مـن أيـن لـك هذا؟

يقول السائل: ما هو التأصيلُ الشرعيُ لمبدأ ” مـن أيـن لـك هذا ؟ “

الجواب: أولاً: أرست الشريعةُ الإسلاميةُ قواعدَ الرقابةِ الماليةِ استناداً على نصوص الكتاب والسنة، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيقِ الرقابةِ المالية على عماله، مع أنهم من صحابتهِ المشهودِ لهم بالتقوى والورع والعدالة، ولكن الإنسان يبقى مخلوقاً ضعيفاً، ليس معصومًا من الخطأ، ومن نوازع الشيطان. وقام الخلفاءُ من بعده بتطبيق الرقابةِ الماليةِ بشكلٍ فعَّالٍ، وتجلى ذلك واضحاً في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سيأتي.

والرقابةُ المالية في الإسلام تقومُ في الأساس على الرقابة الذاتية التي غرستها العقيدةُ الإسلاميةُ الصادقةُ في نفوس المسلمين، وهي “رقابة الموظف على نفسه مؤمنًا ومستشعرًا رقابةَ الله تعالى، وأنَّ ما يقوله وما يعمله مسجَّلٌ له أو عليه؛ لذا فهو يُراجِع أقوالَه وأعماله، ويزنُها بميزان الشرع الإسلامي”.

والأدلةُ على ذلك كثيرةٌ كما في قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا}سورة الأحزاب الآية 52، وقوله تعالى:{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }سورة غافر الآية 19، وقوله تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة التوبة الآية 105. انظر “الرقابة الإدارية، المنظور الإسلامي المعاصر” ص92.

وهذه” الرقابة تنبعُ من داخل النفس الإنسانية؛ خشيةَ غضب الله، وسعيًا إلى مرضاته، والعمل على راحة النفس، وهي رقابةُ الضمير، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} سورة الشمس الآيتان 9-10. انظر “المنهج الإسلامي في إدارة الأعمال”، ص100.

ثانياً: لا شك أن مبدأ “مـن أيـن لـك هذا؟ “هو مبدأٌ أصيلٌ من مبادئ الاقتصاد الإسلامي ومن مبادئ الرقابة المالية في الإسلام. وقد سبق الإسلامُ الأنظمةَ الحديثة في الدول الغربية في تقرير مبدأ ” من أين لك هذا ؟ “

وقبل بيان التأصيل الشرعي لهذا المبدأ، لا بدَّ أن نعلم أن من خصائص الاقتصاد الإسلامي احترامُ حقِّ التملك، أي الملكية الخاصة، فقد جاءت الشريعةُ الإسلامية بإثبات الملكية الخاصة للأفراد [والواقع أن إقرار الشريعة الإسلامية لحقِّ الملكية الفردية أمرٌ معروفٌ من الدِّين بالضرورة؛ إذ لولا هذا الإقرار لما كان هناك معنىً لما شرعه الإسلامُ من أنظمة الزكاة، والإرث، والمهور في الأنكحة، وعقود

المعاوضات والتمليكات، وعقوبات الاعتداء على مال الغير؛ لأن هذه التشريعات تستلزمُ بالبداهة الاعترافَ بحقِّ الملكية الفردية؛ لأن هذا الحقَّ محلهُ المال، وهذه التشريعات تتعلق به أو بحمايته] القيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة العامة للدكتور عبد الكريم زيدان ص 9.

وقد جاء ذلك واضحاً في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي كلام الفقهاء. قال تعالى:{وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}سورة البقرة الآية 279. وقال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}سورة التغابن الآية .15، حيث أضاف الله سبحانه وتعالى المال والملك وما تولد من الاكتساب إلى الإنسان إضافةَ اختصاصٍ وتمليكٍ، لا ينازعه فيها أحدٌ من الناس، وهذا صريحٌ بإقرار الملكية الخاصة.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع:( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأَعَراضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)رواه البخاري.

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( مَنْ أحيا أرْضًا ميِّتَةً فهي لَهُ)رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قُتل دون ماله فهو شهيدٌ)رواه البخاري. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على إقرار الشريعة الإسلامية لملكية الأفراد .

