escort bayanankara escortizmir escortbodrum escortyalova escorttunceli escortdenizli escortedirne escortzonguldak escortkonya escortescort bayanescort bayankizilay escortankara escortmaltepe escortatasehir escortatasehir escortgöztepe escortkadıköy escortümraniye escortkadıköy escortpendik escortkurtköy escortkartal escortmaltepe escortavrupa yakasi escortmaltepe escortkartal escorterenköy escortmaltepe escortanal yapan escortataşehir escortgöztepe escortmaltepe escortkartal escortistanbul escortkurtköy escortmaltepe escortpendik escortkadıköy eskortbostancı escortgöztepe escortgöztepe escortpendik eskortkurtkoy escortkadiköy escortbostanci escortgöztepe escorteve gelen escortanal yapan escortüsküdar escort50 tl escortkaliteli escortpendik ögrenci escortatasehir üniversiteli escortkadikoy escortatasehir escortanadolu yakasi escortümraniye escortescort bayanümraniye escortescort bayanmaltepe escortümraniye escorttuzla escortmaltepe eskortkartal escortatasehir escortkadiköy escortizmir escortsex hikayeyeni seks hikayegerçek sex hikayeporno hikayepornoporn videosreal pornreklamsiz pornoporno izleporno izledizitiktok takipcidizi haberpdf kitap indirhayvan sahiplenkoniksnasil gidilirprefabrik ev fiyatlaridomain analysisphp shellfree themewordpress themewp themewordpresshacklinkhacklink paneliphp shellphp shell

ثوابت في العقيدة الإسلامية

يقول السائل: على إثر مقتل الصحفية المقدسية شيرين أبو عاقلة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني أُثيرت قضايا كثيرةٌ متعلقةٌ بالعقيدة الإسلامية وبالأحكام الشرعية أرجو بيانها بأدلتها الشرعية؟

الجواب:

أولاً: إن موقفَ المسلم من أي حادثةٍ مستجدةٍ إنَّما يستندُ إلى القرآنِ الكريم وإلى السنة النبوية، وإلى ما قرره علماءُ السلف، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} سورة النساء الآية 83. ففي هذه الآية الكريمة أمرٌ من الله تعالى للمؤمنين بالرجوعِ فيما يُشكل عليهم ويغمض عليهم علمُهُ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي العلم.

وحادثةُ مقتلِ شيرين أبو عاقلة كشفت عن جهلٍ فاضحٍ بقضايا العقيدة وبالثوابت الشرعية، وظهر ذلك جلياً في كلام كثيرين من العامةِ الذين كتبوا على صفحات التواصل الاجتماعي، وكذلك تورط أشباهُ طلبة العلم الشرعي، فكتبوا وقالوا ما يُخالفُ المُسَلَّماتِ في عقيدتنا الإسلامية وكذا ما يُخالف الثوابتَ في ديننا.

ولم يسلم بعضُ المشايخ من ذلك، حيث ثبت جهلهم في العقيدة الصحيحة، وانساقوا وراء الدهماءِ على قاعدةِ ما يطلبه المستمعون، وسمعنا ورأينا العجبَ العُجاب.

ومن المعلوم أن الواجبَ على كلِ مسلمِ إذا احتاج لفتوى أو نزلت به نازلةٌ أن يتوجه لأهل العلم، فيسألهم عنها التزاماً بقوله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}سورة الأنبياء الآية 7. قال ابن عباس رضي الله عنهما:[أهل الذكر هم أهل العلم] تفسير القرطبي10/108.

ويجب الحذرُ من أدعياءِ العلم الذين يتصدرون للفتوى اليوم على الفضائيات من مشايخ التمييع وأبواق الظلمة، فهؤلاء لا يُعتدُّ بقولهم، وقد تجرأَ في زماننا هذا على الفتوى أنصافُ المتعلمين، وأرباعهم، وأدنى من ذلك، فضلاً عن غيرهم ممن لا علاقةَ لهم من قريبٍ ولا من بعيدٍ بالإسلام وعلومه وفنونه، ومن لا علمَ له ولا فقهَ ولا خبرةَ ولا قدرةَ على الاستدلال بالنصوص، وإنزالها في منازلها، ولا يدري شيئاً عن قواعد الاستدلال، من حيث العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد والنسخ، والمصالح والمفاسد، وهؤلاء وإن كانوا بارعين في مجالاتٍ معينةٍ أو في اختصاصاتهم وفنونهم التي يشتغلون بها، لكنهم في العلمِ الشرعي لا يخرجون من فصيلة العوام، فالفتوى لأهلِ الذكر فقط، وليست لهؤلاء المميعين وأشباهِ العلماء.

قال العلامة ابن القيم:[ ولما كان التبليغُ عن الله سبحانه وتعالى يعتمدُ العلمَ بما يُبلغ، والصدقَ فيه، لم تصلحْ مرتبةُ التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يُبلغ، صادقاً فيه، ويكونُ مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السِّرِ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضلُهُ، ولا يُجهل قدرُهُ، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيقٌ بمن أُقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عُدَّته، وأن يتأهبَ له أُهبته، وأن يعلم قدرَ المقام الذي أُقيم فيه، ولا يكون في صدره حرجٌ من قول الحقِّ والصدعِ به، فإن الله ناصرُهُ وهاديه، وكيف وهو المنصبُ الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ}سورة النساء الآية 127،وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}سورة النساء الآية 176، وليعلمَ المفتي عمَّن ينوبُ في فتواه، وليوقن أنه مسؤولٌ غداً وموقـوفٌ بـين يـدي الله] إعلام الموقعين 2/16-17.

وإن مما ابتليت به الأمة المسلمة في زماننا هذا، كثرةُ المتسورين على حِمَى العلمِ الشرعي من أشباه طلبة العلم المتعالمين، الذين إن قرأ الواحدُ منهم كتاباً أو كتابين، ظنَّ نفسه من كبار العلماء، ومن أهل الاجتهاد المطلق، فيجعل من نفسه حكماً يحكمُ بين العلماء، فيردُّ عليهم ويصححُ ويُخَطِّىءُ كما يشاء ويهوى، من دون سندٍ ولا أثارةٍ من علمٍ، ولا يحسنُ ألف باء العلم الشرعي!وهذا مع الأسف نشاهدهُ ونسمعهُ باستمرار ، وهذا ما حصل في هذه الحادثة.

