وَعَنِ التَّفْرِيطِ إِلَى غَايَةٍ لَا تَصِحُّ بِهَا الْقِرَاءَةُ، وَلَا تُوصَفُ بِهَا التِّلَاوَةُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّرْتِيلِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ: هَذَا كَهَذِّ الشِّعْرِ، الْحَدِيثَ.] المصدر السابق ١/٢٠٧.

(٣) التدوير: وهو الْقِرَاءَةُ بحالةٍ متوسطةٍ -بين التحقيقِ والْحَدَرِ- مع مراعاة الأحكام، قال ابن الجزري: [وَأَمَّا التَّدْوِيرُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ عَنْ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ رَوَى مَدَّ الْمُنْفَصِلِ وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهِ إِلَى الْإِشْبَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْقُرَّاءِ وَصَحَّ عَنْ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تَنْثُرُوهُ -يَعْنِي الْقُرْآنَ- نَثْرَ الدَّقَلَ وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ.] المصدر السابق ١/٢٠٧. وانظر صفحات في علوم القُرَّاءات ص 194.

وأما الهَذْرَمَةُ فهي سرعةُ الكلامِ والقِرَاءةِ، وفي قراءةِ القرآنِ الكريمِ يُعبِّرُ عامَّةُ العلماء عن الإفراطِ في الإسراعِ حالَ القِرَاءةِ بلفظين: الهذِّ، والهَذْرَمَةِ؛ أمَّا الهذُّ؛ بالذال المعجمة مشدّدة؛ فهو سرعةُ القِراءةِ، يقال: هذَّ القرآنَ هذًّا، ويَهُذُّ الحديثَ هذًّا، أي: يسردُه كما في لسان العرب، قال الإمام النوويُّ: [وقد نُهيَ عن الإفراطِ في الإسراع، ويُسمى الهَذُّ] التبيان في آداب حملة القرآن ص 89.

ثانياً: الهديُ النبويُ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ هو الأصلُ الذي ينبغي الاقتداءُ به، لقوله تعالى :{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} سورة الأحزاب الآية 21. وقد روى الإمامُ البخاري عن قتادة قال: (سَأَلْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ، عن قِرَاءَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: كانَ يَمُدُّ مَدًّا)، وعَنْ قتادة قال: سأل أنسَ: كيف كانت قراءةُ النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مَدًّا ، ثم قرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} يمدُ ببسم الله، ويمدُ بالرحمن، ويمدُ بالرحيم.

وقَالَ عبد الله بن مغفل: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ وهو على ناقته، أو جمله، وهي تسيرُ به، وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ، أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ، قراءةً لينةً، يقرأُ وهو يُرجِّع) رواهن البخاري. والترجيعُ هو تقاربُ ضروبِ الحركاتِ في القراءة، وأصلهٌ الترديدُ، وترجيعُ الصوتِ ترديدهُ في الحَلْقِ، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 8/710. [فوصفَ قراءته بوصفين ينافيان قراءة أهل السَّردِ والهَذْرَمَةِ وهما: وصفها بكونها لينةً يترسلُ ويُشبِعُ الحروفَ، ووصفَ قراءَتهُ أيضاً بالترجيع، وهو تحسينُ الصوتِ بالتلاوة.] saleh-alshamrani.com/article/645

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا قرأَ يُقطّعُ قراءتَهُ، آيةً آيةً، بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ) رواه الترمذي وأبو داود والدراقطني واللفظ له، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود.

قال الزركشي مبيناً كيفية الْقِرَاءَةِ الصحيحة: [وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ على مكث ونزلناه تنزيلا}فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَنْ يُرَتِّلَهُ، وَكَمَالُ تَرْتِيلِهِ، تَفْخِيمُ أَلْفَاظِهِ وَالْإِبَانَةُ عن حروفه والإفصاح لجميعه بالتدبر حَتَّى يَصِلَ بِكُلِّ مَا بَعْدَهُ، وَأَنْ يَسْكُتَ بَيْنَ النَّفَسِ وَالنَّفَسِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ نَفَسُهُ، وَأَلَّا يُدْغِمَ حَرْفًا فِي حَرْفٍ، لِأَنَّ أَقَلَّ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بَعْضُهَا، وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَرْغَبُوا فِي تَكْثِيرِ حَسَنَاتِهِمْ، فَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ مِنَ التَّرْتِيلِ.

