ربا البنوك هو الربا المحرمُ في القرآنِ الكريمِ وفي السنةِ النبويةِ

يقول السائل: ما قولكم فيمن يزعمُ أن فوائدَ البنوك التجارية ليست من الربا المحرم شرعاً، بل هي استثمارٌ حلالٌ بإجماعِ الأئمةِ الأربعة، وأن البنوك التجارية تُعطي تمويلاً وليس قرضاً ربوياً، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: ما زالت الهجمةُ على ثوابت دينِ الإسلامِ في زماننا هذا تزدادُ شراسةً من بعض المنتسبين إليه، من أشباهِ العلماء ممن يُظهرون التَّزَيِّي بزي العلماء، ومن غيرهم من العلمانيين والليبراليين والقرآنيين، وممنْ يُسَمَّون بالمفكرين وغيرهم.

ولا شك أن الهجومَ على ثوابتِ الإسلام قديمٌ متجددٌ، وقد زاد حِدةً واتساعاً مع انتشار وسائل الإعلام المختلفة، وهذه الهجمةُ المعاصرةُ على ثوابت دين الإسلام ما هي إلا هجمةٌ ممنهجةٌ ومخططٌ لها من أعداء الإسلام، بل ومدفوعة الأجر!

وقد طالت هذه الهجمةُ القرآنَ الكريم، فشككوا في كمالهِ وزعموا نقصانَهُ وتحريفَهُ.

وطالت هذه الهجمةُ أيضاً السنةَ النبويةَ، كزعمِ بعضهم أن السنةَ النبويةَ ليست مصدراً للتشريع، ويجبُ الاكتفاءُ بما في القرآنِ الكريم.

وطالت هذه الهجمةُ أيضاً مصادرَ السنة النبوية كصحيحي البخاري ومسلم.

كما طالت عقيدةَ أهلِّ السنُّةِ والجماعةِ، فزعموا أن اليهودَ والنصارى ليسوا كفاراً ولا مشركين، بحجةِ أنهم أهلُ كتابٍ.

وطالت هذه الهجمةُ أيضاً الصحابة كأبي بكر وعمر ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم.

كما طالت هذه الهجمة القذرة كبارَ علماءِ الإسلام وقادته العظام كالإمام البخاري والإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب والخليفة العباسي هارون الرشيد والقائدَ المسلم صلاح الدين الأيوبي وغيرهم كثيرٌ.

وطالت هذه الهجمة الربا المحرم قطعاً في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، فزعم مفتي مصر الحالي والمفتي السابق وخالد الجندي وبعض مشايخ الأزهر، أن الفوائدَ البنكية ليست من الربا، وإنما هي استثمارٌ في أموالِ الناس، وزعموا أن التعاملَ مع البنك ليس له علاقةٌ بالقرض، وزعموا أن الفتاوى التي تُحرم فوائدَ البنوك، لم تقرأ الواقعَ قراءةً صحيحةً، وزعم علي جمعة أن من يربط الربا بفوائد البنوك يستهدفُ توجيه ضربةٍ إلى القيادة السياسية ومصر ومقدَّرات الوطن! وسبق له أن زعمَ بأن الربا لا يجري في العملات الورقية!

وزعمت دارُ الإفتاء المصرية أن البنوك التجارية لا تعطي فوائد، وإنما أرباحاً حلالاً وليست حراماً، لأنها ليست فوائد قروض، وإنما هي عبارةٌ عن أرباحٍ تمويليةٍ ناتجةٍ عن عقود تحققُ مصالح أطرافها، ولذلك يجوز أخذها شرعاً، وغير ذلك من المزاعم الباطلة كما سأبين.

إن هدفَ مشايخ السلطان الذي يُحرَكون “بالريموت كنترول” من مشغليهم، إنما هو تمييعُ الدِّينِ، والتلاعبُ في ثوابتِ ومُسلَّماتِ الدِّينِ الإسلامي، عقيدةً وشريعةً، ومخالفةُ الكتابِ والسُنَّةِ ومنهجِ الأئمَّة، وكلُّ ذلك دفاعاً عن أنظمةٍ فاشلةٍ نهبت خيراتِ الشعوب.

