الرُّتْبةُ العلميةُ بين الحقيقةِ والانتحالِ

يقول السائل: ما قولكم فيمن ينسبُ نفسه لرتبةٍ علميةٍ وليس مستحقاً لها نظاماً، كأن يقول بأنه يحملُ درجةَ الدكتوراه، أو يكتب أمامَ اسمهِ لقب “أ.د” وهو يحملُ درجة أستاذ مساعد فقط، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: الرُّتَبُ العلميةُ لأعضاءِ الهيئةِ التدريسيةِ المتعارفُ عليها في الجامعات، هي باختصارٍ كما هو المعمول به في الجامعات الفلسطينية: (1) محاضر: وهي رتبةٌ علميةٌ تُمنحُ للحاصل على درجة الماجستير في تخصصٍ معينٍ، ومزاول لمهنة التدريس الأكاديمي في الجامعة، ضمن شروطٍ خاصةٍ.

(2) أستاذ مساعد، Assistant Professor وهو من يحملُ درجة دكتوراه فلسفة Doctorate of Philosophy، في أيٍّ من العلوم، ومنها العلوم الشرعية، واختصارها PhD، وبالعربية اختصارُها “د.” وهي رتبةٌ علميةٌ أكاديمية تُمنحُ للحاصل على درجة الدكتوراه في تخصصٍ معينٍ ومزاولٍ لمهنة التدريس الأكاديمي في الجامعة ضمن شروطٍ خاصةٍ. وتمنح لعضو هيئة التدريس من أول حصوله على درجة الدكتوراه إلى أن يُرَقَّى بعد تحقيق شروطٍ معينةٍ إلى الدرجة التي تليها، وهي:

(3) أستاذ مشارك، Associate Professor وبالعربية اختصارها “د.” وهي رتبةٌ علميةٌ أكاديميةٌ تُمنحُ لأكاديمي بعد أن يكون قد عمل لمدةٍ معينةٍ كأستاذ مساعد في الجامعة، ضمن شروطٍ خاصةٍ. ويبقى فيها إلى أن يُرَقَّى إلى الدرجة التي تليها، وهي:

(4) أستاذ Full Professor وبالعربية “رتبة الأستاذية” واختصارها “أ . د” وهي رتبةٌ علميةٌ أكاديميةٌ تُمنحُ لأكاديمي بعد أن يكون عملَ لمدةٍ معينةٍ في رتبة أستاذ مشارك Associate Professor في الجامعة، ضمن شروطٍ خاصةٍ.

والرُّتَبُ العلميةُ لأعضاءِ الهيئة التدريسية لها أنظمةٌ وتعليماتٌ تحكمها في الجامعات، وعادةً ما يكون تقويمُ عضو هيئة التدريس الذي يطلب الترقية وفق المجالات التالية:

1 -البحث والإنتاج العلميان.

2 -التدريس. ويشترط في عضو هيئة التدريس أن يمضي بين الرتبة والأخرى خمسَ سنواتٍ بالإضافة لتحقيق شروطٍ أخرى.

3 -خدمة الجامعة.

4 -خدمة المجتمع. وهنالك تفصيلاتٌ كثيرةٌ نصَّت عليها تعليماتُ الترقية في الجامعات.

ثانياً: إذا حقَّقَ عضوُ الهيئةِ التدريسيةِ شروطَ الترقيةِ في جامعته، فإن الجامعةَ تُرقيهِ إلى الرُّتَبةِ العلميةِ التي يستحقها، أي أن الرُّتَبةَ العلميةَ تُمنحُ من الجامعةِ، ولا تُنتحلُ من الشخصِ؟ فمَنْ ينتحلُ لقبَ دكتور، أو أ.د، أو أيَّ لقبٍ علميٍ دون أن يكون مستحقاً له بطريقةٍ قانونيةٍ، فهو كاذبٌ ومزورٌ، كمَنْ يدعي أنه يحملُ درجةَ الدكتوراه، وهو ما زال طالباً في مرحلةِ الدكتوراه، فهذا ما زال طالباً وليسَ دكتوراً؟ وكذا من يُطلق على نفسه لقبَ “أ.د” وهو لما يحصلُ على هذه الرتبةِ، فهو كاذبٌ ومزورٌ أيضاً.

