حكمُ حمامِ “الساونا” Sauna bath للعروسِ ورفيقاتِها

يقول السائل: انتشرت في الآونةِ الأخيرةِ ظاهرةٌ سيئةٌ أُضيفت لحفلةِ زفافِ العروس، حيث تقومُ العروسُ بدعوةِ صديقاتِها وقريباتِها من النساءِ لحفلةٍ في حمامِ “ساونا” قبلَ ليلةِ الزفافِ، وتبدأُ هذه الحفلةُ بتنظيفٍ عامٍ لجسدِ العروسِ والنساءِ المشاركاتِ معها، ثم دخولِ حمام “ساونا” ثم حمامٍ يشبه حمامَ العريس ثم أكلٍ وشربٍ وغناءٍ، ويخالطُ ذلك كشفٌ للعوراتِ ويُخشى من وجودِ تصويرٍ خُفيةً، سواء كان لفضولٍ أو ابتزازٍ أو إسقاطٍ، مع العلمِ أن مَنْ يعملُ في الحمامِ نساءٌ، فما الحكمُ الشرعيُّ في ذلك، أفيدونا؟

الجواب: أولاً: الأصلُ المقررُ في شرعنا الطاهرِ أن أحوالَ المرأةِ المسلمةِ مبنيةٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السِّتْرِ، والأصلُ أيضاً أنه يجبُ على المرأةِ المسلمةِ القرارُ في البيت لقوله تعالى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: [قوله تعالى{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجةٍ] تفسير ابن كثير3/482 .

قال الخطيب الشربيني: [وَلِأَنَّ أَمْرَهُنَّ -النساء- مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السَّتْرِ، وَلِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 1/224.

وقال البكري الدمياطي:[ لأن أَمْرَهُنَّ -النساء- مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السَّتْرِ، ولما في خروجهن من الفتنة والشر.] إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين 1/97.

ثانياً: جمهور الفقهاء على أن عورةَ المرأةِ المسلمةِ على المرأةِ المسلمةِ ما بين السُّرَةِ والرُكبة، كعورة الرجلِ بالنسبة للرجل، ومذهبُ الجمهور من الفقهاء أن عورةَ الرجل للرجل ما بين سرته وركبته، فتكونُ عورةُ المرأة للمرأة كذلك، أي ما بين السرة والركبة.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ -وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، وأصح الروايتين عند الحنفية- إِلَى أَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ هِيَ كَعَوْرَةِ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل، أَيْ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلِذَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا عَدَا مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ وَانْعِدَامِ الشَّهْوَةِ غَالِبًا، وَلَكِنْ يَحْرُمُ ذَلِكَ مَعَ الشَّهْوَةِ وَخَوْفِ الْفِتْنَةِ] الموسوعة الفقهية 31/47-48. وانظر بدائع الصنائع ٦/٢٩٦١، تبيين الحقائق ٦/١٨، الشرح الصغير ١/٢٨٨، مواهب الجليل ١/٤٩٨، ٤٩٩، مغني المحتاج ٣/١٣، المغني ٧/١٠٥.

وقد رأيتُ خلافَ هذا القولِ بعدم كنتُ أقولُ به، ومعلومٌ عند العلماء أن الفتوى تتغيرُ بسببِ فسادِ أخلاقِ أهلِ الزمانِ وتساهلِهم في الأحكام الشرعية، وشيوعِ الفسقِ بين كثيرٍ من النساء، وقد ظهر الفسادُ في المجتمع ظهوراً واضحاً جلياً، وعدم مبالاة كثيرٍ من الناس رجالاً ونساءً بالأحكام الشرعية، وانتشرت الأخلاقُ الفاسدةُ في المجتمعِ وتفشت المنكراتُ. وكلُّ ذلك يؤثرُ في تغييرِِ تنزيلِِ بعضِ الأحكامِ الشرعية، كما نقل كثيرٌ من العلماء اتفاقَ السلفِ على تضمينِ الصُنَّاعِ مع أن الأصلَ فيهم الأمانة. انظر الموافقات 2/350، ونُقلَ عن عليٍ رضي الله عنه:( أنه كان يُضَمِّنُ الأجراءَ، ويقول: لا يُصلحُ الناسَ إلا هذا )رواه الشافعي والبيهقي، انظر إرواء الغليل 5/319. وروي مثلُ ذلك عن عمر رضي الله عنه: (أنه كان يُضَمِّنُ الأجيرَ المشترك احتياطاً لأموال الناس) كما في المصنف لعبد الرزاق.

