escort bayanankara escortizmir escortbodrum escortyalova escorttunceli escortdenizli escortedirne escortzonguldak escortkonya escortescort bayanescort bayankizilay escortankara escortmaltepe escortatasehir escortatasehir escortgöztepe escortkadıköy escortümraniye escortkadıköy escortpendik escortkurtköy escortkartal escortmaltepe escortavrupa yakasi escortmaltepe escortkartal escorterenköy escortmaltepe escortanal yapan escortataşehir escortgöztepe escortmaltepe escortkartal escortistanbul escortkurtköy escortmaltepe escortpendik escortkadıköy eskortbostancı escortgöztepe escortgöztepe escortpendik eskortkurtkoy escortkadiköy escortbostanci escortgöztepe escorteve gelen escortanal yapan escortüsküdar escort50 tl escortkaliteli escortpendik ögrenci escortatasehir üniversiteli escortkadikoy escortatasehir escortanadolu yakasi escortümraniye escortescort bayanümraniye escortescort bayanmaltepe escortümraniye escorttuzla escortmaltepe eskortkartal escortatasehir escortkadiköy escortizmir escortsex hikayeyeni seks hikayegerçek sex hikayeporno hikayepornoporn videosreal pornreklamsiz pornoporno izleporno izledizitiktok takipcidizi haberpdf kitap indirhayvan sahiplenkoniksnasil gidilirprefabrik ev fiyatlaridomain analysisphp shellfree themewordpress themewp themewordpresshacklinkhacklink paneliphp shellphp shell

وقفاتٌ علميةٌ في مسألةِ الإلزامِ باتباعِ مذهبٍ فقهيٍ من المذاهبِ الأربعةِ

أعدتُ نشرَ فتوى قديمة لي على مجموعة علماء ودعاة فلسطين على “الواتس أب” بعنوان”اتباع مذهب فقهي واحد” وكان السؤال: هل المسلم ملزمٌ باتباع مذهبٍ فقهيٍ من المذاهب المعروفة اليوم كالمذاهب الأربعة؟

وقد أثارت الفتوى المذكورة ردوداً من بعض الإخوة المشاركين في المجموعة، وقد تسرَّع بعض الأخوة الكرام في الردود وقوَّلوني ما لم أقل!؟ وكتب أحدهم تعليقاً بعنوان:[وقفة سريعة مع فتوى خطيرة لفضيلة الدكتور حسام الدين عفانة] وقال في آخر تعليقه:[ هذه بعض ملاحظات كتبتها على عجالة عبر الجوال، والا فان في الفتوى ملاحظات اخرى غير مقبولة] وقال أيضاً:[ فظاهر قول الدكتور حسام الذي احسن الظن به انه لا يقصده لكن التعبير خانه، فينبغي تعديل الفتوى]!!؟؟

وسنرى من خلال هذا المقال الكلام المقبول من غير المقبول؟ ومَنْ الذي خانه التعبير؟ ومَنْ الذي سيعدل فتواه؟ لأنه قولني ما لم أقل!؟

وأقول أولاً: إن مسائل العلم الشرعي لا تُتناول بالسرعة والعجلة، وإنما بالتروي والتدقيق!

ثانياً: من المبادئ التي نُدرسها لطلابنا في الفقه المقارن مسألة تحرير محل النزاع في المسائل الخلافية، أي أننا ننظر إلى موضع الاختلاف بالتحديد، قال أستاذنا الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عن تحرير محل النزاع بأنه:[ تعيين نقطة الخلاف بالتحديد، وبيان مقصود المتخالفين حتى يظهر منذ البداية إذا كان مقصودهما متحداً، أو أن أحدهما يقصد خلاف ما يقصده الآخر] منهج البحث في الفقه الإسلامي ص 209.

ولم يحرر الأخ المعترض محل النزاع في المسألة، فلذا كان كلامي في وادٍ واعتراضه في وادٍ آخر، وحبذا لو أنه حرر محل النزاع لما وقع في تقويلي ما لم أقل!؟ وليته فعلَ كما فعلَ أخٌ آخر مخاطباً الأخ المعترض بقوله: [للإنصاف فضيلة الدكتور حسام، لا يرفض التمذهب، بل يرفض جعل ذلك أمراً لازماً في الدين ولعلماء الشريعة، أي يرفض الإلزام بالتمذهب ولا يرفض التمذهب. وفرقٌ كبيرٌ بين الأمرين كما لا يخفى على شريف علمكم.]

وهذا هو الحقُّ والصوابُ، فأنا لم أمنع التمذهب بالمذاهب الأربعة، ولم أمنع تقليد مذهبٍ منها، وكلامي في الفتوى المذكورة في مسألة الإلزام بمذهبٍ بعينه، وهذا ظاهرٌ من السؤال ومن مطلع الجواب، فقد قلت: [يقول السائل: هل المسلم ملزمٌ باتباع مذهبٍ فقهيٍ من المذاهب العروفة اليوم كالمذاهب الأربعة ؟ الجواب: إن المسلم غيرُ ملزمٍ باتباع مذهبٍ فقهي كالمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي ]