ومع إقرار الإسلام للملكية الخاصة فقد وضع لها ضوابط شرعية، فليس الانسانُ حراً أن يفعل ما يشاء وكيفما يشاء، لأن الحريةَ المطلقةُ مفسدةٌ مطلقةٌ، ورذيلةٌ ممقوتةٌ، حيث إنها تؤدي بالانسان إلى الشرود والجموح والانفلات من جميع القيم والمبادئ، يقول الدكتور يوسف القرضاوي:[إن الحرية التي شرعها الإسلام في مجال الاقتصاد ليست حريةً مطلقةً من كل قيدٍ، كالحرية التي توهمها قوم شعيب:{أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} بل هي حريةٌ منضبطةٌ مقيدةٌ بالعدل الذي فرضه الله تعالى. ذلك أن في الطبيعة الإنسانية نوعاً من التناقض خلقها اللهُ عليه لحكمةٍ اقتضاها عمرانُ الأرض واستمرارُ الحياة، فمن طبيعة الإنسان الشغفُ بجمع المال وحبهِ حباً قد يخرجه عن حدِّ الاعتدال، كما قال تعالى في وصف الإنسان:{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} وكما صوَّر الرسولُ صلى الله عليه وسلم مدى طمع الإنسان بقوله:( لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغَى ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ علَى مَن تابَ) متفق عليه.

ومن طبيعة الإنسان الشحُّ والحرصُ كما قال تعالى:{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}وقال:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا}وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(يشيبُ ابنُ آدم وتشبُّ معه خصلتان: الحرصُ، وطولُ الأملِ)رواه البخاري .

ومن طبيعته حبُّ الخلودِ إن لم يكن بنفسه فبذريته من بعده، وحبُّ الاستعلاء والسيطرة على الآخرين، وهاتان الغريزتان كانتا الأُحبولة التي أوقع إبليسُ بها آدمَ أبا البشر في شَرَك المخالفة بالأكل من الشجرة:{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}]دور القـيم والأخـلاق فـي الاقـتـصـاد الإسلامي ص 371-372.

ثالثاً: إن من الضوابط المقررة شرعاً منعُ التعدي على الأموال العامة والخاصة، وحرمةُ المالِ العام أشدُّ من حرمة المال الخاص، لكثرة الحقوق المتعلقة به، ولتعددِ الذمم المسلمة المالكة له.

وقد دلت الأدلة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حرمةِ الخوضِ في الأموال العامة، قال الله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} سورة البقرة 188، وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ -باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا- فمَنْ أخذَهُ بِحَقِّهِ؛ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ المعونَةُ هُو، وَمَنْ أَخَذَهُ بغيرِ حقِّهِ، كان كالذي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) رواه البخاري ومسلم.

وعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِى مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)رواه البخاري.

قال الحافظ ابن حجر:[قوله(إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِى مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل] فتح الباري 6/263. وغير ذلك من النصوص.

رابعاً: إذا تقرر هذا فأعود إلى التأصيل الشرعي لمبدأ “من أين لك هذا؟ “فأقول: قرر النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ بشكلٍ عملي في سنته، فقد روى الإمام البخاري بسنده عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال:(اسْتعْملَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَجُلاً مِن الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْـنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قـال: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهدِيَ إِلَيَّ فَقَامَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على الْمِنبرِ، فَحمِدَ اللَّه وأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قال: أَمَّا بعْدُ فَإِنِّي أَسْتعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ على الْعمَلِ مِمَّا ولاَّنِي اللَّه، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَت إِلَيَّ، أَفَلا جلس في بيتِ أَبيهِ أَوْ أُمِّهِ حتَّى

تأْتِيَهُ إِنْ كَانَ صادقاً، واللَّه لا يأْخُذُ أَحدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حقِّهِ إلاَّ لَقِيَ اللَّه تَعالَى، يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَلا أَعْرفَنَّ أَحداً مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّه يَحْمِلُ بعِيراً لَهُ رغَاءٌ، أَوْ بَقرة لَهَا خُوارٌ، أَوْ شاةً تيْعَرُ ثُمَّ رفَعَ يَديْهِ حتَّى رُؤِيَ بَياضُ إبْطيْهِ فقال: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، ثلاثاً).

وحديث ابن اللتبية هذا فيه دلالةٌ واضحةٌ على حرمة استغلالِ النفوذ والوظيفة والمنصب، وتحريمِ الثراءِ غير المشروع بالتعدي على المال العام.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:(دخَلَ علَيَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمِرجَلُ يَفورُ بلَحمٍ، فقال:مِن أين لكِ هذا؟ قُلتُ: أهدَتْه لنا بَريرةُ، وتُصُدِّقَ به عليها.فقال:هذا لِبَريرةَ صَدَقةٌ، ولنا هَديَّةٌ ) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة، واللفظ لهما .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ)رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي:[قوله:(ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ) هذا تصريحٌ بغلظ تحريم الغلول، وأصلُ الْغُلُولِ: الخيانة مطلقاً، ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة، قال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه، أي محبوسة، يقال: غلَّ غلولاً وأغل إغلالاً. قوله صلى الله عليه وسلم:(لا أُلفِين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رُغَاءٌ) هكذا ضبطناه (أُلفِين) بضم الهمزة وبالفاء المكسورة، أي: لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه: لا تعملوا عملاً أجدكم بسببه على هذه الصفة…و(الرُغَاءُ) بالمد صوت البعير، وكذا المذكورات بعد وصف كل شيء بصوته. والصامت: الذهب والفضة. قوله صلى الله عليه وسلم:(لا أملك لك من الله شيئاً)قال القاضي: معناه من المغفرة والشفاعة إلا بإذن الله تعالى…وأجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من

الكبائر، وأجمعوا على أن عليه ردُّ ما غلَّه]شرح النووي على صحيح مسلم 4/532.

ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن بعض أهل العلم:[أن هذا الحديث يفسر قوله عز وجل:{يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يأت به حاملاً له على رقبته، ثم قال: ولا يقال إن بعض ما يسرق من النقد أخف من البعير مثلاً والبعير أرخص ثمناً، فكيف يعاقب الأخف جناية بالأثقل وعكسه؟ لأن الجواب أن المراد بالعقوبة بذلك فضيحةُ الحاملِ على رؤوسِ الأشهاد في ذلك الموقف العظيم لا بالثقل والخفة]فتح الباري 6/224.

وورد أن الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه حاسبَ معاذَ بن جبل الصحابي الجليل رضي الله عنه، عندما قدم من اليمن بعد وَفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: “ارفع حسابك”، فقال معاذ: “حسابان: حساب من الله، وحساب منك]. www.alukah.net/culture/0/26946/#ixzz5KlHNM4TZ

وورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبَ أبا هريرة رضي الله عنه لما قدم بمالٍ من البحرين حيث كان والياً، وقال له: من أين لك هذا؟ فعن ابن سيرين قال: لَمَّا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، قَالَ لَهُ عُمَرُ، يَا عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّ كِتَابِهِ، أَسَرَقْتَ مَالَ اللَّـهِ؟ قَالَ: لَسْتُ بِعَدُوِّ اللَّـهِ وَلَا عَدُوِّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا، وَلَمْ أَسْرِقْ مَالَ اللَّـهِ. قَالَ: فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ اجْتَمَعَتْ لَكَ عَشَرَةُ آلَافٍ؟ قَالَ: خَيْلِي تَنَاسَلَتْ وَعَطَائِي تَلَاحَقَ وَسِهَامِي تَلَاحَقَتْ، فَقَبَضَهَا مِنْهُ وجعلها في بيت المال، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَمَّا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ اسْتَغْفَرْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ)رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه «الأموال» وابن زنجويه أيضاً. وهو خبرٌ صحيحٌ.

وورد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه صادر مالاً لبعض أولاده لما رأى أنه استفاده بجاه أبيه أمير المؤمنين، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:(اشْتَرَيْتُ إِبِلاً وَارْتَجَعْتُهَ إِلَى الْحِمَى فَلَمَّا سَمِنَتْ قَدِمْتُ بِهَا قَالَ: فَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ السُّوقَ فَرَأَى إِبِلاً سِمَانًا، فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ الإِبِلُ؟ قِيلَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَخٍ بَخٍ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ فَجِئْتُهُ أَسْعَى، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا هَذِهِ الإِبِلُ؟ قَالَ قُلْتُ: إِبِلٌ أَنْضَاءٌ –أي هزيلة – اشْتَرَيْتُهَا وَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى الْحِمَى –أي المرعى– أَبْتَغِى مَا يَبْتَغِى الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: فَقَالَ: ارْعُوا إِبِلَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، اسْقُوا إِبِلَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ

عُمَرَ اغْدُ عَلَى رَأْسِ مَالِكَ وَاجْعَلْ بَاقِيَهُ في بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ)رواه سعيد بن منصور والبيهقي في السنن الكبرى وابن عساكر في تاريخه.