وبناءً على ذلك فقد رأيتُ أن القولَ الأحوطَ في عورةِ المرأة مع المرأة المسلمة وأبعدها عن الريبةِ والفتنةِ، فضلاً عن أنه يتماشى مع ظاهرِ القرآن الكريم، وهو أن عورةَ المرأة عند أختها المسلمة هو ما يظهرُ غالباً، أي مواضع الزينة، تماماً كالذي تظهرهُ المرأةُ عند محارمها، فقد قارنَ اللهُ النساءَ في الآية بالمحارم، فاستدل به مَنْ قال باستوائهم فيما يجوز أن تظهرهُ المرأةُ أمامهم، قال عز وجل: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} سورة النور الآية 31. وقد رجح هذا القولَ جمعٌ من محققي العلماء.

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: [وقد دل ظاهرُ القرآن على أن المرأة لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لمحارمها، مما جرت العادة بكشفه في البيت، وحال المهنة (يعني الخدمة في البيت)، كما قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} وإذا كان هذا هو نصُّ القرآن وهو ما دلت عليه السنةُ، فإنه هو الذي جرى عليه عملُ نساءِ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونساءِ الصحابة، ومن اتبعهن بإحسان من نساءِ الأمة إلى عصرنا هذا، وما جرت العادةُ بكشفه للمذكورين في الآية، هو ما يظهرُ من المرأة غالباً في البيت، وحالَ المهنةِ، ويشقُّ عليها التحرزُ منه، كانكشاف الرأس واليدين والعنق والقدمين، وأما التوسعُ في التكشفِ، فعلاوةً على أنه لم يدل على جوازه دليلٌ من كتابٍ أو سنةٍ – هو أيضاً طريقٌ لفتنة المرأة والافتتان بها من بنات جنسها، وهذا موجودٌ بينهن، وفيه أيضاً قدوةٌ سيئةٌ لغيرهن من النساء، كما أن في ذلك تشبهاً بالكافرات والبغايا والماجنات في لباسهن، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود.

وقال العلامة العثيمين: [عورةُ المرأةِ مع المرأة، كعورة الرجلِ مع الرجلِ، أي ما بين السرة والركبة، ولكن هذا لا يعني أن النساءَ يلبسن أمامَ النساء ثياباً قصيرةً، لا تسترُ إلا ما بين السرة والركبة، فإن هذا لا يقولهُ أحدٌ من أهل العلم، ولكن معنى ذلك أن المرأةَ إذا كان عليها ثيابٌ واسعةٌ فضفاضةٌ طويلةٌ، ثم حصل لها أن خرج شيء من ساقها أو من نحرها أو ما أشبه ذلك أمام الأخرى، فإن هذا ليس فيه إثمٌ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لباسَ النساءِ في عهد النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم كان ساتراً من الكفِّ، كفِّ اليدِ إلى كعب الرِّجْلِ، ومن المعلوم أنه لو فتحُ للنساء البابُ في تقصير الثياب للزم من ذلك محاذير متعددة، وتدهور الوضع إلى أن تقوم النساء بلباسٍ بعيدٍ عن اللباس الإسلامي شبيهٍ بلباس الكفار.] انظر www.islamweb.net/ar/fatwa/115965

ويدل على منعِ النظرِ للعورات قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا المَرْأَةُ إلى عَوْرَةِ المَرْأَةِ) رواه مسلم. ومعلومٌ أن النهي يقتضي التحريمَ، فهذا الحديثُ يدلُّ على حرمة النظر إلى العورة.

وعن بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ:(احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا تُرِيَنَّهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) رواه أبو داود والترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وحسنه أيضاً العلامة الألباني.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فَأَمَّا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّظَرُ مِنْ صَاحِبِهِ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ…وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ سَوَاءٌ] المغني 7/105.

