رؤيةٌ شرعيةٌ للتطبيعِ الديني

يقول السائل: أرجو بيانَ الحكمِ الشرعي في قيامِ مواطنين من دول التطبيع الخليجية بالمشاركةِ بمراسم الأعياد اليهودية كعيد “حانوكا” وبالمشاركة في صلاة اليهود عند حائط البراق، أفيدونا؟

الجواب: أولاً: في الفترة الماضية اشتدت حملةُ التطبيع الديني وظهر ذلك في عدة مظاهر:

(1)قيام مواطنين من دول التطبيع الخليجية بالمشاركة بمراسم الأعياد اليهودية كعيد “حانوكا” بإضاءة الشمعدان، فقد قام سفير البحرين لدى دولة يهود بإشعال شمعةِ عيد “حانوكا” اليهودي، برفقة عددٍ من اليهود، وقد نشر السفيرُ عبر حسابه في تويتر صوراً لقيامه بإشعال “شمعة الحانوكا”، وعلق قائلا: “تشرفت بدعوتي إلى العديد من فعاليات “الحانوكا” وإضاءة الشموع مع أصدقاء جدد”.

كما شارك إماراتيون وبحرينيون يرتدون الزي الخليجي التقليدي في إضاءة شمعدان عيد الأنوار (حانوكا) اليهودي، أمام حائط البراق بالقدس المحتلة، في حدث هو الأول من نوعه.

ونشرت الخارجية الإسرائيلية عبر حسابها “إسرائيل بالعربية” على “تويتر” مقطع فيديو يظهر عدداً منهم، وعلقت الخارجيةُ بالقول: “لأول مرة زوارٌ من دولة الإمارات ومملكة البحرين يضيئون شمعدان عيد الأنوار اليهودي في إسرائيل”.

(2) إقامة الاحتفالات الدينية في دول التطبيع، وبمشاركة مواطنين من دول التطبيع الخليجية، حيث قامت الجالية اليهودية في دبي في اختتام احتفالاتها بما يسمى عيد “حانوكا” اليهودي، حيث أشعل أبناءُ الجاليةِ الشمعةَ الثامنةَ والأخيرة في الشمعدان حسب تصريح وزارة الخارجية الإسرائيلية، ونشرت الوزارة في حسابها على “تويتر” صورة الشمعدان، وعلقت عليها قائلةً: “أشعل أبناءُ الجالية اليهودية في إمارة دبي بالإمارات اليوم الشمعة الثامنةَ والأخيرة لعيد حانوكا اليهودي. وتُظهرُ الصورةُ الشمعدان اليهودي ومن ورائه برج خليفة.”

ونشرت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية”، صوراً وتسجيل فيديو لما قالت إنها احتفالات أجراها أبناء الجالية اليهودية في كل من دبي والرياض.

ونشر الناطق بلسان جيش الاحتلال مقطع فيديو للمطبع السعودي محمود سعود، وهو يحتفل بعيد “الحانوكا” اليهودي في الرياض.

كما شارك السفيرُ المغربي في الأمم المتحدة نظيره الإسرائيلي الاحتفال بعيد “حانوكا” اليهودي في نيويورك. وقال السفيرُ المغربي:” ليس هناك بديلٌ للسلام، نحن جميعا أبناء إبراهيم عليه السلام، وأبناء إبراهيم في نهاية اليوم سوف يجلسون معا لصنع السلام ويتشاركون في بناء مستقبل للجيل القادم.”

(3) وجودُ كُنسٍ يهوديةٍ في دولة الإمارات والبحرين لإقامة الشعائر الدينية اليهودية.

(4) إقامةُ مطاعم يهوديةٍ في الإمارات تقدم وجباتٍ تتوافق مع الشريعة اليهودية، وذلك بعد موافقة الجهات الحاخامية اليهودية المختصة بهذا الشأن.

(5) قيامُ مواطنين من دول التطبيع الخليجية بزيارة حائط البراق في مدينة القدس، وأداءِ صلاة الظهر وسط المصلين اليهود، وقد نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية على حسابها في “تويتر” “إسرائيل بالعربية” صورةً تظهر رجلاً بزي بحريني بين مجموعةٍ من اليهود الذين يؤدون الصلاة أمام حائط البراق، وذلك تحت عنوان “الدين لله والوطن للجميع”. وقد صلى مستقبلاً حائط البراق باتجاه الشرق، ومعلومٌ أن قبلة المسلمين للجنوب، وقال البغل البحريني: أخيراً أديتُ صلاة الظهر جنب إخواني وأحبابي اليهود أمام حائط المبكى في دولة اسرائيل العظيمة.