ثالثاً: علَّق الأخ المعترض على قولي: [لأننا نعلم أن هذه المذاهب حدثت بعد عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم، وما لا يكون ديناً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وتابعيهم، لا يكون ديناً للناس بعد ذلك) فقال الأخ المعترض:[ حيث صرَّح – حسام الدين عفانة- أن المذاهب الأربعة ليست من الدِّين! وأقول إن هذا خطأٌ شنيعٌ وتهورٌ كبيرٌ، لأن كلامي عن إلزام المسلم باتباع مذهبٍ فقهي، فما ذكرته في الفقرة المنقولة كان استدلالاً على عدم صحة الإلزام بالمذهب، وليس نفياً للمذاهب الاربعة وأنها ليست من الدِّين كما زعم الأخ المعترض! ومَنْ أنا حتى أقول: [المذاهب الأربعة ليست من الدِّين] فهذا الكلام لا يقوله طالبُ علمٍ مبتدئ، وما زعمه الأخ المعترض افتراءٌ فظيعٌ عليَّ وليعرف الجميع – وهذا الذي سأذكره لاحقاً من باب وأما بنعمة ربك فحدث- ما يلي:

(1) من فضل الله تعالى عليَّ أنه كان من دراستي الشرعية في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة دراسة كتاب بداية المجتهد لابن رشد على مدى أربع سنوات، وكانت الدراسة حسب نظام السنة، يعني تسعة أشهر، وليس نظام الساعات المعتمدة.

(2) في مرحلة الماجستير في جامعة أم القرى درسنا المساقات الفقهية من كتاب المغني لابن قدامة المقدسي. وكانت الدراسة أيضاً حسب نظام السنة، يعني تسعة أشهر، وليس نظام الساعات المعتمدة.

(3) درَّستُ مساقَ الفقه المقارن عشرات المرات لطلبة البكالوريوس والماجستير، وآخرها هذا الفصل ويوم أمس كان الامتحان النهائي في المساق وكان السؤال التالي من ضمن الامتحان: [السؤال الثاني: اختلف الفقهاء في مسألة الشفعة للجار، والمطلوب: أ- تعريف الشفعة اصطلاحاً. ب- سبب اختلاف الفقهاء في المسألة. ت- أقوال الفقهاء في المسألة وذكر دليلٍ واحدٍ لكل قولٍ ووجه الاستدلال به. ث- ما المطبق في بلادنا في المسألة؟ ج- ما القول الراجح في المسألة، ولماذا ؟]

(4) المساقات التي درَّستُها لطلبة الدكتوراه كانت على منهج الفقه المقارن.

(5) درَّستُ كتابَ بداية المجتهد لابن رشد على مدى سنواتٍ لطلبة العلم في مسجد جامعة القدس.

(6) يعرفُ طلابي الذين درَّستُهم في مختلف المراحل منهجي في التعامل مع الأئمة الأربعة وغيرهم من وجوب احترامهم وتقديرهم والأدب معهم.

(7) الذي أُدرِّسهُ لطلابي أن الفقه المقارن: هو دراسة آراء فقهاء المسلمين – أصحاب المذاهب وقبلهم فقهاء الصحابة والتابعين وفقهاء الحديث – في مسألة معينة بعد تحرير محل النزاع فيها مقرونة بأدلتها ووجوه الاستدلال بها ومعرفة سبب الاختلاف ثم مناقشة الأدلة والموازنة بينها وترجيح ما هو أقوى دليلاً. ولا يصح حصرُ الفقه في المذاهب الفقهية الأربعة.

رابعاً: زعم الأخ المعترض أن هنالك إجماعاً على وجوب اتباع مذهب فقهي من المذاهب الأربعة، وهذا كلامٌ غيرُ صحيحٍ، لأن العلماء قد اختلفوا في المسألة، فمنهم قال بالوجوب ومنهم من قال بالجواز ومنهم من منع، فكيف تكون المسألةُ محلَّ إجماعٍ!؟ فادِّعاءُ وجوبُ اتباعِ مذهبٍ فقهي من المذاهب الأربعة، منقوضٌ بأقوال أهل العلم الذين قالوا بجواز التزام العامي لمذهب معين، وعدم وجوبه وبه قال الحنفية كما في التحرير مع التقرير والتحبير (3/ 350) فتح الغفار (3/ 42) تيسير التحرير (4/ 253) القول السديد (32) فواتح الرحموت (2/ 406) سلم الوصول (4/ 618 وما بعدها). ويفهم من كلام المالكية كما في مختصر المنتهى مع شرح العضد (2/ 309) شرح تنقيح الفصول (432) تقريب الوصول (447) البحر المحيط (6/ 319) نثر الورود (2/ 658). واختاره أكثر الشافعية كما في الوصول (2/ 368) الإحكام (4/ 238) روضة الطالبين (8/ 101) قواعد الأحكام (2/ 135) التحقيقات في شرح الورقات (643) شرح العضد (2/ 309) البحر المحيط (6/ 319)]، وهو أشهر الوجهين عند الحنابلة، واختاره أكثرهم كما في مجموع الفتاوى (20/ 209) أصول ابن مفلح (ط: العبيكان 4/ 1562) إعلام الموقعين (4/ 201) الإنصاف (11/ 194) لوامع الأنوار البهية (2/ 465). ، وهو قول الجمهور كما في أصول ابن مفلح (ط: العبيكان 4/ 1562) الإنصاف (11/ 194).