وهنالك أسبابٌ كثيرةٌ تكمنُ وراءَ ادِّعاءِ بعض الناس أنهم يحملون الرُّتَبةَ العلميةَ وليسوا كذلك، منها: هَوَسُ التَّفْخِيم وهَواجِسُ التَّعظيم بين الأقران، لأن الحصول على الرُّتَبةِ العلميةِ ولا سيما درجة الدكتوراه التي لها مكانةٌ كبيرةٌ في مجتمعنا، حيث ينظرُ عامةُ الناس إلى “الدكتور” بشيءٍ من التبجيل والتعظيم؟

مع العلم أن عدداً كبيراً من حملةِ درجة الدكتوراه تحملهم شهاداتُهم ولا يحملونها، خاصةً في ظلِّ تهاونِ بعض الجامعات في منح لقب دكتوراه؟!

ونرى بعضَ حملةِ الدكتوراه يظنُ أنه بمجردِ حصولهِ عليها، قد ختمَ العلومَ كلها، ويظنُ أنه قد حصل على الشرفِ المرومِ، مع أن الحصولَ على درجة الدكتوراه يعتبرُ الخطوةَ الأولى على طريقِ العلمِ الطويلِ، ولا يعني أكثر من نقطةِ بدايةِ السير في مسيرة طلبِ العلمِ، أو بدايةِ رحلةٍ طويلةٍ في دروبِ العلم والمعرفة، وخاصةً ما يتعلق بالبحث العلمي.

ومن أسبابِ ادِّعاءِ بعضِ الناسِ أنهم يحملون الرُّتَبةَ العلميةَ، التكبرُ والتعالي على الناسِ، مع أن الأصلَ في طالبِ العلم هو التواضع، والعَالِمُ أولى بذلك، كما هو شأنُ علماءِ السلف، قال يحيى بن معين: [ما رأيتُ مثلَ الإمام أحمد، صحبناهُ خمسين سنةً، ما افتخرَ علينا بشيءٍ مما كان فيه من الخير] سير أعلام النبلاء11/214.

وقال الإمام الذهبي: [كان الخليلُ بن أحمد الفراهيدي رأساً في لسان العرب، ديناً، ورعاً، قانعاً، متواضعاً، كبير الشأن] سير أعلام النبلاء 7/430.

وقال عمر بن علي البزار تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية عنه: [وأما تواضعُ ابن تيمية، فما رأيتُ ولا سمعتُ بأحدٍ من أهلِ عصرهِ مثلهُ في ذلك، كان يتواضعُ للكبير والصغير والجليل والحقير والغني الصالح والفقير، وكان يدني الفقيرَ الصالحَ ويكرمهُ ويؤنسهُ، ويباسطهُ بحديثهِ المُستحلى زيادةً على مثله من الأغنياءِ، حتى إنه ربما خدمهُ بنفسه، وأعانهُ بحملِ حاجتهِ جبرًا لقلبهِ وتقرُّبًا بذلك إلى ربِّهِ] الأعلام العلية للبزار ص50. وغير ذلك كثيرٌ.

يا طلبةَ العلمِ تواضعوا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ، وَلاَ يَبغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) رواه مسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً: (فمَا تَوَاضَعَ أُحُدٌ إِلَاّ رَفَعَهُ اللهُ) رواه مسلم، وإياكم والغرور، فإنه يقصمُ الظهورَ، واعلموا أن “الإناء الفارغ يُصدرُ رنيناً أعلى من الإناء الممتلئ، وأغصانُ الأشجارِ التي تحمل ثماراً تتجه إلى الأسفلِ لثقلِ ما بها من الخير، بينما ترتفعُ الأغصانُ الفارغة إلى أعلى، وسيظلُ التواضعُ شيمةً من شِيمِ العلماءِ الذين يستحضرون عظمةَ من منحهم العلمَ، فيخشونهُ حقَّ الخَشيةِ، وتستحي قلوبُهم من أن تشوبها شائبةُ كِبْرٍ في حضرةِ الوهابِ العظيمِ، الذي إن شاءَ منحَ، وإن شاء منعَ، فالعالمُ الحقُّ هو مَنْ يُدركُ أنه لم يؤتَ شيئاً على علمٍ عنده، وأنه لم يؤتَ من العلمِ إلا قليلاً.] www.almothaqaf.com

ومن أسبابِ ادِّعاءِ بعضِ الناسِ أنهم يحملون الرُّتَبةَ العلميةَ كمن يزعم أنه عَلَّامةٌ، آفةُ النَّرجِسية التي تصيبُ بعض الناس، وتحدث اضطراباً في الشخصية، والصفة الأساسية في الشخصية النَّرجِسية هي الأنانية، وتتميزُ