وروى الإمام مالك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، وَقَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمُا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسَلِّفُكُمَاهُ، فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهُ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ لَكُمَا الرِّبْحُ. فَقَالَا: وَدِدْنَا. فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا. فَلَمَّا قَدِمَا عَلَى عُمَرَ، قَالَ: أَكُلَّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ كَمَا أَسْلَفَكُمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: ابْنَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مَا سَلَّفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ. قَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقُصَ لَضَمِنَّاهُ. فَقَالَ: أَدِّيَاهُ. فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَه قِرَاضًا ؟ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا. فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ نِصْفَ رِبْحِ ذَلِكَ الْمَالِ)رواه البيهقي في السنن الكبرى والدارقطني في سننه، وقال الحافظ في التلخيص الحبير: إسناده صحيح. وقال العلامة الألباني: هو على شرط الشيخين.

وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني:[عَزلَ عمرُ أبا موسى عن البصرة، وقدامة بن مظعون وأبا هريرة والحارث بن وهب أحد بني ليث بن بكر وشاطرهم أموالهم فذكر القصة، وفيها وقال للحارث ما أعبدٌ –جمع عبد- وقلاصٌ-إبل فتية- بعتها بمائة دينار؟ قال: خرجت بنفقةٍ معي فتجرت فيها، قال عمر: إنا والله ما بعثناك للتجارة في أموال المسلمين، ثم أمره أن يحملها-أي إلى بيت المال- فقال والله لا عملتُ لك عملاً بعدها، قال تَيْدَكَ –أي على رِسلك- حتى أستعملك] الإصابة 1/200.

وروى سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو الحتروش شملة بن هزال قال: حدثنا قتادة أسند الحديث إلى عمر بن الخطاب: أنه كان له بريدٌ يختلف بينه وبين ملك الروم، وأن امرأة عمر رضي الله عنه استقرضت ديناراً، فاشترت به عطراً، فجعلته في قوارير، فبعثت به مع البريد إلى امرأة ملك الروم، فما أتاها به فرغتهن وملأتهن جوهراً، وقالت: اذهب به إلى امرأة أمير المؤمنين عمر، فلما أتاها به فرغتهن على بساطٍ لها، فدخل عمر على تفيئة ذلك-وقت وحين- فقال: ما هذا يا

هذه! قالت: إني استقرضت من فلان ديناراً، فاشتريت به عطراً، فجعلته في قوارير وبعثت به ـ تعني مع بريدك ـ إلى امرأة ملك الروم، فأرسلت به إليَّ، فقال عمر عند ذلك: يا فلان!خذ هذا، فاذهب به فبعه فاقض به فلاناً ديناراً واجعل بقيته في بيت مال المسلمين، ليس آلُ عمر أحق به من المسلمين) وسنده رجاله ثقات.

وما قام به عمرُ رضي الله عنه هو الواجبُ الشرعي، وهو عينُ العدل في التعامل مع الولاة عندما يُرى أنهم أثروا أثناء ولايتهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وما أخذ ولاةُ الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حقٍ، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل…وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة، والمؤاجرة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة، ونحو ذلك من الهدايا، ولهذا شاطر عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه من عماله مَنْ كان له فضلٌ ودينٌ، لا يُتهم بخيانةٍ، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمامَ عدلٍ، يقسم بالسوية، فلما تغير الإمامُ والرعيةُ، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له]الحسبة ص 67-68، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية 28/281.

وما قام به عمرُ رضي الله عنه وفق مبدأٍ قرره النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو أن القانونَ والنظامَ يطبقُ على الجميع دون محاباةٍ لأحدٍ مهما كان، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)رواه مسلم.

وقد بين عمرُ الفاروقُ رضي الله عنه حالَ الوالي المسلم مع مال المسلمين، أي المال العام، بأنه كولي اليتيم، فقد روى أبو يوسف القاضي بسنده قال:[حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ مَعْدَانَ الْعُمَرِيَّ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ أَبَا بكر فَاسْتَغْفر لَهُ، ثُمَّ قَالَ: “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ ذُو حَقٍّ فِي حَقِّهِ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ هَذَا الْمَالَ يُصْلِحُهُ إِلا خِلالٌ ثَلاثٌ: أَنْ يُؤْخَذَ بِالْحَقِّ، وَيُعْطَى فِي الْحق، وَيمْنَع بالْبَاطِلِ؛وَإِنَّمَا أَنَا وَمَالُكُمْ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَسْتُ أَدَعُ أَحَدًا يَظْلِمَ أَحَدًا، وَلا يَعْتَدِي عَلَيْهِ حَتَّى أَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ، وَأَضَعُ قَدَمِي عَلَى الْخَدِّ الآخَرِ حَتَّى يُذْعِنَ لِلْحَقِّ، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ خِصَالٌ أَذْكُرُهَا لَكُمْ فَخُذُونِي بِهَا: لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجْتَبِي شَيْئًا مِنْ خَرَاجِكُمْ، وَلا مِمَّا

أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلا مِنْ وَجْهِهِ، وَلَكُمْ عَلَيَّ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنِّي إِلا فِي حَقه]كتاب الخراج 1/130.

