معنى قولِ النبي صلى الله عليه وسلم:(قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ)

يقول السائل:ما معنى ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن قَوْمٍ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)

قال الإمام النووي:[ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا أَصْحَابُ السِّيَاطِ فَهُمْ غِلْمَانُ وَالِي الشُّرْطَةِ.

أَمَّا الْكَاسِيَاتُ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ كَاسِيَاتٌ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَارِيَاتٌ مِنْ شُكْرِهَا وَالثَّانِي كَاسِيَاتٌ مِنَ الثِّيَابِ عَارِيَاتٌ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ…] شرح صحيح مسلم 17/191-192.

وروى الإمام مسلم في صحيحه أيضاً عن عَبْد اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكْتَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ).

وفي رواية أخرى عند مسلم: (يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللهِ وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللهِ)

وهذه الأحاديث تشير إلى الحكام الظلمة أعداء الشعوب وإلى أعوانهم الذين يتسلطون على الناس تعذيباً وسجناً وقتلاً، وقد اتفق شراح الحديث على أن هذا الصنف من الظلمةِ، هو أحدُ صنفين من الناس لم يرهما النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكونا في زمانه، بل سَيأتيانِ بَعدَه، والصنفُ الآخر (وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ) وأخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بأن الصنفين من أهل النار والعياذ بالله فقال:(صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا).

قال الإمام ابن هبيرة في شرح قوله صلى الله عليه وسلم [(قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ) وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر أن هذا من وصف أهل النار؛ إذا كان ضرباً للناس بالسياط؛ فكيف في ضربهم بالعصي؟

التي على مثال أعمدة الفساطيط والسيوف، فإنا لله، لكن هذا إنما ينصرف إلى ضربٍ في باطلٍ ومتابعةِ الهوى، ولا يتناولُ هذا الضربَ في الحدود ولا في التعزير الشرعي.] الإفصاح عن معاني الصحاح 8/118.

وقال القرطبي في تفسير قولهِ تَعَالَى:{وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} الْبَطْشُ السَّطْوَةُ وَالْأَخْذُ بِالْعُنْفِ…قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْبَطْشُ الْعَسْفُ قَتْلًا بِالسَّيْفِ وَضَرْبًا بِالسَّوْطِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ظُلْمًا…وَالْبَطْشُ يَكُونُ بِالْيَدِ وَأَقَلُّهُ الْوَكْزُ وَالدَّفْعُ، وَيَلِيهُ السَّوْطُ وَالْعَصَا، وَيَلِيهُ الْحَدِيدُ، وَالْكُلُّ مَذْمُومٌ إِلَّا بِحَقٍّ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ خَبَرًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَوَعْظًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا فِي مُجَانَبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِهِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْمَذْمُومَةُ قَدْ صَارَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا سِيَّمَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُنْذُ وَلِيَتْهَا الْبَحْرِيَّةُ، فَيَبْطِشُونَ بِالنَّاسِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِي غَيْرِ حَقٍّ. وَقَدْ أخبر صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ. كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وكذا”.]تفسير القرطبي 13/124-125.

وقال السخاوي:[وهم الآن أعوانٌ الظلمةِ، ويطلق غالباً على أقبح جماعة الوالي، وربما توسع في إطلاقه على ظلمة الحكام] الإشاعة لأشراط الساعة ص 119.

وقال الشيخ حسن بن علي الفيومي: [قوله صلى الله عليه وسلم “قوم معهم سياط” أي أولهما قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة، وورد في الحديث “أولُ مَنْ يدخُلُ النَّارَ السَّوَّاطُون”.قيل هم الشُّرَط الذين تكون معهم الأسواط يضربون بها الناس، والسياط جمع سوط وهو الذي يجلد به…والسوط في اللغة اسم للعذاب وإن لم يكن ثم ضرب قاله الفراء…وإنما أراد صلى الله عليه وسلم عِظَم السياط وخروجها عن حدِّ ما يجوز به الضربُ في التأديب، وهذه الصفة للسياط مشاهدة تُعرف إلى الآن] فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب 9/145.