ورأينا في هذه الحادثة الجُرأةَ على قطعياتِ الإسلام وثوابته، ورأينا الجرأةَ في ردِّ النصوص القطعية بآراء فجةٍ، بل وصل الحالُ ببعضهم أن ميعوا قضايا عقديةٍ خطيرةٍ، كعدم تكفير اليهود والنصارى بحجة أنهم أهل كتاب، وغير ذلك مما سأذكره لاحقاً.

 ثانياً:إن واجب العلماء أن يقفوا بصدقٍ وعلمٍ في وجه الجهلة والمممعين ومشايخ السلاطين حمايةً لثغور الإسلام، وصيانةً للعقيدة الإسلامية عقيدةِ السلف، ودفاعاً عن الشريعة الإسلامية وثوابتها على وجه الخصوص، والتصدي لتلاعب المتلاعبين وتمييع المميعين وافتراء المفترين وزَوْرِ المُزورين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) رواه البيهقي وابن أبي حاتم وابن عساكر وغيرهم، وصححه الإمام أحمد والحافظ ابن عبد البر والعلامة الألباني.

وواجبُ العلماء أن يجهروا بكلمةِ الحقِّ ولا يطلبون إلا رضا الله عز وجل، ولا يلتفتون لرضا العامة من المسلمين، فهؤلاءِ أبعدُ الناس عن فهم قواعد وأصول الإسلام بنظرةٍ شاملةٍ كُليةٍ، فالعامةُ لا يعتد بقولهم لا في وفاقٍ ولا في خلافٍ.

 وواجبُ العلماء أن لا يطلبوا رضا اليهود والنصارى، فهؤلاء عداؤهم لدين الإسلام، عقيدةً وشريعةً، واضحٌ وجليٌ، ولا يحتاجُ إلى دليلٍ أو برهانٍ، قال تعالى:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}سورة آل عمران الآية 118.

وقال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشرَكُوا} سورة المائدة الآية 82.

وقال تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَـاتِلُونَكُم حَتَّى يَرُدٌّوكُم عَن دِينِكُم إِنِ استَطَاعُوا وَمَن يَرتَدِد مِنكُم عَن دِينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولـئِكَ حَبِطَت أَعمَـالُهُم فِي الدٌّنيَا وَالآخِرَةِ وَأُولـئِكَ أَصحَـابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَـالِدُونَ} سورة البقرة الآية 217.

وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مّن أَهلِ الكِتَـابِ لَو يَرُدٌّونَكُم مِن بَعدِ إِيمَـانِكُم كُفَّاراً حَسَداً مّن عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقٌّ} سورة البقرة الآية 109.

وقال الله عز وجل:{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}سورة البقرة الآية 120.

وقال تعالى: {يَـا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَـارَى أَولِيَاء بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ, وَمَن يَتَوَلَّهُم مّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِى القَومَ الظَّـالِمِينَ}سورة المائدة الآية 51.

وقال تعالى: {يا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوَّكُم أَولِيَاء تُلقُونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَد كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مّنَ الحَقّ يُخرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّـاكُم أَن تُؤمِنُوا بِاللَّهِ رَبّكُم إِن كُنتُم خَرَجتُم جِهَاداً في سبيلي وَابتِغَاء مرضاتي تُسِرٌّونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعلَمُ بِمَا أَخفَيتُم وَمَا أَعلَنتُم وَمَن يَفعَلهُ مِنكُم فَقَد ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ…وَمَن يَفعَلهُ مِنكُم فَقَد ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ}سورة الممتحنة الآية 1.

وقال تعالى: {يا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مّن دُونِكُم لاَ يَألُونَكُم خَبَالاً وَدٌّوا مَا عَنِتٌّم قَد بَدَتِ البَغضَاء مِن أَفواهِهِم وَمَا تُخفِى صُدُورُهُم أَكبَرُ قَد بَيَّنَّا لَكُمُ الايَـاتِ إِن كُنتُم تَعقِلُونَ هَاأَنتُم أُولاء تُحِبٌّونَهُم وَلاَ يُحِبٌّونَكُم وَتُؤمِنُونَ بِالكِتَـابِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُم قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوا عَضٌّوا عَلَيكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الغَيظِ قُل مُوتُوا بِغَيظِكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصٌّدُورِ إِن تَمسَسكُم حَسَنَةٌ تَسُؤهُم وَإِن تُصِبكُم سَيّئَةٌ يَفرَحُوا بِهَا وَإِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرٌّكُم كَيدُهُم شَيئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعمَلُونَ مُحِيطٌ { سورة آل عمران الآيات 118-120.

وإن واجبَ علماء المسلمين أن يسعوا في حماية الُمحكمات العَقَديَّة والثوابت الشرعيَّة، وفيها حمايةٌ لكلِّ مُقدَّس بعدها، فهي أصلها، وعنها تتفرَّعُ كلُّ حِمايةٍ مشروعةٍ، فلا مَناصَ من ضبطِ العقائدِ وتحريرِ الأحكام، وعدمِ الانجرارِ وراء العواطف المتأجِّجة، أو المواقف النفسيَّة المتشنِّجة، أو الاعتبارات السياسيَّة المتقلِّبة، ووزنِ كل موقفٍ وقولٍ بميزان العدلِ الشرعي. قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} سورة الأنعام الآية 152. من بيان رابطة علماء المسلمين

ونستذكرُ في هذا المقام الإمامَ أحمد بن حنبل عندما وقف وقفته البطولية في قضية القولِ بخلقِ القرآن!؟

ثالثاً: من الثوابت العقدية الشرعية أن الإسلام هو الدِّينُ الحقُّ الذي لا يقبلُ الله ديناً سواه، بعد بعثةِ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والإسلامُ ناسخٌ لما قبله من الأديان بإجماعِ أهل العلم، قال تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة آل عمران الآية 85.

وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السبت} سورة النساء الآية 47.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) رواه مسلم.

ومن المعلوم من الدِّينِ بالضَّرورةِ أنَّ الله تعالى قد بعثَ محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الخلقِ كافةً، قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} سورة سبأ الآية 28.

وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} سورة الأعراف الآية 158.

وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} سورة الفرقان الآية 1.

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ.) رواه البخاري ومسلم.

وبناءً على ما سبق فكلُّ مَنْ بلغتهُ الدعوةُ الإسلاميةُ ولم يدخل في دين الإسلام الذي بعث اللهُ به محمداً صلى الله عليه وسلم حتى مات فهو كافرٌ، قال الله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} سورة آل عمران الآية 1، وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة آل عمران الآية 85.  والنصوص الشرعية التي سقتها صحيحةٌ صريحةٌ وهي من المُحكمات ولا يقبل فيها الخلاف.

رابعاً: من الثوابت العقدية الشرعية المتفقِ عليها بين علماءِ الأمةِ كفرُ اليهودِ والنصارى مع أنهم أهلُ كتابٍ، وقد قامت الأدلةُ على كفرهم من القرآن الكريم ومن السنة النبوية، وانعقد الإجماع على ذلك. وهذا الأمرُ من المُحكَماتِ البيناتِ التي لا يمكن أن يقع فيها خلافٌ أصلاً، ومن العجيب الغريب أن يزعم عالمٌ أزهري -أحمد كريمة- أن أهل الكتاب ليسوا كفاراً!؟ واستدل على ذلك باستدلالاتٍ مقطوعةٍ مبتورةٍ كمَنْ يستدلُ بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} ويقف عندها دون أن يكملَ الآية الكريمة. وأين شيخ السلطان هذا من النصوص التالية: قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} سورة آل عمران الآية 70.

وقال تعالى:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} سورة آل عمران الآية 98.

وقال تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} سورة المائدة الآية 72.

وقال تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}سورة المائدة الآية 73.

وقال تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} سورة التوبة الآيتان30 -31.

وقال تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}سورة آل عمران الآية 19.

وقال تعالى:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}سورة آل عمران الآية 85.

وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}سورة المائدة الآية 5.

وقال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} سورة الفتح الآية 13.

وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} سورة البينة الآية 6.

وثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) رواه مسلم.

خامساً: من الأمورِ المعلومةِ من الدِّين بالضرورةِ، بل هي محلُّ إجماعٍ بين العلماء كافةً، أن مَنْ أقرَّ بتوحيد الربوبية- وهو الاعتقاد بتوحيد الله بأفعاله التي لا يشاركها فيها غيرهُ في الوجود، فيعتقد بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت والمدبر لهذا الكون، وغير ذلك من صفات الرب جل وعلا- ولم يقر بغيره من أنواعِ التوحيد -توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات- فهو كافرٌ كفراً مطلقاً، ومَنْ لم يكفرْهُ فهو مثلهُ بلا ريبٍ، فكفارُ قريش وأهلُ الكتاب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما حكى الله عنهم في آيات كثيرة منها: قوله تعالى:{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}سورة العنكبوت الآية 61. ومن المعلوم بداهةً أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد أشركوا مع الله غيرَه، ولم يؤمنوا برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكذا الذين أنكروا البعث والنشور وأنكروا اليوم الآخر، لا شكَّ في كفرهم. قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً}سورة النساء الآيتان150-151.

ومن التلاعبِ في دينِ الله عز وجل القولُ بعدمِ كفرِ أهلِّ الكتاب من اليهود والنصارى، وهذا القول المُفترى مناقضٌ للأدلة الصحيحة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية، ومناقضٌ للعقيدة الإسلامية، باتفاق علماء الأمة.      

قال الشيخُ ابن حزم:[واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفاراً] مراتب الإجماع ص119.

وقال القاضي عياض: [ولهذا نُكفرُ مَنْ دان بغير ملة المسلمين من الملل أو توقف فيهم أو شكَّ أو صححَ مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلامَ واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافرٌ بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك] الشفا في أحوال المصطفى 2/610.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [قد ثبت في الكتاب والسنَّة والإجماع أن مَنْ بلغتهُ رسالته صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به فهو كافرٌ، لا يُقبلُ منه الاعتذارُ بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة] مجموع الفتاوى 12/496.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [إن اليهود والنصارى كفارٌ كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام] مجموع الفتاوى 35/201.

وقال إمامُ الدعوةِ الشيخُ محمد بن عبد الوهاب: [اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة: الأول: الشركُ في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}سورة النساء الآية 48. ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القباب. 

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفرَ إجماعاً.

الثالث: مَنْ لم يُكفِّرْ المشركين أو شكَّ في كفرهم أو صححَ مذهبهم، كفَرَ إجْماعاً].

وسئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، ما حكمُ مَنْ لم يُكفِّرْ اليهود والنصارى؟ فأجاب:[هو مثلهم، مَنْ لم يُكفِّرْ الكفار فهو مثلهم، الإيمانُ بالله هو تكفير مَنْ كفر به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم:( مَن قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بما يُعْبَدُ مَن دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ علَى اللَّهِ) ويقول جل وعلا:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فلا بدَّ من الإيمان بالله، وتوحيده والإخلاص له، والإيمان بإيمان المؤمنين، ولا بدَّ من تكفير الكافرين، الذين بلغتهم الشريعة ولم يؤمنوا، كاليهود والنصارى والمجوس والشيوعيين وغيرهم، ممن يوجد اليوم وقبل اليوم ممن بلغتهم رسالةُ الله ولم يؤمنوا، فهم من أهل النار كفارٌ] فتاوى الشيخ ابن باز 28/46، 47.

ومما لا شك فيه أن النصارى زعموا أن لله ولداً، تعالى الله عمَّا يقولون علواً كبيراً، وقد وصف الله دعواهم الباطلة تلك بأشدِّ الأوصاف، فقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} سورة مريم الآيات 88-92.

سادساً: من الواضحِ جداً أن الهجمةَ على ثوابتِ دينِ الإسلامِ في زماننا هذا تزدادُ شراسةً من بعض المنتسبين إليه، من أشباه العلماء ممن يُظهرون التَّزَيِّي بزي العلماء، ومن العلمانيين والليبراليين والقرآنيين، وممنْ يُسَمَّون بالمفكرين وغيرهم.