وقال شاعر النيل حافظ إبراهيم:

فَمَنْ يُبـَارِي أبَا حَفْصٍ وَسـِيَرتِـه أوْ مَنْ يُحَاوِلُ للفَارُوقِ تَشـْبِيها

يَوْمَ اشْتَهتْ زَوْجه الحَلْوَى فَقَالَ لَهَا: مِنْ أَيّنَ لِي ثَمِنِ الحَلْوىَ فَأَشْرِيها

مَا زَادَ عَنْ قُوتِنَا فالمُسْلمون بِه أوْلَى فَقُومِي لبيّـتِ المَــالِ رُدْيهـا

كَذَاكَ أخْلاقُـه كانـَتْ ومَـا عُهِدَتْ بَعْــد َالنّبُوةِ أخْلاقٌ تُحَاكِيهــا

رابعاً: إن مما يُسهمُ في حُسنِ تنفيذِ مبدأ “من أين لك هذا؟ ” تطبيقُ مبدأٍ آخر مهمٍ، وهو مبدأُ كشفِ الذمَّةِ المالية للمسؤولين قبل توليهم المناصب، فلا بدَّ أن يُفصح كبارُ الموظفين عن ذممهم المالية قبل توليهم المناصب، هم وزوجاتهم وأولادهم، حتى لا تُستغلَ الوظائف العامة للثراء غير المشروع، وهذا المبدأ معمولٌ به في كثيرٍ من الدول المتقدمة، ورد في قانون مكافحة الفساد الفلسطيني:[الذمة المالية: إقرار يُطلب من كل مسؤولٍ بتقديم ما يملكه هو وزوجه وأبناؤه القُصَّر من أموالٍ منقولةٍ وغير منقولةٍ، بما في ذلك الأسهم والسندات والحصص في الشركات والحسابات في البنوك والنقود والحلي والمعادن والأحجار الثمينة، ومصادر دخلهم، وقيمة هذا الدخل، إضافةً إلى ما عليهم من ديون].

وهذا المبدأُ قرره الإسلامُ قبل أن تعرفه الدولُ الحديثة، فقد روى الإمام أحمد بإسناده عن نافع قال: كتب خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص إلى أبي بكر رضي الله عنه أن زدنا في أرزاقنا، وإلا فابعث إلى عملك من يكفيكه، فاستشار أبو بكر رضي الله عنه في ذلك، فقال عمر رضي الله عنه لا تزدهم درهماً واحداً، قال: فمن لعملهم؟ قال: أنا أكفيه ولا أريد أن ترزقني شيئاً، قال فتجهز فبلغ ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله: إن قُربَ عمرَ منك ومشاورته أنفعُ للمسلمين من شيءٍ يسيرٍ، فزد هؤلاء القوم وهو الخليفة بعدك، فعزم على عمر أن يقيم، قال وزادهم ما سألوا، قال فلما ولي عمرُ رضي الله عنه كتب إليهم إن رضيتم بالرزق الأول وإلا فاعتزلوا عملنا. وقال: وقد كان معاوية يعني بن أبي سفيان استُعملَ مكان يزيد، قال فأما معاوية وعمرو فرضيا، وأما خالد فاعتزل، قال فكتب إليهما عمر: أن اكتبا لي كل مالٍ هو لكما، ففعلا، قال فجعل لا يقدر لهما بعد على مالٍ إلا أخذه فجعله في بيت المال) فضائل الصحابة 1/292.

وقوله (أن اكتبا لي كلَّ مالٍ هو لكما) هذا هو إقرار الذمة للموظفين.