بالغرور والكِبْر والتعالي، ويصاحبُ الشخصَ النرجسي الشعورُ الدائم بالعظمة، وأنه شخصٌ نادرٌ لا مثيلَ له، وخاصةً بين أقرانه، فيدّعي أنه الأعلم في كل العلوم وليس له مثالٌ، وهذا ما يسمى بجنون العظمة، ويترتب على ذلك أن الشخص النرجسي مفتونٌ بنفسه فيصيبه الغرورُ والكِبْرُ، لذا تجده كثيرَ المديح لنفسه، ويكثرُ الحديثَ عن أعماله العلمية بشكلٍ دائمٍ ومبالغٍ فيه، ويصاحبهُ مرضُ “الأنا”! وهذه الشخصية النَّرجِسية موجودة عند بعض المنتسبين للعلم الشرعي مع الأسف، ونقف على نرجسيتهم في مدح أنفسهم والثناء الدائم على انتاجهم العلمي، وأنهم قد جاءوا بما لم تأتِ به الأوائلُ، على حدِّ زعمِ أبي العلاء المعري حينما قال:

وإني وإن كنْتُ الأَخيرَ زمانُهُ لآتٍ بـمـا لــم تأتِ به الأوَائـــلُ

وهذه النَّرجِسيةُ تظهرُ عند بعض المنتسبين للعلمِ الشرعي بوضوحٍ في كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وفيما ينشرونه من إنتاجهم العلمي، ويكادُ الواحدُ منهم يزعمُ أنه شافعيُّ زمانه، وينسى هؤلاء مقولةَ أبي عَمرو المازني: [مَا نَحْنُ فيمن مَضَى إلاّ كبَقْلٍ قِصارٍ في أُصولِ نَخْلٍ طُوالٍ، فما عسى أن نقولَ نحنُ، وأفضلُ منازلنا أن نفهمَ أقوالهم، وإن كانت أحوالُنا لا تشبهُ أحوالهم].

ومقولةَ الإمام سفيان الثوري عن نفسه: “ليتني أنقلب منه -علم الحديث- كَفافًا لا ليَ ولا عليَّ”. جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 3/276.

ومقولةَ الإمام أحمد بن حنبل لما قال بعض أصحابه: “جزاكَ اللهُ عن الإسلامِ خيراً، فتغير وجههُ وعلا الغمُّ قسماتِ وجهه، فقال: بل جزى اللهُ الإسلامَ عني خيراً، مَنْ أنا؟! وما أنا؟!” سير أعلام النبلاء ١١/٢٢٥.

ثالثاً: إذا تقرر ما سبق فإن مَنْ ينسبُ نفسَهُ لرتبةٍ علمية وليس مستحقاً لها نظاماً، فإنه ينطبقُ عليهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:(المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) قال الإمام البخاري في صحيحه:[باب المُتَشَبِّعُ بما لم ينل، وما ينهى من افتخار الضرة] ثم روى بإسناده عن أسماء رضي الله عنها أنَّ امْرَأَةً قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ لي ضَرَّةً، فَهلْ عَلَيَّ جُناحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِن زَوْجِي غيرَ الذي يُعْطِينِي؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (المُتَشَبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ) وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه أيضاً.

قال الحافظُ ابن حجرٍ العسقلاني: [قوله(المُتَشَبِّعُ)أي المتزينُ بما ليس عنده يتكثرُ بذلك ويتزينُ بالباطل…وأما حكمُ التثنية في قوله: (ثَوْبَيْ زُورٍ)

فللإشارةِ إلى أن كذبَ المتحلي مثنىً، لأنه كذبَ على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعط، وكذلك شاهدُ الزور يظلمُ نفسه ويظلمُ المشهودَ عليه. وقال الداودي: في التثنية إشارةٌ إلى أنه كالذي قال الزورَ مرتين، مبالغةً في التحذير من ذلك] فتح الباري 9/317.

وقال الإمام النووي:[قال العلماء: معناه المتكثرُ بما ليس عنده بأن يُظهرَ أن عنده ما ليس عنده، يتكثرُ بذلك عند الناس، ويتزينُ بالباطل، فهو مذمومٌ كما يُذمُّ من لبس ثوبي زور. قال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبسُ ثيابَ أهلِ الزهدِ والعبادةِ والورعِ، ومقصودهُ أن يُظهر للناس أنه متصفٌ بتلك الصفة، ويُظهرُ من التخشعِ والزهدِ أكثرَ مما في قلبه، فهذه ثيابُ زورٍ ورياءٍ. وقيل هو كمَنْ لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له…وحكى الخطابي قولاً آخر: أن المراد هنا بالثوبِ الحالة والمذهب، والعربُ تكني بالثوب عن حالِ لابسهِ، ومعناه أنه كالكاذبِ القائلِ ما لم يكن.] شرح النووي على صحيح مسلم 4/291.