ولا شك أن الهجومَ على ثوابتِ الإسلام قديمٌ متجددٌ، وقد زاد حِدةً واتساعاً مع انتشار وسائل الإعلام المختلفة، وهذه الهجمةُ المعاصرةُ على ثوابت دين الإسلام ما هي إلا هجمةٌ ممنهجةٌ ومخططٌ لها من أعداء الإسلام، بل مدفوعة الأجر! ومما طالتهُ الهجمةُ على ثوابتِ دينِ الإسلامِ في زماننا هذا، عقيدة أهلِّ السنُّةِ والجماعةِ، فزعموا أن اليهودَ والنصارى ليسوا كفاراً ولا مشركين، بحجةِ أنهم أهلُ كتابٍ كما سبق.

والدعوةُ إلى إلغاء الفوارق الدِّينِية بين أصحاب الديانات الثلاث، الإسلام واليهودية والنصرانية، باسم وحدةِ الأديان أو توحيدِ الأديان على أساس الملة الإبراهيمية، أو وحدة الدِّينِ الإلهي أو وحدةِ أرباب الكتب السماوية !!

[إنَّ المتابع لحالة التشنج الإعلامي اللافتة والممنهجة، والسعي الحثيث لتشويه أهل العلم، وتوظيف هذا الحدث وغيره في الطعن في ثوابت الشريعة الإسلامية القطعية، وتقليص الفوارق، بل إذابتها بين عقائد وشرائع الأديان كلِّها، حتى لا تبقى للدِّين الحقِّ خصوصيَّةٌ، ولا لشعوب المسلمين هُويَّةٌ – لَيُدركُ يَقينًا أنَّ وراء هذه الحملة جهاتٍ نافذةً مشبوهةً تسعى جاهدةً لتمرير مشاريعها الخبيثة. ] من بيانٍ لرابطة علماء المسلمين.

إن الدعوةَ إلى الملة الإبراهيمية التي جاءت كنتيجةٍ من نتائج تطبيع العربان مع دولة يهود، وهذا التطبيعُ تجاوز الاعتراف السياسي إلى التطبيع الاقتصادي والثقافي والديني وغيرها.

وقد سُمِّيت اتفاقيةُ التطبيع بين الإماراتِ ودولة يهود”الاتفاق الإبراهيمي” ووضح السفيرُ الأمريكي لدى دولة يهود ديفيد فريدمان الأسبابَ التي تكمنُ خلف تسمية الاتفاق “بـالاتفاق الابراهيمي” بأنه جاء تيمناً بسيدنا إبراهيم أبو الديانات الكبيرة كلها، حيث قال فريدمان: ” إن إبراهيم هو أبو الديانات الثلاث، فهو يمثل القدرة على التوحيد بين الديانات العظيمة الثلاث”.

والهدفُ من هذه التسمية هو تمييعُ الفوارق الدِّينِية بين أصحاب الديانات الثلاث، الإسلام واليهودية والنصرانية، باسم وحدة الأديان، أو وحدة الدِّينِ الإلهي، أو وحدة أرباب الكتب السماوية أو وغيرها، فهم يريدون صَهْرَ الأديانِ الثلاثة في بوتقةٍ واحدةٍ. وما دعواتُ حوار الأديان عن ذلك ببعيد. يقول تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ  وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}سورة الكافرون.

ومن المقرر عند العلماء أن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلمٍ فهي تعتبرُ ردةً صريحةً عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدمُ مع أصولِ الاعتقاد، فترضى بالكفرِ بالله عز وجل، وتُبطلُ صدقَ القرآنَ، وتُبطلُ نَسخَ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان؛ وبناءً على ذلك فهي فكرةٌ مرفوضةٌ شرعاً، ومحرمةٌ قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع. قال تعالى:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} سورة البقرة الآية 120.

وقال تعالى:{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} سورة المائدة الآية 52.

ومع الأسف الشديد فقد ظهرت في هذه الحادثة-مقتل شرين أبو عاقلة- تطبيقاتٌ عمليةٌ لما يسمَّى الديانة الإبراهيمية، كما حصل من صلاة بعض الناس صلاةَ الغائب عليها، وحفرَ بئر عنها في الهند كصدقةٍ جارية وغير ذلك. ومن المتفق عليه أنه لا تجوزُ صلاةُ الجنازة ولا صلاةُ الغائب على غيرِ المسلم بالإجماع، والصلاةُ على الكافر من المحرمات المجمع عليها، ومن الاعتداءِ في الدعاء قال تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} سورة التوبة 84. والعجيبُ الغريبُ الذي يدل على الجهل الفاضح، أنهم صلوا عليها صلاة الغائب في المستشفى والجثمان حاضر؟!

ولا شك أن دعاةَ الإبراهيمية قد فرحوا لما رأوا من تطبيقٍ لأفكارهم الباطلة في وحدة الأديان، ولزعمهم أن الإيمان بين أتباع الإبراهيمية واحدٌ، وقد كانت فرصةً مواتيةً لهم لبث أفكارهم المسمومة.

ولا بدَّ من التنبيه إلى أمرٍ مهمٍ قد يُشكل على كثيرين، وهو عدمُ الخلطِ في التعامل الدنيوي مع النصارى وبين أمور العقيدة، فهذه فيها مفاصلةٌ واضحةٌ، يقول تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}سورة الكافرون. وأما التعاملُ معهم في الأمور الحياتية فهم شركاء معنا في البلاد ومشاركون معنا في القضية، والميزانُ في ذلك هو ميزانُ البِرِّ والقسطِ بنصِّ القرآن الكريم، قال تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة الممتحنة الآيتان 8-9.

قال الشيخ السعدي: [أي:لا ينهاكم اللهُ عن البرِّ والصلةِ، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحالٍ لم ينتصبوا لقتالكم في الدِّين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناحٌ أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذورَ فيها ولا مفسدةَ كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلماً: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وقال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} أي: لأجل دينكم، عداوةً لدين الله ولمن قام به، {وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا} أي: عاونوا غيرهم {عَلَى إِخْرَاجِكُمْ} نهاكم اللهُ {أَنْ تَوَلَّوْهُمْ } بالمودة والنصرة، بالقول والفعل، وأما برُّكم وإحسانُكم، الذي ليس بتولٍ للمشركين، فلم ينهكم اللهُ عنه، بل ذلك داخلٌ في عمومِ الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم من الآدميين، وغيرهم.] تفسير السعدي ص 550. 

