قاعدةُ تَغيرِ الأحكامِ لفسادِ الزمانِ

يقول السائل: ذكرتم في الحَلَقةِ الماضيةِ من “يسألونك” أنكم رأيتُم خلافَ قولِ جمهور الفقهاء بأن عورةَ المرأةِ المسلمةِ على المرأةِ المسلمةِ ما بين السُّرَةِ والرُكبةِ بعدما كنتُم تقولون به، وقلتم إن القولَ الأحوطَ في عورةِ المرأة مع المرأة المسلمة هو ما يظهرُ غالباً، أي مواضع الزينة، وعللتم ذلك بأن الفتوى تتغيرُ بسببِ فسادِ أخلاقِ أهلِ الزمانِ وتساهلِهم في الأحكام الشرعية، وشيوعِ الفسقِ بين كثيرٍ من النساء، وأن ذلك يؤثرُ في تغييرِِ تنزيلِِ بعضِ الأحكامِ الشرعية، أرجو توضيح مسألةِ تغيرِ الأحكامِ لفسادِ الزمانِ، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: قاعدة: “لا يُنكر تغيرُ الأحكام بتغير الزمان” أو “تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان” من القواعدِ الفقهيةِ المعروفِ معناها عند جماهير الفقهاء المتقدمين كالإمام القرافي والعز بن عبد السلام وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام الشاطبي وغيرهم، وهي قاعدةٌ معتبرةٌ عند الفقهاء، قال العلامة ابن القيم:[فصلٌ في تغير الفتوى واختلافها بحسبِ تغير الأزمنةِ والأمكنةِ والأحوالِ والنياتِ والعوائد] إعلام الموقعين 3/14.

ونصَّ عليها كثير ٌمن الفقهاء المعاصرين. ونصَّت عليها مجلةُ الأحكام العدلية المادة 39، وشرحها الشيخ أحمد الزرقا في كتابه “القواعد الفقهية” ص 227.وغير ذلك.

وهذه القاعدةُ إحدى القواعد المتفرعة عن قاعدةِ “العادةُ مُحَكَّمةٌ” وهي إحدى القواعدِ الخمسِ الكبرى. والمقررُ عند العلماء في “تغير الأحكام بتغير الأزمان” أوجزه فيما يلي:

(1) هنالك أحكامٌ شرعيةٌ ثابتةٌ غيرُ قابلةٍ للتغيير ولا للتبديل مهما اختلف الزمانُ والمكانُ، كأحكامِ الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، وكتقدير أنصبة الزكاة ومقادير المواريث. وكتحريم المحرمات الثابتة بالنصوص الشرعية، كتحريم الكذب والسرقة والربا والزنا واللواط والخمر والخنزير والميتة والسحر ونكاح المحارم والظلم وأكل أموال الناس بالباطل والتعدي على المال العام.

وكذلك العقوبات المقدَّرة على الجرائم كقطع يد السارق وجلد الزاني غير المحصن ورجم الزاني المحصن وجلد قاذف المحصنات وغيرها.

وكذلك أحكام مكارم الأخلاق الثابتة بالنصوص الشرعية، كالصدق والأمانة والوفاء بالعهود والصبر ونحوها، فهذه الأحكامُ المنصوصُ عليها ونحوها مما لا يجوزُ تغييرهٌ أو تبدليهُ بحالٍ من الأحوال، ولا يُقبلُ من أحدٍ مهما كان، تغييرُ ما قرره الشرعُ بدعوى تغيرِ الزمانِ أو المكان.

(2) هنالك أحكامٌ قابلةٌ للتغيير والتبديل، كالأحكام الاجتهادية المستندة على العرف والعادة وعلى مراعاة المصلحة، وكالتغير الحاصل بسبب تحقيق المناط أو عدمه، فهذه الأحكام الاجتهادية يمكن أن تتغيرَ بتغيرِ الأزمنة نظراً لاختلاف الأعراف من زمانٍ إلى زمانٍ. يقول الإمام الزركشي: [الأحكامُ الشرعيةُ نوعان: نوعٌ ثابتٌ بالخطاب لا يتغير كالوجوب والحرمة، فالتغيرُ في هذا النوع من الأحكام لا يكون إلا بالنسخ، ونسخُ الأحكام لا يكون إلا من الله تعالى. ونوعٌ معلقٌ على الأسباب، وهي الأحكامُ التي ثبتت شرعًا معلقةً على أسبابها، فهذا النوعُ من الأحكام يتغيرُ بتغير الأسباب، فالحكمُ يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيتغيرُ بتغيرِ العلة] تشنيف المسامع بجمع الجوامع 3/54.

