حكمُ تسميةِ المسجدِ باسمِ والدةِ الباني له

يقول السائل: أقومُ ببناءِ مسجدٍ على نفقتي الخاصة، وأرغبُ أن أسمِّيَهُ باسمِ والدتي المتوفية بِرَّاً بها وليس رياءً ولا سمعةً، فما الحكمُ في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: بناءُ المساجدِ وإعمارُها وتهيئتُها للمصلين من الأمورِ المُرَغَّبِ فيها شرعاً، وهو من أفضلِ أعمالِ البِرِّ والخيرِ التي رتَّب اللهُ عليها ثواباً عظيماً، وبناءُ المساجدِ من الصدقةِ الجاريةِ التي يستمرُ ثوابُها وأجرُها بعد موت الإنسان. قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} سورة التوبة الآية 18.

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ بناءِ المساجدِ والمشاركةِ في بنائها، فمن ذلك: عن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير، وصححه العلامة الألباني، وهذا الحديث يدلُ على المشاركةِ في بناءِ المسجد، لأن مَفْحَصَ القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومَفْحَصُ القطاة هو المكان الذي تفحصهُ القطاةُ لتضعَ فيه بيضَها وترقدَ عليه.

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا بنى اللهُ له بيتًا في الجنة) رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:( إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه وولدًا صالحًا ترَكَه ومُصحفًا ورَّثَه أو مسجِدًا بناهُ أو بيتًا لابنِ السَّبيلِ بناهُ أو نَهرًا أجراهُ أو صدَقةً أخرجَها من مالِه في صِحَّتِه وحياتِه يَلحَقُهُ من بعدِ موتِهِ ) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وحسنه العلامة الألباني.انظر صحيح الترغيب والترهيب ص 109-111.

وينبغي أن يُعلم أن إضافةِ المساجدِ لله تعالى إنما هي إضافةُ تشريفٍ كما في قوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً}سورة الجن الآية 18. وقوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} سورة البقرة الآية 114. وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} سورة التوبة الآيتان 17- 18.

وهذه الإضافةُ التشريفية للمساجد لا تتعارض مع تسميتها باسم شخصٍ معينٍ أو نحوه، قال الإمام ابن العربي المالكي: [المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنها قد نُسبت إلى غيره تعريفاً، فيقال: مسجدُ فلان. وفي صحيح الحديثِ: (سَابَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الخَيْلِ، فَأُرْسِلَتِ الَّتِي ضُمِّرَتْ مِنْهَا، وَأَمَدُهَا إِلَى الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَالَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية، كأنها في قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، فإن الأرض لله ملكاً، ثم يخصُّ بها مَنْ يشاءُ، فيردُّها إليه، ويعينها لعبادته، فينفذُ ذلك بحكمه، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيسِ غير ذلك] أحكام القرآن لابن العربي 4/1869.

وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه: (باب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ) ثم روى بإسناده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [يُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَازُ إِضَافَة الْمَسَاجِد إِلَى بَانِيهَا أَوْ الْمُصَلِّي فِيهَا, وَيَلْتَحِق بِهِ جَوَاز إِضَافَة أَعْمَال الْبِرّ إِلَى أَرْبَابهَا, وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّف -الإمام البخاري- التَّرْجَمَة بِلَفْظِ الاسْتِفْهَام لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ اِحْتِمَالاً، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ تَكُون هَذِهِ الإِضَافَة وَقَعَتْ فِي زَمَنه, وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِمَّا حَدَثَ بَعْده, وَالأَوَّلُ أَظْهَرُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَاز, وَالْمُخَالِفُ فِي

ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه أَنْ يَقُول: مَسْجِد بَنِي فُلان، وَيَقُول: مُصَلَّى بَنِي فُلان لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} وَجَوَابه: أَنَّ الإِضَافَة فِي مِثْل هَذَا إِضَافَة تَمْيِيز لا مِلْك] فتح الباري 1/667.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أضافَ المسجدَ لنفسه الشريفة كما صحَّ في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ) رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: (جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ) رواه أحمد وابن ماجة، قال في الزوائد إسناده متصل. وقال العلامة الألباني: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات غير إسماعيل هذا فإنه ضعيف كما في التقريب.

وعن ابن عمر رضي الله عنه (دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ مسجدَ بني عمرِو بنِ عوفٍ مسجدَ قُباءَ يُصلي فيه فدخلتْ عليه رجالُ الأنصارِ يُسلمون عليه ودخل معه صهيبٌ) رواه أحمد، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.