إن تصدر مشايخ السلطان لإفتاء الناس بمثل هذه الأقوالِ المخالفةِ للأدلة الشرعية المحرمةِ للربا، والمخالفةِ لما هو متفقٌ عليه بين المجامع الفقهية، ولما قرره فقهاءُ العصر، إنما هو تمييعٌ للأحكام الشرعية، ويتضحُ الهدفُ منه، وهو كما قال علي جمعة بأنه دفاعٌ عن القيادة السياسية؟!

ثانياً: إن مشايخ السلطان الزاعمون بأن ربا البنوك الربوية (التجارية) ليس من الربا المحرم، وإنما هو تمويلٌ أو استثمارٌ، وأن التعاملَ مع البنك ليس له علاقةٌ بالقرض، فهم لا يعرفون التوصيفَ الحقيقي لعملِ البنوك الربوية (التجارية)، ولم يقرؤوا قانونَ البنوك المصري الذي ينظمُ عملَ البنوك الربوية (التجارية)!

إن وظيفةَ البنوك الربوية (التجارية) الأساسية هي الإقراضُ والاقتراضُ بالربا (الفائدة)،فالبنوك الربوية (التجارية) تأخذُ الأموالَ من المودعين،

وتقرضُ المقترضين، وكل ذلك يكون بالربا “الفائدة”، وتكون الفائدةُ أعلى في حالةِ الإقراض منها في حالة الاقتراض، فتكون الفائدة في حالة الإقراض 9%، وتكون في حالة الاقتراض 6% مثلاً، والفرق بين الفائدتين هو المصدرُ الأساسي لإيرادات البنوك التجارية. ولا يعلمُ مشايخ السلطان أن معظمَ عملِ البنوك التجارية يقوم على مبدأ الفائدة “الربا” حيث يتجاوزُ دخلُ البنوك الربوية (التجارية) من الفوائد في حالتي الإقراض والاقتراض 85%.

وهل تغييرُ اسم هذه المعاملة إلى تمويلٍ كما زعم مشايخ السلطان يُغير حقيقتها!؟ إنه التلاعبُ وتغييرُ الأسماء ليُخدعَ الناسُ ويظنوا أن ذلك لا شيءَ فيه، ومن المعلوم أن العبرةَ في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا. وقد روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: (يأتي علَى النَّاسِ زمانٌ يستَحلُّونَ الرِّبا باسمِ البَيعِ) ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان 1/352، وضعفه الشيخ الألباني في غاية المرام ص 25 ثم قال:[…معنى الحديث واقعٌ كما هو مشاهدٌ اليوم ].

أقول لمشايخ السلطان هل قرأتم قانونَ البنوك المصري لسنة 2020م، فقد بين القانونُ طبيعة عملِ البنوك بأنها تُقرض وتقترضُ بالفائدة، كما في المادة رقم (98) حيث بين القانونُ قواعدَ تقديم ومنح الإئتمان لعملاء البنوك. وفي المادة (113) تأكيدٌ على دور البنك في منح التمويل والتسهيلات الإئتمانية. ومعروف أن التسهيلات الائتمانية في البنوك التجارية(Commercial Credit Facility) هي نوعٌ من القروض المالية المقدمة من البنوك التجارية، بغيةَ تمويل المشاريع والأعمال والشركات، وتُتاحُ هذه التسهيلات مقابلَ سدادِ الدين المالي والفوائد المترتبة عليه من قبل المقترض خلال فترةٍ زمنيةٍ محددةٍ.

