escort bayanankara escortizmir escortbodrum escortyalova escorttunceli escortdenizli escortedirne escortzonguldak escortkonya escortescort bayanescort bayankizilay escortankara escortmaltepe escortatasehir escortatasehir escortgöztepe escortkadıköy escortümraniye escortkadıköy escortpendik escortkurtköy escortkartal escortmaltepe escortavrupa yakasi escortmaltepe escortkartal escorterenköy escortmaltepe escortanal yapan escortataşehir escortgöztepe escortmaltepe escortkartal escortistanbul escortkurtköy escortmaltepe escortpendik escortkadıköy eskortbostancı escortgöztepe escortgöztepe escortpendik eskortkurtkoy escortkadiköy escortbostanci escortgöztepe escorteve gelen escortanal yapan escortüsküdar escort50 tl escortkaliteli escortpendik ögrenci escortatasehir üniversiteli escortkadikoy escortatasehir escortanadolu yakasi escortümraniye escortescort bayanümraniye escortescort bayanmaltepe escortümraniye escorttuzla escortmaltepe eskortkartal escortatasehir escortkadiköy escortizmir escortsex hikayeyeni seks hikayegerçek sex hikayeporno hikayepornoporn videosreal pornreklamsiz pornoporno izleporno izledizitiktok takipcidizi haberpdf kitap indirhayvan sahiplenkoniksnasil gidilirprefabrik ev fiyatlaridomain analysisphp shellfree themewordpress themewp themewordpresshacklinkhacklink paneliphp shellphp shell

التعويضُ الشرعيُ عن تعطلِ بعضِ منافعِ جسمِ المسلمِ

يقول السائل: أُصيبَ ابني الشابُ بإطلاقِ نارٍ في شجارٍ، وكانت الإصابةُ في العمودِ الفقري، حيث قطعُ النُّخاعِ الشوكي في عدةِ فقراتٍ، مما أدى إلى إصابتهِ بشللٍ في النصفِ السفلي من جسمهِ، وفقدَ القدرةَ على المشيِ والوقوفِ على قدميه، وفقدَ السيطرةَ على البولِ والبرازِ، وفقدَ القدرةَ على النكاحِ، وأُريد من فضيلتكم بيانَ ما يستحقُّهُ ابني من تعويضٍ حسبَ الحكمِ الشرعي، أفيدونا؟

الجواب: أولاً: لا شكَّ أن حرمةَ دمِ المسلمِ من أعظمِ الحُرماتِ عندَ اللهِ سبحانه وتعالى، وقد استخفَّ بعضُ الناسِ بمسألة دماءِ المسلمين قتلاً وجرحاً، وخاصةً مع انتشارِ استعمالِ الأسلحةِ الناريةِ في المشاجرات، فأصبح إطلاقُ النارِ في المشاجراتِ بقصدِ القتلِ أو الجَرحِ أمراً هيناً، ويرافقُ ذلك أعمالُ الحرقِ والتخريبِ والتدميرِ للممتلكات، وينسى المتشاجرون أن قتلَ النَّفْسِ المعصومةِ عمداً من أكبرِ الكبائر، وكذا التعدي على المسلمِ بجرحهِ وضربهِ، وقد وردت النصوصُ الكثيرةُ من كتابِ الله عزَّ وجلَّ، ومن سنةِ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، التي تدلُّ على ذلك ومنها:

قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}سورة الإسراء الآية 33.

وقوله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}سورة النساء الآية 93.

وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}سورة الفرقان الآيتان 68-69.

وثبت في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(ذَكَرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الكَبَائِرَ، أوْ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ فَقالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْس، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، فَقالَ: ألَا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أوْ قالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ. قالَ شُعْبَةُ: وأَكْثَرُ ظَنِّي أنَّه قالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ)رواه

البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنِبوا السَّبعَ الموبقاتِ قيلَ: يا رسولَ اللهِ! وما هنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفْس الَّتي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافِلاتِ المؤمِناتِ) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ، ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) رواه البخاري. ونقل الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلاني عن الشيخ ابن العَربي المالكي قولَهُ: الْفُسْحَةُ فِي الدِّينِ سَعَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ضَاقَتْ، لِأَنَّهَا لَا تَفِي بِوِزْرِهِ، وَالْفُسْحَةُ فِي الذَّنْبِ قَبُولُهُ الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ارْتَفَعَ الْقَبُولُ] فتح الباري 12/233-234.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيبُ الزاني والنَّفْسُ بالنَّفْسِ والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعة)رواه مسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( يجيءُ المقتولُ بالقاتلِ يومَ القيامةِ ناصيتُهُ ورأسُهُ بيدِهِ وأوداجُهُ تشخَبُ دمًا يقولُ: يا ربِّ هذا قتلَني، حتَّى يُدنيَهُ منَ العرشِ) رواه الترمذي، وقال هذا حديثٌ حسنٌ، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/40.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَزوالُ الدُّنيا أهونُ على اللهِ من قتلِ رجلٍ مسلمٍ) رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56.

وفي رواية أخرى عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأْهَلَ أَرْضِهِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَدْخَلَهُمُ اللهُ النَّارَ) وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/629.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يطوفُ بالكعبةِ ويقولُ: ما أطْيَبَكِ وأطْيَبَ رِيحَك, ما أعظَمَكِ وأعظَمَ حُرْمَتَك, والَّذي نفْسُ محمَّدٍ بيدِه، لَحُرمةُ المُؤمنِ أعظَمُ عند اللهِ حُرْمَةً منك؛ مالِه ودَمِه، وأنْ نَظُنَّ به إلَّا خيرًا) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630.