وغير ذلك من صور التطبيع الديني.

ثانياً: إن عيد الأنوار “حانوكا” يرمزُ إلى طقوسٍ استعماريةٍ صهيونيةٍ، وليس هو مجرد احتفالٍ ديني يهودي، فقد ورد على صفحة الخارجية الإسرائيلية تعريفاً “بالحنوكاه” كما يلي: [يحتفل الشعب اليهودي بعيد الأنوار، أو “حانوكا” (وتعني بالعبرية “تدشين”) في الخامس والعشرين من شهر كيسليف (حسب التقويم العبري). ويتمُّ الاحتفالُ بهذا العيد إحياءً لذكرى تدشين الهيكل الثاني في أورشليم القدس سنة 164 قبل الميلاد بعد تدنيسه من قبل عساكر المملكة السلوقية (السورية الإغريقية) تحت حكم الملك أنطيوخس الرابع، وإعادة حرية العبادة للشعب اليهودي بعد حقبة من القهر القاسي.]

ويعتبر عيدُ الأنوار “حانوكا” من الأعياد اليهودية الخطرةِ على مقدساتنا الإسلامية، فهو العيدُ الوحيدُ المرتبطُ بحسب أكاذيبهم وتقاليدهم بالهيكل المزعوم، وبالتالي ينعكسُ التهديد المباشر على المسجد الأقصى المبارك، ومن المعلوم لدى الباحثين بأن عيد “الحانوكا” ليس من الأعياد اليهودية المذكورة في التوراة، لكنه من أكثر الأعياد اليهودية شعبيةً، ففي هذا العيد تنشط “منظمات الهيكل” مثل منظمات “نساء لأجل الهيكل”، و”طلاب لأجل الهيكل”، و”برنامج هليبا التوراتي” و” اتحاد منظمات الهيكل” بدعوة المستوطنين الصهاينة إلى المشاركة الواسعة في اقتحاماتٍ مكثفةٍ ومستمرةٍ للمسجد الأقصى المبارك، بذريعة إقامةِ طقوسٍ وشعائرَ تلموديةٍ في المسجد الاقصى للاحتفال بعيد الأنوار، ومن ضمنها الدعوة لإدخال الشمعدان اليهودي إلى قلب المسجد الاقصى المبارك، إضافةً إلى نصب شمعدان آخر عند حائط البراق. ومن الناحية السياسية فإن الحكومة الإسرائيلية تستغل هذا العيد للاستمرار في مشروعها التهويدي الممنهج في فلسطين والقدس القائم على الاعتداءات والجرائم اليومية] alghad.com

وعلى الرغم من أنّ “الحانوكا” من الأعياد الثانوية في اليهودية، إلّا أنّه يفوق في شعبيته عند اليهود، أعياداً أخرى، كالفصح أو رأس السنة أو يوم الغفران. وترجع هذه الشعبية

الكبيرة إلى ارتباط هذا العيد بمناسبةٍ سياسيةٍ مهمةٍ في التاريخ اليهودي، إذ يعود الاحتفال به، حسب رواية سفر المكابيين إلى ذكرى إعادة افتتاح ما يعرف بالهيكل الثاني. www.alaraby.co.uk

وبهذا يظهر واضحاً أن عيد “الحانوكا” بحسب المعتقد الديني اليهوديّ أنه عيد يُشكر فيه الرب لثمانية أيّام على نصره لليهود وتحريرهم للهيكل الثاني بزعمهم، ولا يخفى أن يهود يهدفون إلى هدم المسجد الأقصى المبارك، وبناء الهيكل الثالث المزعوم مكانه. فهل يدرك المطبعون من العربان خطورة احتفالاتهم “بالحنوكا”!؟

ثالثاً: إن التطبيع مع يهود بأشكاله المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية، وكذا التطبيع الديني مدعومٌ بفتاوى مشايخ السلطان، مشايخِ الدفع المسبقِ، مشايخِ التدليسِ والتلبيسِ، الذين يصدرون فتاوى التطبيعِ التي تـبيحهُ وتسَوِغُه، ولا يدرون أن التطبيع ما هو إلا إقرارٌ وتسليمٌ بضياعِ كل فلسطين، والقدسِ والمسجد الأقصى المبارك خاصةً، وإقرارٌ واعترافٌ بكل ما أحدثه المحتلون، من تدميرٍ وتخريبٍ لقرى ومدن فلسطين، وبناءٍ للمستوطنات، وتهجيرٍ لأهل فلسطين، واستسلامٌ ورضىً بأفعال المحتلين وإقرارٌ لباطلهم.