وبناءً على ما سبق من القولِ الأحوطِ في عورةِ المرأة مع المرأة المسلمة أنها ما يظهرُ غالباً، أي مواضع الزينة، فلا يجوزُ للمرأة أن تكشفَ عن جسدها كاملاً أمام امرأة أخرى أياً كانت، ولا أن تكشفَ ما بين السرة والركبة أمام المسلمة.

قال الشيخ العثيمين: [والخلاصة: أن اللباسَ شيءٌ، والنظرَ إلى العورة شيءٌ آخر، أما اللباسُ، فلباس المرأة مع المرأة المشروع فيه أن يستر ما بين كف اليد إلى كعب الرجل، هذا هو المشروع، ولكن لو احتاجت المرأة إلى تشمير ثوبها لشغل أو نحوه فلها أن تشمر إلى الركبة، وكذلك لو احتاجت أن تشمر الذراع إلى العضد فإنها تفعل ذلك بقدر الحاجة فقط، وأما أن يكون هذا هو اللباس المعتاد الذي تلبسه فلا. والحديث لا يدل عليه بأي حال من الأحوال، ولهذا وجه الخطاب إلى الناظرة لا إلى المنظورة، ولم يتعرض الرسول عليه الصلاة والسلام لذكر اللباس إطلاقاً، فلم يقل لباس المرأة ما بين السرة والركبة حتى يكون في هذا شبهه لهؤلاء النساء.] مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 12/276.

ثالثاً: وأما حكمُ دخولِ الحمامات التي كانت معروفة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الصحابة وسلف الأمة، وهي حماماتٌ عامة -ولا يُقصد بالحمامات ما هو موجود في البيوت- قد اختلف الفقهاء في حكمِ دخولها، فمنهم من قال بالتحريم، ومنهم من قال بالجواز للضرورة، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من قال بالجواز بشروطٍ، وغير ذلك، والذي يظهرُ لي بالتأمل في أقوال الفقهاء وأدلتهم أن القول بتحريمَ دخول الحمامات هو الراجح، وهو قول بعض الحنفية كما في فتح القدير لابن الهمام 4/399، ونقله الشيخ ابن عابدين في حاشيته 3/604، وهو قول الحنابلة وبعض المالكية. انظر المغني 1/178،كشاف القناع 1/158، الفواكه الدواني 2/408، وتفسير القرطبي 12/224.

ومما يدل على تحريم ذلك ما ورد في الحديث: (أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الْحَمَّامَاتِ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتْ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا) رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني.

ومعنى الحديث “ما مِنِ امرَأةٍ تَخْلَعُ ثِيابَها”، أي: تَتخفَّفُ مِنْ ثِيابِها وتَنْزِعَ مَلابِسَها، “في غيرِ بيتِها” وذلك يَشمَلُ الحَماماتِ العامة وما يُسمَّى الآن (حمام الساونا وحمام البُخار وحمام الجاكُوزي) وغيرها مِن الأماكنِ العامَّة التي لا يُؤمَنُ فيها رُؤيةُ ما يَحْرُمُ رُؤيتُه منها لغيرِ زَوجِها أو مَحارمِها، ويُستثنَى مِن ذلك إذا كان الخَلعُ في مَنازلِ السَّفرِ والأماكنِ التي تُعَدُّ بُيوتًا مأمونة، ونحوِ ذلك.