واستدل الجمهور على جواز التمذهب وعدم وجوبه بما يلي:

الدليل الأول: أن الصحابة كانوا يجيزون للعامي أن يستفتي بعضهم في مسألة، وبعضهم الآخر في مسألة أخرى، ولم ينقل عن أحد منهم الإنكار. انظر نهاية الوصول (8/ 3920) البحر المحيط (6/ 319) إرشاد الفحول (453). ثم إن سلف الأمة لم يلزموا العامة بتقليد واحدٍ منهم، بل كان الناس يقلدون مَنْ شاءوا من أهل العلم. انظر أدب الفتوى (139) صفة الفتوى (72) إعلام الموقعين (4/ 201) البحر المحيط (6/ 319).

الدليل الثاني: أنه لم يوجب أحدٌ من الأمة اتباعَ رجلٍ معينٍ في كل ما يقول، وقد أُثر عن السلف أن كلَّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم. انظر مجموع الفتاوى (20/ 209) إعلام الموقعين (4/ 201) التقرير والتحبير (3/ 350) تيسير التحرير (4/ 253). انظر لمزيد من التفصيل الرابط التالي: https://www.alukah.net/sharia

وقال الأخ المعترض: [قال فضيلته- حسام الدين عفانة- بالنص: [ولا يلزم أحد قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره .وهذه بدعةٌ قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدراً] وهذا اطلاق مخالف للإجماع الذي انعقد قرونا متطاولة على التمذهب والانتساب لمذهب معين منذ اكثر من الف عام ] وقد عجبتُ من قوله هذا، بأنه مخالفٌ للإجماع؟ فكلامي في مسألة: [التمذهب بمذهب رجلٍ من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره ] فهل هذه المسألة محل إجماع؟ وأين هو الإجماع مع وجود الخلاف فيها قديماً، قال ابن مفلح :[ وذكر بعض أصحابنا –الحنابلة- والمالكية والشافعية: هل يلزمه التمذهب بمذهب والأخذ برخصه وعزائمه؟ على وجهين: أشهرهما: لا -كجمهور العلماء- فيتخير، وعند بعض أصحابنا وبعض الشافعية: يجتهد في أصح المذاهب فيتبعه. والثاني: يلزمه.

واختار الآمدي: منع الانتقال فيما عمل به. وقال بعض أصحابنا: “في لزوم الأخذ برخصه وعزائمه طاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإِجماع…] أصول الفقه لابن مفلح 4/562.

وجاء في فتوى للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بعنوان: [التزام الفرد العادي مذهباً من المذاهب الفقهية المعروفة. السؤال: هل يلزم المسلم أو المسلمة الجديدة اتباع مذهب معين من مذاهب الفقه المعروفة: حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي؟ وإذا لزِمَ ذلك فهل يجوز له أو لها اختيار المذهب الفقهي كما يريدان؟ وماذا عن مذهب المرأة، هل تُلزَم عند الزواج باتباع المذهب الفقهي للزوج؟

الجواب: اتباع مذهب من المذاهب الفقهية (الأربعة أو غير الأربعة) ليس بلازمٍ ولا واجبٍ شرعًا، إذ لا واجب إلا ما أوجبه اللهُ تعالى ورسولهُ صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب اللهُ ولا رسولهُ اتباعَ أبي حنيفة أو مالك أو غيرهما. إنما أوجب اتباعَ الكتاب والسنة، فهما المصدران المعصومان اللذان لا يضلان ولا يخطئان، وكلُّ أحدٍ بعد ذلك يُؤخذ من كلامه ويُترك. وقد ثبت أن الأئمة المتبوعين أنفسهم نهوا عن تقليدهم. على أنه من المقرر لدى الفقهاء: أن العاميَّ لا مذهبَ له، وإنما مذهبهُ مذهبُ من يفتيه. ويُراد بالعامي: من لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام، والقدرة على الموازنة بينها، ومعرفة قويها من ضعيفها، فهذا ليس له مذهبٌ، لأن اختيار مذهب يعنى ترجيح أصوله على أصول غيره، وهذا لا يقدرُ عليه إلا العالمُ المتمكنُ الذي بلغ درجة النظر والترجيح. وأما من عداه فهو العامي الذي قالوا: إن مذهبه مذهبُ من يفتيه من العلماء، فكلما عرضت له قضية يجهل حكمها سأل عنها أي عالمٍ من علماء الشرع المعتبرين، فأفتاه بحكمها وفق اجتهاده إن كان مجتهدًا، أو وفق مذهبه إن كان مقلدًا، فعلى السائل أن يأخذ بفتواه ويتبعه فيما أجابه فيه، كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل: 43، وقال الرسولُ الكريم صلى الله عليه وسلم في شأن قوم: “ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العِيّ السؤال”…والذي نرجحه ونراه أرفق بالمسلمين الجدد: ألا يلتزموا بمذهبٍ معينٍ، فهذا قد يُضَيِّق عليهم كثيرًا مما وسع الله فيه، ولا مبررَ لأن نفرض عليهم المذهبية الضيقة، وحسبهم الدخول في الإسلام الرحب بنصوصه ومقاصده، فقد يضيق بهم مذهبٌ ويسعهم آخر، ويعسّر عليهم مذهبٌ وييسّر عليهم غيره. ونحن مأمورون بالتيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، وخصوصًا مع الداخلين الجدد في دين الله تعالى.] https://www.e-cfr.org