وقال العلامة ابن عابدين: [اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتةً بصريحِ اللفظِ، وإما أن تكون ثابتةً بضربِ اجتهادٍ ورأيٍ، وكثيرٌ منها ما يبنيه المجتهدُ على ما كان في عُرفِ زمانهِ، بحيث لو كان في زمانِ العرفِ الحادثِ لقالَ بخلافِ ما قاله أولاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: إنه لا بدَّ فيه من معرفةِ عاداتِ الناس، فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلاف الزمان؛ لتغير عُرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فسادِ أهلِ الزمان، بحيث لو بقي الحكمُ على ما كان عليه أولاً، للزم عنه المشقةُ والضررُ بالناس، ولخالفَ قواعدَ الشريعة المبنيةِ على التخفيفِ والتيسيرِ ودفعِ الضررِ والفسادِ؛ لبقاء العالَم على أتمِّ نظامٍ وأحسنِ إحكامٍ] مجموعة رسائل ابن عابدين 2/172.

وقال علي حيدر شارح المجلة: [إن الأحكام التي تتغيرُ بتغيرِ الأزمانِ هي الأحكامُ المستندةُ على العُرفِ والعادةِ، لأنه بتغيرِ الأزمان تتغيرُ احتياجاتُ الناس، وبناءً على هذا التغيرِ يتبدلُ أيضاً العُرفُ والعادةُ، وبتغيرِ العُرفِ

والعادةِ تتغيرُ الأحكامُ حسبما أوضحنا آنفاً، بخلافِ الأحكامِ المستندةِ إلى الأدلة الشرعية التي لم تُبْنَ على العُرفِ والعادةِ فإنها لا تتغير] درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/47.

وقال الشيخ مصطفى الزرقا: [من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، فإن هذه الأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع، يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد. فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة. فكم من حكمٍ كان تدبيراً وعلاجاً ناجعاً لبيئةٍ في زمنٍ معينٍ، فأصبح بعد جيلٍ أو أجيالٍ لا يوصلُ إلى المقصود منه، أو أصبح يُفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق.

وعن هذا أفتى الفقهاءُ المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثيرٍ من المسائل بعكسِ ما أفتى به أئمةُ مذاهبهم وفقهاؤها الأولون، وصرح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمَّن سبقهم هو اختلافُ الزمان وفسادُ الأخلاق، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وجدَ الأئمةُ الأولون في عصر المتأخرين، ورأوا اختلافَ الزمان والأخلاق لعدلوا إلى ما قال المتأخرون. وعلى هذا الأساس أُسست القاعدةُ الفقهيةُ القائلةُ: لا يُنكر تغيرُ الأحكامِ بتغيرِ الأزمان. وقد اتفقت كلمةُ فقهاءِ المذاهب على أن الأحكام التي تتبدلُ بتبدلِ الزمانِ وأخلاقِ الناس: هي الأحكامُ الاجتهاديةُ من قياسيةٍ ومصلحيةٍ، أي التي قررها الاجتهادُ بناءً على القياسِ أو على دواعي المصلحةِ، وهي المقصودةُ بالقاعدة آنفةِ الذكرِ. وأما الأحكامُ الأساسيةُ التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية، كحرمةِ المحرمات المطلقة، وكوجوبِ التراضي في العقود، والتزام الإنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يُلحقهُ بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام، وسدِّ الذرائع إلى الفساد، وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كل مكلفٍ عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريءٍ بذنبِ غيره، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدلُ بتبدلِ الأزمان، بل هي الأصولُ التي جاءت بها الشريعةُ لإصلاحِ الأزمان والأجيال، ولكن

وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدلُ باختلاف الأزمنة المحدثة. فوسيلةُ حمايةِ الحقوق مثلاً -وهو القضاء- كانت المحاكمُ فيه تقومُ على أسلوبِ القاضي الفرد، وقضاؤهُ على درجةٍ واحدةٍ قطعيةٍ، فيمكن أن تتبدل إلى أسلوبِ محكمةِ الجماعة، وتعددِ درجات المحاكم، بحسب المصلحة الزمنية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط لفساد الذمم، فالحقيقةُ أن الأحكام الشرعية التي تتبدلُ بتبدلِ الزمانِ، مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإن المبدأ الشرعي فيها واحدٌ، وهو إحقاقُ الحقِّ، وجلبُ المصالح ودرءُ المفاسد. وليس تبدلُ الأحكام إلا تبدلُ الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشرع، فإن تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحددها الشريعةُ الإسلامية، بل تركتها مطلقةً لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً، وأنجح في التقويم علاجاً]

المدخل الفقهي العام 2/934-935.

ثانياً: المعنى المقصود من تغيرِ الأحكامِ لفسادِ الزمانِ، هو فسادُ أهل الزمان وانحدارُ أخلاقهم، وضعفُ التقوى والورع، وظهورُ الفساد بينهم، وانتشارُ المنكرات كالفسق والكذب والفجور والتساهل في الالتزام بالأحكام الشرعية، ونحو ذلك، فهذا الذي يُعبرُ عنه العلماءُ بفسادِ الزمان. ومعلومٌ أن الزمانَ لا يُعتبرُ مؤثراً بذاته في تغيرِ الأحكام، وإنما هو محلٌّ لتقع فيه تلك التغيرات، فإذا فسدَ الزمانُ بما ذكرت يتغيرُ اجتهادُ العلماء في بعض الأحكام الشرعية المبنية على العرف والقياس والمصلحة ونحوها.

قال د. عبد الله السلمي: [المقصود بفساد الزمان إنما هو من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال، إذ المراد التغيرات الحاصلة في المجتمع وفي حياة الناس، فبسبب تغير أخلاق الناس أو فسادها، أو سبب عموم البلوى مما يصعب معه إبقاء الشروط التي اشترُطت في الزمن السابق، وغير ذلك مما يؤدي إلى اختلاف الصورة الحادثة بأسبابها أو شروطها، أو بتخصيص عموم الصورة في الزمن الأول، فتنشأ بسبب هذا التجدد أحكامٌ وأقضيةٌ. ولا شك أن القول بتعليل الأحكام بفساد الزمان ليس على إطلاقه وإلا لأدى إلى تبديل الشرع المطهر، وليس راجعا إلى تقديم مصالح الناس الدنيوية التي تخالف المقصد الشرعي الكلي من وضع الشريعة، وهي إخراج المكلف عن

داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً.] تعليل الأحكام بفساد الزمان وتطبيقاته الفقهية في غير القضاء ص 39.

وتغيرُ الأحكام تبعاً لفساد الزمان وقع في مختلف العُصور الإسلامية، وشواهد ذلك كثيرةٌ منها: (1) نقلَ كثيرٌ من العلماء اتفاقَ السلف على تضمين الصناع -الأجير المشترك- حفظًا لمصالح الناس مع أن الأصل فيهم الأمانة. انظر الموافقات 2/350، قال علي رضي الله عنه: (أنه كان يُضَمِّنُ الأجراءَ، ويقول: لا يُصلحُ الناسَ إلا هذا) رواه الشافعي والبيهقي، انظر إرواء الغليل 5/319. وروي مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه: (أنه كان يُضَمِّنُ الأجيرَ المشترك احتياطاً لأموال الناس) كما في المصنف لعبد الرزاق.

(2) كانت ضالةُ الإبل لا تُلتقط في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» رواه البخاري مسلم .

واستمر الحالُ على ذلك في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكانت ضوال الإبل إبلاً مرسلةً تتناتج ولا يلتقطها أحدٌ، حتى إذا كان زمن عثمان رضي الله عنه رأى التقاطها وبيعها، فإن جاء صاحبُها أخذ ثمنها. قال ابن شهاب الزهري: ” كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً – لِلقِنْيَةِ- تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا ” رواه مالك في الموطأ.

قال د. محمد يسري إبراهيم: [وظل هذا الحكمُ مستقراً إلى آخر عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما جاء عهدُ عثمان بن عفان رضي الله عنه أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها على خلاف ما كان معمولًا به، فإذا جاء

صاحبُها أُعطي ثمنها، ومَرَدُّ هذا إلى فسادِ الذممِ ونقصِ الأمانةِ اللَّذَيْنِ دبَّا بين الناس ] فقه النوازل للأقليات المسلمة 1/214.