وَقِيلَ: أَقَلُّ التَّرْتِيلِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُبَيِّنُ مَا يَقْرَأُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْجِلًا فِي قِرَاءَتِهِ، وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهَا مَا لَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى التَّمْدِيدِ وَالتَّمْطِيطِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِكَمَالِ التَّرْتِيلِ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى مَنَازِلِهِ، فَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ تَهْدِيدًا لَفَظَ بِهِ لَفْظَ الْمُتَهَدِّدِ، وَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ لَفْظَ تَعْظِيمٍ لَفَظَ بِهِ عَلَى التَّعْظِيمِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ فِي التَّفَكُّرِ فِي مَعْنَى مَا يَلْفِظُ بِلِسَانِهِ، فَيَعْرِفَ مِنْ كُلِّ آيَةٍ مَعْنَاهَا وَلَا يُجَاوِزَهَا إِلَى غَيْرِهَا حَتَّى يَعْرِفَ مَعْنَاهَا، فَإِذَا مَرَّ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ وَقَفَ

عِنْدَهَا وَفَرِحَ بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، وَاسْتَبْشَرَ إِلَى ذَلِكَ وَسَأَلَ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ عَذَابٍ وَقَفَ عِنْدَهَا وَتَأَمَّلَ مَعْنَاهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْكَافِرِينَ، اعْتَرَفَ بِالْإِيمَانِ فَقَالَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَعَرَفَ مَوْضِعَ التَّخْوِيفِ، ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيذَهُ مِنَ النَّارِ…فَإِذَا فَعَلَ الْإِنْسَانُ هَذَا كَانَ قَدْ قَامَ بِكَمَالِ تَرْتِيلِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى آيَةٍ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا يَحْفَظُهَا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهَا مَنْ يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، لِيَكُونَ مُتَعَلِّمًا لِذَلِكَ طَالِبًا لِلْعَمَلِ بِهِ]البرهان في علوم القرآن 1/449-451.

وبناءً على ما سبق يكونُ القارئُ مقتدياً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وتكونُ قراءةُ القرآنِ الكريمِ على الوجهِ المأمورِ به، فهي التي تُورث القلبَ الإيمانَ العظيمَ، وتزيدهُ يقيناً وطمأنينةً وشفاءً، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 7/283.

وهكذا كان الصحابةُ رضوان الله عليهم يقرأون، فعَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: “قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ خَفِيفُ القِرَاءةِ أُهَذْرِمُهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ فَأُرَتِِّلُهَا وَأَتَدَبَرُهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ هَذْرَمَةً) رواه البيهقي في شعب الإيمان بإسنادٍ صحيحٍ. قال أبو عبيد: قوله: (هَذْرَمَةً) يعنى السرعة في القَرَاءةِ, وكذلك في الكلام] غريب الحديث 5/245.

وروى الإمام البخاري في صحيحه (جَاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ في رَكْعَةٍ، فَقالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتي كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقْرُنُ بيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ في كُلِّ رَكْعَةٍ.)

وهذا ما قرره العلماء، قال الإمام الشافعي: [قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} وَأَقَلُّ التَّرْتِيلِ تَرْكُ الْعَجَلَةِ فِي الْقُرْآنِ عَنْ الْإِبَانَةِ، وَكُلَّمَا زَادَ عَلَى أَقَلِِّ الْإِبَانَةِ فِي الْقِرَاءَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِيهَا تَمْطِيطًا. وَأُحِبُ مَا وَصَفْتُ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَنَا لَهُ فِي الْمُصَلِّي أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا مِنْهُ لِلْقَارِئِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ] كتاب الأم 1/132.