وقال الإمام ابن الجوزي [الْإِشَارَة بأصحاب السِّيَاط يُشبه أَن يكون للظلمة من أَصْحَاب الشَُّرَط] كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/567.

وقال الشيخ مظهر الدين الزيداني: [قال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: إن طال عمرُك يوشكُ أن ترى قومًا من خدمة الملوك والأمراء الظالمة، في أيديهم أخشابٌ

أمثال أذنابِ البقر، يؤذون الناس بها، ويروعونهم ويسعون بين أيديهم، وعلى أعناقهم تلك الأخشاب، يطردون المارةَ بها عن الطرق، فهؤلاء القوم يَغْدُون في غضبِ الله، ويروحون في لعنته] المفاتيح في شرح المصابيح 4/222.

وقال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري [ قوله: (سياط) جمع سوط، وهو جلد مقدود مثل الحبل المتين يضرب به، وتقوم مقامه العصي والهراوات، وأصحابها هم الشرطة، ودأبهم حمل السياط والضرب بها في كلّ بلاد العالم] منة المنعم في شرح صحيح مسلم 4/329.

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز [ معنى حديث: (صنفان من أهل النار لم أرهما)هذا وعيدٌ عظيمٌ، يجب الحذرُ مما دلَّ عليه، فالرجالُ الذين بأيديهم سياطٌ كأذناب البقر هم من يتولى ضربَ الناسِ بغير حقٍّ من شرطةٍ، أو رجالٍ آخرين من غيرهم، كلُّ من يتولى ضربَ الناسِ بغير حقٍّ هو داخلٌ في هذا الحديث، سواء كان بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة؛ لأن الدولة إنما تُطاع في المعروف، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:( إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)]

وقال الشيخ العثيمين: [قال العلماء وهؤلاء هم الشُّرَط الذين يضربون الناس بغير حقٍ، معهم سياطٌ كأذناب البقر، يعني سوطٌ طويلٌ وله ريشةٌ يضربون بها الناس بغير حقٍّ. أما بحقٍّ فإنه يضرب المعتدي {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} لا ترأفوا بهما اجلدوهما تماماً، لكن من ضرب الناس بغير حقٍّ، فهو من أصناف أهل النار والعياذ بالله] شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 6/372.

وقال حسن أبو الأشبال الزهيري في شرح حديث: (يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ) النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول لأبي هريرة: يوشكُ يا أبا هريرة إن طال بك زمانُك أو طال بك العمر(أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله) يعني: في الصباح والمساء، لا تفارقهم اللعنة، ولا يفارقهم الغضب والسخط، وهو غضبُ الله عز وجل وسخطهُ عليهم؛ لأنهم يظلمون العباد، ويحاربون العباد، ويقتلون العباد، ويضربون العباد بغير حجةٍ ولا برهان، بل قامت الحجةُ والبراهين على أن هؤلاء مظلومون، وهم أصحاب حقٍّ وأصحاب دعوةٍ صحيحةٍ، ومع ذلك يُضربون ويُعذبون، ويُسحلون، ويُصعقون، ويظلمهم الظالمون بغير حجةٍ ولا برهان، فهؤلاء

جزاؤهم عند الله أنهم يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط من الله عز وجل.]شرح صحيح مسلم 10/18.

ثانياً: إن التعذيبَ والضربَ والسجنَ والإهانةَ للمخالفين في الرأي من المحرمات في دين الإسلام، فكيف إذا وصل الأمرُ إلى القتل، كما هو الحال في ظلِّ الأنظمة القمعية في بلاد المسلمين، حيث يُقتل المتظاهرون لكونهم قد تظاهروا فقط، ويقتلُ المخالفُ لرأي الحاكم، كما يجري في السودان وغيرها، ولماذا يتسلطُ العسكرُ في بلاد المسلمين على الشعوب، ويريدون الحكمَ بالحديد والنار، مع أن العسكر في أوروبا يحرسون البلاد، ولا يحشرون أنفسهم في السياسة.

ولا بد أن يعلم أولاً أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك، فمنها قوله تعالى:{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} سورة الإسراء الآية 33.