وقال د. محمد مصطفى الزحيلي: [ أولًا: الالتزام بمذهب معين: إن طريق العامي، وغير المتأهل للاجتهاد، لمعرفة الأحكام الشرعية هو التقليد، وعليه أن يسأل أهل العلم عما يحتاج إلى معرفته من أحكام شرعية. وبعد استقرار المذاهب الأربعة بين الناس، وقيام أتباع المذاهب ببيان الأحكام الشرعية حسب مذهب كل منهم، فهل يجبُ على الإنسانِ الالتزامُ بمذهب فقهي معين؟ يكاد أن يتفق العلماء على أن المستفتي إذا سأل عن مسألة وعرف حكمها وعمل به، فليس له أن يرجع عنه، ليأخذ بغيره في نفس الواقعة؛ لما فيه من استقرار التعامل، وحسم باب النزاع في معاملات الناس، فإن لم يعمل به جاز له الرجوع. وإذا عمل الشخص بواقعة بمذهب إمامٍ، ومفتٍ معينٍ، فلا يلزمه الالتزامُ به أو بمذهبه، ويجوز له أن يسأل غيره، وبالتالي يعملُ في الواقعة الأخرى من مذهبٍ آخر؛ ولا يلزمهُ الاستمرارُ على مذهبٍ معين، ويجوز له الانتقالُ منه إلى مذهبٍ آخر، لأن اللَّه تعالى أوجب الالتزام بقول اللَّه تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب التزام قول آخر، ولا واجبَ إلا ما أوجبه اللَّهُ ورسولهُ، ولم يوجب اللَّهُ والرسولُ التزام مذهب معينٍ، وليس التزامُ مذهبٍ نذراً حتى يجب الوفاء به، وكلُّ ما أوجبه اللَّهُ تعالى أنه طلب سؤال أهل العلم والاختصاص، فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل: 43، ولأن المستفتيين المقلدين في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يلتزموا بمذهبٍ معين، أو إمامٍ معين، أو عالمٍ معين، بل يسألون من يتهيأ لهم دون تقييد بواحد دون آخر، ولأن الالتزام بمذهب دون غيره يؤدي إلى الحرج والمشقة، وإن تعدد العلماء والمختصين نعمة وفضيلة] الوجيز في أصول الفقه الإسلامي 2/370.

خامساً: ما فهمه الأخ المعترض من كلامي جعله يزعم أني أقول بأن المذاهب الفقهية مبتدعة ينطبق عليها حديث كل بدعة ضلالة! وهذه فريةٌ كبيرةٌ أنا بريءٌ منها، وكلمةُ البدعة الواردة في فتواي: [وهذه بدعةٌ قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحدٌ من أئمة الإسلام وهم أعلى رتبةً وأجلُّ قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك] أقول هذه العبارة منقولة من كلام العلامة ابن القيم. واسم الإشارة فيها يعود إلى الإلزام باتباع مذهبٍ فقهيٍ معينٍ (وهذه بدعةٌ قبيحة حدثت في الأمة) فأستغربُ كيف حرَّف الكلامَ ليكون عن المذاهب الفقهية؟! { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}

وكمْ من عائِبٍ قوْلاً صَحيحاً وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِ

وزعم الأخ المعترض أني وصفتُ السنةَ بالبدعةِ، والسنةُ على رأيه هي التمذهب بمذهب رجلٍ من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. والبدعةُ حسب رأيه هي القولُ بأن ذلك غير لازم؟! ولو سلمنا جدلاً أن التمذهب المذكور هو السنة كما زعم، فأين الأدلة التي تدل على ذلك؟ وأين كان أهل القرون الأولى المشهود لها بالخيرية عن هذه السنة المزعومة؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ )رواه البخاري.

سادساً: أقول لمن يوجب اتباع المذاهب الفقهية الأربعة دون غيرها، إنه يترتب على قولكم أنه لا يُؤخذ بفقه فقهاء الصحابة رضي الله عنهم! وإن هذا لشيءٌ عجابٌ، اعلموا يا طلبة العلم أن فقهاء الصحابة هم سادةُ الفقهاء بلا نزاعٍ، وأن فقه الأئمة الأربعة وغيرهم إنما يرجع إلى فقه فقهاء الصحابة رضي الله عنهم. وأين أنتم من قول النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:(عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني. وغيره من الأحاديث. هل ورد مثلُ ذلك في حقِّ الأئمة الأربعة الذين أوجبتم الأخذ بأقوالهم، ولم توجبوا الأخذَ بأقوال الخلفاءِ المهديّين الراشدين ؟! فهل يحرمُ تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ويجب تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. ما لكم كيف تحكمون؟! وقد نقل الزركشي في كتابه “البحر المحيط في أصول الفقه” فصلًا بعنوان: [في المجتهد من القدماء ومن الذي حاز الرتبة منهم” عن الكيا الهراسي، وعدَّه فصلًا عظيم النفع، وقال؛ أي: الكيا الهراسي: “اعلم أن الخلفاء الراشدين الأربعة لا شك في حيازتهم هذه الرتبة، وأُلِحق بهم أهل الشورى الذين جعلهم عمرُ رضي الله عنهم…وأما ابن مسعود فكان فقيه الصحابة، ومنتدباً للفتوى وكذلك ابن عباس، وزيد بن ثابت، ممن شهد الرسولُ صلى الله عليه وسلم بأنه أفرض الأئمة، والمعتبر تصديه لهذا المعنى مِن غير نكير، أو شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومراجعة الأولين له…] البحر المحيط في أصول الفقه 8/244. وانظر www.alukah.net/sharia ومعلومٌ أن من العلماء من قال بحجية قول الصحابي وهو قول جماعة من الحنفيّةِ والمالكيّةِ والحنابلةِ وغيرهم، وقول الصحابي يُدرس من ضمن الأدلة التبعية في علم أصول الفقه ولم يفعلوا ذلك مع أقوال أئمة المذاهب! وطالما أؤكد على كلام الإمام النووي:[ وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَذَاهِبِ السَّلَفِ بِأَدِلَّتِهَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ، وَبِذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ بِأَدِلَّتِهَا يَعْرِفُ الْمُتَمَكِّنُ الْمَذَاهِبَ عَلَى وَجْهِهَا، وَالرَّاجِحَ مِنْ الْمَرْجُوحِ، وَيَتَّضِحُ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ الْمُشْكِلَاتُ، وَتَظْهَرُ الْفَوَائِدُ النَّفِيسَاتُ، وَيَتَدَرَّبُ النَّاظِرُ فِيهَا بِالسُّؤَالِ، وَالْجَوَابِ، وَيَتَفَتَّحُ ذِهْنُهُ، وَيَتَمَيَّزُ عِنْدَ ذَوِي الْبَصَائِرِ، وَالْأَلْبَابِ، وَيَعْرِفُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ مِنْ الضَّعِيفَةِ، وَالدَّلَائِلَ الرَّاجِحَةَ مِنْ الْمَرْجُوحَةِ، وَيَقُومُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَاتِ، وَالْمَعْمُولِ بِظَاهِرِهَا مِنْ الْمُؤَوَّلَاتِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ إلَّا أَفْرَادٌ مِنْ النَّادِرِ]. مقدمة كتاب المجموع 1/5.