وقال أبو بكر الآجُرِّيُّ: [عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} قَالَ عَلَى تُؤَدَةٍ ” قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَالْقَلِيلُ مِنَ الدَّرْسِ لِلْقُرْآنِ مَعَ الْفِكْرِ فِيهِ وَتَدبرِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ, وَلَا تَفَكُّرٍ فِيهِ, وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ, وَالسُّنَّةُ وَقَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ] أخلاق أهل القرآن ص 169.

وقال الإمام النووي: [وَيُسَنُّ تَرْتِيلُ القِرَاءةِ: قَالَ الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} وَثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُرَتَّلَةً وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ الْإِفْرَاطِ فِي الْإِسْرَاعِ وَيُسَمَّى الْهَذُّ، قَالُوا: وَقِرَاءَةُ جُزْءٍ بِتَرْتِيلٍ أَفْضَلُ مِنْ قراءة جزءين فِي قَدْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ بِلَا تَرْتِيلٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالتَّرْتِيلُ مُسْتَحَبٌّ لِلتَّدَبُّرِ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجْلَالِ وَالتَّوْقِيرِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيلُ لِلْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَيُسْتَحَبُّ إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ الْعَذَابِ أَوْ مِنْ الشَّرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ تَنْزِيهٍ لله تعالى نزَّه فقال تبارك الله أو جلَّت عَظَمَةُ رَبِّنا وَنَحْوَ ذَلِكَ: وَهَذَا مُسْتَحَبُّ لِكُلِّ قَارِئٍ سَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَسَوَاءٌ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]المجموع 2/165.

وقال ابن الجزريّ: [وَالصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ أَنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدْبِيرَ مَعَ قِلَّةِ القِرَاءةِ أَفْضَلُ مِنَ السُّرْعَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا ; لِأَنَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقُرْآنِ فَهْمُهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ وَحِفْظُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعَانِيهِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَسُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأَ أَحَدَهُمَا الْبَقَرَةَ وَالْآخَرُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي الصَّلَاةِ وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَحْدَهَا

أَفْضَلُ. وَلِذَلِكَ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يُرَدِّدُ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ إِلَى الصَّبَاحِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ فَاتَّخِذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا. وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَقْرَأَ فِي لَيْلَتِي حَتَّى أُصْبِحَ (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَالْقَارِعَةُ) لَا أَزِيدُ عَلَيْهِمَا وَأَتَرَدَّدُ فِيهِمَا وَأَتَفَكَّرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَهُذَّ الْقُرْآنَ هَذًّا، أَوْ قَالَ: أَنْثُرُهُ نَثْرًا،] النشر في القُرَّاءات العشر 1/208.

وقال الشيخ ابن القيم: [فقراءةُ آيةٍ بتفكرٍ وتفهمٍ خيرٌ من قراءةِ ختمةٍ بغيرِ تدبرٍ وتفهمٍ، وأنفعُ للقلبِ وأدعى إلى حصولِ الإيمانِ وحلاوةِ القرآنِ] مفتاح دار السعادة 1/553.

ثالثاً: وما قرره الصحابةُ رضوان الله عليهم والعلماءُ من بعدهم من تركِ الهذرمةِ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ، والعجلةِ في ختمهِ في الوقتِ القصيرِ كما وردَ في السؤالِ، إنما فهموه من الهدي النبوي، ومن تنفيرِ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه.

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أيضاً قَالَ: (كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ. قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ. فَقَالَ لِي: ” أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ ” فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: “فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ” قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ “فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. وإن وَلِزَوْرِكَ عليك حَقًّا. ولجسدك عليك حَقًّا ” فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ”. قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ “كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا” قَالَ: “وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ” قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ

ذَلِكَ. قَالَ: “فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ” قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: “فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ” قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أكثرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: “فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا”. قَالَ: فَشَدَّدْتُ. فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ”. قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم] رواه البخاري مسلم.