سابعاً: يحرمُ شرعاً الاستغفارُ لمن مات كافراً إجماعاً، لقوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} سورة التوبة الآية 113. والمنعُ من الاستغفارِ للميتِ الكافرِ من المُحكَمات التي لا خلافَ فيها. وهي مسألةٌ قطعيةٌ في ديننا، والنصوصُ فيها صريحةٌ، والإجماعُ منعقدٌ عليها، وليست المسألة من مسائل الخلاف. وقد نقلَ عددٌ من العلماء الإجماعَ على ذلك، منهم الإمام النووي حيث قال: [وَأَمَّا الصَّلاةُ عَلَى الْكَافِرِ وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ فَحَرَامٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالإِجْمَاعِ] المجموع 5/144، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [الاستغفارُ للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع] مجموع الفتاوى 12/489.

وكذا يحرمُ الترحُّم على الكافرِ، والصحيحُ عند العلماء أنه لا فرقَ بين الترحمِ والاستغفار، لأن المؤدى لهما واحدٌ، وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} سورة الأعراف الآية 156، فالرحمة المذكورة في الآية الكريمة هي الرحمةُ الدنيويةُ، فهي قد وسعت كلَّ شيءٍ، وأما الرحمةُ الأخرويةٌ، فلا تسع مَنْ لم يؤمن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} سورة الأنعام الآية 101، عمومٌ معناهُ الخصوص; أي خلق العالم. ولا يدخل في ذلك كلامه ولا غيره من صفات ذاته. ومثله {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} ولم تسعْ إبليس ولا من ماتَ كافراً] تفسير القرطبي 7/54.

وقال القرطبي أيضاً:[ قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية كلُّ شيءٍ حتى إبليس، فقال: أنا شيءٌ; فقال الله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون; فقال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} فخرجت الآيةُ عن العمومِ، والحمد لله] تفسير القرطبي 7/296.

وقال الآلوسي:[ ورحمةُ الله تعالى -وإن وسعت كلَّ شيءٍ ببعضِ اعتباراتها- إلا أنها خَصَّت المتقين باعتبارٍ آخر، كما يشيرُ إليه قولهُ تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}] تفسير الألوسي 1/140.

وقال السعدي: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} من العالم العلوي والسفلي، البرُّ والفاجر، المؤمنُ والكافرُ، فلا مخلوقَ إلا وقد وصلت إليه رحمةُ اللّه، وغمرهُ فضله وإحسانهُ، ولكن الرحمةَ الخاصةَ المقتضيةَ لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكلِ أحدٍ، ولهذا قال عنها: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ…} تفسير السعدي ص 170.

والذين يحتجون بقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}على جواز الترحم على الكافر، نقول لهم أكملوا الآية الكريمة{فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ…}

وبهذا يظهرُ لنا أن شرطَ الدخول في الرحمة الأخروية هو: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ…} وهو شرطٌ صريحٌ في القرآن الكريم لا يقبلُ التأويلَ ولا الشكَّ، وبناءً عليه قلنا لا يحلُّ الترحمُ ولا الاستغفارُ للكفار، وهو القول الحقُّ إن شاء اللهُ تعالى.

وبناءً على ذلك فالكفارُ لا تشملهم رحمةُ الله في الآخرة، ولا يدخلون الجنة إذا ماتوا على كفرهم. كما أنه قد ثبت في القرآن الكريم انتفاءُ الرحمةِ بخصوصها عن الكافرين يوم القيامة، قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}سورة العنكبوت الآية 23.

وعلى الذين يزعمون جوازَ الدعاء بالرحمةِ للكفار، وأن ذلك لتخفيفِ العذاب عنهم في الآخرة عليهم أن يقرؤوا قولَ الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} سورة  البقرة الآيتان161-162. وقولَ الله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} سورة فاطر الآية 36.

قال الشيخ العلامة العثيمين: [ورحمةُ اللهِ سبحانه وتعالى إما عامة وإما خاصة، فالعامة الشاملة لجميع الناس، والخاصة بالمؤمنين، كما قال عز وجل: {وكان بالمؤمنين رحيماً} فإذا قال قائل: أي رحمة من الله للكافر؟ فالجواب: أمدهُ بأنعامٍ وبنين، وعقلٍ، وأمنٍ، ورزقٍ، بل الكفار قد عُجلت لهم طيباتُهم في حياتهم الدنيا، قال الله عز وجل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}] تفسير القرآن الكريم  للعثيمين 15/18.

وقال الشيخ أحمد سيف:[وأما الذين ذهبوا للتفريق اللغوي بين الرحمة والاستغفار، وظنوا أن مجرد وجود فرقٍ لغويٍ دليلٌ على تباين الحكم الشرعي؛ فهذا خطأٌ؛ لأن الكلام عن الحكم الشرعي للرحمة المتعلقة بما بعد الموت؛ فنحن لا نناقشُ عمومَ الرحمة؛ فاللهُ عزَّ وجل أنزل رحمةً من رحماته في الدنيا يصيبُ بها المؤمنَ والكافرَ، قال تعالى: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وهذا نوعُ رحمةٍ تصيبُ الكفار بلا شكٍ. ونحن لا نجادلُ في هذا؛ بل الكلامُ في النفع الأخروي؛ فالاستدلالُ بالمعنى اللغوي للرحمة خارجُ محلَّ النزاع أصلًا، ثم وجودُ الفرق اللغوي بين الترحم والاستغفار لا يعني بالضرورة وجودَ فرقٍ شرعي في الحكم. والمعنى الأخروي هنا يجتمع فيه المعنيان: الاستغفار والرحمة؛ لكونهما يأتيان –في حقِّ الكافر– بطلبِ العفو عن شيءٍ من العذاب والعقوبة. والشريعةُ لا تفرق بين المتماثلات، وإن اختلف المعنى اللغوي. ونصوص الشريعة تواترت على التفريق بين الرحمة العامة والرحمة الخاصة التي نعنيها هنا برحمة ما بعد الموت. قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} فالرحمةُ رحمتان: عامةٌ في الدنيا للخلق الكافة، وخاصةٌ في الآخرة لأهل الإيمان كما أبانها الله عز وجل وخصصها في الآية.] بتصرف  https://shuounislamiya.com/5495