سابعاً: مسألة الإلزام باتباع مذهبٍ فقهي معين، ليست من مسائل الأصول المتفق عليها والمقطوع بها، بل هي من مسائل الفروع والخلاف الاجتهادية، كما هو شأنُ معظم مسائل الفقه، والاختلافُ في الفروع موجودٌ منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم ومن الشواهد على ذلك: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قَالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الأحْزَابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ. فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ) رواه البخاري.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرجَ رجلانِ في سفَرٍ؛ وحضرتِ الصَّلاةُ وليسَ معَهُما ماءٌ؛ فتيمَّما فصلَّيا، ثمَّ وجدَ الماءَ في الوقتِ، فأعادَ أحدُهُما الصَّلاةَ، ولم يُعِدِ الآخرُ، ثمَّ أتَيا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فذكرا ذلِك، فقالَ للَّذي لم يُعِدْ: أصبتَ السُّنَّةَ، وأجزأتكَ صلاتُكَ، وقالَ للَّذي تَوضَّأ وأعادَ: لَكَ الأجرُ مرَّتَينِ) رواه أبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح. ونلاحظ في هذين الحديثين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على الصحابة اختلافهم في قضايا فرعية، بل أقرَّ كلَّ طرفٍ على ما وصل إليه اجتهاده. كما أن كبار الصحابة قد اختلفوا في مسائل الفروع وهذا أمرٌ مشهورٌ معروفٌ، وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر عن جماعة من فقهاء السلف أن الاختلاف في الفروع فيه سَعَةٌ، فروى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: [الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: «لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْمَالِهِمْ، لَا يَعْمَلُ الْعَالِمُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ وَرَأَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ قَدْ عَمِلَهُ» عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: «لَقَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيُّ ذَلِكَ أَخَذْتَ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِكَ مِنْهُ شَيْءٌ» عَنْ رَجَاءِ بْنِ جَمِيلٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَجَعَلَا يَتَذَاكَرَانِ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُخَالِفُ فِيهِ الْقَاسِمَ قَالَ: وَجَعَلَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى الْقَاسِمِ حَتَّى تَبَيَّنَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «لَا تَفْعَلْ فَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِهِمْ حُمْرَ النَّعَمِ» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ أَعْجَبَنِي قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ وَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَلَوْ أَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ كَانَ فِي سَعَةٍ» وَقَالَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «هَذَا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ» وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ فِيهِ فَقَالَ: «إِنْ قَرَأْتَ فَلَكَ فِي رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَإِذَا لَمْ تَقْرَأْ فَلَكَ فِي رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «مَا بَرِحَ الْمُسْتَفْتُونَ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا فَلَا يَرَى الْمُحَرِّمُ أَنَّ الْمُحَلِّلَ هَلَكَ لِتَحْلِيلِهِ وَلَا يَرَى الْمُحَلْلَ أَنَّ الْمُحَرِّمَ هَلَكَ لِتَحْرِيمِهِ»] جامع بيان العلم وفضله 2/80. بتصرف.