وقال د. محمد الزحيلي: [لأن عثمان رأى أن الناس قد دبَّ إليهم فسادُ الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فهذا التدبيرُ أصونُ لضالة الإبل، وأحفظُ لحقِّ صاحبها، خوفاً من أن تنالها يدُ سارق أو طامع. فهو بذلك – وإن خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر – إنما هو موافقٌ لمقصوده. إذ لو بقي العملُ على موجب ذلك الأمر بعد فساد الزمان لآل إلى عكسِ مرادِ النبي صلى الله عليه وسلم في صيانة الأموال، وكانت نتيجته ضرراً.] القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة 1/359.

(3) من المقرر في أصول مذهب الحنفية أن المدين تنفذُ تصرفاتهُ في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقةً أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، هذا مقتضى القواعد القياسية. لكن لما فسدَ الزمانُ وخربت الذممُ وكثر الطمعُ وقلَّ الورعُ، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريبٍ أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية والحنابلة في وجهٍ عندهم بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين، إلا فيما يزيد عن وفاء الدَّين من أمواله.

(4) جوازُ إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا، مع أنه مكان معد للعبادة ينبغي أن لا يُغلق، وإنما جوز الإغلاقُ صيانةً للمسجد عن السرقة. انظر الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية ص 311- 312.

(5) قرر الفقهاءُ عند فساد الزمان وشيوع الفسق وندرة العدالة قبولَ شهادة غير العدل، فتقبلُ شهادةُ الأمثل فالأمثل لعموم البلوى كيلا يتعطل القضاء إذا طُلبت العدالةُ الكاملة في الشاهد.

(6) المنعُ من تأجير الوقف أكثر من ثلاث سنين محافظةً عليه كما قال بعض الفقهاء، قال ابن حجر المكي: [واصطلاحُ الحكَّام على أنه لا يُؤجر-الوقف- أكثر من ثلاث سنين لئلا يندرس، استحسانٌ منهم، وإن رُدَّ بأنه لا معنى له على أنه لم ينقل عن مجتهدٍ شافعيٍ منهم، وإنما اشترطنا ذلك لفسادِ

الزمانِ بغلبة الاستيلاء على الوقف عند طول المدة] تحفة المحتاج في شرح المنهاج 6/173.

(7) ما أفتى به متأخرو الحنفية من جوازِ أخذِ الأجرة على تعليم القرآن؛ نظرًا لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في العهد الأول؛ لأنهم لو انشغلوا بتعليم القرآن دون أخذ أجرة للزم عنه ضياعهم وضياع عيالهم، ولو انشغلوا بالتكسب للزم عنه ضياع القرآن بين الناس، ولقلَّ فيهم القُرَّاءُ والمعلمون، وهذه الفتيا مخالفةٌ لما أفتى به المتقدمون من أئمة المذهب؛ فقد اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله على عدم جواز أخذ الأجرة على ذلك؛ شأنه شأن بقية الطاعات من الصلاة والصوم والحج ونحوها؛ بينما علَّل المتأخرون ما ذهبوا إليه بأنه حاصلٌ عن اختلاف عصرٍ وأوان، لا اختلاف حجةٍ وبرهانٍ] فقه النوازل للأقليات المسلمة 1/216.والأمثلةُ غير ذلك كثيرةٌ. فالحكمُ في هذه المسائل قد تغيَّرَ لتغيرِ سلوك الناس وتصرفاتهم المعبَّر عنه بفساد الزمّان.

ثالثاً: وضع العلماءُ شروطاً لصحةِ تعليلِ الأحكام بفساد الزمان، وهي: الشرط الأول: أن لا يترتب على التعليل بفساد الزمان معارضةٌ أو إبطالٌ للنصوص الشرعية الثابتة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإقامة الحدود وعدم إبطالها، فهذه الأحكامُ لا يتطرقُ إليها تغييرٌ ولا تبديلٌ، ولا اجتهادٌ يخالف ما وضع عليه…ومثلُ ذلك أيضاً الأخلاق الكريمة والفضائل الحميدة التي جاءت النصوص الشرعية بالثناء عليها ورفع درجات من تحلى بها كالصدق والأمانة والوفاء بالعهد، وكذا تجنب الرذائل والابتعاد عن الخيانات ونحو ذلك. فهذه لا تتغيرُ ولا تتبدلُ، فلو اعتاد زمانٌ من الأزمنة على كشف العورات أو خلع الحجاب أو السفور تقليداً للمجتمعات الغربية، واعتادها أهلُ بلدٍ إسلامي، فلا يجوز شرعنتها ولا إبطال الأحكام الشرعية لأجل ذلك.