وقال الشيخ عيسى خيري الجعبري: [الملاحظُ من استقراء الاستخدام القرآني لمصطلح (الرحمة) في أمور الآخرة أنها ذكرت فقط بمعنى النجاة من النار والفوز بالجنة، وهو ما يظهر جليًّا من استعراض تلك المواضع، وأهم المواضع التي ذكرت فيها الرحمة في القرآن، وكان الحديث فيها عن الرحمة الأخروية هي التالية: قوله تعالى:{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ففي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}سورة آل عمران الآية 107. وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}سورة النساء الآية 175. وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وهذه الآية هي مما يستدل به القائلون بجواز الترحم على موتى الكفار، إذ يستشهدون بقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قائلين: إنها تشمل موتى الكفار لعمومها، غير أنه قد فاتهم أثناء استدلالهم هذا أنهم بتروا هذه العبارة عن بقية الآية، والتي تبيّن أنه مع أن رحمة الله تسع كل شيءٍ، ولكن لن يحصل عليها يوم القيامة إلا المؤمنون…وهكذا يظهر جليًّا من استعراض هذه الآيات الكريمات التي جاء الحديث فيها عن الرحمة الأخروية، أن معنى الرحمة في الآخرة كان النجاة من النار ودخول الجنة، مما يشير إلى أن للرحمة في الآخرة معنًى خاصًّا، ليس هو التخفيف من العذاب، بل النجاة منه أصلًا، وهو ما يوافق معنى المغفرة…وأن السلف لم يفرقوا بين الدعاء بالرحمة والاستغفار، فقد فهم السلفُ الذين هم أقدرُ منَّا على إدراك معاني القرآن ومصطلحاته؛ لفهمهم المتين للغة العرب التي نزل بها القرآن، ومعايشتهم لتنزيل القرآن أو لمن شهد ذلك، فهموا هذا الأمر، وهو أن للرحمة في الآخرة معنًى اصطلاحيًّا خاصًّا، وأنه والمغفرة سواء فيها] “حكم الاستغفار لموتى الكفار والترحم عليهم والتعزية بهم” ص 110 بتصرف يسير.

وبهذا يظهرُ لنا أن كلام مَنْ زعمَ جوازَ الترحمِ على الكفار، أنه مصادمٌ للنصوص الشرعية الصريحة، الدالة على أن اليهود والنصارى وغيرهم ممن لم يؤمن قبل وفاته بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار.

ثامناً: من الثوابت في ديننا أنه لا يجوز إطلاقُ لقبِ الشهيدِ في المعارك على غير المسلم،  وهذا باتفاق العلماء. واصطلاح الشهيد في المعركة في الإسلام هو من قُتل في سبيل الله، أي أنه قاتل لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، فعن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: “مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه البخاري ومسلم. وصحيحٌ أن لفظَ “شهد” ومشتقاته في أصلِ اللغة العربية ليس خاصاً بالشهيد المقتول في سبيلِ الله، ولكن جرى العرف في استعماله في المقتول في المعركة أو بيد العدو، فحينئذٍ لا يستعملُ إلا في حقِّ المسلمِ فقط، ولا يدخلُ فيه الكافرُ المقتولُ في المعركة أو بيدِ العدو، قال تعالى:{ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ} سورة آل عمران الآية 140. وقال تعالى: {ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ} أي من المسلمين، فاللهُ تعالى علَّق وصفَ الشهادة بالإسلام. ويؤكد ذلك أن لفظَ الشهادة وسامٌ شرعيٌ عالٍ ولقبٌ من ألقاب التشريف، لا يطلقُ إلا على المسلم المجزوم له بالشهادة، ولا يوصفُ كافرٌ بأنه شهيدٌ، والكفارُ لا يوصفون بهذا الوصف المشرف، لأن الشهادةَ من منازلِ الجنة، والشهادةُ منزلةٌ عاليةٌ، لا تكون إلا لأهل الإيمان، قال تعالى:{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} سورة النساء الآية 69.

ونحنُ لا نجزمُ للمسلم بأنه شهيدٌ، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب: لا يقول فلان شهيد] وهذا في حقِّ المسلم فكيف في حقِّ غيره؟؟؟ قال الحافظ ابن حجر:[ قَوْله: (بَابُ لَا يُقَالُ فُلَانُ شَهِيدٌ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ كَانَ بِالْوَحْي، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ ” تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ” وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَسَيِّدُ بْنُ مَنْصُور وَغَيْرُهُمَا…وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ تَعْيِينِ وَصْفِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ] فتح الباري 6/90.

ولا شك أن إطلاق وصف الشهيد على غير المسلم المقتول في المعركة أو بيد العدو داخلُ في تمييع المصطلحات الشرعية.

قال الشيخ محمد الصغير:[ لكن الرزية كانت فيما صدر من آراء وفتاوى لدعاة وعلماء أفرغوا معنى الشهادة من أصلها الشرعي، كمنزلةٍ في الجنةِ، ودرجةٍ إيمانيةٍ تأتي بعد النبوة والصدّيقية {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} وأرادوا الوقوفَ بالمصطلح الشرعي المحدد عند معناه اللغوي الواسع، وفتحُ هذا الباب يجعلُ الصلاةَ مجردَ دعاءٍ حسب أصلها اللغوي، والحجُّ من جملة السياحة، وهذه جنايةٌ لا تُبقي ولا تذر!] https://iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=25012

ومن كبائر المميعين أن بعضهم نعوا شرين أبو عاقلة واستهلوا النعي بقوله تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} سورة آل عمران الآية 169. ثم حذفوا الآية بعد ذلك ؟! إن هذا لشيءٌ عجابٌ!!