وقوله تعالى:{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} سورة النساء الآية 93.

وقال الله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}سورة الفرقان الآيتان 68-69.

وثبت في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ذَكَرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الكَبَائِرَ -أوْ سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ- فَقالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، فَقالَ: ألَا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قالَ: قَوْلُ الزُّورِ -أوْ قالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ، قالَ شُعْبَةُ: وأَكْثَرُ ظَنِّي أنَّه قالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ-) رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ وأَكْلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصِناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لن يزال المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصبْ دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله:[الفُسحةُ في الدِّين سعة الأعمال

الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفُسحةُ في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري 12/233.

وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:( إنَّ مِن ورَطَاتِ الأُمُورِ، الَّتي لا مَخْرَجَ لِمَن أوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بغيرِ حِلِّهِ)، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء…وهي جمع وَرْطة، بسكون الراء وهي الهلاك، يقال وقع فلان في وَرْطة، أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها] فتح الباري 12/233-234.

وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( يَجِيءُ المقتولُ بالقاتلِ يومَ القيامةِ ورأسُه بيدِه وأوداجُه تَشْخَبُ–أي تسيل- يقولُ: يا رَبِّ قَتَلَني، حتى يُدْنِيَهُ من العرشِ)رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/40.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56.

وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/629.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول:(ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمدٍ بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.

ثالثاً: من المعلوم أن أعوان الظلمة في زماننا قد كثروا، ويشمل ذلك فئات كثيرة، كأجهزة الظالم المختلفة وكالقضاة ومشايخ السوء والإعلاميين والفنانين وغيرهم، وهؤلاء يشاركون بأشكالٍ مختلفةٍ في التعدي على الناس وإيذاءهم وتعذيبهم وقهرهم، فهم من أهم أدوات الظلمة، وليعلم هؤلاء أن كلَّ مَنْ أعانَ ظالماً على ظلمه، فهو شريكٌ له في جرمه، وقرر العلماءُ أن كل قولٍ أو فعلٍ فيه مساندةٌ للظالم يدخلُ في مفهوم الركون إلى الذين ظلموا المذكور في قولهِ تعالى:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى

الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} سورة هود الآية 113.

وقال العلماءُ إن حدَّ إعانة الظالم في ظلمه أن يُقدم الأعوانُ كلَّ ما ييسر للظالم ظلمه والاستمرار فيه، قال مكحول الدمشقي:[ينادي منادٍ يوم القيامة: أين الظلمة وأعوانهم؟ فما يبقى أحدٌ مدَّ لهم حبراً أو حبَّرَ لهم دواةً أو برى لهم قلماً فما فوق ذلك إلا حضر معهم، فيجمعون في تابوتٍ من نارٍ فيلقون في جهنم] الكبائر للذهبي ص 112.

وقال الْحَسَن البصري وغيره من السلف:[مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ، فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى الله عَزَّ وَجَلَّ] ذكره البيهقي في شعب الإيمان 12/41.

وقال الألوسي:[ولعمري إن الآية أبلغ شيءٍ في التحذير عن الظلمة والظلم، ولذا قال الحسن: جمع الدين في لاءين يعني {لا تطغوا} سورة هود الآية 112 {ولا تركنوا} تفسير الآلوسي 12/155.

وقال سفيان الثوري:[من برى لهم قلماً، أو ناولهم قرطاساً، دخل في هذا] أي في الركون.

وَجَاء رجلٌ خياطٌ إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ إِنِّي رجلٌ أخيط ثِيَاب السُّلْطَان-وكان السلطان ظالماً- هَل أَنا من أعوان الظلمَة؟ فَقَالَ سُفْيَان: بل أَنْت من الظلمَة أنفسهم، وَلَكِن أعوان الظلمَة من يَبِيع مِنْك الإبرة والخيوط.] الكبائر للذهبي ص 112.

وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَذِيُّ:[لَمَّا حَبَسُوا الإمام أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي السِّجْنِ جَاءَهُ السَّجَّانُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِي الظَّلَمَةِ وَأَعْوَانِهِمْ صَحِيحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ السَّجَّانُ: فَأَنَا مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ قَالَ لَهُ: أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ يَأْخُذُ شَعْرَكَ وَيَغْسِلُ ثَوْبَكَ وَيُصْلِحُ طَعَامَكَ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مِنْكَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَمِنْ الظَّلَمَةِ أَنْفُسِهِمْ]الفروع لابن مفلح 11/145.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:[وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ أَعَانَهُمْ وَلَوْ أَنَّهُ لاقَ لَهُمْ دَوَاةً – لاَقَ الدواةَ: جعل لها لِيقَةً وأَصلح مِدَادَها فهي مَلِيقَة- أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ:بَلْ مَنْ يَغْسِلُ ثِيَابَهُمْ مِنْ أَعْوَانِهِمْ. وأعوانهم هم من أزواجهم المذكورين في الآية، فإن المعين على البر والتقوى من أهل ذلك، والمعين على الإثم والعدوان من أهل ذلك، قال تعالى:{مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا}والشافع الذي يعين غيره فيصير معه شفعاً بعد أن كان وتراً، ولهذا فُسرت

الشفاعة الحسنة بإعانة المؤمنين على الجهاد والشفاعة السيئة بإعانة الكفار على قتال المؤمنين كما ذكر ذلك ابن جرير…]مجموع الفتاوى 7/64.

رابعاً: يجب أن يُعلم أن طاعةَ الوالي أو الحاكم أو الوالدين إنما تكون في المعروف فقط، وليس لأحدٍ مهما كان الطاعةُ المطلقةُ، ولا يقرُّ الشرعُ الحنيفُ ما يسمَّى الطاعةَ العمياء، فإذا أُمِرَ المسلمُ بالقيام بمعصيةٍ سواء أكان الآمرُ مسلماً أو غير مسلمٍ حاكماً أو غير حاكم، فلا يجوز للمسلم الطاعة في المعصية.

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( السَّمْعُ والطَّاعَةُ علَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيما أحَبَّ وكَرِهَ، ما لَمْ يُؤْمَرْ بمَعْصِيَةٍ، فإذا أُمِرَ بمَعْصِيَةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعَةَ) رواه البخاري.

وقد نصَّ العلماءُ على أن الطاعة تكون في غير معصية، فقد روى الإمام البخاري الحديث السابق في (باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية) صحيح البخاري مع فتح الباري 16/239 .

وقال ابن خواز منداد من كبار فقهاء المالكية:[ وأما طاعةُ السلطان فتجبُ فيما كان لله فيه طاعةٌ، ولا تجب فيما كان فيه معصيةٌ] تفسير القرطبي 5/259 .

ومما يدل على أن الطاعة تكون في المعروف ما ثبت في الحديث الصحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:(بَعَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَرِيَّةً، وأَمَّرَ عليهم رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، وأَمَرَهُمْ أنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عليهم، وقالَ: أليسَ قدْ أمَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ تُطِيعُونِي؟ قالوا: بَلَى، قالَ: قدْ عَزَمْتُ علَيْكُم لَما جَمَعْتُمْ حَطَبًا، وأَوْقَدْتُمْ نَارًا، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا، فأوْقَدُوا نَارًا، فَلَمَّا هَمُّوا بالدُّخُولِ، فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما تَبِعْنَا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِرَارًا مِنَ النَّارِ أفَنَدْخُلُهَا؟ فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ، إذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: لو دَخَلُوهَا ما خَرَجُوا منها أبَدًا، إنَّما الطَّاعَةُ في المَعروفِ) رواه البخاري .

وجاء في حديث آخر عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(لا طاعةَ لأحَدٍ في معصيَةِ اللهِ، إنَّما الطاعةُ في المعرُوفِ) رواه احمد

والبزار وقال الحافظ ابن حجر: وسنده قوي. فتح الباري 5/241 ، وقال العلامة الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم.

وجاء في رواية أخرى:(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهي رواية صحيحة.سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني 1/137-144.