ونظر عبدُاللهِ بنُ عمرَ رضي الله عنهما يومًا إلى الكعبةِ فقال: (ما أعظمَكِ وأعظمَ حرمتِك! والمؤمنُ أعظمُ حرمةً منك) رواه ابن ماجه والطبراني، وحسنه العلامة الألباني في غاية المرام. وغير ذلك من النصوص في التعدي على المسلم بالقتل.

وأما التعدي على المسلمِ بالضربِ والجَرحِ، فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} سورة الأحزاب الآية 58.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ) رواه البخاري ومسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)رواه البخاري ومسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أجيبوا الدَّاعيَ ولا ترُدُّوا الهديَّةَ ولا تضرِبوا المسلِمينَ) رواه أحمد وابن حبان وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع.

وقال عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه: (ألَا لا تَضرِبوا المُسلِمينَ فتُذِلُّوهُم) رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن. وغير ذلك من النصوص.

ثانياً: يجبُ التَّحاكمُ إلى شرعِ اللهِ سبحانه وتعالى في حلِّ الخصوماتِ بين الناس، ويحرمُ التَّحاكمُ لغيرِ شرعِ اللهِ كالقانون الوضعي أو القضاء العشائري اختياراً، ما دامَ أنهما مخالفانِ لشرعِ ربِّ العالمين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} سورة النساء الآية 59.

وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} سورة النساء الآية 65.

وبناءً عليه فلا يجوزُ لأحدِ المتخاصمين أن يأخذَ أكثرَ من حقِّهِ حسبِ الشرعِ، حتى لو حكمَ له القانونُ الوضعيُ، كما في الفائدةِ القانونيةِ التي نصَّت عليها القوانينُ والأنظمةُ الوضعيةُ، فهي من الربا المحرمِ شرعاً في كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وكما هو الحال في بعضِ الأحكامِ غيرِ الشرعية التي يُصدرها قضاةُ العشائر. قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة الآية 188.

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (جَاءَ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دَرَسَتْ -خفيت آثارُها- لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْو مِمَّا أَسْمَعُ مِنْكُمْ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، يَأْتِي بِهِ إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ- وهي الحديدةُ التي تُسعَّرُ بها النار وتُحرَّك- يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” قَالَ: فَبَكَى الرَّجُلانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لأَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا هَذَا، فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ) رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 1/454.

ثالثاً: قرر الشرعُ الأحكامَ المتعلقةَ بالدِّياتِ، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} سورة النساء الآيتان 92-93.

وقررَ الشرعُ الشريفُ الأحكامَ المتعلقةَ بالاعتداءِ على أطرافِ الانسان ومنافعهِ، فعن أبي بكرٍ بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّياتُ، وَبَعَث بهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقُرِئَتْ عَلَى أَهْلِ اليَمَنِ هَذِهِ نُسْخَتُهَا: مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى شُرَحْبيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ وَالحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ قَيْلِ ذِيِ رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ، أَمَّا بَعْدُ وَكَانَ فِي كِتَابهِ أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيةُ، مِائَةٌ مِنَ الإبلِ، وَفِي الأَنْفِ إِذا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيةٌ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيةُ، وَفِي الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيةِ، وَفِي المَأْمُومَةِ ثلُثُ الدِّيةِ، وَفِي الجَائِفَةِ ثلُثُ الدِّيةِ، وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإبلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإبلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبلِ، وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإبلِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذهَب أَلفُ دِينَارٍ ) رواه النسائي ومالك في الموطأ والدارمي، وقال الحافظُ ابن حجرٍ العسقلاني: [صححه الحاكمُ وابنُ حبان والبيهقي، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحاً، وقد صححَ الحديثَ بالكتابِ المذكورِ جماعةٌ من الأئمة، لا من حيث الإسناد؛ بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديثَ حتى ثبتَ عندهم أنه كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عبد البر: هذا كتابٌ مشهورٌ عند أهل السير، معروفٌ ما فيه عند أهل العلم، معرفةً يُستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبهَ التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة] التلخيص الحبير 4/17-18 بتصرفٍ. وصححه العلامةُ الألباني في إرواء الغليل.

وأجازَ الشرعُ الشريفُ أخذَ التعويضِ المالي عن الضررِ الذي يلحقُ بالمسلمِ، وقد فصَّلَ العلماءُ الأسبابَ الشرعيةَ الموجبةَ للتعويضِ المالي، ولا يتسعُ المقامُ لتفصيلها.

وقد قامت على أخذِ التعويضِ المالي أدلةٌ كثيرةٌ من كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ووردت آثارٌ عن الصحابةِ والتابعين، وعملَ بهذا المبدأِ

فقهاءُ الأمةِ، فمن تلك الأدلةِ قوله تعالى:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} سورة النساء الآية 92، فقد بينَ اللهُ جلَّ جلاله مبدأَ التعويض المالي عن قتلِ النَّفْسِ المعصومةِ خطأً، وألحقَ الفقهاءُ بذلك الدِّيةَ في القتلِ العمدِ وشبهِ العمدِ، لما ثبت عندهم من الأدلة في ذلك.

وكذلك ثبتَ التعويضُ الماليُ في الاعتداءِ على الإنسان فيما دون النَّفْسِ، وهو الاعتداء على أعضاءِ الانسانِ ومنافعِ جسمهِ، كقطعِ اليدِ أو الرِّجلِ، وإبطالِ القدرةِ على الشمِّ والإنجابِ وغير ذلك، وهذا يُسمَّى الأرشُ عند الفقهاء، وقد ثبت ذلك في كتابِ عمرو بن حزم الذي سبق ذكره.