وقال الشيخ ولي الله الدهلوي تحت عنوان اختلافُ الصحابة في الأحكام كثيرٌ، ما نصه: [وَقد كَانَ فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من يقْرَأ الْبَسْمَلَة وَمِنْهُم من لَا يقْرؤهَا وَمِنْهُم من يجْهر بهَا وَمِنْهُم من لَا يجْهر بهَا وَكَانَ مِنْهُم من يقنت فِي الْفجْر وَمِنْهُم من لَا يقنت فِي الْفجْر وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من الْحجامَة والرعاف والقيء وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من مس الذّكر وَمَسّ النِّسَاء بِشَهْوَة وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ مِمَّا مسته النَّار وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من أكل لحم الابل وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك] حجة الله البالغة 1/295-296 . وبعد اختلاف الصحابة والتابعين وتابعيهم اختلف الأئمةُ والعلماء في فروع الدِّين، وما الاختلافُ بين أصحاب المذاهب الأربعة عنا ببعيد. ومعروفٌ أن الإمام مالك بن أنس رفض حمل جميع المسلمين على مذهبٍ واحدٍ لما عرض عليه بعضُ الخلفاء العباسيين أن يحملوا المسلمين على ما قرره مالك في موطئه، فرفض حمل الناس على ذلك حباً في التوسعة على المسلمين وعدم التضييق عليهم. قال ابن أبي حاتم: [قال مالك: ثم قال لي أبو جعفر المنصور: قد أردت أن أجعل هذا العلم علماً واحداً، فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه! فقلت له: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك قلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأمة وكان يبعث السرايا وكان يخرج، فلم يفتح من البلاد كثيراً حتى قبضه الله عز وجل، ثم قام أبو بكر رضي الله عنه بعده، فلم يفتح من البلاد كثيراً، ثم قام عمر رضي الله عنه بعدهما، ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بداً من أن يبعث أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معلمين، فلم يزل يؤخذ عنهم كابراً عن كابر إلى يومهم هذا، فإن ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفراً . ولكن أقر أهل كل بلدة على ما فيها من العلم، خذ هذا العلم لنفسك. فقال لي: ما أبعدتَ القـولَ اكتب هذا العلـم لمحمد يعني ولده المهدي الخليفة من بعده] أدب الاختـلاف ص36-37 .

وبناءً على ما سبق فإن وصف فتواي بأنها “فتوى خطيرة” و “الاطلاقات العجيبة” تهويلٌ وتهويشٌ لا أحبُ أن يصدر عن الأخ المعترض ولا عن غيره! وكذا قول الأخ المعترض: [ما ذكره فضيلة اخي الدكتور حسام الدين عفانة خطير جدا يستوجب ردا موسعا ومن كلامه الذي لن اصفه بالباطل احتراما لابي حذيفة ] وقد ذكرتُ في الفتوى الخطيرة!؟ كلام المحقق المدقق العلامة ابن القيم: [وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا ؟ فيه مذهبان : أحدهما : لا يلزم وهو الصواب المقطوع به…] ولو طبقنا مبدأ “فتوى خطيرة، خطير جدا” على المسائل الخلافية الاجتهادية بين الأئمة لوقعنا في طامات! ومن المقرر عند المحققين من العلماء أن لا إنكارَ في المسائل الخلافية الاجتهادية. ولماذا يريد الأخ المعترض وغيرهُ ممن يوافقه الرأيَ من المشاركين في المنتدى أن يحملوا الناس على رأيهم بوجوب اتباع مذهب فقهي معين؟ ولا يقبلون من غيرهم أن يقول بخلاف ذلك؟

قال الإمام أحمد بن حنبل:[ لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم.] وينبغي أن يُعلم أن [ من نتائج الجهل بالإنكار الصحيح، تشكيكُ الناسِ بالدِّين الصحيح، والهرج فيما لا علمَ لهم به، فيكثر المُفتون بغير علمٍ، ويكثر المُنكرون عن جهلٍ، فيتحولُ الناس إلى فعل العادات الجارية لا العبادات المشروعة، ويحصل بذلك غلبة الجهل وقلة الدين] www.alukah.net/personal

ثامناً: لقد تعودتُ على احترامِ العلماء وإجلالهم، وتقديرِ كلامهم، والتأدبِ معهم، ولكن لا أحدَ معصومٌ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ودائما أكرر أمام طلابي: “لله درُّ الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله عندما قال:[ كلٌ يُؤخذ من قوله ويُترك، إلا صاحبُ هذا القبر، وأشار بيده إلى قبر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم] سير أعلام النبلاء 8/93.

وأنا شخصياً أحترم أقوالَ العلماء ولكنها ليست مقدسةً عندي لا يجوز الخروج عنها، وأنا أسيرُ على قاعدة (أقوالُ العلماء يُستدلُ لها ولا يُستدلُ بها) أي يُحتجُّ لها بالأدلة الشرعية، ولا يُحتجُّ بها على الأدلة الشرعية، قال الإمام أحمد بن حنبل: “رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كلُّه رأيٌ، وهو عندي سواء، وإنما الحُجَّةُ في الآثار” جامع بيان العلم وفضله.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ وليس لأحدٍ أن يحتجَّ بقول أحدٍ في مسائل النزاع، وإنما الحجةُ النصُّ والإجماع، ودليلٌ مستنبَطٌ مِن ذلك؛ تُقرَّرُ مقدماتُه بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء؛ فإنَّ أقوال العلماء يُحتجُّ لها بالأدلة الشرعية، ولا يُحتجُّ بها على الأدلة الشرعية] مجموع الفتاوى.

ولا شك لديَّ أن أقوالَ العلماء ليست هي الشريعة، وإنما هي اجتهاداتٌ لهم يُؤجرون عليها. والحجةُ في نصوص الكتاب والسنة عند الاختلاف. لذا أقول يلاحظُ في هذا المنتدى أن بعض الإخوة يكثرون من الاستشهاد بنصوص فقهاء المذهب الذي يقلدونه ويعتبرونها فيصلاً في مسائل الخلاف، وهذا منهجٌ خاطئٌ (فأقوالُ العلماء يُستدلُ لها ولا يُستدلُ بها).