ثم بيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جزاءَ مَن فعَلَتْ هذا الفِعلَ، فقال: “إلَّا هَتَكَتْ” أي: قَطَعَتْ ومَزَّقَتْ، “ما بينَها وبينَ اللهِ تعالى”، أي: ما بينَها وبينَ اللهِ مِن السِّتْرِ والحَياءِ والصِّلَةِ؛ وذلك لأنَّها لم تُحافِظ على ما أُمِرتْ به مِن التستُّرِ عن الأجانبِ؛ فجوزيتْ من جِنس عملها، وفي هذا تحذيرٌ شديدٌ مِن هذا الفِعلِ ونهيٌ عنه.] https://dorar.net/hadith/sharh/113718

وفي رواية أخرى للحديث السابق: (عن سُبَيعةَ الأسْلَمِيَّةَ: دَخَل على عائشةَ نِسوةٌ مِن أهلِ الشَّامِ، فقالتْ عائشةُ: ممَّن أنتُنَّ؟ فقُلنَ: مِن أهلِ حِمصَ، فقالتْ:

صَواحِبُ الحَمَّاماتِ؟ فقُلنَ: نَعَم، قالتْ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقولُ: الحَمَّامُ حَرامٌ على نِساءِ أُمَّتي، فقالتِ امرَأةٌ مِنهُنَّ: فلي بَناتٌ أُمَشِّطُهُنَّ بهذا الشَّرابِ، قالتْ: بأيِّ الشَّرابِ؟ فقالتِ: الخَمرِ. فقالتْ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها: أفكُنتِ طَيِّبةَ النَّفسِ أنْ تَمتَشِطي بدَمِ خِنزيرٍ؟ قالتْ: لا، قالتْ: فإنَّه مِثلُه) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.

وعن عائشة رضي الله عنها أن صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: (الحَمَّامُ حَرَامٌ على نِساءِ أمَّتِي) رواه الحاكم، وصححه ابن حجر الهيتمي المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/128. وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع.

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَدْخُلِ الحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُدْخِل حَلِيلَتَهُ الحَمَّامَ ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخَمْرُ)أخرجه الترمذي والحاكم وحسنه العلامة الألباني.

وورد في رواية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمنُ باللهِ واليوم الآخرِ فلا يقعدْ على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمرُ ومن كان يؤمن باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يدخلِ الحمامَ إلا بإزارٍ ومن كانتْ تؤمن باللهِ واليومِ الآخرِ فلا تدخلِ الحمامَ) رواه أحمد وحسَّن إسناده الحافظ ابن كثير.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا بَيْتاً يُقَالُ لَهُ الحَمَّامُ فَمَنْ دَخَلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ) أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي وصححه العلامة الألباني.

وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ: [ كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَامْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَحُلْ دُونَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَرَى الذِّمِّيَّةُ عُرْيَةَ الْمُسْلِمَةِ- ما يعرى منها وينكشف-. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْتَهَلَ وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُبَيِّضَ وَجْهَهَا فَسَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهَا يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهُ.] تفسير القرطبي 12/233.

وقال الحافظ ابن كثير: [وروى الإِمَام أَبُو يعلي الْموصِلِي والحافظ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن حبَان فِي صَحِيحه الملقب “بالأنواع والتقاسيم” من حَدِيث مُحَمَّد بن ثَابت بْن شُرَحْبِيل عَن عبد الله بن يزِيد الخطمي عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر، وَمن كَانَت تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من نِسَائِكُم فَلَا تدخل الْحمام) قَالَ: فَقلت ذَلِك لعمر بن عبد الْعَزِيز فِي خِلَافَته، فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم: أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ مرضى. فَسَأَلَهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر، فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام. فَهَذَا عمر بن عبد الْعَزِيز قد نفذ هَذِه السّنة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي. فأجمع الْمُسلمُونَ قاطبة على أَن عمر بن عبد الْعَزِيز من الْأَئِمَّة المهديين، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين، الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ.] كتاب الآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمام لابن كثير ص 30-32.

وما فعله الخليفةُ الراشدُ عمر بن عبد العزيز من منع دخول النساء الحمامات ، حيث نفَّذ سنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع النساء عن دخول الحمام، فقد ذَكَر محمَّد بنُ الحسن الشيبانيُّ صاحبُ أبي حنيفة رحمهما الله أنَّ عمر بنَ عبد العزيز رحمه الله كَتَب إلى وُلَاتِه في الأمصار: أَنْ لا يدخلَ الحمَّامَ إلَّا امرأةٌ نُفَساءُ أو مريضةٌ. «شرح السِّيَر الكبير» للسرخسي ١/١٣٦. وغير ذلك من الأدلة.