ولا يدري مشايخُ الدفع المسبق أن التطبيع ما هو إلا فتحٌ لأبواب بلاد العرب والمسلمين أمام يهود، وغزوها اقتصادياً وثقافياً وأخلاقياً وسياساً…إلخ. وإقامةُ علاقاتٍ تجاريةٍ وصناعيةٍ وزراعيةٍ وسياحيةٍ ودبلوماسيةٍ وثقافيةٍ وغيرها.

إن التطبيع الديني على وجه الخصوص الذي يـبيحهُ ويسوغهُ مشايخُ الدفع المسبق، مناقضٌ لقواعد الشريعة وكلياتها المستمدة من الكتاب والسنة، وقرر العدولُ من أهل العلم أنه محرمٌ وممنوعٌ شرعاً، لما يترتبُ عليه من مخالفاتٍ صريحةٍ لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومخالفته لقواعد الإسلام العامةِ، المعروفةِ عند العلماء، وليست معلومةً عند الذين لا يرون أبعدَ من أنوفهم، والمطبلين والمزمرين لأسيادهم المهرولين للتطبيع من العربان![إن التطبيع لا يقوم على أي مستندٍ شرعي، وفي الحقيقة أنَّه ليس خلافاً فقهياً ينبغي أن يعُذر بعضُنا بعضاً حوله، وأن نقول إنه اجتهادٌ يصيبُ فيه العالمُ أو يخطئ، بل إن مَنْ يقوم به لا يعطي لذلك أي اعتبار، فهو يوالي أعداءَ الدِّين، ليعينهم على منكرهم في قتلهم للفلسطينيين وتقويتهم بالمال والنفط، إنَّ المبررين لهذه الخطيئةِ ليعلمون علمَ اليقين خطأَ رأيهم، كما هو حال من حولهم، ولن يغيِّر في أذهان أمتنا أن الكيان الصهيوني هو عدوها الأول، وأنَّه سببُ مصائبها، وأنَّ قضية تحرير فلسطين، هي قضيةُ أمةٍ بأكملها، وليست حكراً على الفلسطينيين ]athabat.net/article

إن مشايخَ الدفعِ المُسبقِ عندهم جرأةٌ كبيرةٌ في إباحة التطبيع، حتي إن أحدَ مشايخ التيار السلفي في الأردن زعم أن التطبيع جائزٌ شرعاً، لأنه ليس في القرآن آيةٌ تقول: “يا أيها

الذين آمنوا لا تُطَبِّعوا”؟؟!! إنَّ السلفيةَ الحَقَّةَ لبريئةٌ من التطبيع الذي يـبيحه مُدَّعي السلفية المذكور وأمثاله من مطايا الطواغيت.

رابعا: إن القول بتحريم التطبيع بشكلٍ عامٍ والتطبيع الديني بشكلٍ خاصٍ قال به عددٌ كبيرٌ من العلماء، كشيخ الأزهر السابق الدكتور عبد الحليم محمود والشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر ومفتي مصر السابق، والدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق، والدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر السابق، والدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي، وغيرهم كثير.

وقد أصدرت رابطةُ علماء فلسطين فتوى شرعية بعنوان «حكم الإسلام في التطبيع مع العدو الصهيوني المحتل لأرض فلسطين».

وبخصوص تحريم التطبيع الديني والمشاركة في أعياد اليهود “كالحنوكا”، فقد اتفق علماءُ الأمة على حرمةِ حضور أعيادِ أهلِ الكفر، قال الشيخ ابن القيم: [ولا يجوز للمسلمين حضور أعياد المشركين باتفاق أهل العلم الذين هم أهله. وقد صرح به الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة في كتبهم…وروى البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم). وقال عمر أيضاً: (اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم). وروى البيهقي بإسنادٍ جيدٍ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: (من مَرَّ ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حُشر معهم يوم القيامة] بتصرف من أحكام أهل الذمة 1/723-724.