ودليل هذا الشرط: لأنه يلزم من القولِ به إبطالُ النصوص الشرعية، وإبطالُها لا يكون إلا نسخاً، ولا نسخَ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

الشرط الثاني: أن يترتب على بقاء الحكم السابق تفويتُ مصلحةٍ أعظم منها وهي مقصودةٌ شرعاً، وهذا يكون في الغالب في الأحكام التي على الإباحة، فلربما أحدث الناسُ أعمالاً وأسباباً قد يترتب على إبقاء حكم الإباحة كما هو في عهد الرعيل الأول إلى فسادهم. مثل تضمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الصُّنَّاعَ، فإنه لما كان الأصلُ أن الأمينَ لا يضمنُ إلا بالتعدي والتفريط، وكان الأجيرُ المشتركُ أميناً، فالأصلُ أن لا يضمن، فبعد أن تغيرت ذممُ الناس، ولزم من إبقاء الحكم السابق إفسادُ أموال الناس، وعدم الحرص على صيانتها، أفتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بتضمينهم، وقال: “لا يُصلح الناسَ إلا هذا”.

الشرط الثالث: أن لا يترتب على الأخذ بالتعليل لفساد الزمان إبطالُ حكمٍ ثبتت علتهُ بالإجماع، أو الأدلة الصحيحة الصريحة. فلزومُ ولاية الأب على أولاده القاصرين ثبتت علته وهي الصغر بإجماع العلماء، وعليه فلا يسوغُ إبطالُ هذا الحكم، ونزع الولاية عن الأب بدعوى جْعِل ولايتهم عند جمعية رعاية الأطفال، كما يوجد في بعض البلاد الأوربية.] تعليل الأحكام بفساد الزمان وتطبيقاته الفقهية في غير القضاء عبد الله بن ناصر السلمي ص 109-113.

رابعاً: ينبغي التحذيرُ من استغلالِ العلمانيين والعصرانيين ومشايخِ التمييع وغيرهم، لهذه لقاعدة “لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان” لتحقيق أباطيلهم وتلاعبهم بشرع رب العالمين، كما زعم بعضهم جواز تغيير الأحكام الشرعية الثابتة التي لم توافق أهواءهم وعقولهم القاصرة، بدعوى المصلحة مع معارضتها للنصوص الشرعية، لا سيما في مجال العلاقات مع الكفار، والأحكام المتعلقة بالسياسة والمرأة وغيرها، من أمثال محمد عابد الجابري في كتابه “فكر ابن خلدون: العصبية والدولة”ص 79، وراشد الغنوشي في “الحريات العامة في الدولة الإسلامية”ص 120، وفهمي هويدي في كتابه “القرآن والسلطان” ص 35-41)، وصبحي المحمصاني في “فلسفة التشريع في الإسلام”ص 241.انظر https://salafcenter.org/3113

قال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد: [دعوى تغير الفتوى بتغير الزمان:…هذه قاعدةٌ صوريةٌ لا حقيقيةٌ؛ إذ إن جميع مَنْ يذكرها من الفقهاء يقيدونها بخصوص تغير الأعراف، والعصرانيون دخلوا من هذا التقعيد الصوري إلى أوسع الأبواب؛ فأخضعوا النُّصوص ذات الدلالة القطعية؛ كآيات الحدود في السرقة والزنا ونحوهما بإيقاف إقامة الحدود لتغير الزمان! وهكذا مما نهايته انسلاخٌ من الشرع تحت سرادقٍ موهومٍ] التعالم ص 58. www.alukah.net/sharia

وقد اتكأَ هؤلاء وأمثالُهم على الكلامِ الفاسدِ للطوفي في نظرته للمصلحة. وقد ردَّ العلماءُ عليه وأبطلوا كلامهُ ولا يتسعُ المقامُ للتفصيل.

ومما هو مقررٌ عند العلماء أن العملَ بالمصلحة إذا عارضت النصوصَ الشرعية أمرٌ مرفوضٌ شرعاً، لأن المصلحة دليلٌ متأخرُ الرتبة عند مَنْ يستدلُ به. ولا يجوزُ بحالٍ من الأحوال تقديمُ المصلحةِ على نصوصِ الكتاب والسنة، كما أن المصلحةَ المعتبرةَ عند أهل العلم يجبُ أن لا تُعارضَ نصاً-من الكتاب أو السنة-أو إجماعاً أو قياساً صحيحاً. وما يسمونه مصلحةً هنا، هو في الحقيقة مصلحةٌ موهومةٌ وملغاةٌ بنصوص الشرع.

وخلاصة الأمر أن قاعدة: “لا يُنكر تغيرُ الأحكام بتغير الزمان” أو “تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان” من القواعد الفقهية المعروف معناها عند جماهير الفقهاء المتقدمين وهي قاعدةٌ معتبرةٌ عند الفقهاء، ونصَّ عليها كثير ٌمن الفقهاء المعاصرين.

وأن المقرر عند العلماء في “تغير الأحكام بتغير الأزمان” أن أحكاماً شرعيةً ثابتةً غيرُ قابلةٍ للتغيير ولا للتبديل مهما اختلف الزمان والمكان، كأحكام الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها.

وأن أحكاماً قابلةً للتغيير والتبديل، كالأحكام الاجتهادية المستندة على العرف والعادة وعلى مراعاة المصلحة، وكالتغير الحاصل بسبب تحقيق المناط أو عدمه، فهذه الأحكام الاجتهادية يمكن أن تتغير بتغير الأزمنة نظراً لاختلاف الأعراف من زمان إلى زمان.

وأن المعنى المقصود من تغير الأحكام لفساد الزمان، هو فساد أهل الزمان وانحدار أخلاقهم، وضعف التقوى والورع، وظهور الفساد بينهم، وانتشار

المنكرات كالفسق والكذب والفجور والتساهل في الالتزام بالأحكام الشرعية، ونحو ذلك، فهذا الذي يعبر عنه العلماء بفساد الزمان.

وأن تغير الأحكام تبعاً لفساد الزمان وقع في مختلف العُصور الإسلامية، وشواهد ذلك كثيرةٌ.

وأن العلماءَ قد وضعوا شروطاً لصحة تعليل الأحكام بفساد الزمان، أولها أن لا يترتب على التعليل بفساد الزمان معارضة أو إبطال للنصوص الشرعية الثابتة. وثانيها أن يترتب على بقاء الحكم السابق تفويت مصلحة أعظم منها وهي مقصودة شرعاً، وثالثها أن لا يترتب على الأخذ بالتعليل لفساد الزمان إبطال حكم ثبتت علته بالإجماع أو الأدلة الصحيحة الصريحة.

وأنه ينبغي التحذيرُ من استغلال العلمانيين والعصرانيين ومشايخ التمييع وغيرهم، لقاعدة “لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان” لتحقيق أباطيلهم وتلاعبهم بشرع رب العالمين، كما زعم بعضهم جواز تغيير الأحكام الشرعية الثابتة التي لم توافق أهواءهم وعقولهم القاصرة، بدعوى المصلحة مع معارضتها للنصوص الشرعية، لا سيما في مجال العلاقات مع الكفار، والأحكام المتعلقة بالسياسة والمرأة.

وأن المقررَ عند العلماء أن العملَ بالمصلحة إذا عارضت النصوص الشرعية أمرٌ مرفوضٌ شرعاً، لأن المصلحة دليلٌ متأخرُ الرتبة عند من يستدل به.

وأنه لا يجوز بحالٍ من الأحوال تقديمُ المصلحة على نصوص الكتاب والسنة، كما أن المصلحةَ المعتبرةَ عند أهل العلم يجب أن لا تعارض نصاً-من الكتاب أو السنة-أو إجماعاً أو قياساً صحيحاً. وما يسمونه مصلحةً هنا، هو في الحقيقة مصلحةٌ موهومةٌ وملغاةٌ بنصوص الشرع.

والله الهادي إلى سواء السبيل