وأقول إن العلماء غير معصومين فهم معرضون للوقوع في الخطأ، وخطأ العالم على نوعين: خطأ في الفروع، وخطأ في الأصول.

أما مسائل الفروع فهي مسائل اجتهادية، يجوز فيها الخلاف، فإذا أخطأ فيها العالم؛ بينَّا خطأه فيها، بدون تعرضٍ لشخصه. وأما مسائل الأصول، فنبين القولَ الصحيح فيها، ونحذر من أهل البدع في الجملة، وننبه إلى خطورة الداعي إلى بدعته، بدون إفراطٍ ولا تفريط، ولكن خطأهم لا يجيزُ التعرض لهم بالسب والطعن، ومعروفٌ أن أكثر الطاعنين في العلماء هم من المتعالمين وأهل الأهواء والمبتدعة والعلمانيين والليبراليين ومن لف لفهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمُّه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في الأمر ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين، أن الذي يرضى له ويغضب له أنه هو السنة، وهو الحق، وهو الدِّين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظَّم هو ويثنى عليه، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله] منهاج السنة النبوية 5/256.

وقد قرر العلماءُ أن الخلافَ في مسائل الفروع على نوعين:

الأول: خلافٌ سائغٌ مقبولٌ معتبرٌ، وهو اختلافُ العلماء في مسائل الفروع التي ليس فيها نصٌ صحيحٌ صريحٌ، أو لا يوجد فيها نصوصٌ أصلاً، وليست مجمعاً عليها، أي هي من المسائل التي للاجتهاد فيها مسرحٌ. ويشترط لهذا النوع من الاختلاف حتى يكون معتبراً، أن يكون هذا الاختلاف من أهل الفقه والبصيرة في الدِّين، وليس من أشباه العلماء، أو العوام. وهذا الخلافُ يوصف بالخلاف القوي، ومعلوم أن هذا الخلاف المعتبر له أسبابه، وهي أسباب الاختلاف السائغ المقبول، وهنالك علمٌ قائمٌ بذاته ألَّف فيه العلماءُ قديماً وحديثاً ويُعرف بعلم “أسباب اختلاف الفقهاء”. ولا شك أن مسألة التمذهب من هذا النوع.

النوع الثاني: خلافٌ غيرُ سائغٍ ولا مقبولٍ بل مردودٌ غيرُ معتبرٍ. ويكون فيما إذا خالف أحدٌ نصاً صريحاً من القرآن الكريم أو خالف نصاً من السنة النبوية قطعي الدلالة، أو خالف إجماعاً صحيحاً، أو ناقض المسلَّمات الشرعية، أو تعارض مع مقاصد الشريعة الغراء.

تاسعاً: قلتُ وما أزالُ أقولُ بالنَّصِّ الذي نقله الأخ المعترض من فتواي: [ولا يلزم أحدٌ قط أن يتمذهب بمذهب رجلٍ من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره] وكلامي مأخوذ من كلام المحقق المدقق العلامة ابن القيم: [ إذا لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأٌ أهلها من هذه النسبة] وأقول لمن يُلزم المسلمَ العامي باتباع مذهبٍ معين، هل العامي سهلٌ عليه اتباع مذهب معين؟ وهل عند العامي المقدرة على ذلك؟ إنه تكليفٌ بما لا يُطاق، ويترتبُ على القول به الحرجُ والشدةُ، والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} سورة الحج الآية 78. والشرعُ لم يأت بذلك مطلقاً.

قال الإمام النووي: [وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي، وَلَا بِمَا وَجَدَ عَلَيْهِ أَبَاهُ، هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ- أي العامي- التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ، بَلْ يَسْتَفْتِي مَنْ شَاءَ، أَوْ مَنِ اتَّفَقَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلَقُّطٍ لِلرُّخَصِ] روضة الطالبين 11/117.

وقال العلامة ابن القيم: [وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا ؟ فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزم وهو الصواب المقطوع به. إذا لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرونُ الفاضلةُ مبرأةٌ مبرأٌ أهلها من هذه النسبة، بل لا يصلح للعامي مذهب ولو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظرٍ واستدلالٍ، ويكون بصيراً بالمذاهب على حسبه أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة، بل قال أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيهٌ أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه أن القائل أنه شافعي أو حنفي أو مالكي يزعم أنه متبعٌ لذلك الإمام سالكٌ طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال. فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحد قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره.] إعلام الموقعين 4/262.

وأريد من الأخ المعترض وممن أيده في هذه المسألة أن يذكر لي الأدلةَ من القرآن الكريم والسنة النبوية على ما يلي:

(1) إلزام المسلم باتباع مذهب فقهي معين، وبالذات أحد المذاهب الأربعة. أي الزام المسلم بأن يتمذهب بمذهب رجلٍ من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره.

(2) موقف الصحابة والتابعين وأتباعهم حتى ظهور المذاهب الفقهية، حيث لم يتبعوا مذهباً معيناً من المذاهب الأربعة، وكيف صار لازماً في حقِّ كلِّ مسلمٍ أن يتبع واحداً منها؟

(3) إبطال قولي: “ما لا يكونُ ديناً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وتابعيهم لا يكون ديناً للناس بعد ذلك”

عاشراً: مطلوبٌ منا طلبة العلم الشرعي، أن تتسع صدورنا لقبول الخلاف في المسائل الاجتهادية، وأن لا نحجر واسعاً. وعلينا أن لا نتعصب لقول مذهبٍ معينٍ أو لقول فقيهٍ بعينه، فالتعصبُ صفةٌ ذميمةٌ لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن تعصب لواحدٍ بعينه من الأئمة دون الباقين، فهو بمنزلة من تعصب لواحدٍ بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي، وكالخارجي، فهذه طرقُ أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث اللهُ به رسولهُ صلى الله عليه وسلم، فمن تعصب لواحدٍ من الأئمة بعينه ففيه شبهٌ من هؤلاء] مجموع الفتاوى 22/252.