وحديثاً أصدرت رابطةُ علماء فلسطين [فتوى شرعيةً في حكمِ مشاركةِ العدو اليهودي في أعيادهم] جاء فيها: يحتفلُ اليهودُ بعيد الأنوار “حانوكا”، وتعني بالعبرية “تدشين” في الخامس والعشرين من شهر كيسليف (حسب التقويم العبري)، ويتمُّ الاحتفالَ بهذا العيد إحياءً لذكرى تدشين الهيكل الثاني في القدس سنة 164 ق.م، ويعدُّ هذا العيدُ من الأعياد اليهودية الخطيرة على مقدساتنا الإسلامية، فهو العيدُ الوحيدُ المرتبطُ بحسبِ مزاعمهم وأساطيرهم بهيكلهم المزعوم، وبالتَّالي ينعكسُ التَّهديدُ المباشرُ على المسجد الأقصى المبارك.

ولمَّا كانت أعيادُ اليهود أعياداً خاصةً بمعتقداتهم الكفرية تبيَّنَ أنَّ مشاركتهم في أعيادهم، ومنها عيد “حانوكا” (عيد الأنوار) هو موافقةٌ لهم في الكفر، ذلك أنَّ الأعيادَ هي من أخصِّ ما تتميَّزُ به الشرائع، فالموافقةُ فيها موافقةٌ في أخصِّ شرائع الكفر. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: “اجتنبوا أعداءَ الله في عيدهم”، وهذا نصٌ صريحٌ في النهي عن مشاركتهم ولقائهم، والاجتماع بهم في يوم عيدهم؟ وقول عمر: “ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإنَّ السَّخطةَ تنزلُ عليهم”.

وممَّا يدلُّ على تحريم المشاركة في أعياد اليهود ومنها عيد “حانوكا” قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان:72، فسَّرها عددٌ من علماء الصحابة والتابعين بأعياد المشركين.

إنَّ مشاركةَ اليهود في أعيادهم ومنها (حانوكا) المتعلق بتدشين هيكلهم المزعوم فيه اعترافٌ وإقرارٌ صريحٌ بملكية اليهود لأرضِ فلسطين الإسلامية المباركة والمقدسة من الله تعالى، وهذا من أعظم الخيانات لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللأمة المسلمة. كما أنَّ في المشاركة في هذه الأعياد مظاهرةٌ ومعاونةٌ للعدوِّ اليهودي المحتل، وتُعدُّ صورةً من صور المولاة والمودة والرضا بما هم عليه من الباطل والكفر، وهذا كفرٌ وردَّةٌ عن الدِّين، وقد جاء النَهيُّ عن ذلك، وقد أجمع أهل العلم على أنَّ من ظاهرَ الكفَّارَ من أهل الكتاب وغيرهم من الملل الكفرية على المسلمين وساعدهم بأي نوعٍ من المساعدة فهو كافرٌ مثله.

إنَّ مشاركة اليهود في أعيادهم تُعرِّضُ المشاركين فيها لسخطِ الله تعالى، ولعذابِ جهنم وبئس المصير، قال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} المائدة:80-81.

والأدلة على تحريم مشاركة اليهود والنصارى في أعيادهم -بل إنها قد تفضي إلى الردة عن الإسلام- من الكتاب والسنة كثيرةٌ معروفةٌ. هذا والله أعلم.]

وورد في فتوى الأستاذ الدكتور صالح الرقب بعنوان: [حكم الإسلام في مشاركة العدو اليهودي في أعياده ومنه عيد (حانوكا) ما يلي:[ إنَّ العيد قضيةٌ دينيةٌ عقديةٌ، وليست عادةً دنيويةً كما دلَّ عليه قول الرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا” رواه البخاري ومسلم، وعيدُ اليهود يدلُّ على عقيدةٍ فاسدةٍ، مصحوبةٍ بطقوسٍ شركيةٍ كفريةٍ، ومعلومٌ أنَّ الأعياد من جملة الشرعِ والمناهج والمناسك، التي قال الله سبحانه: (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) الحج:67، كالقبلة والصلاة والصيام.