إن ما يقوم به أعوان الحاكم من العسكر وغيرهم من قتل للناس وتعذيبهم بدون تهمة ولا محاكمة عادلة، بحجة أنهم مأمورون، ولا يقدرون على عصيان الأوامر، فهذه حجةٌ ساقطةٌ لا تقوم على أساسٍ شرعي، ولا تنفعهم عند رب العالمين في الآخرة، ولا تنجيهم من العذاب الشديد على جرائمهم في حقِّ الناس، فقد ورد في الحديث عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبَطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا) رواه مسلم.

وقال صفي الرحمن المباركفوري [بَابُ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ] ثم روى فيه عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: «مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا.»

وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: «وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَحَدَّثَهُ فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا».

وقوله: (وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ) ليتسخن في الشمس فيؤذيهم (يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا) أي بغير حقٍّ، أما التعذيبُ بالحقِّ، فلا عتابَ عليه، بل هو واجبٌ في كثير من الصور، وإلا لبطلت الحدود والقصاص والتعزير ونحو ذلك. ولعاث الفاسقون في الأرض فسادًا.]منة المنعم في شرح صحيح مسلم 4/199.

وهذا الحديثِ ينهى النبي صلى الله عليه وسلم فيه عنْ تَعذيبِ النَّاسِ حتَّى الكُفَّارَ بغيرِ مُوجبٍ شَرعيٍّ. وهو يبين استِجابَةُ الوُلاةِ لنَصيحَةِ العُلماءِ، وسُرعَةُ أخْذِهم بها وقيامُهم بما تضمَّنَتْه، بخلاف ما عليه حكام اليوم، الذين يسجنون العلماء الناصحين.

لذا فإن الواجب الشرعي على علماء اليوم أن ينفكوا عن سلاطين الجور والظلم، وأن لا يكونوا مطيةً لهم لتحقيق مآربهم المخالفة لشرع رب العالمين، وقد تبرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الظلمة، ومن أعوانهم، وأنهم لا يردون عليه الحوض، فعَنْ

كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ مِنْ أُمَرَاءَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَغْشَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ الصَّلَاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ)رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/189.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إذا وقفَ العبادُ على الصراطِ يومَ القيامةِ نادَى الله تعالى وقال: أنَا الله، أنَا الملك، أنا الديان، وعِزَّتي وجلالي لا يغادرُ هذا الصراطَ واحدٌ من الظالمين، ثم ينادِي ملَك من قِبَل الله تعالى فيقول: أينَ الظلَمَة؟ أين أعوانُ الظلَمَة؟ أين مَن برى لهم قلمًا؟ أين مَن ناولهم دَواةً؟ ثم تنادي جهنّمُ على المؤمنين فتقول: يا مؤمِن أسرع بالمرور عليَّ فإنَّ نورَك أطفأ ناري) رواه أحمد والطبراني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في “تغليق التعليق” إسناده حسن.

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ)رواه ابن ماجة والحاكم وصححه، وصححه العلامة الألباني. والمراد أنه يظَلُّ في غضَبٍ مِنَ اللهِ حتَّى يَترُكَ هذه المُعونة.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(مَنْ أَعَانَ قَوْمَهُ عَلَى ظُلْمٍ، فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الْمُتَرَدِّي يُنْزِعُ بِذَنَبِهِ)رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وابن حبان في صحيحه، وصححه العلامة الألباني. ومعنى (يُنْزِعُ بِذَنَبِهِ)أَيْ يُجَرّ مِنْ وَرَائِهِ. وقَالَ الإمام الْخَطَّابِيُّ:[معناه أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الإِثْم وَهَلَكَ كَالْبَعِيرِ إِذَا تَرَدَّى فِي بِئْر فَصَارَ يُنْزَع بِذَنَبِهِ وَلا يَقْدِر عَلَى الْخَلاص.] معالم السنن 1/535.