رابعاً: قرر الفقهاءُ أن مُوجِبَاتِ الدِّيةِ فِي الاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْس ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ وَهِيَ: إِبَانَةُ الأَْطْرَافِ أي قطعُها، وَإِتْلاَفُ الْمَعَانِي كالعقل والشمِّ، وَالشِّجَاجُ وَالْجُرُوحُ.

وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ فِي قَطْعِ مَا لاَ نَظِيرَ لَهُ فِي بَدَنِ الإِْنْسَانِ كَالأَْنْفِ وَاللِّسَانِ وَالذَّكَرِ وَالْحَشَفَةِ وَالصُّلْبِ إِذَا انْقَطَعَ الْمَنِيُّ، وَمَسْلَكِ الْبَوْل، وَمَسْلَكِ الْغَائِطِ دِيَةً كَامِلَةً.

وَأَنَّ فِي قَطْعِ مَا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ شَيْئَانِ: كَالْعَيْنَيْنِ وَالأُْذُنَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ…إلخ فَفِيهِمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي قطع إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيةِ، وغيرِ ذلك مما هو مفصلٌ في كتب الفقهاء.

وَالأَْصْلُ الذي اعتمد عليه الفقهاءُ هو ما سبق في كتابِ عمرو بن حزم.

خامساً: إذا تقررَ هذا فأعودُ لبيانِ التعويضِ المالي الشرعي للمصابِ المذكور في السؤال، فحسب السؤالِ فقد أصيب الشابُ في العمود الفقري، حيث تمَّ قطعُ النخاعِ الشوكي في عدة فقراتٍ، مما أدى إلى إصابته بشللٍ في النصف السفلي من جسمه، وفقدَ القدرةَ عل المشي والوقوفِ على قدميه، وفقدَ السيطرة على البولِ والبرازِ، وفقدَ القدرةَ على النكاحِ، وبهذه الأوصاف للإصابة، فقد أصيب الشابُ في الصُّلْبِ، والصُّلْبُ هو فقراتُ الظهرِ في الرَّجلِ، أي عِظامُ الظَّهْر بأكملها كما قال أهلُ اللغة، قال ابن منظورٍ: [الصُّلْبُ والصُّلَّبُ: عَظْمٌ من لَدُنِ الكاهِل إِلى العَجْبِ، والجمعُ: أَصْلُب وأَصْلابٌ وصِلَبَةٌ…والصُّلْبُ من الظَّهْر، وكُلُّ شيءٍ من الظَّهْر فيه فَقَارٌ فذلك الصُّلْب…] لسان العرب مادة صلب.

وقال الزَّبيدي:[الصَّلَبُ (بالتَّحْرِيك: عَظُمٌ مِن لَدُنِ الْكَاهِلِ إِلى العَجْبِ) ومِثْلُه فِي المُحكَم والكِفَايَةِ. وقَال الفَيُّومِيُّ: الصُّلْبُ من الظَّهْر وكُلَّ شَيْءٍ من الظَّهْرِ فِيه فَقَارٌ فَذَلِك الصُّلْبُ، والصَّلَب بالتَّحْرِيكِ لُغَةٌ فِيهِ حَكَاه اللِّحْيَانيّ] تاج العروس مادة صلب.

وقد اتفق الفقهاء على أن صُلْبُ الرَّجُل إِذَا انْكَسَرَ وَذَهَبَ مَشْيُهُ أَوْ جِمَاعُهُ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وكذلك إِذَا انْكَسَرَ صلبهُ وَاحْدَوْدَبَ وَانْقَطَعَ الْمَاءُ، فَلَمْ يَنْجَبِرْ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ جِمَاعُهُ وَلاَ مَشْيُهُ؛ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، لِمَا وَرَدَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ السابق: (وَفِي الصُّلْبِ الدِّية).

وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: (إذا كَسرَ ظهرَهُ، فذهبَ مشيه، ففيه الدِّيةُ) ولا مخالفَ له كما قال الشيخ العمراني اليمني الشافعي في كتابه البيان في مذهب الإمام الشافعي 11/545.

وقال الشيخ العمراني اليمني الشافعي أيضاً: [وإن كَسَرَ صُلْبَهُ، فذهبَ جماعهُ وجبت عليه الدِّيةُ؛ روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي رَضِيَ الله عنهم وأرضاهم، ولا مخالفَ لهم، ولأنه منفعةٌ جليلةٌ، فشابه السمعَ والبصرَ] البيان في مذهب الإمام الشافعي 11/546.

وَقَال الإمامُ سَعِيدٌ بْنُ الْمُسَيِّبِ: (مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ فِي الصُّلْبِ الدِّية)، قال الشيخُ ابن قدامة المقدسي:[وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ] المغني 8/460.