ولمَّا كانت أعيادُ اليهود أعيادًا خاصةً بمعتقداتهم الكفرية تبيَّنَ أنَّ مشاركتهم في أعيادهم، ومنه عيد حانوكا (عيد الأنوار) هو موافقةٌ لهم في الكفر، ذلك أنَّ الأعيادَ هي من أخصِّ ما تتميَّزُ به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقةُ فيها موافقةٌ في أخصِّ شرائع الكفر، لقد ثبت في شروط عمر رضي الله عنه التي اتفقت عليها الصحابةٌ، وسائرُ الفقهاء بعدهم: أنَّ أهل الذمة من أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم في دار الإسلام، فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغُ للمسلمين مشاركتُهم فيها؟ أو ليس فعلُ المسلمِ لها أشدَّ من فعلِ الكافر لها…إنَّ مشاركةَ الكفار في أعيادهم هو نوعٌ من التَّشبه بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ” رواه أبو داود، قال عبد الله بن العاص رضي الله عنه: “من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجاناتهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر في يوم القيامة” وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار…وهذا تهديدٌ ووعيدٌ خطير…إنَّ مشاركةَ اليهود في أعيادهم ومنها المتعلقة بتدشين هيكلهم المزعوم (حانوكا) فيه اعترافٌ وإقرارٌ صريحٌ بملكيةِ اليهود لأرضِ فلسطين الإسلامية المباركة والمقدسة من الله تعالى، وهذا من أعظمِ الخياناتِ لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللأمة المسلمة. كما أنَّ

في المشاركة في هذه الأعياد مظاهرةٌ ومعاونةٌ للعدوِّ اليهودي المحتل، وتُعدُّ صورةً من صور المولاة والمودة والرضا بما هم عليه من الباطل والكفر، وهذا كفرٌ وردَّةٌ عن الدِّين، وقد جاء النَهيُّ عن ذلك، وقد أجمع أهل العلم على أنَّ من ظاهرَ الكفَّارَ من أهل الكتاب وغيرهم من الملل الكفرية على المسلمين وساعدهم بأي نوعٍ من المساعدة فهو كافرٌ مثلهم، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} المائدة الآية 51، فقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} معناه: فإنَّه يصيرُ من جملتهم، وحكمهُ حكمُهم. وهذه الموالاة تدلُّ على فسادٍ في اعتقاد صاحبها، خاصةً من جهة منافاتها لعمل القلبِ من الحبِّ والبغضِ، قال ابن حزم: “صحَّ أنَّ قول الله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره: بأنه كافرٌ من جملة الكفار، وهذا حقٌّ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين”. فكلُّ من ساعد ظالمًا أو قدَّم له عوناً أو دعماً أو تأييداً لظلمِه هو ظالمٌ مثلُه، وشريكٌ له في الإثمِ والوزرِ بقدرِ ما قدَّم، وبقدر ما أيَّد وساند. كما أن موالاةَ اليهودِ بمشاركتهم في أعيادهم يدلُّ على عدمِ الإيمانِ بالله ورسوله والقرآن الكريم، قَالَ تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ}. وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} المائدة51. والمشاركةُ نوعٌ من مودتهم ومحبتهم، كما إنَّ موالاة العدو الصهيوني بمشاركتهم في أعيادهم فسقٌ وضلالٌ كبير، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} الممتحنة:1. إنَّ مشاركة اليهود في أعيادهم هو من الموالاة للعدو الصهيوني التي تُعرِّضُ المشاركين فيها لسخط الله تعالى، ولعذاب جهنم وبئس المصير، قال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} المائدة:80-81. ومعلومٌ أنَّ مظاهرةَ الكافرين ومعاونتهم على محاربة المؤمنين من أخصِّ صفاتِ المنافقين، فهم في الظاهر مع المؤمنين، لكنَّهم في الحقيقة مع الكفار عيوناً وأعواناً لهم، قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً} النساء 138-139. وقال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دائرة فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} المائدة52، والمرضُ هنا مرضُ القلب، وهو النفاق. ولقد حكمَ اللهُ تعالى بالظلم على من والى العدو الصهيوني بمشاركته في أعياده، قال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة الممتحنة:9.