وورد في حديث آخر قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً) رواه مسلم، قال الإمام النووي:[قال القاضي عياض: هو عامٌ في كلِّ دعوى يتشبعُ بها المرءُ بما لم يُعطَ من مالٍ يختالُ في التجمل به من غيره، أو نسبٍ ينتمي إليه، أو علمٍ يتحلى به، وليس هو من حملتهِ، أو دينٍ يُظهره، وليس هو مِنْ أهله، فقد أعلمَ صلى الله عليه وسلم أنه غيرُ مباركٍ له في دعواه، ولا زاكٍ ما اكتسبه بها] شرح النووي على صحيح مسلم 1/223.

وورد في رسالة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قوله:( مَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمَنْ تَزَّيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْسِهِ شَانَهُ اللَّهُ). قال العلامة ابن القيم في شرح هذا الأثر:[ قوله:( مَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمَنْ تَزَّيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْسِهِ شَانَهُ اللَّهُ) هَذَا شَقِيقُ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِشْكَاةِ الْمُحَدِّثِ الْمُلْهَمِ، وَهَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ مِنْ كُنُوزِ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَحْسَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْهُمَا نَفْعُ غَيْرِهِ، وَانْتَفَعَ غَايَةَ الِانْتِفَاعِ: فَأَمَّا الْكَلِمَةُ الْأُولَى فَهِيَ مَنْبَعُ الْخَيْرِ وَأَصْلِهِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلُ

الشَّرِّ وَفَصْلُهُ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ قَصْدُهُ وَهَمُّهُ وَعَمَلُهُ لِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَرَأْسُ التَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ خُلُوصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا غَالِبَ لَهُ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَغْلِبُهُ أَوْ يَنَالُهُ بِسُوءٍ؟ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ مَعَ الْعَبْدِ فَمَنْ يَخَافُ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَمَنْ يَرْجُو؟ وَبِمَنْ يَثِقُ؟ وَمَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ بَعْدِهِ؟ فَإِذَا قَامَ الْعَبْدُ بِالْحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ وَعَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا، وَكَانَ قِيَامُهُ بِاَللَّهِ وَلِلَّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَادَتْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ لَكَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَتَهَا، وَجَعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا؛ وَإِنَّمَا يُؤْتَى الْعَبْدُ مِنْ تَفْرِيطِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ فِي اثْنَيْنِ مِنْهَا، أَوْ فِي وَاحِدٍ؛ فَمَنْ كَانَ قِيَامُهُ فِي بَاطِلٍ لَمْ يُنْصَرْ، وَإِنْ نُصِرَ نَصْرًا عَارِضًا فَلَا عَاقِبَةَ لَهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ، وَإِنْ قَامَ فِي حَقٍّ لَكِنْ لَمْ يَقُمْ فِيهِ لِلَّهِ وَإِنَّمَا قَامَ لِطَلَبِ الْمَحْمَدَةِ وَالشَّكُورِ وَالْجَزَاءِ مِنْ الْخَلْقِ أَوْ التَّوَصُّلِ إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا، وَالْقِيَامُ فِي الْحَقِّ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، فَهَذَا لَمْ تُضْمَنْ لَهُ النُّصْرَةُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا ضَمِنَ النُّصْرَةَ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَقَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، لَا لِمَنْ كَانَ قِيَامُهُ لِنَفْسِهِ وَلِهَوَاهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَلَا مِنْ الْمُحْسِنِينَ، وَإِنْ نُصِرَ فَبِحَسَبِ مَا مَعَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْصُرُ إلَّا الْحَقَّ، وَإِذَا كَانَتْ الدَّوْلَةُ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ فَبِحَسَبِ مَا مَعَهُمْ مِنْ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ مَنْصُورٌ أَبَدًا؛ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُحِقًّا كَانَ مَنْصُورًا لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِبَةٌ، وَإِذَا قَامَ الْعَبْدُ فِي الْحَقِّ لِلَّهِ وَلَكِنْ قَامَ بِنَفْسِهِ وَقُوَّتِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِاَللَّهِ مُسْتَعِينًا بِهِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ مُفَوِّضًا إلَيْهِ بَرِيًّا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ فَلَهُ مِنْ الْخِذْلَانِ وَضَعْفِ النُّصْرَةِ بِحَسَبِ مَا قَامَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدَيْنِ فِي أَمْرِ اللَّهِ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، وَصَاحِبُهُ مُؤَيَّدٌ مَنْصُورٌ وَلَوْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ زُمَرُ الْأَعْدَاءِ]إعلام الموقعين 2/275-279.