وهنالك بعضُ الفوارق بين فائدةِ القرض وبين فائدة التسهيلات الائتمانية، فهي في القرض محددةٌ مسبقاً، وأما فائدةُ التسهيلات الائتمانية، فهي تتغيرُ

شهرياً وتكون مربوطةً بمؤشر الفائدة “الليبور” العالمي، ومؤشر “الليبور” كما عرفه الدكتور سامر قنطقجي: [نظام “الليبور” هو المؤشر الرئيسي الذي تستخدمه البنوك الربوية ومؤسسات الائتمان والمستثمرون لتثبيت تكلفة الاقتراض في أسواق المال في جميع أنحاء العالم، وكلمة Libor هي اختصارٌ لمعدل الفائدة المعروض من قبل مصرف لندن، ويستخدم “الليبور” لحساب معدلات الفائدة الربوية المطبقة في قطاعٍ كبيرٍ من العقود والقروض والتبادل التجاري على المدى القصير. ويتم وضعُ “الليبور” من قبل جمعية المصارف البريطانية BBA عند تثبيت معدل “الليبور” وتتبادل الـ BBA الرأي مع Libor Steering Group التي تقود نشاط ممارسي سوق المال في لندن] كتاب معيار قياس أداء المعاملات المالية الإسلامية بديلاً عن مؤشر الفائدة ص 16 بتصرف. ونظام “الليبور” معتمدٌ لدى البنوك الربوية في العالم العربي!

وبناءً عليه فإن دور البنوك الربوية (التجارية) هو الإقراضُ بالفائدة في المشاريع التجارية، فالبنوكُ التجارية تعملُ كوسيطٍ مالي بين أصحاب المدخرات والودائع من جهةٍ، وبين مستخدمي هذه الأموال من جهةٍ أخرى، وكلا العمليتين فيها فوائد، فمن يودع أمواله في البنك يأخذ فائدةً سنويةً، ومن يستدين من البنك يدفع فائدةً سنويةً، وتكون الفائدة في حال الإيداع أقل منها في حال الإقراض كما هي سياسة البنوك التجارية.

وأما دعوى مشايخ السلطان أن البنوك الربوية (التجارية) تقوم باستثمار أموال المودعين في مشاريع اقتصادية تعود بالخير على الوطن، فكذبةٌ كبرى، ينفيها الواقع، فالبنوك الربوية (التجارية) مجرد ممولٍ في حالة الإقراض، ومقترضٍ في حالة الإيداع، أي اقتراض أموال المودعين وتحدد فائدةً سنويةً في الحالتين.

قال أستاذنا الدكتور حسين حامد رحمه الله: [النصوص القانونية تقطع بأن وديعة النقود في البنوك قرض. وقد أكد فقهاء القانون هذا بما لا يدع مجالاً للشك. وحيث إن هناك إجماعاً على أن كل قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا…فإن ما يُصرف للمودع يعدُّ رباً، وإن سُميَ ربحاً أو عائداً…وتنص المادةُ الرابعة من القانون رقم 37 لسنة 1992 على أن تُستبدَل بكلمة “الفائدة” أينما وردت في القانون رقم 163 لسنة 1957 أو القانون رقم 120 لسنة 1975 كلمة “العائد”، وهو لا يغيرُ من الحكم الشرعي، وهو حرمةُ كل زيادةٍ عن مبلغ القرض؛ ذلك أن الحكم الشرعي مرتبطٌ بكلمة “النفع” بكل صوره وجميع أشكاله، بصرف النظر عن التسمية التي تُطلق عليه، ربحاً كانت أو عائداً أو هديةً أو منحةً أو مكافأةً أو جائزةً…وإذا ثبت أن الودائع تستخدم بطريق الإقراض بفائدة أو عائد -كما يسميه القانون-، كان افتراض الفتوى أن البنك يستثمرُ الودائع في معاملاته المشروعة افتراضاً غير واقعٍ وغير صحيحٍ، وبناءُ الفتوى عليه باطلٌ…وإذا ثبت أن الوديعةَ النقدية قرضٌ يفيدُ ملك البنك للوديعة، وحقه في استخدامها مع ردِّ مثلها، وأن ذلك قرضٌ بحكم القانون والشرع؛ فإن كل زيادةٍ على القرض تُعطى للمودع تكون رباً مهما كان قدرها، أو طريقة تحديدها، أو التسمية التي تُطلق عليها، أو تغييرها بالزيادة والنقصان. ودعوى أن البنك يتلقى الودائع بصفته وكيل استثمار، وأنه يستثمرها بنفسه في معاملاته المشروعة بالاتجار والبيع والشراء وغير ذلك من عقود وصيغ الاستثمار الشرعية، دعوى يكذبُها الواقعُ، ويحظرها القانون.] أ.هـ كلام أستاذنا د. حسين حامد نقلاً عن موقع إسلام أون لاين. نت.