وقيدَ بعضُ العلماء المعاصرين جوازَ إطلاق لفظ الشهيد على غير المسلم المقتول في المعركة أو بيد العدو بالقول بأنه شهيدُ الدنيا أو الأفضل في هذه الحالة أن يقال شهيد الوطن وشهيد القضية أو نحو ذلك. ولا يصح أن يراد به أنه شهيدٌ يدخل الجنة وفي سبيل الله، وهذه وجهة نظر لها مستندها، وإن كنتُ أقولُ بأن استعمال لفظ الشهيد في المقتول في المعركة أو بيد العدو، لا يدخلُ فيه غير المسلم المقتول في المعركة أو بيد العدو؟

تاسعاً: من الثوابتِ في ديننا أن مدارَ النجاةِ يوم القيامة على التوحيد، وأن الجنةَ لا يدخلها كافرٌ، وهذا الأمرُ مما هو معلومٌ من الدِّين بالضرورة، ومن الأمورِ المجمع عليها بين علماء المسلمين، والتي دلت عليها النصوصُ الصريحةُ بما لا يدعُ مجالاً للشك فيها، فمصيرُ الكفار إلى النار وأنهم لا يدخلون الجنة. ولكن وللأسف الشديد، فإن بعض المشايخ الذين يجهلون أساسيات دينهم صاروا يجادلون في هذه الحقيقة الثابتة كما قال أحمد كريمة أحد مشايخ الأزهر: [الجنة ليست حكراً على المسلمين] مخالفاً النصوص الصريحة في ذلك، كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}سورة البقرة الآيتان 161-162.

وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} سورة آل عمران الآية 91.

وقوله تعالى:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة المائدة الآية 5.

وقوله تعالى:{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبُّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} سورة المائدة الآية 72.

وقوله تعالى:{ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة المائدة الآية 73.

وقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} سورة النساء الآية 48.

وقوله تعالى:{إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا بَعِيدًا}سورة النساء الآية 116.

وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ)رواه مسلم. قال الإمام النووي في شرح الحديث:[ وقوله صلى الله عليه وسلم (لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ) أي مَنْ هو موجودٌ في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليهم الدخول في طاعته، وإنما ذكرَ اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتابٌ، فإذا كان هذا شأنُهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتابَ له أولى والله أعلم ] شرح النووي على صحيح مسلم 2/188.

وقال الإمام القرطبي المحدث:[والمرادُ به في هذا الحديث: كل من أُرْسِلَ إليه محمد صلى الله عليه وسلم ولزمته حجته، سواء صدّقه أو لم يصدّقه، ولذلك دخل فيه اليهودي والنصراني] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب المسلم 1/367.

وقد ورد النَّصُّ في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة أن الجنةَ لا يدخلها إلا نفسٌ مسلمةٌ، كما في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ بلالًا فَنادَى في النَّاسِ: أنَّه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ) رواه البخاري ومسلم.

وقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: (والَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، إنِّي لَأَرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ؛ وذلكَ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ) رواه البخاري ومسلم.

وينبغي أن يُعلم أن دخولَ الكافر الجنةَ، لا يكون بسبب أنه ناصرَ قضيةَ فلسطين، وقدَّم تضحياتٍ جليلةٍ، فهذا يُشكرُ ولا يُكْفَر، وله الجزاءُ الحسنُ في الدنيا، وأما دخولُ الجنة فأمرٌ مختلفٌ بينتهُ النصوصُ الشرعيةُ كما سبق، والأحكامُ الشرعيةُ الغيبيةُ مصدرها التوقيف، والتلقي من القرآن الكريم ومن السنة النبوية، وليس العواطف النبيلة!

ولا بدَّ من التنبيه على خطورة الاستخفاف بالكفر والشرك، فشأنُهما عظيمٌ، واسمع لقول الله تعالى:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة الزمر الآية 65.

ويحرمُ شرعاً الاستهانةُ بشرك المشركين وكفرهم، وانظر إلى ما قاله الله عز وجل في عقيدةِ النصارى الباطلة: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً} سورة مريم الآية 90. قال الشيخ السعدي: [وهذا تقبيحٌ وتشنيعٌ لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمنَ اتخذ ولداً، كقولِ النصارى: المسيحُ ابن الله، واليهود: عزيرٌ ابن الله، والمشركين: الملائكةُ بنات الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً] تفسير السعدي ص 501. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أحَدٌ أصْبَرَ علَى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ تَعالَى، إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ له نِدًّا ويَجْعَلُونَ له ولَدًا وهو مع ذلكَ يَرْزُقُهُمْ ويُعافيهم ويُعْطِيهِمْ.) رواه مسلم.

وبعد تأصيلِ هذه الحقائق العقدية، فلا بدَّ من التنبيهِ على أن الدعاءَ بدخول الكافر الجنة، يعتبرُ من الاعتداء في الدعاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقد قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} سورة الأعراف الآية 55، أي في الدعاء، ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبدُ ما لم يكن الربُّ ليفعله، مثل: أن يسأله منازلَ الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين، ونحو ذلك] مجموع الفتاوى 1/131.

وقال القرطبي في تفسير الآية الكريمة:[يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عاماً] تفسير القرطبي 7/226.

عاشراً: من الأمور المُسَلَّمة أن أربابَ الديانات الثلاث، الإسلام والنصرانية واليهودية، كلٌ منهم يُكفرُ غيرَه، فنحن المسلمين نحكمُ على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنهم كفارٌ، وكذلك اليهود والنصارى يُكفرون المسلمين، ويكفرون مَنْ هو على غير دينهم، وهذا واضحٌ في نصوص الكتاب المقدس عندهم، ورد في العهد الجديد: [وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ، الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ] كورنثوس. ورجال الدِّين النصارى يصرحون بتكفير المسلمين جهاراً نهاراً على الفضائيات، كما قال الأنبا مرقس: “المسلم كافر وأي مسيحي يعتقد غير ذلك فليس مسيحياً”

ولما سأل ‫الحبيبُ علي الجفري الانبا مرقس: هل أنا وأي مسلمٍ عندك كافرٌ وفي النار؟ فأجاب: طبعاً وإلا مبقاش مسيحي!؟

وقال الأنبا شنوده : “لا يجوز الترحم على غير المسيحي، والكنيسة لا تسمح بالصلاة على المرتد ولا ترحيم عليه”

http://www.youtube.com/watch?v=KKPJzIaTx1Y

وقال شيخ الأزهر أحمد الطيب: [المسيحيون كفارٌ ونحن كفارٌ عندهم، فبلاش نلعب في العقائد، ولا يصحُّ الحوارُ في العقائد لأن كل دين له عقائده، وإلا وقعنا في الديانة الإبراهيمية المزعومة] https://twitter.com/zeacuss/status/122107566095470592?lang=ca