رابعاً: ينبغي التنبيه إلى أن العلم الشرعي وغيره من العلوم ليس محصوراً في حملة الشهادات العلمية، ولكن في زماننا صار الحصول على الشهادات العليا وسيلةً من وسائل العلم، [ومما لا شك فيه أن الشهادات العلمية تشكلُ مؤشراتٍ لا يستهانُ بها في مجال التحصيل العلمي والمعرفي، ولكن المبالغةَ في تبجيلها وتعظيمها وإضفاءِ الهالةِ على حامليها، يجعلُ من الأمرِ قضيةً

إشكاليةً يجبُ أن تعالج، وأن تخضعَ للبحثِ والتحليلِ خارجَ دائرة التقديس والتمجيد.

وخلاصةُ القولِ أن الحصولَ على الشهاداتِ العاليةِ لا يعني أبداً الحصولَ على مطلقِ المعرفةِ، وأن حَمَلةَ هذه الشهاداتِ يمكن أن يكونوا على درجةٍ متواضعةٍ من العلم والمعرفة، لأن الشهادةَ بدايةُ الطريق وليست منتهاها. وأن هذه الألقاب التي تزين صدور حامليها ليس لها أن تجعلهم فوق الآخرين، ولا تمنحهم التفوقَ العلمي والأكاديمي. وأن التفوقَ مرهونٌ بالنشاطِ والعملِ والتدرجِ في مراتبِ المعرفةِ ومدارجِ العلمِ.] www.almothaqaf.com

وخلاصة الأمر أن الرُّتَبَ العلميةَ لأعضاءِ الهيئة التدريسية لها أنظمةٌ وتعليماتٌ تحكمها في الجامعات.

وأنه إذا حقَّقَ عضو الهيئة التدريسية شروطَ الترقية في جامعته، فإن الجامعة تُرقيه إلى الرُّتَبةِ العلميةِ التي يستحقها، أي أن الرُّتَبةَ العلميةَ تُمنحُ من الجامعة، ولا تُنتحلُ من الشخص؟ فمَنْ ينتحلُ لقبَ دكتور، أو أ.د، أو أيَّ لقبٍ علميٍ دون أن يكون مستحقاً له بطريقةٍ قانونيةٍ، فهو كاذبٌ ومزورٌ، كمَنْ يدعي أنه يحملُ درجةَ الدكتوراه، وهو ما زال طالباً في مرحلة الدكتوراه، فهذا ما زال طالباً وليس دكتوراً؟ وكذا من يُطلق على نفسه لقب “أ.د” وهو لما يحصلُ على هذه الرتبة، فهو كاذبٌ ومزورٌ أيضاً.

وأن أسباباً كثيرةً تكمنُ وراء ادِّعاءِ بعضِ الناسِ أنهم يحملونَ الرُّتَبةَ العلميةَ وليسوا كذلك، منها: هَوَسُ التَّفْخِيم وهَواجِسُ التَّعظيم بين الأقران، لأن الحصولَ على الرُّتَبةِ العلميةِ ولا سيما درجةَ الدكتوراه التي لها مكانةٌ كبيرةٌ في مجتمعنا، حيث ينظرُ عامةُ الناس إلى “الدكتور” بشيءٍ من التبجيل والتعظيم!

وأن من أسبابِ ادِّعاءِ بعضِ الناسِ أنهم يحملون الرُّتَبةَ العلميةَ، التكبرُ والتعالي على الناسِ، مع أن الأصلَ في طالبِ العلم هو التواضع، والعَالِمُ أولى بذلك، كما هو شأنُ علماءِ السلف.

وأن مَنْ ينسبُ نفسَهُ لرتبةٍ علميةٍ وليس مستحقاً لها نظاماً، فإنه ينطبقُ عليهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:(المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ)

وأن العلمَ الشرعي وغيرَه من العلوم ليس محصوراً في حملة الشهادات العلمية، ولكن في زماننا صار الحصول على الشهادات العليا وسيلةً من وسائل العلم.

وأن الشهادةَ بدايةُ الطريق وليست منتهاها. وأن هذه الألقاب التي تزين صدور حامليها ليس لها أن تجعلهم فوق الآخرين، ولا تمنحهم التفوقَ العلمي والأكاديمي. وأن التفوقَ مرهونٌ بالنشاطِ والعملِ والتدرجِ في مراتبِ المعرفةِ ومدارجِ العلمِ.

والله الهادي إلى سواء السبيل