والكلامُ السابقُ كان في دخول النساء الحماماتِ في زمن السلف، فما بالكم بحمامات اليوم!؟ قال القرطبي: [أَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ فَحَرَامٌ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ، لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رموا مَآزِرِهِمْ، حَتَّى يُرَى الرَّجُلُ الْبَهِيُّ ذُو الشَّيْبَةِ قَائِمًا مُنْتَصِبًا وَسَطَ الْحَمَّامِ وَخَارِجَهُ بَادِيًا عَنْ عَوْرَتِهِ ضَامًّا بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَلَا أَحَدَ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ. هَذَا أَمْرٌ بَيْنَ الرِّجَالِ فَكَيْفَ مِنَ النِّسَاءِ! لَا سِيَّمَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِذْ حَمَّامَاتُهُمْ خالية عن المظاهر التي هي عن أَعْيُنِ النَّاسِ سَوَاتِرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ!] تفسير القرطبي 12/224، فهذا في زمان القرطبي الذي توفي سنة 671 هجرية، فكيف الحال في زماننا!؟

ومما يؤكدُ تحريمَ دخول النساء الحمامات في زماننا أن المرأة في حمام “الساونا” لا تباشرُ نفسها بالاغتسال ودلك جسمها غالباً، إنما تباشرها امرأةٌ أخرى وتدلكُ لها جسمها، وقد تكشفُ عورتها المغلظة، مثل مَنْ يُزلن شعرَ العانة بأيدي غيرهن!؟ ولا شكَّ أن هذا من المنكرات التي أحدثتها النساء في هذا الزمان؟

إذا تقرر كلٌّ ما سبق فإن أرى حرمةَ ذهابِ النساء مطلقاً لحمامات “الساونا” لما في ذلك من المفاسد الكثيرة، ومنها كشف العورات، والخشية من وجودِ تصويرٍ خُفيةً، سواء كان لفضولٍ أو ابتزازٍ أو إسقاطٍ، ولغير ذلك من المفاسد.

ويضافُ إلى ذلك توفر الحمامات في بيوت كلِّ الناس تقريباً، وتفي هذه الحمامات بالغرض وزيادة. قال الشيخ عبد الله الجبرين: [ففي إمكان المرأة أن تنظف جسمها في بيتها، ففي كل بيتٍ غالباً مستحماتٍ محتويةٍ على المطلوب، وتوجدُ الأجهزة التي تحصل بها النظافة، من دلك الجسم وغسل الشعر واستعمال المنظف والمزيل وما أشبه ذلك، دون أن تخرج من بيتها وتدفع مالاً لأهل تلك الحمامات، وتعطي المرأة التي تقوم بتدليك جسمها،

وكل ذلك مما لا حاجةَ إليه.] ibn-jebreen.com/fatwa/home/view/5184#.Ys-0gXZBzIU

وختاماً أذكرُ نصيحةً غاليةً للشيخ العلامة محمد العثيمين حيث قال: [ نصيحتي لإخواني ألا يُمكنوا نساءَهم من دخول نوادي السباحة والألعاب الرياضية، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حثَّ المرأةَ أن تبقى في بيتها، فقال وهو يتحدث عن حضور النساء للمساجد، وهي أماكن العبادة والعلم الشرعي: (لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ) وذلك تحقيقاً لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} ثم إن المرأة إذا اعتادت ذلك تعلقت به تعلقاً كبيراً لقوة عاطفتها، وحينئذ تنشغلُ به عن مهماتها الدينية والدنيوية ويكون حديث نفسها ولسانها في المجالس. ثم إن المرأة إذا قامت بمثل ذلك كان سبباً في نزع الحياء منها، وإذا نُزعَ الحياءُ من المرأة، فلا تسأل عن سوء عاقبتها، إلا أن يمنَّ اللهُ عليها باستقامةٍ تعيد إليها حياءها الذي جُبلت عليه.