وقد ورد عن بعض الصحابة وبعض السلف كراهةُ قراءةِ القرآنِ الكريمِ في أقلَّ من ثلاثٍ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (اقْرَؤوا القُرآنَ في سَبْعٍ، ولا تَقْرَؤوه في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ) رواه سعيد بن منصور في سننه، بإسنادٍ صحيحٍ كما قاله الحافظُ ابن حجرٍ في فتح الباري 9/78. وعن مُعاذ بن جَبَلٍ رضِيَ اللَّهُ عنهُ: (أنه كانَ يَكرَهُ أن يقرأَ القرآنَ في أقلَّ من ثلاثٍ) رواه أبو عبَيد في فضائل القرآن، وصححه ابنُ كثير.

قال ابنُ كثير: [وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} وَقَوْلُهُ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِِّ الشِّعْرِ…وعَنْ عَائِشَةَ أنه ذُكِرَ لها أن ناساً يقرؤون الْقُرْآنَ فِي اللَّيْلِ مَرَّةً أَوْ مَرّضتَيْنِ، فَقَالَتْ: أولئك قرأوا ولم يقرؤوا، كُنْتُ أَقُومُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ التَّمَامِ، فَكَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ، فَلَا يَمُرُّ بِآيَةٍ فِيهَا تَخَوُّفٌ إِلَّا دَعَا اللَّهَ وَاسْتَعَاذَ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةٍ فِيهَا اسْتِبْشَارٌ إِلَّا دَعَا اللَّهَ وَرَغِبَ إِلَيْهِ] تفسير ابن كثير 1/77.

وقال ابنُ كثيرٍ أيضاً:[ وقد كرهَ غيرُ واحدٍ من السَّلفِ قراءةَ القرآنِ في أقلَّ من ثلاثٍ، كما هو مذهبُ أبي عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضاً] فضائل القرآن ص 254.

وقد نصَّ جماعةٌ من العلماءِ على أن قراءةَ القرآنِ الكريمِ هذرَمةً من بدعِ القِرَاءة ولا ينبغي فعلُها، فقد ذكر الإمامُ النووي فصلاً في بدع القِرَاءةِ، فقال: [ومن البدع المنكرة…هذرمةُ القِرَاءةِ] الأذكار ص 207.

ونقلَ الذهبي في ترجمة وكيع بن الجراح ما روي عن يحي بن أكثم يقول: صحبتُ وكيعاً في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهرَ ويختمُ القرآنَ كل ليلةٍ. ثم قال-الذهبي-: هذه عبادةٌ يُخضعُ لها، ولكنها من مثلِ إمامٍ من الأئمةِ الأثرية مفضولةٌ؛ فقد صحَّ نهيهُ صلى الله عليه وسلم عن صومِ الدهرِ؛ وصحَّ أنه نهى أن يُقرأَ القرآنُ في أقلَّ من ثلاثٍ، والدِّينُ يُسرٌ، ومتابعةُ السنةِ أولى، فرضي اللهُ عن وكيعٍ وأين مثلُ وكيع ؟] سير أعلام النبلاء 9/140.

وذكر ابن حجر الهيتمي أن مما يُذمُّ في القِرَاءة الهَذْرَمَةُ: [وَإِنَّمَا الذمُّ خَاصٌ بِمن يحصلُ لَهُ مللٌ أَو عدمُ تدبرٍ أَو هَذْرمةٌ] الفتاوى الحديثية ص 42.

وقال ابن عابدين الحنفي: [وَيَجْتَنِبُ الْمُنْكَرَاتِ، هَذْرَمَةَ القِرَاءةِ، وَتَرْكَ تَعَوُّذٍ وَتَسْمِيَةٍ] حاشية ابن عابدين 2/47.