وينبغي أن يُعلم أن قوانينَ البنوك في الدول العربية تنصُّ على أنه يُحظر على البنوك الربوية (التجارية) أن تتملك المشاريع الاقتصادية والعقارات وغيرها، فقد ورد في المادة رقم 87 من قانون البنوك المصري لسنة

2020م: يُحظر على البنك ما يلي:(هـ) التعامل في المنقول أو العقار بالشراء أو البيع أو المقايضة]

وورد في المادة (40/أ) من قانون البنوك الأردني: [يُحظر على البنك أي من الممارسات التالية:

2. ممارسة الصناعة أو التجارة أو الخدمات فيما عدا الأنشطة المالية. ]

وورد في قانون المصارف الفلسطينية رقم (9) لسنة 2010م المادة (14) يُحظر على المصارف القيامُ بما يلي: 2. ممارسة العمليات التجارية أو الصناعية أو أية أعمال أخرى باستثناء ما سمح به في المادتين (13) و(15) من هذا القانون.

3. امتلاك أو التعامل بالعقارات أو الملكيات بالشراء أو البيع أو المقايضة، باستثناء: أ. العقار المخصص لإدارة أعمال المصرف أو لخدمة موظفيه، شريطة أن لا يزيد هذا العقار عن نسبة محددة من قاعدة رأسمال المصرف يتم تحديدها بموجب تعليمات تصدرها سلطة النقد.]

وبناءً على ما سبق فإن مناطَ كلام مشايخ السلطان غيرُ موجودٍ في الواقع، ولا تتعاملُ به البنوكُ الربوية مطلقاً، بل إن الأنظمة المعمول بها تمنعُ البنوك الربوية من ممارسة ما أباحوه، فكلامهم في حادثةٍ لا وجود لها في واقع البنوك الربوية!

رابعاً: الربا كما هو معلومٌ محرمٌ بالنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ

الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم إن الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} سورة البقرة الآيات 275-279.

وعن جابر رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ، وقال هم سواء) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ. قيل: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتْلُ النَّفسِ التي حرَّم اللهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتيمِ، والتوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤمِناتِ ) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا: مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ) رواه الحاكم وصححه، وصححه أيضاً العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/633.

وقال صلى الله عليه وسلم:(دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ، أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد 4/117، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 3/29.

وقال الإمام مالك: استعرضتُ كتاب الله فما وجدتُ ذنباً أعظم من الربا لأن الله حارب عليه.

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [هذا وعيدٌ إن لم يذروا الربا، والحربُ داعيةُ القتل. وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وقال ابن عباس أيضاً: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحقٌ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجاً -الشيء المباح- أينما ثقفوا. وقيل: المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله، أي أعداء. وقال ابن خويز منداد: ولو أن أهل بلد

اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال:{فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}] تفسير القرطبي 3/363.

وقال الإمام السرخسي:[وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمساً من العقوبات: أحدها: التخبط قال الله تعالى:{لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} والثاني: المحق قال الله تعالى:{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا}والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع، حتى لا ينتفع هو به ولا ولده بعده. والثالث: الحرب. قال الله تعالى:{فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}والرابع: الكفر قال الله تعالى:{وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وقال تعالى:{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} أي: كفَّارٌ باستحلال الربا أثيمٌ فاجرٌ بأكل الربا، والخامس: الخلود في النار. قال الله تعالى:{وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}] المبسوط 12/109-110.

وقال ابن حجر المكي:[عدُّ الربا كبيرةً هو ما أطبقوا عليه اتباعاً لما جاء في الأحاديث الصحيحة من تسميته كبيرة، بل هو من أكبر الكبائر وأعظمها] الزواجر عن اقتراف الكبائر ص 309.

خامساً: زعم مشايخُ السلطان -مفتي مصر الحالي والمفتي السابق وخالد الجندي وغيرهم- أن ربا البنوك ليس له علاقةٌ بالربا المحرم في القرآن الكريم، وأن الكلام الذي يتحدث عن كون فوائد البنوك ربا ألعوبة زهقنا منها؟! وعاد علي جمعة إلى افتراءاته القديمة أن الربا لا يجري في النقود الورقية!

وزعم علي جمعة أن الأئمة الأربعة اجتمعوا على أنه لا ربا في الأموال، ومَنْ يتحدث عن الربا وربطها بفوائد البنوك، فإنهم يستهدفون توجيه ضربةٍ للقيادة السياسية ومصر ومقدرات الوطن.

وظهر خالد الجندي على إحدى الفضائيات وهو يقرأ من الموسوعة الفقهية الكويتية، ليؤكد أن فوائدَ البنوك حلالٌ وليست حراماً، وأن المصريين أموالهم حلالٌ من فوائد البنوك!

إن مشايخ السلطان هؤلاء أعظموا الفريةَ على دين الإسلام، وعلى الأئمة الأربعة، وعلى علماء الأمة من السابقين والمعاصرين، وإن كلامَ مشايخ السلطان يدلُّ إما على جهلهم بحقيقة الربا في الكتاب والسنة، أو أنهم يتلاعبون في دين الله عز وجل كما تلاعب أحبارُ يهود، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ترتكِبوا ما ارتكبتِ اليهودُ فتستحلُّوا محارمَ اللهِ بأدنى الحيلِ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير: إسناده حسن.

وقرر علماء الأمة المعاصرون والمجامع الفقهية المعتبرة، أن ربا البنوك التجارية هو الربا المحرم في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية، فربا الجاهلية الذي حرمه القرآنُ الكريم والسنةُ النبوية هو ربا الديون، ويكون اشتراط الربا فيه عندما يعجز المدينُ عن السداد، وقد كان أهلُ الجاهلية إذا داين الرجلُ منهم أخاه، ثم حلَّ أجلُ الدَّين، قال له: (إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ)، فإما قضاه، وإما أجله وزاده شيئاً على رأس ماله، فهذا هو ربا الجاهلية الذي ثبت تحريمهُ شرعاً، كما هو قولُ غالب المفسرين بأن المراد بآيات الربا في القرآن الكريم ربا الديون، وهو عينُ ما يجري به التعامل في البنوك الربوية التجارية اليوم.

فربا الجاهلية مجَمعٌ على تحريمه استنادًا إلى النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، كقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وبقية الآيات من سورة البقرة وهي من آخر ما نزل من القرآن الكريم.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (أَلَا وإنَّ كلَّ رِبًا في الجاهليةِ موضوعٌ، لكم رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلِمونَ ولا تُظْلَمُونَ، غيرَ رِبَا العباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ؛ فإنه موضوعٌ كُلُّه) راوه الترمذي قال: حسن صحيح، وحسنه العلامة الألباني.

وقد كان ربا العباس عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم من ربا الجاهلية، فأعلن النبيُّ صلى الله عليه وسلم إبطالَه في خطبته في حجة الوداع، كما رواها جابر رضي الله عنه: (إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ كحُرْمَةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا، ألا إنَّ كلَّ شيٍء من أمرِ الجاهليةِ تحتَ قدمي

موضوعٌ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ، وأولُ دمٍ أضعُه من دمائِنا دمُ ربيعةَ بنَ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، وربا الجاهليةِ موضوعٌ، وأولُ ربًا أضعُ من رِبَانَا ربا العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، فإنَّهُ موضوعٌ كلُّه) رواه مسلم.

وقد بين المفسرون أن ربا العباس كان ربا ديون، إذ لم تكن العرب قد عرفت غيرَ هذا النوع من الربا حينئذٍ.

قال الجصاص: [معلومٌ أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادةٍ مشروطةٍ؛ فكانت الزيادة بدلاً من الأجل، فأبطلهُ اللهُ تعالى] أحكام القرآن 1/637-638.

وقال الجصاص أيضًا: [ربا الجاهلية هو القرضُ المشروطُ فيه الأجلُ وزيادةُ المال على المستقرِض] أحكام القرآن 1/641.

ونقل ابنُ قدامة المقدسي الإجماعَ على تحريم الزيادة المشروطة، فقال: [وكل قرضٍ شرط فيه أن يزيده فهو حرامٌ بغير خلافٍ] المغني ج4/390.

إن علي جمعة قد افترى على الأئمة الأربعة، وقَوَلَهم ما لم يقولوا، وزعم أن الأئمة الأربعة اجتمعوا على أنه لا ربا في الأموال! وهذ كذبٌ واضحٌ، قال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على تحريم الربا، وأنه من الكبائر، وقيل: إنه كان محرماً في جميع الشرائع] المجموع 9/487.

وقال ابن المنذر: [أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادةً أو هديةً فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة على ذلك ربا] المغني ج4/390.

وقال الحافظُ ابن عبد البر: [وكل زيادةٍ في سلفٍ أو منفعةٍ ينتفع بها المسلِفُ فهو ربا، ولو كانت قبضةً من علفٍ، وذلك حرامٌ إن كان بشرطٍ] الموسوعة الفقهية 33/130.

وقد اتفقت كلمةُ المجامع الفقهية على أن ربا البنوك هو الربا المحرم شرعاً، فقد ورد في قرار مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، الذي أصدر في مؤتمره الثاني بالقاهرة شهر المحرم 1385هـ الموافق مايو 1965م، قراراً بشأن المعاملات المصرفية، جاء فيه ما يلي:

– الفائدة على أنواع القروض كلها رباً محرم، لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة على تحريم النوعين.

2- كثيرُ الربا وقليلهُ حرامٌ كما يشيرُ إلى ذلك الفهمُ الصحيحُ في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

3- الإقراضُ بالربا محرمٌ لا تبيحه حاجةٌ ولا ضررٌ، والاقتراضٌ بالربا محرمٌ كذلك، ولا يرتفعُ إثمهُ إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئٍ متروكٌ لدينه في تقدير ضرورته…

5- الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة, وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة].

وورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: [أولاً: كلُّ زيادةٍ أو فائدةٍ على الدين الذي حلَّ أجلهُ وعجزَ المدينُ عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد: هاتان الصورتان رباً محرمٌ شرعاً.]

وورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي في الهند بعنوان: الفوائد البنكية والمعاملات الربوية: [سادساً: اتفقت كلمة المشاركين في الندوة على أن فائدة البنوك هي ربا]

وجاء في توصيات المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية بالكويت: [يؤكد المؤتمر أن ما يسمَّى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو من الربا المحرم شرعاً]

وخلاصة الأمر أن الهجمةَ ما زالت على ثوابت دينِ الإسلامِ في زماننا هذا تزدادُ شراسةً من بعض المنتسبين إليه، من أشباهِ العلماء ممن يُظهرون التَّزَيِّي بزي العلماء، ومن غيرهم من العلمانيين والليبراليين والقرآنيين، وممنْ يُسَمَّون بالمفكرين وغيرهم.

وأن الهجومَ على ثوابتِ الإسلام قديمٌ متجددٌ، وقد زاد حِدةً واتساعاً مع انتشار وسائل الإعلام المختلفة، وهذه الهجمةُ المعاصرةُ على ثوابت دين

الإسلام ما هي إلا هجمةٌ ممنهجةٌ ومخططٌ لها من أعداء الإسلام، بل ومدفوعة الأجر!