وبناءً على أن المسلمين كفارٌ عند النصارى فكيف تدعون بالرحمة لمن يكفركم!؟

أحد عشر: من الغرائب والعجائب أن يقول أحدُهم عن شيرين: [هذه الفتاة تختلف عن غيرها من البشر، وأن سراً كامناً بينها وبين الله تعالى؛ شهدت لها -فلانة- والفقراء والأيتام الذين كانت تكفلهم، والإفطارات الرمضانية لذوي الاحتياجات الخاصة من المسلمين، ولا ندري كيف كانت تناجي ربَّ العالمين، وهي وحيدة في بيتها بين أربعة جدران بعد وفاة والديها وهجرة أخيها، وكيف كانت تمرُّ عليها الليالي الطوال، وهي فتاة راكزة لم تنحرف ولم تنجرف. ربما يكون لها علاقة خاصة مع الله تعالى!!؟؟]

انظر إلى هذا التهويل وهذه المبالغات الممجوجة والمجازفات الفارغة، وانظر إلى هذا التألي على الله عز وجل، فزعم والزعمُ مطيةُ الكذب أن [ هذه الفتاة تختلف عن غيرها من البشر، وأن سراً كامناً بينها وبين الله تعالى] من أين لك هذا؟ كيف تختلف عن البشر؟ إن أرباب دينها ما قالوا إنها قديسة!

لا شك أن من أعظم الآفات التي يقع فيها الإنسانُ آفةُ انفلات اللسان، فيتكلم بكلمةٍ لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ.) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ). وعن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح.

ويجبُ على المسلم أن يدركَ أنَّ كلَّ كلمةٍ تخرجُ من فمه فإنه محاسبٌ عليها، فهي إما له، وإما عليه يقول الله تعالى:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} سورة ق الآية 18.

وأما زعمه هذا القائل بقوله: [ونخشى أن تصيب بعضَ علمائنا المعرة مثل الواردة في قول الله تعالى: {لَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} سورة الفتح الآية 25. وذلك لتركيزهم على حكم إطلاق كلمة الشهيد، وحكم الترحم على الذين يبذلون دماءهم وأرواحهم دفاعاً عن الوطن والمقدسات؛ وهم في غنىً عن الخوض في مثل هذا المواضيع]

إن المَعَرَّةَ – الإثم- ستلحق بمن يتألون على الله عز وجل، وستلحق المَعَرَّةُ بمن يجاملون الكفار على حساب دينهم، وستلحق المَعَرَّةُ بمن يشاركون الكفار في أعيادهم الدينية، والمَعَرَّةُ لا تلحق بالعلماء الذين يبينون العقيدةَ الصحيحةَ ويدافعون عن ثوابت الإسلام، ويقفون في وجه المميعين للأحكام الشرعية. ومع الأسف الشديد فإن قائل هذا الكلام يشير إلى اتهام العلماء ووصفهم بجهلِ حالِ أهل الكتاب، ويخشى أن تصيب بعضَ علمائنا المَعَرَّةَ على الرغم أن رأيهم هو رأي كثيرٍ من أهل العلم من المتقدمين ومن المعاصرين.

وقد وصلَ الأمرُ ببعض السفهاء، ممن تحملهم شهاداتُهم ولا يحملونها، إلى وصمٍ مَنْ خالفهم في هذه المسألة بالتطرف أو الجمود أو التحجر أو الغلو أو الوهابية وغير ذلك من الأوصاف التي تذكر على سبيل التجريح!؟

قال د. محمد الصغير: [عالمُ الشريعةِ الذي هو من أعلام المُوقِّعين، عليه إدراكُ أن كلامه لا ينبغي أن يخرج عن إطار الاصطلاح الشرعي ومراعاة البعد العقدي، لأن الناس يتلقون عنه من هذا السبيل، وإلا كان مِعولًا في يدِ من يهدمون الثوابت، ومن يريدون إزالة الفوارق، من دعاة الإنسانية قبل الإسلامية، أو سدنة الديانة ‎الإبراهيمية، الذين قدَّمت لهم هذا الآراءُ خدمةً جليلةً، وقدَّمتهم خطوةً في طريق تمييع العقائد وتجاوز النصوص والثوابت، حتى لا يبقى لأصحاب كل دين ما يميِّزهم، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقال جلَّ ثناؤه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}. وأصبحنا مع هذه الآيات المحكمات والبيّنات القاطعات -نظرًا لما أُثير من شُبَهٍ ومغالطات- في حاجةٍ لتأكيد بعض المُسلَّمات، ومنها أن أحكامَ الإسلامِ تجري على الظاهر، وليس علينا البحثُ عن السرائر، ومن هنا يأتي الوصفُ بالكفر أو الإيمان وما يتعلق بهما من أحكام، وأن الجنةَ لمن آمن بالله وحده، واتبع ما جاء به نبيهُ الخاتم صلى الله عليه وسلم، والنارُ لمن كفر بذلك وصد عنه، ولا دخل في هذا للبشر.]

ثاني عشر: لا شك أن ما أقدمت عليه سلطاتُ الاحتلال من قتلِ الصحفيةِ المقدسيَّةِ شِيرين أبو عاقلة يعتبر جريمةً بكل المقاييس الشرعية والقانونية وغيرها.

ولا ينكرُ عاقلٌ الدورَ الإعلامي للصحفية المقدسيَّةِ شِيرين أبو عاقلة على مدى سنوات طويلة في الدفاعِ عن القضية الفلسطينية وفضحِ جرائم الاحتلال الصهيوني الأثيم.

وقد قام الشعبُ الفلسطيني بكل توجهاتهِ بالواجبِ تجاه شِيرين أبو عاقلة وعائلتها بالعزاءِ لأُسرة الفقيدة، وأهل بيت المقدس، وتشييع جثمانها كما أشادوا بجهودها في نُصرةِ القضية الفلسطينية وذكرها الجميعُ بالثناءِ الحسنِ والقولِ الجَميل، وهو جائز في شريعة المسلمين بغير نكير.

والله الهادي إلى سواء السبيل