وقال الإمام الشَّافِعِيُّ: [وَإِذَا كَسَرَ الرَّجُلُ صُلْبَ الرَّجُلِ فَمَنَعَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِحَالٍ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ… وَإِنْ ادَّعَى أَنْ قَدْ أَذْهَبَ الْكَسْرُ جِمَاعَهُ، فَإِنْ كَانَتْ لِذَلِكَ عَلَامَةٌ تُعْرَفُ بِوَصْفِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْجَانِي الدِّيَةُ تَامَّةٌ لَا حُكُومَةَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْجِمَاعِ إنَّمَا كَانَ فِي الْعَيْبِ بِالصُّلْبِ، وَالْجِمَاعُ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَائِمٍ كَالْكَلَامِ بِاللِّسَانِ مَعَ الرَّقَبَةِ…وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الدِّيَةُ فِي ذَهَابِ الْجِمَاعِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَهَابَ الْجِمَاعِ يَكُونُ مِنْ كَسْرِ الصُّلْبِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَهُ حُكُومَةٌ] الأم 6/87.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي أيضاً:[ وَلَنَا، الْخَبَرُ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ، فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، فَوَجَبَتْ الدِّية فِيهِ بِمُفْرَدِهِ، كَالْأَنْفِ. وَإِنْ ذَهَبَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ صُلْبِهِ، فَفِيهِ، الدِّية فِي قَوْلِ الْجَمِيع] المغني 8/460.

وقد نتج عن الإصابةِ في الصُّلْبِ إصابةُ الشابِ بشللٍ في النصفِ السفلي من جسمه، وفقدَ القدرةَ على المشي والوقوف على قدميه، وفقدَ السيطرةَ على البولِ والبرازِ، وفقدَ المقدرةَ على النكاحِ، وبالتالي وَقع إِتْلاَفٌ لاثنتين من مَعَانِي جسم الشاب وهي: (1) إتلافُ صُلبِ الشابِ وقد نتج عنه فقدانُ السيطرةِ على البول والبراز والنكاح.(2) فقدانُ القدرةِ على المشي والوقوفِ على قدميه.

وقد اختلف الفقهاءُ في هذه الحالةِ، هل تتعددُ الدِّيةُ بتعددِ ذهاب المعاني أم لا؟ مع بقاء المجني عليه حياً. فمنهم من قال بتعددِ الدِّياتِ وهو قول جمهور الفقهاء، ومنهم من قال بديةٍ واحدةٍ، ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية: [الأَْصْل أَنَّ الدِّية تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ وَإِتْلاَفِ الأَْعْضَاءِ أَوِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ إِذَا لَمْ تُفِضْ إِلَى الْمَوْتِ. فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مَعًا وَلَمْ يَمُتِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ تَجِبُ دِيَتَانِ. وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَعَقْلَهُ وَجَبَ ثَلاَثُ دِيَاتٍ، وَهَكَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي رَجُلٍ رَمَى آخَرَ بِحَجَرٍ فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَبَصَرُهُ وَسَمْعُهُ وَكَلاَمُهُ فَقَضَى فِيهِ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ)؛ لأَِنَّهُ أَذْهَبَ مَنَافِعَ فِي كُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا دِيَةٌ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا كَمَا لَوْ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

أَمَّا إِذَا أَفَضَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى الْمَوْتِ فَتَتَدَاخَل دِيَاتُ الأَْطْرَافِ وَالْمَعَانِي فِي دِيَةِ النَّفْسِ، فَلاَ تَجِبُ إِلاَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: الْجِنَايَةُ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ فَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ، وَأَرْشُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ، دَخَل الأَْقَلُّ فِيهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوَيْنِ لاَ يَدْخُل، وَيَجِبُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

ويَقُول الْمَالِكِيَّةُ: تَتَعَدَّدُ الدِّية بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ إِلاَّ الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا، فَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَل قِيَامُهُ وَقُوَّةُ ذَكَرِهِ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ أَمْرُ النِّسَاءِ لَمْ يَنْدَرِجْ، وَوَجَبَتْ

دِيَتَانِ، كَمَا أَنَّ مَنْ شَجَّ رَجُلاً مُوضِحَةً فَذَهَبَ مِنْ ذَلِكَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَانِ، بِجَانِبِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ. أَمَّا إِذَا ذَهَبَتِ الْمَنْفَعَةُ بِمَحَلِّهَا فَتَنْدَرِجُ الْجِنَايَتَانِ، فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَمَحَلِّهَا مَعًا.

وأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَال الشِّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ: إِذَا أَزَال الْجَانِي أَطْرَافًا تَقْتَضِي دِيَاتٍ كَقَطْعِ أُذُنَيْنِ، وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ، وَلَطَائِفَ (مَعَانِي) تَقْتَضِي دِيَاتٍ] الموسوعة الفقهية الكويتية 21/86-88.

وهذا تفصيل أقوال الفقهاء في مسألةِ تَعَدُدِ الدِّيةِ بِتَعَدُدِ الْجِنَايَةِ وَإِتْلاَفِ الأَْعْضَاءِ أَوِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ: ورد أنَّ عُمَرَ رَضِيَ الله عنْه: (قَضَى في رَجُلٍ رَمَى رَجُلاً بِحَجَرٍ في رَأْسِه فذَهَبَ سمْعُه ولسَانُه وعقْلُه وذَكَرُهُ فلمْ يَقْرَبِ النِّسَاءَ، فقَضَى فيه بأرْبَعِ ديَاتٍ، وَهُوَ حَيٌّ) رواه ابن أبي شَيْبَةَ في المصنَّف، والبَيْهَقِيُّ في السنن الكبرى وغيرهما. وَحسَّنَهُ العلامة الأَلْبَانِيُّ في إرواء الغليل.

ففي هذا الأثر أُتْلَفَت أربعُ منافع للمجني عليه، وقضى عُمَرُ رَضِيَ الله عنْه فيها بأربعِ دِيَاتٍ على الجاني، فدلَّ هذا على أنَّ لكلِّ منفعةٍ ديةً كاملةً. وقد عمل جمهورُ الفقهاءِ بمقتضى قضاءِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنْه. [والعمل عند أهل العلم رحمهم الله عليه، فجعلَ لكلِ حاسةٍ ديةً كاملةً، وهذا هو الأصلُ في الباب] انظر شرح زاد المستقنع للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي.