وما يؤسفُ له في زماننا هذا أن كثيراً من الحكام والوزراء والمسؤولين والمدراء في ديار العرب والمسلمين، قد أثروا ثراءً فاحشاً من أموال الأمة التي نهبوها أثناء ولايتهم، وما تذكره وسائل الإعلام الغربية من أرقامٍ ضخمةٍ من الثروات المنهوبة، من ملايين الدولارات بل المليارات في بنوك الغرب، ومن قصور وطائرات ويخوت في مختلف حواضر الغرب، تصمتُ عنه وسائلُ الإعلام في بلاد المسلمين، لأن التطرقَ لهذا الأمر من الممنوعات!

إن الأموال المنهوبة من هؤلاء وأعوانهم وزوجاتهم وأولادهم وحاشيتهم، وقد بلغت المليارات، لكافية أن تجعل شعوب العالم الإسلامي كله، تعيشُ في رخاءٍ وازدهارٍ، بدلاً من الحال المأساوي الذي تعيشه الأمة من فقرٍ وتخلفٍ وضعفٍ.

ومن المعلوم أن حكام العرب والمسلمين لا يسجلون ما يملكون قبل توليهم المناصب، ولا يقدمون كشف الذمة المالية، ولا يوجد لهم ميزانيات معلنة، وهم معذورون في ذلك لأنهم لا يتركون المناصب أبداً، لأنهم تزوجوها زواجاً كاثوليكياً حتى يأتيهم ملكُ الموت!

وخلاصة الأمر أن الشريعة الإسلامية قد أرست قواعدَ الرقابة المالية استناداً إلى نصوص الكتاب والسنة.

ومبدأ “مـن أيـن لـك هذا؟ “هو مبدأٌ أصيلٌ من مبادئ الاقتصاد الإسلامي ومن مبادئ الرقابة المالية في الإسلام. وقد سبق الإسلامُ الأنظمةَ الحديثة في الدول الغربية في تقريره.

ولقد احترام الاقتصاد الإسلامي الملكية الخاصة ووضع لها ضوابط شرعية. ومن هذه الضوابط المقررة شرعاً منع التعدي على الأموال العامة والخاصة، واعتبر حرمة المال العام أشدُّ من حرمة المال الخاص.

وأما التأصيلُ الشرعي لمبدأ “من أين لك هذا؟ فهو مقررٌ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بشكلٍ عملي فقد كان يحاسبُ عمالَه.

ولقد حاسب الخليفةُ أبو بكر الصديق رضي الله عنه معاذَ بن جبل رضي الله عنه، عندما قدم من اليمن. كما حاسب عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه أبا هريرة رضي الله عنه لما قدم بمالٍ من البحرين. كما وصادر مالاً لبعض أولاده لما رأى أنه استفاده بجاه أبيه أمير المؤمنين.

وما قام به عمرُ رضي الله عنه بمصادرة أموال الولاة وأولاده إنما تمَّ وفق مبدأٍ قرره النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو أن القانونَ والنظامَ يطبقُ على الجميع دون محاباةٍ لأحدٍ مهما كان.

ولقد بيّن عمرُ الفاروق رضي الله عنه حال الوالي المسلم مع مال المسلمين على أنه كولي اليتيم إِنِ اسْتَغْنَى اسْتَعْفَفْ، وَإِنِ افْتَقَرَ أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ.

ومما يُسهمُ في حسن تنفيذ مبدأ “من أين لك هذا؟ ” تطبيقُ مبدأٍ آخر مهمٍ، وهو مبدأُ كشف الذمة المالية للمسؤولين قبل توليهم المناصب.

ولكن مما يؤسف له في زماننا هذا أن كثيراً من الحكام والوزراء والمسؤولين والمدراء في ديار العرب والمسلمين، قد أثروا ثراءً فاحشاً من أموال الأمة التي نهبوها أثناء ولايتهم. وهذه الأموال المنهوبة من قبل هؤلاء وأعوانهم وزوجاتهم وأولادهم وحاشيتهم، قد بلغت المليارات، لكافية أن تجعل شعوب العالم الإسلامي كله، تعيشُ في رخاءٍ وازدهارٍ، بدلاً من الحال المأساوي الذي تعيشه الأمة من فقرٍ وتخلفٍ وضعفٍ.

وأما حكامُ العرب والمسلمين فهم لا يُسجلون ما يملكون قبل توليهم المناصب، ولا يقدمون كشف الذمة المالية، ولا يوجد لهم ميزانيات معلنة، وهم معذورون في ذلك لأنهم لا يتركون المناصب أبداً، لأنهم تزوجوها زواجاً كاثوليكياً حتى يأتيهم ملكُ الموت!!

والله الهادي إلى سواء السبيل