إذا تقرر هذا فإنه لا مانعً من تسميةِ المسجدِ باسمِ شخصٍ معينٍ رجلاً كان أو امرأةً، قال الإمام النووي: [ولا بأس أن يُقال مسجدُ فلانٍ ومسجدُ بني فلان على سبيل التعريف] المجموع 2/180.

ومن المعلوم أن التنعيم بالقرب من مكة المكرمة على طريق المدينة، فيه مسجد عائشة رضى الله عنها. انظر الشرح الكبير للرافعي 7/103، أخبار مكة الفاكهي 3/97.

وأرجو الله أن تكون تسمية المسجد المذكور في السؤال باسمِ والدةِ الباني له، من باب البر بوالدته، وأرجو أن يلحقها الأجر والثواب كما في ورد عن عائشة رضي الله عنها :(أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ

نَفْسُهَا – أَيْ مَاتَتْ بَغْتَةً -، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ لَتَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا) رواه البخاري ومسلم.

ويؤكد ما سبق أن المسلمين على مرِّ العصور والأيام قد تعارفوا على تسمية المساجد بأسماء الأشخاص سواء كانوا صحابة أو علماء أو قادة أو غيرهم.

قال الشيخ العلامة الدكتور بكر أبو زيد: [ إن المساجد قد حصل بالتتبع وجود تسميتها على الوجوه الآتية وهي: أولاً: تسمية المسجد باسمٍ حقيقي، كالآتي:

(1)إضافة المسجد إلى من بناه، وهذا من إضافة أعمال البر إلى أربابها، وهي إضافة حقيقية للتمييز، وهذه تسمية جائزة ومنها: (مسجد النبي صلى الله عليه وسلم) ويُقال: (مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ). (2) إضافة المسجد إلى من يصلي فيه، أو إلى المحلة، وهي إضافة حقيقية للتمييز فهي جائزة ومنها: (مسجد قباء) و(مسجد بني زريق)، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في حديث المسابقة إلى مسجد بني زريق. (ومسجد السوق) كما ترجم البخاري بقوله: (باب العلماء في مسجد السوق). (3) إضافة المسجد إلى وصفٍ تميز به مثل: (المسجد الحرام) و (المسجد الأقصى) كما في قوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} وفي السنة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة: (لا تُعملُ المطيُ إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام. والمسجد الأقصى. ومسجدي هذا). ومنه: (المسجد الكبير). وقد وقع تسمية بعض المساجد التي على الطريق بين مكة والمدينة باسم: (المسجد الأكبر) كما في صحيح البخاري، ومثله يُقال: (الجامع الكبير).

ثانياً: تسمية المسجد باسم غير حقيقي لكي يتميز ويعرف به. وهي ظاهرةٌ منتشرةٌ في عصرنا؛ لكثرة بناء المساجد وانتشارها ولله الحمد في بلاد المسلمين، في المدينة وفي القرية، بل في الحي الواحد، فيحصل تسمية المسجد باسمٍ يتميز به، واختيار إضافته إلى أحد وجوه الأُمة وخيارها من الصحابة رضي الله عنهم، فمن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، مثل: (مسجد أبي بكر رضي الله عنه) (ومسجد عمر رضي الله عنه)، وهكذا للتعريف، فهذه التسميةُ لا يظهرُ بها بأسٌ، لاسيما وقد عُرفَ من هدي النبي

صلى الله عليه وسلم تسميته: سلاحه، وأثاثه، ودوابه، وملابسه، كما بينها ابن القيم في أول كتاب زاد المعاد.

ثالثاً: تسميةُ المسجد باسم من أسماء الله تعالى مثل: (مسجد الرحمن)، (مسجد القدوس)، (مسجد السلام)، ومعلوم أن الله سبحانه قال وقوله الفصل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} فالمساجد جميعها لله تعالى بدون تخصيص، فتسمية مسجد باسم من أسماء الله ليكتسب العلمية على المسجد أمرٌ محدثٌ لم يكن عليه من مضى، فالأولى تركه] معجم المناهي اللفظية ص 504–506.

قلت ما ذكره الشيخ أخيراً من أن الأولى عدم تسمية المساجد بنحو (مسجد الرحمن)، (مسجد القدوس)، (مسجد السلام) لا أرى فيه بأساً فتجوز إضافة المساجد إلى أسماء الله الحسنى.