وأين أدعياء السلفية من المفترين على منهج السلف، الذين رضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواقاً للطواغيت الظالمين، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا كشاهدي الزور، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أدواتٍ حادةٍ بيد الظلمة يشهرونها في وجوه أهل الصدق المخالفين والمعترضين على ظلمهم وخيانتهم للعهد وللأمانة. علماءُ السوء هؤلاء سخَّروا علمهم وما حفظوا من نصوص شرعية لإحقاق الباطل، وإبطال الحق قربةً

لأسيادهم الطواغيت الظالمين، وما عرفوا هذه الأحاديث، فإنها عندهم تُطوى ولا تُروى، لأنها تصيبُ الطغاةَ أولياء أمور أدعياء السلفية بمقتلٍ!

وخلاصة الأمر أن قَولَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا أَصْحَابُ السِّيَاطِ فَهُمْ غِلْمَانُ وَالِي الشُّرْطَةِ. وأَمَّا الْكَاسِيَاتُ فهن كَاسِيَاتٌ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَارِيَاتٌ مِنْ شُكْرِهَا.

وأن هذه الأحاديث تشير إلى الحكام الظلمة أعداء الشعوب وإلى أعوانهم الذين يتسلطون على الناس تعذيباً وسجناً وقتلاً، وقد اتفق شراح الحديث على أن هذا الصنف من الظلمةِ، هو أحدُ صنفين من الناس لم يرهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولم يكونا في زمانه، بل سَيأتيانِ بَعدَه.

وأن التعذيبَ والضربَ والسجنَ والإهانةَ للمخالفين في الرأي من المحرمات في دين الإسلام، فكيف إذا وصل الأمرُ إلى القتل، كما هو الحال في ظلِّ الأنظمة القمعية في بلاد المسلمين، حيث يُقتل المتظاهرون لكونهم قد تظاهروا فقط، ويقتلُ المخالفُ لرأي الحاكم، كما يجري في السودان وغيرها.

وأنه من المعلوم أن أعوان الظلمة في زماننا قد كثروا، ويشمل ذلك فئات كثيرة، كأجهزة الظالم المختلفة وكالقضاة ومشايخ السوء والإعلاميين والفنانين وغيرهم، وهؤلاء يشاركون بأشكالٍ مختلفةٍ في التعدي على الناس وإيذاءهم وتعذيبهم وقهرهم، فهم من أهم أدوات الظلمة، وليعلم هؤلاء أن كلَّ مَنْ أعانَ ظالماً على ظلمه، فهو شريكٌ له في جرمه، وقرر العلماءُ أن كل قولٍ أو فعلٍ فيه مساندةٌ للظالم يدخلُ في مفهوم الركون إلى الذين ظلموا المذكور في قولهِ تعالى:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}

وأنه يجب أن يُعلم أن طاعةَ الوالي أو الحاكم أو الوالدين إنما تكون في المعروف فقط، وليس لأحدٍ مهما كان الطاعةُ المطلقةُ، ولا يقرُّ الشرعُ الحنيفُ ما يسمَّى

الطاعةَ العمياء، فإذا أُمِرَ المسلمُ بالقيام بمعصيةٍ سواء أكان الآمرُ مسلماً أو غير مسلمٍ حاكماً أو غير حاكم، فلا يجوز للمسلم الطاعة في المعصية.

وأن الواجبَ الشرعي على علماءِ اليوم أن ينفكوا عن سلاطين الجور والظلم، وأن لا يكونوا مطيةً لهم لتحقيق مآربهم المخالفة لشرع رب العالمين، وقد تبرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الظلمة، ومن أعوانهم، وأنهم لا يردون عليه الحوض.

وأن أدعياءَ السلفية من المفترين على منهج السلف، الذين رضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواقاً للطواغيت الظالمين، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا كشاهدي الزور، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أدواتٍ حادةٍ بيد الظلمة يشهرونها في وجوه أهلِّ الصدق المخالفين والمعترضين على ظلمهم وخيانتهم للعهد وللأمانة. علماءُ السوءِ هؤلاء سخَّروا علمهم وما حفظوا من نصوص شرعية لإحقاق الباطل، وإبطال الحقِّ قربةً لأسيادهم الطواغيت الظالمين، وما عرفوا هذه الأحاديث، فإنها عندهم تُطوى ولا تُروى، لأنها تصيبُ الطغاةَ أولياء أمور أدعياء السلفية بمقتلٍ!

والله الهادي إلى سواء السبيل