رابعاً: وأما الجوابُ عما نُقلَ عن بعضِ السلف أنه كان يختمُ في اليوم والليلة ختمتين ونحو ذلك، فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن في ثبوت ذلك عنهم بحثٌ ونظرٌ، وأظنُّ أننا لو طبقنا القواعدَ الحديثية على تلك الآثار ما صحت، أو تصحُّ في حالٍ عارضةٍ لم تكن لهم هدياً عاماً كالمروي عن عثمان رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه كان يختمُ كل أسبوع كقول العامة، روي عنه وعن ابن مسعود بأسانيد صحيحة كما قال الحافظ ابن حجر.

الثاني: يحتملُ أنهم فعلوا ذلك عرَضاً، ولم يكن هدياً ثابتاً لهم.

الثالث: أن أقوالهم وأفعالهم يُحتج لها لا بها، فليس هناك أحدٌ قولهُ وفعلهُ حجةٌ على الإطلاق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرابع: أن المقرر في الأصول أن السنةَ القولية مقدمةٌ على الفعلية عند تعذر الجمع، فكيف لا يُقدم قولهُ صلى الله عليه وسلم على فعلِ غيره.

الخامس: يعتذرُ لهم أن النهي لم يبلغهم، أو بلغهم وتأولوه على غير وجهه الراجح] https://saleh-alshamrani.com/article/645

ومما يُؤكد ما سبق أن الوقتَ لا يستوعب ما ورد في السؤال من قراءة القرآنَ الكريمَ كلِّهِ في مقدارِ خُطبةِ الخطيبِ يومَ الجمعة، فهذا أصلاً غيرُ ممكنٍ عقلاً ولا يمكنُ تصديقهُ حتى مع السرعةِ في القِراءة، وهذه الهَذْرَمَةُ من الدجل بلا خجلٍ، والادِّعاءُ بأنها كرامةٌ مردودٌ شرعاً، لأن الكراماتِ لا تكونُ على خلافِ الشرعِ الشريف. ولم يرد لا في الكتابِ ولا في السنةِ المسابقةُ لختمِ القرآن في الزمنِ القصير كمقدارِ خُطبة الجمعة! ووصفُ مَنْ قرأَ القرآنَ الكريمَ كلَّهُ في مقدارِ خُطبةِ الخطيبِ يومَ الجمعة بأنه من العُبَّادِ، غيرُ صحيحٍ، لأن العُبَّادَ يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [اتَّفَقَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُغْتَرَّ بِهِ حَتَّى يَنْظُرَ مُتَابَعَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُوَافَقَتَهُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.] مجموع الفتاوى 11/214.

وقال الشيخ ابن حزم مفنداً نسبة الهَذْرَمَةِ لبعض السلف: [وحكوا أيضاً عن ابن القاسم أنه كان يختم القرآن في رمضان مئتي مرة!

وهذه طامةٌ من فضائح الكذب المشبع؛ لأن هذا إذا قُسِمَ، وقع لكل يوم وليلة ختم القرآن فيها ست مرات وثلثي مرة زيادة، ومثل هذا من القول فهو أميل إلى الاستخفاف بالقرآن، والاستهزاء بكلام الله عز وجل وتلاوته غير موفاة الحروف.

هذا لو أمكن، ثم هو بعدُ معصيةٌ لله تعالى؛ لأنه قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقرأَ القرآنَ في أقلَّ من ثلاثِ ليالٍ، ولم يختلف عن هذا أحدٌ من الصحابة رضي الله عنهم في دون ذلك إلا في مرةٍ واحدةٍ في الليلة فقط، ثم بعد هذا كله فهو محالٌ وكذبٌ، أتراهُ لم ينم طولَ شهر رمضان لا ليلاً ولا نهاراً ؟ أما كانت عليه صلاةُ فرضٍ ؟ أما كان عليه إفطارٌ بأكلٍ وشربٍ ؟ أما كان عليه شهودُ جمعةٍ ؟ وإنصاتٌ للخطبة ؟ أما كان عليه وضوءٌ وما يوجب الوضوءَ من بولٍ وغيره وغسلِ جمعةٍ ؟ أما كان من بني آدم فيأخذه من دندنة النهار والليل حيران وصداع ودوار وعشواء النفس وبحة الصوت ؟ أما كان يسأمُ ولا يفترُ من قراءة القرآن ست مرات في كل بياض يوم وثلثاً زيادةً شهراً كاملاً متصلاً ؟ هذه صفةُ الملائكة التي ذكر الله عز وجل فيهم أنهم لا يسأمون ولا يفترون، وليست هذه صفةُ آدمي أصلاً، أما يستحي مَنْ