وأيضاً فالمشاركةُ مع الكفرة في أعيادهم نوعٌ من التعاون على الإثم والعدوان، فالواجب على كل مسلمٍ وعلى كل مسلمةٍ تركُ ذلك، يقول الله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة:2.] www.drsregeb.com/index.php?action=detail&id=145

خامساً: إن الواجب على علماءِ الأمةِ والدعاةِ وخطباءِ المساجد أن يتصدوا لهذه الأفكار المشبوهة وأمثالها، وأن يقوموا بدورهم المنشود في توعيةِ الناس، بخطورةِ هذه الأفكار الخبيثة، وأن يسهموا في كشف عُوارها، وأن يبينوا للأمة أن هذه الأفكار فيها مخالفةٌ صريحةٌ لشريعة الله تبارك وتعالى. إن ما سبق بيانهُ من خطورةِ التطبيع الديني، يحملُ رسالةً واضحةً لمشايخ الدفعِ المسبق، مشايخِ التدليسِ والتلبيسِ وأصحابِ فتاوى التطبيعِ، الذين برروا التطبيعَ بالفتاوى الساقطة، والذين نزِّلوا النصوصَ الشرعية عليه لجعله شرعياً، بحججٍ أوهى من بيت العنكبوت، وتجاهلوا ثوابتَ الإسلام، ودنَّسوا الفتوى أيما تدنيسٍ، وتلاعبوا بالنصوص الشرعية خدمةً لأهواء الطغاة، وحاولوا تأصيلَ التطبيع تأصيلاً شرعياً، فكذبوا على الله وعلى رسوله وعلى دينِ الإسلام.

ونحن نعرفُ أن الحكامَ الطغاةُ هم الذين يحرِّكون مشايخَ الدفعِ المُسبق، ويحرِّكون المؤسساتِ الدينيةِ، كدوائر الإفتاء وغيرها، لإسباغِ الصفةِ الشرعية الدينيةِ على التطبيعِ مع دولةِ الاحتلال.

وإن واجب الأمة الإسلامية تُجاه نُصرةِ المسجد الأقصى المبارك، لا يسقطُ على الرُغم من تعطيلِ الجهاد، وعلى الرُغم من تطبيع المطبعين، وإقامة العلاقات مع كيان يهود في مختلف المجالات، حتى لو طبعت كلُّ الدول العربية وغيرها، وحتى لو أفتى مشايخُ السلطانِ بفتاويهم الزائفة بإباحة التطبيع وتبريره للطغاة، فإن كلَّ ذلك لا يُغير الحقائقَ الثابتةَ بأن احتلالَ أرض فلسطين من النهر إلى البحر، باطلٌ في كل الشرائع وفي كل قوانين الدنيا، وأن الحقوق لا تسقطُ بالتقادم، وأن الاحتلالَ إلى زوالٍ إن شاء اللهُ تعالى، وإن في التاريخِ لعبرةٌ، فقد احتلَّ الصليبيون بيتَ المقدس وأكنافه زهاء قرنٍ من الزمان، واحتلَّ الاستعمارُ الفرنسي الجزائر أكثرَ من قرنٍ من الزمان، وكانت النهايةُ زوالَ الاحتلال.

إن تطبيعَ المطبعين وتآمرَ المتآمرين وخياناتهم، لن تُضعفَ عزيمةَ الأمةِ المسلمة، ولن تطمسَ الحقائقَ الناصعةَ وإن طال الزمانُ. وإن الشعوبَ العربية والمسلمة كلُّها تقفُ مع المسجد الأقصى المبارك وأهلِ بيت المقدس وأكنافه، وترفضُ التطبيعَ بكافة أشكاله، ولا ترضخُ لتطبيع المطبعين ولا تقبلُ بخيانةِ الخائنين. وإن المسجدَ الأقصى المبارك خاصةً، وفلسطينَ عامةً تتقيأُ المطبعين وترميهم في مزابل التاريخ غيرَ مأسوفٍ عليهم، والتاريخُ خيرُ الشاهدين!

وإن أهل بيت المقدس لن يستقبلوا المطبعين من العربان وغيرهم بالورود، وإنما بالأحذية كما استقبلوا من تجرأ وجاء مطبعاً للمسجد الأقصى المبارك.