وإني حين أختم جوابي هذا أكررُ النصيحةَ لإخواني المؤمنين، أن يمنعوا نساءهم من بنات أو أخوات أو زوجات أو غيرهن ممن لهم الولاية عليهن من دخول هذه النوادي، وأسأل الله تعالى أن يمنَّ على الجميع بالتوفيق والحماية من مضلات الفتن إنه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.] فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين لمجلة الدعوة العدد 1765/54.

وخلاصة الأمر أن الأصلَ المقررُ في شرعنا الطاهرِ أن أحوالَ المرأةِ المسلمةِ مبنيةٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السِّتْرِ، والأصلَ أيضاً أنه يجبُ على المرأةِ المسلمةِ القرارُ في البيت فلا تخرج لغير حاجةٍ.

وأن جمهور الفقهاء على أن عورةَ المرأةِ المسلمةِ على المرأةِ المسلمةِ ما بين السُّرَةِ والرُكبة.

وأني قد رأيتُ خلافَ هذا القولِ بعدما كنتُ أقولُ به، ومعلومٌ عند العلماء أن الفتوى تتغيرُ بسببِ فسادِ أخلاقِ أهلِ الزمانِ وتساهلِهم في الأحكام الشرعية، وشيوعِ الفسقِ بين كثيرٍ من النساء، وقد ظهر الفسادُ في المجتمع ظهوراً واضحاً جلياً، وعدم مبالاة كثيرٍ من الناس رجالاً ونساءً بالأحكام الشرعية، وانتشرت الأخلاقُ الفاسدةُ في المجتمعِ وتفشت المنكراتُ. وكلُّ ذلك يؤثرُ في تغييرِِ تنزيلِِ بعضِ الأحكامِ الشرعية.

وأني قد رأيتُ أن القولَ الأحوطَ في عورةِ المرأة مع المرأة المسلمة وأبعدها عن الريبةِ والفتنةِ، فضلاً عن أنه يتماشى مع ظاهرِ القرآن الكريم، وهو أن عورةَ المرأة عند أختها المسلمة هو ما يظهرُ غالباً، أي مواضع الزينة، تماماً كالذي تظهرهُ المرأةُ عند محارمها.

وأنه بناءً على ما سبق من القولِ الأحوطِ في عورةِ المرأة مع المرأة المسلمة أنها ما يظهرُ غالباً، أي مواضع الزينة، فلا يجوزُ للمرأة أن تكشفَ عن جسدها كاملاً أمام امرأة أخرى أياً كانت، ولا أن تكشفَ ما بين السرة والركبة أمام المسلمة.

وأن حكمَ دخولِ الحمامات التي كانت معروفة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الصحابة وسلف الأمة، وهي حماماتٌ عامة -ولا يُقصد بالحمامات ما هو موجود في البيوت- قد اختلف الفقهاء في حكمِ دخولها، فمنهم من قال بالتحريم، ومنهم من قال بالجواز للضرورة، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من قال بالجواز بشروطٍ، وغير ذلك، والذي يظهرُ لي بالتأمل في أقوال الفقهاء وأدلتهم أن القول بتحريمَ دخول الحمامات هو الراجح.

وأن الأدلة التي سقتها ناهضة لتحريم ذلك.

وأنني أرى حرمةَ ذهابِ النساء مطلقاً لحمامات “الساونا” لما في ذلك من المفاسد الكثيرة، ومنها كشف العورات، والخشية من وجودِ تصويرٍ خُفيةً، سواء كان لفضولٍ أو ابتزازٍ أو إسقاطٍ، ولغير ذلك من المفاسد. ويضافُ إلى ذلك توفر الحمامات في بيوت كلِّ الناس تقريباً، وتفي هذه الحمامات بالغرض وزيادة.

وأنني في الختام ذكرتُ نصيحةً غاليةً للشيخ العلامة محمد العثيمين حيث قال: [نصيحتي لإخواني ألا يُمكنوا نساءَهم من دخول نوادي السباحة والألعاب الرياضية، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حثَّ المرأةَ أن تبقى في بيتها، فقال وهو يتحدث عن حضور النساء للمساجد، وهي أماكن العبادة والعلم الشرعي: (لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ) وذلك تحقيقاً لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}.]

والله الهادي إلى سواء السبيل