له مُسكةُ عقلٍ أو دينٌ من أن يحدث بمثل هذا الحديث الذي قد جمع فيه الكذب والمعصية ؟ ونسأل الله تعالى أن لا يخذلنا بمنه] الرسالة الباهرة لابن حزم.

وخلاصة الأمر أن الترتيلَ اصطلاحاً هو: قراءةُ القرآنِ الكريمِ قراءةً صحيحةً من حيث مخارج الحروف وأحكام التجويد.

وأن الهَذْرَمَةَ هي سرعةُ الكلامِ والقِرَاءةِ، وفي قراءةِ القرآنِ الكريمِ يُعبِّرُ عامَّةُ العلماء عن الإفراطِ في الإسراعِ حالَ القِرَاءةِ بلفظين: الهذِّ، والهَذْرَمَةِ.

وأن الهديَ النبويَ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ هو الأصلُ الذي ينبغي الاقتداءُ به.

وأن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَمُدُّ القِرَاءَةَ مَدًّا .

وأن ما قرره الصحابةُ رضوان الله عليهم والعلماءُ من بعدهم من تركِ الهَذْرَمَةِ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ، والعجلةِ في ختمهِ في الوقتِ القصيرِ كما وردَ في السؤالِ، إنما فهموه من الهدي النبوي، ومن تنفيرِ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حيث قال: (لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ)

وأنه قد وردَ عن بعضِ الصحابةِ وبعضِ السَّلفِ كراهةُ قراءةِ القرآنِ الكريمِ في أقلَّ من ثلاثٍ.

وأنه قد نصَّ جماعةٌ من العلماءِ على أن قراءةَ القرآنِ الكريمِ هذرَمةً من بدعِ القِرَاءة ولا ينبغي فعلُها.

وأن الجوابَ عما نُقلَ عن بعضِ السلف أنه كان يختمُ في اليوم والليلة ختمتين ونحو ذلك، أن في ثبوت ذلك عنهم بحثٌ ونظرٌ.

وأن مما يُؤكد ما سبق أن الوقتَ لا يستوعب ما ورد في السؤال من قراءة القرآنَ الكريمَ كلِّهِ في مقدارِ خُطبةِ الخطيبِ يومَ الجمعة، فهذا أصلاً غيرُ ممكنٍ عقلاً ولا يمكنُ تصديقهُ حتى مع السرعةِ في القِراءة.

وأن الادِّعاءَ بأنها كرامةٌ مردودٌ شرعاً، لأن الكراماتِ لا تكونُ على خلافِ الشرعِ الشريف. ولم يرد لا في الكتابِ ولا في السنةِ المسابقةُ لختمِ القرآن في الزمنِ القصير كمقدارِ خُطبةِ الجمعةِ! وأن وصفَ مَنْ قرأَ القرآنَ الكريمَ كلَّهُ في مقدارِ خُطبةِ الخطيبِ يومَ الجمعة بأنه من العُبَّادِ، غيرُ صحيحٍ، لأن العُبَّادَ يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [اتَّفَقَ

أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ، أَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُغْتَرَّ بِهِ حَتَّى يَنْظُرَ مُتَابَعَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُوَافَقَتَهُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.]

والله الهادي إلى سواء السبيل