وخلاصة الأمر أنه في الفترة الماضية اشتدت حملةُ التطبيع الديني، كقيام مواطنين من دول التطبيع الخليجية بالمشاركة بمراسم الأعياد اليهودية كعيد “حانوكا” بإضاءة الشمعدان،كما شارك إماراتيون وبحرينيون يرتدون الزي الخليجي التقليدي في إضاءة شمعدان عيد الأنوار (حانوكا) اليهودي، أمام حائط البراق بالقدس المحتلة، وإقامة الاحتفال بعيد “حانوكا” في دول التطبيع كما حصل في دبي والرياض. وقيامِ مواطنين من دول التطبيع الخليجية بزيارة حائط البراق في مدينة القدس، وأداءِ صلاة الظهر وسط المصلين اليهود.

وأن عيد الأنوار “حانوكا” يرمزُ إلى طقوسٍ استعماريةٍ صهيونيةٍ، وليس هو مجردَ احتفالٍ ديني يهودي، فهو العيدُ الوحيدُ المرتبطُ بحسبِ أكاذيبهم وتقاليدهم بالهيكل المزعوم، وبالتالي ينعكسُ التهديد المباشر على المسجد الأقصى المبارك.

وأنه لا يخفى أن يهود يهدفون إلى هدم المسجد الأقصى المبارك، وبناء الهيكل الثالث المزعوم مكانه. فهل يدرك المطبعون من العربان خطورة احتفالاتهم “بالحنوكا”!؟

وأن التطبيع مع يهود بأشكاله المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية، وكذا التطبيع الديني مدعومٌ بفتاوى مشايخ السلطان، مشايخِ الدفع المسبقِ، مشايخِ التدليسِ والتلبيسِ، الذين يصدرون فتاوى التطبيعِ التي تـبيحهُ وتسَوِغُه، ولا يدرون أن التطبيع ما هو إلا إقرارٌ وتسليمٌ بضياعِ كل فلسطين، والقدسِ والمسجد الأقصى المبارك خاصةً، وإقرارٌ واعترافٌ بكل ما أحدثه المحتلون، من تدميرٍ وتخريبٍ لقرى ومدن فلسطين، وبناءٍ للمستوطنات، وتهجيرٍ لأهل فلسطين، واستسلامٌ ورضىً بأفعال المحتلين وإقرارٌ لباطلهم.

وأن التطبيعَ الديني على وجه الخصوص الذي يـبيحهُ ويسوغهُ مشايخُ الدفع المسبق، مناقضٌ لقواعد الشريعة وكلياتها المستمدة من الكتاب والسنة، وقرر العدولُ من أهل العلم أنه محرمٌ وممنوعٌ شرعاً، لما يترتبُ عليه من مخالفاتٍ صريحةٍ لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومخالفته لقواعد الإسلام العامةِ.

وأن علماءَ الأمة متفقون على حرمةِ حضورِ أعيادِ أهلِ الكفر كالمشاركة في عيد اليهود “حنوكا”.

وأن مشاركةَ اليهود في أعيادهم ومنها (حانوكا) المتعلق بتدشين هيكلهم المزعوم فيه اعترافٌ وإقرارٌ صريحٌ بملكية اليهود لأرضِ فلسطين الإسلامية المباركة والمقدسة من الله تعالى، وهذا من أعظم الخيانات لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللأمة المسلمة.

وأن الواجب على علماءِ الأمةِ والدعاةِ وخطباءِ المساجدِ أن يتصدوا لهذه الأفكارِ المشبوهةِ وأمثالها، وأن يقوموا بدورهم المنشود في توعيةِ الناس، بخطورةِ هذه الأفكار الخبيثة، وأن

يسهموا في كشف عُوارها، وأن يبينوا للأمة أن هذه الأفكار فيها مخالفةٌ صريحةٌ لشريعة الله تبارك وتعالى.

وأن تطبيعَ المطبعين وتآمرَ المتآمرين وخياناتهم، لن تُضعفَ عزيمةَ الأمةِ المسلمة، ولن تطمسَ الحقائقَ الناصعةَ وإن طال الزمانُ. وإن الشعوبَ العربية والمسلمة كلُّها تقفُ مع المسجد الأقصى المبارك وأهلِ بيت المقدس وأكنافه، وترفضُ التطبيعَ بكافة أشكاله، ولا ترضخُ لتطبيع المطبعين ولا تقبلُ بخيانةِ الخائنين.

وأن المسجدَ الأقصى المبارك خاصةً، وفلسطينَ عامةً تتقيأُ المطبعين وترميهم في مزابل التاريخ غيرَ مأسوفٍ عليهم، والتاريخُ خيرُ الشاهدين!

والله الهادي إلى سواء السبيل