وقال ابن السِّمناني من فقهاء الحنفية: [ولو ضربَ رجلاً في رأسه فذهب منها سمعُ وبصرهُ وعقلْهُ وشَمُّهُ فعليه أربعُ دياتٍ] روضة القضاة وطريق النجاة 3/194.

وقال الباجي المالكي: [(ص)(قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ، إذَا أُصِيبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعَيْنَاهُ فَلَهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ)(ش): وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ مَا فِيهِ دِيَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَبَقِيَتْ نَفْسُهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ دِيَةَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ بَلَغَتْ عِدَّتُهَا دِيَاتِ نُفُوسٍ

كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ مَعَ بَقَاءِ النَّفْس، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ كُلُّهَا فِي دِيَةِ النَّفْس إذَا تَلِفَتْ النَّفْس، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ دِيَةً، وَفِي الشَّفَتَيْنِ دِيَةً، وَفِي اللِّسَانِ دِيَةً، وَفِي الْيَدَيْنِ دِيَةً، وَفِي الصُّلْبِ إذَا كُسِرَ دِيَةً، وَفِي الْعَقْلِ دِيَةً، وَفِي الذَّكَرِ دِيَةً، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ دِيَةً، وَفِي الرِّجْلَيْنِ دِيَةً، فَفِي الرََّجُلِ تِسْعُ دِيَاتٍ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا] المنتقى 7/85.

وقال الخرشي المالكي: [(ص) وَتَعَدَّدَتْ الدِّيةُ بِتَعَدُّدِهَا إلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا.(ش) يَعْنِي أَنَّ الدِّيةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ فَزَالَ عَقْلُهُ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دِيَتَانِ، دِيَةٌ لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةٌ لِذَهَابِ الْعَقْلِ.] شرح الخرشي على مختصر خليل 8/43.

وقال ابن الرِّفْعَةِ الشافعي: [روي: “أَنَّ رَجُلاً رَمَى رَأسَ رَجُلٍ بِحَجَرٍ فِي زَمَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ وَلِسَانَهُ وَذَكَرَهُ؛ فَقَضَى عَلَيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَرْبَعِ دِياتٍ، وَهُوَ حَيٍّ”، ولا مخالفَ له من الصحابةِ] كفاية النبيه في شرح التنبيه 16/118.

وقال الخطيبُ الشربيني الشافعي: [(وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَذَهَبَ) مَعَ سَلَامَةِ الرِّجْلِ وَالذَّكَرِ (مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ أَوْ) مَشْيُهُ (وَمَنِيُّهُ فَدِيَتَانِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِالدِّية عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ.] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 5/328.

وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: [(وَلَوْ كُسِرَ صُلْبُهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ) أَيْ لَذَّتُهُ (أَوْ) فَذَهَبَ مَشْيُهُ (وَمَنِيُّهُ فَدِيَتَانِ)، لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ بِدِيَةٍ لَوْ انْفَرَدَ مَعَ اخْتِلَافِ مَحَلَّيْهِمَا] تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي 8/482.

وقال الشيخُ ابن قدامة الحنبلي المقدسي: [فإن جَنَى عليه، فأذْهَبَ عقْلَهُ وسمعَهً وبصرَهُ وكلامَهُ، وجَبَ أرْبَعُ ديَاتٍ مع أرْشِ الجُرْحِ. قال أبو قِلَابةَ: “رُمِيَ رجلٌ بحجرٍ، فذهبَ عقلُهُ وبصرُهُ وسمعُهُ ولسانُهُ، فَقضى فيه عمرُ بأربعِ دِيَاتٍ وهو حَيٌّ”، ولأنَّه أذْهبَ مَنافعَ في كلِّ واحدٍ منها دِيَةٌ، فوجبتْ

عليه دِيَاتُها، كما لو أذْهَبَها بجِناياتٍ. فإنْ ماتَ من الجنايةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ دِيَاتِ المَنْافعِ كلَّها تدْخُلُ في دِيَةِ النَّفْس، كدِيَاتِ الأعْضاءِ] المغني 8/466.

وقال الشيخُ ابن قدامة الحنبلي المقدسي:[ وَإِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ وَمَشْيُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي رِوَايَة ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ بِذَهَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا وَجَبَتْ دِيَتَانِ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.] المغني 8/461.

وقد سألَ إسحاقُ بنُ منصور الكوسج المروزي الإمامَ أحمد بن حنبل: [قُلْتُ: رجلٌ أُصيب ذكرُه وعينه ولسَانهُ وأنفه؟ قال-أي الإمام أحمد-: في كلِّ شيءٍ مِنْ هذا الدِّية، وإذا حلق رأسَ الرجلِ ولم ينبتْ فالدِّيةُ، وفي الحاجبين الدِّيةُ. قال إسحاقُ: كما قال. قال إسحاقُ بن منصور: قُلْتُ: إذا قطعَ ذَكَرَهُ وأَنْفَهُ ويديهِ ورجليهِ ونحو هذا؟ قال-أي الإمام أحمد-: إذا قَطَع ذَكَره وأَنْفَه ويديه ورِجليه، فإن كان في مقعدٍ واحدٍ، فلكلِّ واحدةٍ منهن ديةٌ كاملةٌ. قال إسحاقُ: كما قال. “مسائل الكوسج”] الجامع لعلوم الإمام أحمد-الفقه- https://shamela.ws/book/20878/4209