والواجبُ على المسلم عند حصول الخلاف في مسألةٍ ما، أن يردَّها إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى:{ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} سورة النساء الآية 59.

قال الإمام الشافعيُّ: [أجمع المسلمون على أنَّ من استبانت له سُنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لم يَحِلَّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد]

وقال العلامة ابن القيم:

العِـلْمُ قال اللهُ قال رَسُولُـهُ **** قال الصَّحابَةُ هم أُولُو العِرْفانِ ما العلمُ نَصْبُكَ للخِلافِ سفاهةً **** بين الرَّسولِ وبينَ رأيِ فُلانِ!

وعلى طلبة العلم الشرعي أن يعلموا أن التعليلَ بالخلافِ باطلٌ شرعاً، وبعضهم يستدل بذلك نصرةً لأقوالهم الضعيفة، وقد قرر العلماء أن التعليلَ بالخلافِ باطلٌ شرعاً، لأن الخلاف ليس دليلاً ولا علةً شرعيةً تردُّ بسببه الأحكام، قال الحافظ ابن عبد البر: [الاختلافُ ليس بحجةٍ عند أحدٍ علمتهُ من فقهاء الأمة، إلا من لا بَصَرَ له، ولا معرفةَ عنده، ولا حجةَ في قوله] جامع بيان العلم 2/89.

وقال الإمام الشاطبي محذراً من التعليلِ بالخلاف: [وقد زاد هذا الأمرُ على قَدْرِ الكفاية، حتى صار الخِلافُ في المسائل معدوداً في حُجج الإباحة، ووَقَع فيما تقدَّم وتأخَّر مِن الزمان، الاعتمادُ في جواز الفِعْلِ على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاةِ الخلاف؛ فإنَّ له نظراً آخَرَ، بل في غير ذلك، فربَّما وقع الإفتاءُ في المسألة بالمنْع، فيقال: لِمَ تمنع، والمسألة مختلَفٌ فيها؟!فيجعل الخلافَ حُجَّةً في الجواز؛ لمجرَّد كونها مختلَفًا فيها، لا لدليلٍ يدلُّ على صحَّة مذهب الجواز، ولا لتقليد مَنْ هو أوْلى بالتقليد مِن القائل بالمنع، وهو عَيْنُ الخطأ على الشريعة؛ حيث جعل ما ليس بمعتمدٍ معتمداً، وما ليس بحُجَّةٍ حُجَّةً.] الموافقات 5/92-93.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إنَّ تَعْلِيلَ الْأَحْكَامِ بِالْخِلَافِ عِلَّةٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعَلِّقُ الشَّارِعُ بِهَا الْأَحْكَامَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ حَادِثٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] مجموع الفتاوى 23/281.

وقال الإمام الزركشي: [اعلم أنّ عينَ الخلافِ لا يَنتصِبُ شُبهةً و يُـراعى، بل النظر إلــى المأخذ وقوته ] البحر المحيط 4/550.

وقال الشيخ العلامة العثيمين: [التعليلُ بالخلاف ليس تعليلاً صحيحاً تثبتُ به الأحكام الشرعية] الشرح الممتع 3/76.

وقال أبو الحسن بن الحصار المالكي:

وليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتبراً ***إلا خلافٌ له حظٌ من النَّظرِ

والتعـليلُ بالخلافِ والاحتجاجُ بمجرد وجوده باطلٌ لأمورٍ منها:

(1)أنه مضادةٌ للشرعِ ومخالفةٌ ظاهرةٌ لمقاصده في المكلفين.

(2) هو عينُ اتباعِ الهوى الذي تواترت أدلةُ الشرعِ على التحذير منه.

(3) الاحتجاجُ بالخلاف وتعليلُ الاختيارات به لم يذكره أحدٌ من الأصوليين في الأدلة المُتفق عليها أو حتى المختلف فيها!

(4) أنـه مصادمٌ ومخالفٌ لصريح النصوص وإجماع العلماء على أن الردَّ عند التنازع والخلاف يكون للكتاب والسنة، وأن الواجب في حق طالب الحق والمكلف عموماً هو الرجوعُ للأدلة إن كان من أهل ذلك أو سؤال أهل العلم الثقات، يقول الشافعي:[كلُّ ما أقام اللهُ به الحجةَ في كتابهِ أو على لسانِ نبيه منصوصاً بيناً،لم يحل الاختلافُ فيه لمن علمه] “الاحتجاجُ بالخلافِ وتطبيقاتِه المُعاصِرة ” ص 24. بتصرف.

وختاماً فبعد هذا الجواب المفصل أقول ما قاله الإمام أَبُو حَنِيفَةَ: [هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ رَأْيٌ لا نُجْبِرُ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَلا نَقُولُ يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ قَبْولُهُ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَحْسَنَ مِنْهُ فَلْيَأْتِ بِهِ] مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص 34.

والله الهادي إلى سواء السبيل