وأن هذه الهجمة قد طالت الربا المحرم قطعاً في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، فزعم مفتي مصر الحالي والمفتي السابق وخالد الجندي وبعض مشايخ الأزهر، أن الفوائدَ البنكية ليست من الربا، وإنما هي استثمارٌ في أموالِ الناس، وزعموا أن التعاملَ مع البنك ليس له علاقةٌ بالقرض، وزعموا أن الفتاوى التي تُحرم فوائدَ البنوك، لم تقرأ الواقعَ قراءةً صحيحةً، وزعم علي جمعة أن من يربط الربا بفوائد البنوك يستهدفُ توجيه ضربةٍ إلى القيادة السياسية ومصر ومقدَّرات الوطن! وسبق له أن زعمَ بأن الربا لا يجري في العملات الورقية!

وأن دارَ الإفتاء المصرية قد زعمت أن البنوك التجارية لا تعطي فوائد، وإنما أرباحاً حلالاً وليست حراماً، لأنها ليست فوائد قروض، وإنما هي عبارةٌ عن أرباحٍ تمويليةٍ ناتجةٍ عن عقود تحققُ مصالح أطرافها، ولذلك يجوز أخذها شرعاً، وغير ذلك من المزاعم الباطلة.

وأن هدفَ مشايخ السلطان الذي يُحرَكون “بالريموت كنترول” من مشغليهم، إنما هو تمييعُ الدِّينِ، والتلاعبُ في ثوابتِ ومُسلَّماتِ الدِّينِ الإسلامي، عقيدةً وشريعةً، ومخالفةُ الكتابِ والسُنَّةِ ومنهجِ الأئمَّة، وكلُّ ذلك دفاعاً عن أنظمةٍ فاشلةٍ نهبت خيراتِ الشعوب.

وأن مشايخ السلطان الزاعمون بأن ربا البنوك الربوية (التجارية) ليس من الربا المحرم، وإنما هو تمويلٌ أو استثمارٌ، وأن التعاملَ مع البنك ليس له علاقةٌ بالقرض، أنهم لا يعرفون التوصيفَ الحقيقي لعملِ البنوك الربوية (التجارية)، ولم يقرؤوا قانونَ البنوك المصري الذي ينظمُ عملَ البنوك الربوية (التجارية)!

وأن وظيفةَ البنوك الربوية (التجارية) الأساسية هي الإقراضُ والاقتراضُ بالربا (الفائدة).

وأن دعوى مشايخ السلطان أن البنوك الربوية (التجارية) تقوم باستثمار أموال المودعين في مشاريع اقتصادية تعود بالخير على الوطن، فكذبةٌ كبرى، ينفيها الواقع، فالبنوك الربوية (التجارية) مجرد ممولٍ في حالة

الإقراض، ومقترضٍ في حالة الإيداع، أي اقتراض أموال المودعين وتحدد فائدةً سنويةً في الحالتين.

وأن النصوص القانونية تقطع بأن وديعة النقود في البنوك قرض. وقد أكد فقهاء القانون هذا بما لا يدع مجالاً للشك.

وأن مناطَ كلام مشايخ السلطان غيرُ موجودٍ في الواقع، ولا تتعاملُ به البنوكُ الربوية مطلقاً، بل إن الأنظمة المعمول بها تمنعُ البنوك الربوية من ممارسة ما أباحوه، فكلامهم في حادثةٍ لا وجود لها في واقع البنوك الربوية!

وأن مشايخَ السلطان هؤلاء أعظموا الفريةَ على دين الإسلام، وعلى الأئمة الأربعة، وعلى علماء الأمة من السابقين والمعاصرين، وإن كلامَ مشايخ السلطان يدلُّ إما على جهلهم بحقيقة الربا في الكتاب والسنة، أو أنهم يتلاعبون في دين الله عز وجل.

وأن علماء الأمة المعاصرون والمجامع الفقهية المعتبرة، أن ربا البنوك التجارية هو الربا المحرم في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية، فربا الجاهلية الذي حرمه القرآنُ الكريم والسنةُ النبوية هو ربا الديون.

والله الهادي إلى سواء السبيل