ثانياً: ومما يدلُّ على جوازِ تسميةِ المسجد باسمِ شخصٍ معينٍ ووضعٍ لوحةٍ أو نحوها على جدار المسجد فيها اسمُ مَنْ بناه أو غيره، فإن ذلك يندرجُ تحت إظهارِ الصدقة وإعلانها، كما قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} سورة البقرة الآية 271. وهذه الآية في فريضة الزكاة كما قال القرطبي: [والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض] تفسير القرطبي 8/168. فإذا كان يجوز إظهار فريضة الزكاة وإعلانها، فلا مانع من إظهار صدقة التطوع كبناء المسجد وكتابة اسم بانيه عليه أو غيره، لتشجيع الناس على بناء المساجد أو المشاركة في بناءها.

ويجوز إظهار الصدقة إذا ترتب على إعلانها مصلحة شرعية كتشجيع الناس على التصدق، كما ثبت في الحديث عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في صَدْرِ النَّهَارِ، قالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِن مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لِما رَأَى بهِمْ مِنَ الفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فأمَرَ بلَالًا فأذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخِرِ الآيَةِ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} وَالآيَةَ الَّتي في الحَشْرِ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينَارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن ثَوْبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّهِ، مِن صَاعِ تَمْرِهِ، حتَّى قالَ: ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، قالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ

الأنْصَارِ بصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قدْ عَجَزَتْ، قالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِن طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ) رواه مسلم.

ويندرج ذلك أيضاً تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسلاَم سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ) رواه مسلم.

ثالثاً: وينبغي التنبيه على أن من أراد كتابة اسمِ شخصٍ معينٍ على مسجدٍ بناه أن يكون عملهُ خالصاً لله تعالى، وبعيداً عن الرياءِ والسمعةِ. قال ابن كثير: [وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ إِسْرَارَ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ، إِلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْإِظْهَارِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، مِنَ اقْتِدَاءِ النَّاسِ بِهِ، فَيَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ] تفسير ابن كثير 2/271.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إنّما الأعمالُ بالنِّيّات) رواه البخاري ومسلم.

رابعاً: وينبغي التنبيه إلى أنه لا يجوز شرعاً إطلاقُ اسم المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى على أي مسجدٍ من مساجدِ الأرض لما لهذه المساجد من خصوصيةٍ ثابتةٍ شرعاً. قال الله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}سورة الإسراء الآية 1، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِي هَذَا، والْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الْأَقْصَى) رواه البخاري ومسلم.

وخلاصة الأمر أن بناءَ المساجدِ وإعمارَها وتهيئتها للمصلين من الأمورِ المُرَغَّبِ فيها شرعاً، وهو من أفضلِ أعمالِ البِرِّ والخيرِ التي رتَّب اللهُ عليها ثواباً عظيماً، وبناءُ المساجدِ من الصدقةِ الجاريةِ التي يستمرُ ثوابُها وأجرُها بعد موت الإنسان.

وأن إضافةَ المساجدِ لله تعالى إنما هي إضافةُ تشريفٍ، وأن هذه الإضافة التشريفية للمساجد لا تتعارض مع تسميتها باسمِ شخصٍ معينٍ أو نحوه.

وأنه لا مانعً من تسميةِ المسجدِ باسمِ شخصٍ معينٍ رجلاً كان أو امرأةً، ومن المعلوم أن التنعيم بالقرب من مكة المكرمة على طريق المدينة، فيه مسجد عائشة رضى الله عنها. وأرجو الله أن تكون تسمية المسجد المذكور في السؤال باسمِ والدةِ الباني له، من باب البر بوالدته، وأرجو أن يلحقها الأجر والثواب.

وأنه مما يدلُّ على جوازِ تسميةِ المسجد باسمِ شخصٍ معينٍ ووضعٍ لوحةٍ أو نحوها على جدار المسجد فيها اسمُ مَنْ بناه أو غيره، أن ذلك يندرجُ تحت إظهارِ الصدقة وإعلانها، لتشجيع الناس على بناء المساجد أو المشاركة في بناءها.

وأنه ينبغي التنبيه على أن من أراد كتابة اسمِ شخصٍ معينٍ على مسجدٍ بناه أن يكون عملهُ خالصاً لله تعالى، وبعيداً عن الرياءِ والسمعةِ.

وأنه لا يجوز شرعاً إطلاقُ اسم المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى على أي مسجدٍ من مساجدِ الأرض لما لهذه المساجد من خصوصيةٍ ثابتةٍ شرعاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل