مقدارُ ما يتحملهُ أفرادُ العَاقِلَة من الدِّيَةِ

يقول السائل: قتلَ أحدُ أقاربنا شخصاً خطأً وقد لزمت الدِّيَةُ لعاقلته، فكيف يوزع تحميل الدِّيَة على عاقلته، وهم أبناءُ إخوته وأبناؤهم وأبناءُ أعمامه وأبناؤهم، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: العَاقِلَةُ: جمع عاقلٍ، وهو دافع الدِّيَةِ، وسمّيت الدِّيَةُ عقلاً تسميةً بالمصدر، لأنّ الإبل كانت تُعقل بفناء وليّ المقتول، ثمّ كثُر الاستعمال حتّى أُطلق العقلُ على الدِّيَةِ وإن لم تكن من الإبل .الموسوعة الفقهية الكويتية 29/173.

واتفق الفقهاء على أن العَاقِلَةَ “هي الجهةُ التي تغرمُ دِّيَةَ القتلِ الخطأِ وشبهِ العمدِ فقط، ولا تحملُ العَاقِلَةُ دِّيَةَ القتلِ العمدِ، لأنها تكون في مالِ القاتل، ولا يحقُّ للعَاقِلَةِ الرجوعُ على الجاني بما دفعته.

وقد اختلف الفقهاء في تحديد مَنْ هي العَاقِلَةُ، فقال الشافعية والحنابلة وهو قول عند المالكية إن العَاقِلَةَ هم عصبةُ الجاني كلهم، أي عمودُ نسبه، وهم: أبوه وجده لأبيه وأولاده الذكور وأبناءُ أبنائه وإن نزلوا، وإخوانه الأشقاء، والأخوة لأب وأبناؤهم، وأعمامه الأشقاء وأعمامه لأب، وأبناؤهم. والعَاقِلَةُ هم الذكورُ دون الإناث، فالإناثُ لا يدخلن في العصبة.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العَاقِلَةُ مَنْ يحملُ العقلَ، والعقلُ: الدِّيَةُ، تُسمَّى عقلاً؛ لأنها تعقلُ لسان ولي المقتول. وقيل: إنما سميت العَاقِلَةُ، لأنهم يمنعون عن القاتل…ولا خلاف بين أهل العلم في أن العَاقِلَةَ العصباتُ، وأن غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العَاقِلَةِ] المغني 8/390.

ويدخلُ في العَاقِلَة أبُ القاتل وجده لأبيه وأبناؤه، وإخوته وأبناؤهم، وعمومته وأبناؤهم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. المصدر السابق.

ويدل على أن العَاقِلَةَ هم العصبةُ حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه قال:( اقْتَتَلَتِ امْرَأَتانِ مِن هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ فَقَتَلَتْها وما في

بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَضَى أنَّ دِيَةَ جَنِينِها غُرَّةٌ، عَبْدٌ أوْ ولِيدَةٌ، وقَضَى أنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ علَى عاقِلَتِها) رواه البخاري.

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال:( ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهي حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، قالَ: وإحْدَاهُما لِحْيَانِيَّةٌ، قالَ: فَجَعَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ دِيَةَ المَقْتُولَةِ علَى عَصَبَةِ القَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِما في بَطْنِهَا، فَقالَ رَجُلٌ مِن عَصَبَةِ القَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَن لا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا اسْتَهَلَّ – أي ما نَزَل صارخًا عندَ الولادةِ-، فَمِثْلُ ذلكَ يُطَلُّ– أي مِثلُ ذلك الدَّمِ يكونُ هَدْرًا ولا تكونُ فيه دِيَةٌ-؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأعْرَابِ؟ قالَ: وَجَعَلَ عليهمُ الدِّيَةَ) رواه مسلم.

وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم (قضى أنَّ عقلَ المرأةِ بينَ عصبتِها) رواه أبو داود والنسائي وأحمد، وقال العلامة الألباني حديثٌ حسنٌ كما في صحيح سنن أبي داود.

وقال الحنفية العَاقِلَة هم أهلُ الدِّيوَانِ، وهو القول الثاني عند المالكية، وبه قال الليث بن سعد وسفيان الثوري والزهري والحسن بن حي. انظر المبسوط 27/126، فتح القدير10/395، مواهب الجليل 4/298،المحلى 12/191-192.

وَالدِّيوَانُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الدَّفْتَرُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ وَلَهُمْ رِزْقٌ أَوْ عَطَاءٌ فِي بَيْتِ الْمَال، وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا الْمَكَانُ الَّذِي فِيهِ الدَّفْتَرُ الْمَذْكُورُ وَكِتَابُهُ.

وَأَهْل الدِّيوَانِ: هُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ رِزْقًا مِنْهُ. الموسوعة الفقهية الكويتية 7/118.

والذي أرجحهُ هو القولُ الأول، حيث ما زال في مجتمعنا اعتبارٌ اجتماعيٌ للعائلة الكبيرة، لذلك تعتبرُ العصبةُ هي العَاقِلَةُ، وإن ضعفُ الدورُ الاجتماعي للعائلة الكبيرة كما هو الحال في بعض البلدان فيؤخذُ بقول الحنفية وبما سيأتي من التطبيقات المعاصرة للعَاقِلَةِ.

وقد ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي ما يلي: [أولاً: تعريف العَاقِلَة: هي الجهة التي تتحمل دفع الدِّيَةِ عن الجاني في غير القتل العمد دون أن يكون

لها حقٌّ الرجوع على الجاني بما أدته. وهي العصبةٌ في أصل تشريعها، وأهلُ ديوانه الذين بينهم النصرة والتضامن.

ثانياً: ما لا تتحمله العَاقِلَةُ: العَاقِلَةُ لا تتحملُ ما وجب من الديات عمداً ولا صلحـاً ولا اعترافـاً. ]

ثانياً: وأما كيفيةُ توزيعِ تحميل الدِّيَة على العَاقِلَةِ، فقال جمهور الفقهاء إنه يُبدأ في التقسيم بين العصبات بالأقرب فالأقرب؛ فيُبدأ بأبِ القاتل وأولادِ القاتل وأولادهم وإخوته وأولادهم ثم أعمامه وأولادهم، وهكذا الأقربُ فالأقربُ.

وقال الحنفية ومن وافقهم يسوى في التقسيم بين جميع أفراد العَاقِلَةِ وهم أهل الديوان.

وأما مقدارُ التَّحملِ فقد اجتهد الفقهاءُ في مقدارِ تحملِ كلِّ فردٍ من أفراد العَاقِلَةِ، لأن المسألةَ لم يرد فيها نصٌ، فقال بعضهم يُرجع في تقدير ذلك للحاكم.

وقال آخرون لا يُترك التقديرُ للحاكم، فقدروه بثلاثة أو أربعة دراهم.

وقال غيرهم بالتفريق بين الغني ومتوسط الحال، فيدفعُ الغني نصفَ دينارٍ ذهباً، ويفرضُ على المتوسط ربعَ دينارٍ ذهباً، ولا يدفع الفقيرُ شيئاً.

والذي أقوله إنه يسوى في تقسيم الدِّيَةِ بين جميع أفراد العَاقِلَةِ، القريبُ والبعيدُ سواءٌ، لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَأُتِيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتِهَا بِالدِّيَةِ) رواه مسلم.

وفي رواية عند الإمام أحمد: (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ) فالذي نفهمه من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق في تحميـل العَاقِلَةِ للدِّيَةِ بـين القريب والبعيد، وهذا يدل على أنه يستوي في العصبة القريب والبعيد، فيُسوى بيـنهم فـي التقسيم.

وخاصةً إذا لم يكفِ الأقربون في التَّحمُّلِ، فإن لم يكفوا لتحمُّلِ الدِّيَةِ فتوزعُ على القريب والبعيد، وأرى أن المساواة بين جميع أفراد العصبة هي التي تحقق الحكمة من تشريع الدِّيَةِ على العَاقِلَة، وهي التناصر والتكافل والتعاون في درء آثار القتل الخطأ والقتل شبه العمد، وتقوية التضامن بين العصبة

وتعزيز المودة بينها، وهذا الأمرُ من قبيل إيجاب النفقة للمعسرين من الأقربين على الموسرين منهم.

ثالثاً: ينبغي التنبيهُ إلى أن الفقراء من العصبة معفون من المساهمة في الدِّيَة، فلا يؤخذ منهم شيءٌ على الراجح من أقوال الفقهاء، لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} سورة البقرة الآية 286، ولقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} سورة الطلاق الآية 6.

وكذلك نصَّ الفقهاء على إعفاء النساء والصّبيان والمجانين من المساهمة في الدِّيَةِ.