وقال الشيخ عبد الله بن جبرين:[ لو تعدَّى رجلٌ على آخر ففقأَ عينيه وجدعَ أنفه وقطعَ لسانه، فهل عليه ثلاثُ دياتٍ؟ الجواب: نعم. تتعدد الدِّية بتعدد إذهاب المنافع، إذا جدعَ أنفهَ وقطعَ ذكرَه وقطعَ لسانه عليه ثلاثُ دياتٍ، وإذا فقأ عينيه وقطع أذنيه وقطع شفتيه عليه ثلاث ديات.] شرح أخصر المختصرات. https://shamela.ws/book/7725/1939

وقد فصَّلَ الفقهاءُ مسألةَ إيجابِ دياتٍ في حالِ حياةِ المجني عليه، وإيجابِ ديةٍ واحدةٍ في حالِ وفاتهِ، قال السرخسي الحنفي: [وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَيٌّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَلَوْ مَاتَ مِنْ الشَّجَّةِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؟ وَبِمَوْتِهِ فَاتَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ…]المبسوط 26/99.

وقد سبق كلامُ الشيخ ابن قدامة الحنبلي المقدسي: [فإنْ ماتَ من الجنايةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ دِيَاتِ المَنْافعِ كلَّها تدْخُلُ في دِيَةِ النَّفْس، كدِيَاتِ الأعْضاءِ.] المغني 8/466.

وقال البهوتي الحنبلي: [(وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ وَبَصَرَهُ وَكَلَامَهُ وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ) لِقَضَاءِ عُمَرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ…(فَإِنْ مَاتَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مِنْ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) لِلنَّفْسِ وَانْدَرَجَ فِيهَا مَا عَدَاهَا مِنْ الْمَنَافِعِ كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ] كتاب كشاف القناع عن متن الإقناع 6/50.

وقال الشيخ عبد القادر عودة: [لكن إذا مات المجنيُّ عليه من الجنايةِ لم تجب إلا ديةٌ واحدةٌ، لأن دياتِ المنافعِ كلُّها تدخلُ في ديةٍ النَّفْس كدياتِ الأعضاء] التشريع الجنائي الإسلامي 2/276.

إذا تقرر هذا فإن الراجحَ من أقوالِ الفقهاءِ أن الجنايةَ التي تُذهبُ أكثرَ من معنىً من معاني الجسم، كالعقلِ والشمِّ والقدرةِ على النكاحِ وغيرها، توجبُ ديةً كاملةً لكلِ معنىً من معاني الجسم، ولا تتداخلُ هذه الدِّيات ما دام أن المجني عليه حيٌّ، فديةُ ذهابِ العقلِ لا تدخلُ في ديةِ معنىً آخرَ، ولو كانت الجنايةُ على محلٍ واحدٍ كما هو في السؤال، حيث أُصيبَ الشابُ في الصُّلبِ. ويكون التداخلُ في الدِّياتِ إذا ماتَ المجني عليه، فحينئذٍ يستحقُ ديةً واحدةً.

وبناءً عليه تجبُ ديتان شرعيتان للشاب المذكور في السؤال.

ومقدارُ الدِّيةِ الشرعيةِ هو ألفُ دينارٍ ذهبيٍ، ويساوي في أيامنا هذه أربعةَ آلاف ومئتين وخمسين (4250) غراماً من الذهب عيار 24 قيراطٍ.

وأرى التَّشددَ في موضوعِ الدِّياتِ في أيامنا هذه، لعلَ ذلك يكونُ رادعاً لمن يستخفون بدماءِ الناسِ وأموالهم، وخاصةً أن عقوباتِ ذلك في القانونِ الوضعي لا تتناسبُ وعِظَمَ الجريمةِ وبشاعتها.

سادساً: ينبغي أن يُعلم أنه لا إشكالَ في استحقاقِ المجني عليه لأكثرَ من دِيةٍ إذا جُنيَ على أكثرَ من معنىً من معاني الجسم، كالعقلِ والشمِّ والقدرةِ على النكاحِ وغيرها، بينما لو جُنيَ على النَّفْسِ فماتَ المجنيُ عليه لم يستحقْ إلا ديةً واحدةً كما قرر ذلك الفقهاء.

وقد أجاب عن هذا الإشكال جواباً مفصلاً معللاً أنقلُهٌ مع طولهِ الشيخُ محمد بن محمد المختار الشنقيطي تحت عنوان: “تعدد الدِّيات في الجناية على منافع الأعضاء”، فقال: [ولأن الأصلَ يقتضي تجزئةَ الجناياتِ كما هو معلومٌ، وجاء قضاءُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الرَّجلِ الذي جُني عليه بالجنايات، وأوجبَ فيها أربعُ دياتٍ دون إنكارٍ من الصحابةِ، فصار عند الفقهاء ناقلاً عن الأصلِ، ولذلك يعتبرون أنه مستثنى، وركَّبوا منه مسألةَ الجنايةِ على المنافع، هذا الوجهُ الأول، وهو أن نقول: لا تعارضَ بين العامِّ والخاصِّ، الأصلُ العامُّ أن المقدم للجنايات ويعني إذا جُني مثلاً على العين كلها فيها دِيةٌ واحدةٌ، مع أن منفعة الإبصار تابعةٌ للعين، ومع ذلك لم تجبْ ديتُها، لم نقل: إن الإبصارَ منفعةٌ، ثم لم نجزئ مثلاً الحاجب؛ الجفنُ الأعلى فيه ربعُ الدِّيةِ، والجفنُ الأسفلُ فيه ربعُ الدِّيةِ، والرموشُ كذلك العليا فيها الربعُ، والسفلى فيها الربعُ، ومع ذلك تجب ديةٌ واحدةٌ.

وهنا نقولُ: تجبُ أكثرُ من ديةٍ، والجوابُ أننا نقولُ: الأصلُ عندنا أنها تتداخلُ، لكن جاء قضاءُ عمر فاستثنى من الأصلِ، وهذا منهجٌ أصوليٌ لا تستطيع أن تتكلم فيه؛ لأنك لو اعترضتَ عليه عارضتكَ التخصيصاتُ في الشريعة، لأنك تقول بها وتعتبرها، فهذا شيءٌ مألوفٌ في الشريعة، أنه يجعلُ شيئاً عاماً ثم يستثني أشياءَ خاصةٍ.

الوجهُ الثاني: أن يُقال -وهو أقوى-: أن المستقلَّ ليس كالتابعِ، فالمستقلُّ لا يأخذُ حكمَ التابعِ، والجنايةُ المستقلةُ تأخذُ حكمَ الاستقلالِ، ولا يلتفتُ إليها تابعةً لغيرها؛ لأن الله أعطى كلَّ شيءٍ حقَّهُ وقدْرهُ {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} سورة الطلاق الآية 3، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم أحلَّ لـكعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه، أن يحلقَ رأسَهُ وأن يفتدي، مع أن الأصلَ لو أن شخصاً وقعت منه الجنايةُ على الأعضاء سواء كان في ضمانِ حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ كما في الفدية، أو في ضمانِ حقِّ المخلوقِ كما في الدِّيات، فإننا نوجبُ عليه التبعية؛ لأن التابعَ تابعٌ، لكن إذا جنى في الجناية فهناكَ منهجٌ للشريعة، وهو معاقبةُ الجاني، فإذا قلت: إذا أتلف هذا الشيءَ وجبت عليه ديةٌ واحدةٌ، فحينئذٍ هذا يخالفُ أصلَ الباب؛ لأنه جنى على سمعهِ، فهذه جنايةٌ مستقلةٌ، وجنى على بصرهِ، وهذه جنايةٌ مستقلةٌ، وجنى على عقلهِ، وهذه

جنايةٌ مستقلةٌ، أرأيتَ لو أن شخصاً هجمَ على بيتٍ فيه ثلاثةُ أشخاصٍ، فضربَ أحدَهم فأصمَّهُ، والثاني أخرَسَهُ، والثالثُ أصبحَ مجنوناً، ألا توجبُ على الجاني ثلاثَ دياتٍ. تقولُ: نعمٌ، هذا الأصلُ، نقولُ: لماذا؟ تقولُ: لأن كلَّ فعلٍ له حقُّهُ وقسطهُ. نقولُ: ما دام أن كلَّ فعلٍ في شرع الله له حقُّهُ وقسطهُ متفرقاً، كذلك أيضاً له حقُّهُ وقسطهُ مجتمعاً، وهو تعظيمٌ للأنفسِ، يعني منهجٌ للشريعة في الجناياتِ، وحينئذٍ لا يَستشكلُ الإنسانُ، لأنه حين اعتدى على السمعِ نعاقبهُ عقوبةَ من اعتدى على السمع مستقلاً، والسمعُ بذاته له حقُّهُ ديةٌ كاملةٌ، والبصرُ كذلك، والعقلُ كذلك، وهذا لا إشكالَ فيه، حينئذٍ نقول: هذا قصدُ الشريعةِ، والشرعُ له أن يقول: ديةُ الإنسانِ كاملةٌ إذا جُنيَ عليه كاملاً، فيكون السمعُ والبصرُ تبعاً؛ لأنه ما فقأَ عينهُ، ولو أنه جاء وفقأَ عينهُ فأعماه، ثم ضربهُ على أذنهِ فأصمَّهُ، ثم قتلهُ وجبت عليه ثلاثُ دياتٍ، وليست ديةً واحدةً، وهذا الذي أردنا: أن الشريعةَ تريدُ كلَّ جنايةٍ لها حقُّها وقدْرُها، لكن لو أنه قتلهُ فعطَّلَ جميعَ هذه الحواسِ، لا نقولُ: إن عليه عشرَ دياتٍ، هذا أمرٌ واضحٌ، يعني: في حالةِ الجنايةِ كلُّ شيءٍ فعلهُ يُؤاخذُ عليه، فلما قتلَ النَّفْسَ جاء غيرُها تبعاً، كما لو جنى على العينِ فاقتلعها، فأصبحت الرموشُ والشعرُ والجفنُ تبعاً، فحينئذٍ لا يوجدُ ضمانٌ إلا بنصفِ الدِّية، مع أن كلَّ واحدٍ من هذه الشعور فيه ربعُ الدِّية، فالرمشُ الأعلى فيه الربعُ، والأسفلُ فيه الربعُ، ثم الجفنُ الأعلى فيه الربعُ، ثم الجفنُ الأسفلُ فيه الربعُ، هذه تكملةُ الدِّية، ثم العينُ نفسُها فيها نصفُ الدِّيةِ، لكن هذا كله تبعٌ، فإذا جنى على النَّفْس فقتلهُ، وجبتْ دِيةٌ كاملةٌ؛ لأنه جنى على النَّفْسِ، فأصبح غيرُها تبعاً، لكن لو أنه قبلَ جنايتهِ على النَّفْس فقأ عينهُ، أو قلعَ عينيه، أو أصمَّهُ، أو أخرسهُ أو ضربهُ حتى جُنَّ، أو سقاهُ سمَُّاً حتى أصبحَ مجنوناً ثم قتله واعتدى عليه، فجنايتان وليست بجنايةٍ، وحينئذٍ لا يقال بالاندراجِ والتبعيةِ؛ لأنه ينبغي أن يُعاقب على كلِّ جنايةٍ وجريمةٍ فعلها. وهذا الجوابُ أشبهُ وأقوى، وحينئذٍ نقول: إنه لا تعارضَ، ففي حالة الجنايةِ على النَّفْس جنى على شيءٍ واحدٍ وهو النَّفْس، وحصلت الجنايةُ على الحواسِ تبعاً، فبتعطيلِ النَّفْسِ تعطلت الحواسُ، وجاء ذلك تبعاً ولم يأتِ استقلالاً، وعندنا هنا جاء استقلالاً، فوجب أن يُعاقب على كلِّ جنايةٍ بحقِّها وقدْرِها، والله تعالى

أعلم.]شرح زاد المستقنع للشنقيطي https://shamela.ws/book/7696/6288

وخلاصةُ الأمرِ أن حُرمةَ دمِ المسلم من أعظمِ الحرماتِ عند الله سبحانه وتعالى.

وأن قتلَ النَّفْسِ المعصومةِ عمداً من أكبرِ الكبائرِ، وكذا التعدي على المسلمِ بجرحهِ وضربهِ، وقد وردت النصوصُ الكثيرةُ من كتاب الله عز وجل ومن سنةِ نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم التي تدلُّ على ذلك.

وأنه يجبُ التَّحاكمُ إلى شرعِ الله سبحانه وتعالى في حَلِّ الخصوماتِ بين الناسِ، ويحرمُ التَّحاكمُ لغيرِ شرع الله كالقانون الوضعي أو القضاء العشائري اختياراً، ما دام أنهما مخالفانِ لشرعِ رب العالمين.

وأن الشرعَ الشريفَ قد قررَ الأحكامَ المتعلقةَ بالدِّيات، وقررَ الأحكامَ المتعلقةَ بالاعتداءِ على أطرافِ الانسانِ ومنافعهِ.

وأن الشرعَ الشريفَ قد أجاز أخذَ التعويضِ المالي عن الضرر الذي يلحقُ بالمسلم وقد فصَّلَ العلماءُ الأسبابَ الشرعية الموجبةَ للتعويضِ المالي.

وأن مُوجِبَاتِ الدِّيةِ فِي الاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْس ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ وَهِيَ: إِبَانَةُ الأَْطْرَافِ أي قطعُها، وَإِتْلاَفُ الْمَعَانِي كالعقل والشمِّ، وَالشِّجَاجُ وَالْجُرُوحُ.

وأنه قد وَقع إِتْلاَفٌ لاثنتين من مَعَانِي جسم الشاب وهي: (1) إتلافُ صُلبِ الشابِ وقد نتج عنه فقدانُ السيطرةِ على البول والبراز والنكاح.(2) فقدانُ القدرةِ على المشي والوقوفِ على قدميه.

وأن الفقهاء قد اختلفوا في هذه الحالة هل تتعدد الدِّية بتعدد ذهابِ المعاني، فمنهم من قال بتعدد الدِّيات وهو قول جمهور الفقهاء وهو الذي أُرجحهُ، ومنهم من قال بديةٍ واحدةٍ,

وأن التداخلَ في الدِّيات يكونُ إذا مات المجني عليه، فحينئذٍ يستحقُّ ديةً واحدةً.

وأنه لا إشكالَ في استحقاقِ المجني عليه لأكثرَ من ديةٍ إذا جُنيَ على أكثرَ من معنىً من معاني الجسم، كالعقل والشمِّ والقدرةِ على النكاحِ وغيرها،

بينما لو جُنيَ على النَّفْس فمات المجنيُ عليه لم يستحقْ إلا ديةً واحدةً كما قرر ذلك الفقهاء وفصلته في الجواب.

وأن الراجحَ من أقوالِ الفقهاءِ أن الجنايةَ التي تُذهبُ أكثرَ من معنىً من معاني الجسم، كالعقلِ والشمِّ والقدرةِ على النكاحِ وغيرها، توجبُ ديةً كاملةً لكلِ معنىً من معاني الجسم، ولا تتداخلُ هذه الدِّيات ما دام أن المجني عليه حيٌّ، فديةُ ذهابِ العقلِ لا تدخلُ في ديةِ معنىً آخرَ، ولو كانت الجنايةُ على محلٍ واحدٍ كما هو في السؤال، حيث أُصيبَ الشابُ في الصُّلبِ. ويكون التداخلُ في الدِّياتِ إذا ماتَ المجني عليه، فحينئذٍ يستحقُ ديةً واحدةً.

وبناءً عليه تجبُ ديتان شرعيتان للشاب المذكور في السؤال.

وأن مقدارَ الدِّيةِ الشرعيةِ هو ألفُ دينارٍ ذهبيٍ، ويساوي في أيامنا هذه أربعةَ آلاف ومئتين وخمسين (4250) غراماً من الذهب عيار 24 قيراطٍ.

وأنني أرى التَّشددَ في موضوعِ الدِّياتِ في أيامنا هذه، لعلَ ذلك يكونُ رادعاً لمن يستخفون بدماءِ الناسِ وأموالهم، وخاصةً أن عقوباتِ ذلك في القانونِ الوضعي لا تتناسبُ وعِظَمَ الجريمةِ وبشاعتها الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأْهَلَ أَرْضِهِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَدْخَلَهُمُ اللهُ النَّارَ).

والله الهادي إلى سواء السبيل