وكذلك ينبغي التنبيه إلى أن جماهير أهل العلم قد اتفقوا على أن دِّيَةَ القتل الخطأ تُؤدى مقسطةً على ثلاث سنوات، وهذا على خلاف ما جرى عليه العرفُ العشائري في بلادنا حيث تدفع الدِّيَةُ بعد سنةٍ واحدةٍ من حادثة القتل، روى الإمام البيهقي بسنده عن الشافعي قال: وجدنا عاماً في أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جناية الحرِّ المسلمِ على الحرِّ خطأً بمائة من الإبل على عاقلة الجاني. وعاماً فيهم أنها في مضي الثلاث سنين في كل سنةٍ ثلثها وبأسنان معلومة] السنن الكبرى للبيهقي 8/109.

وروى البيهقي بسنده أيضاً عن يحيى بن سعيد: أن من السنة أن تُنجم–تُقسط-الدِّيَةُ في ثلاث سنين] السنن الكبرى 8/110.

وقال الإمام الترمذي:[وقد أجمع أهل العلم على أن الدِّيَةَ تُؤخذُ في ثلاث سنين في كل سنةٍ ثلث]

وقال ابن بطال: [وأجمعوا أن الدِّيَةَ تُقطَّعُ في ثلاث سنين، للتخفيف على العَاقِلَة، ليجمعوها في هذه المدة] شرح البخاري 16/95.

وقال القرطبي: [أجمع العلماء قديماً وحديثاً أن الدِّيَةَ على العَاقِلَةِ لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها] تفسير القرطبي 5/321.

وقال الكاساني الحنفي:[كلُّ الدِّيَة تُؤخذ من العَاقِلَة في ثلاث سنين، لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فإن سيدنا عمر رضي الله عنه قضى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ في ثلاث سنين، ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابة فيكون إجماعاً] بدائع الصنائع 6/409.

وقال الشيخ الخرشي المالكي:[ الدِّيَة الكاملةُ تُنجم على العَاقِلَة في ثلاث سنين، أولها يوم الحكم، أي ابتداءُ تنجيمِ الدِّيَةِ يومُ الحكم لا يوم القتل على المشهور، وليس المراد بالدِّيَةِ الكاملة دِّيَةُ الحر المسلم، بل المراد بها أي دِّيَةٍ كانت، سواءً كان المقتول مسلماً أو كافراً ذكراً أو أنثى، وسواءً كانت عن نفسٍ أو طرفٍ كقطع اليدين أو ذهاب عقلٍ أو نحو ذلك خطأً، ويحل النجمُ الثالث بآخر السنة الثالثة] شرح مختصر خليل للخرشي 23/18.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ولا أعلم في أنها تجب مؤجلةً خلافاً بين أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وأبو هاشم وعبد الله بن عمر ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقد حُكي عن قومٍ من الخوارج أنهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ، لأنها بدلُ مُتلَفٍ، ولم يُنقل إلينا ذلك عمَّن يُعدُّ خلافُه فيه خلافاً، وتخالف الدِّيَةُ سائرَ المتلفات، لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له، فاقتضت الحكمةُ تخفيفها عليهم، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ في ثلاث سنين، ولا مخـالفَ لهما في عصرهمـا فكـان إجماعـاً] المغني 8/375.

رابعاً: وختاماً فإن من الفقهاء المعاصرين مَنْ يرى أنه إذا تعذَّر وجودُ العصبة في زماننا، فإنه يمكن أن ينوبَ عنها أنظمةٌ حديثةٌ كالتأمين الإسلامي والنقابات العمالية والاتحادات التي تُقام بين أصحاب المهنة الواحدة وغيرها، وقد سبقهم إلى ذلك الحنفية حيث قالوا بتحميل الدِّيَة لأهل الديوان، وهذا فقهٌ حسنٌ يحققُ المقصودَ من حكمة تحميل العَاقِلَة للدِّيَةِ، وخاصةً إذا علمنا [ أن فقهاء المذاهب الأربعة مجمعون على أن العلةَ في تحمل العَاقِلَةِ للدِّيَةِ هي النصرةُ وهذا لا خلاف فيه، لكن الخلاف حاصلٌ في تعدية هذه العلة إلى ما سواها من تكتلات تحصل بها النصرةُ دون إلغاءٍ لما كان في زمن التشريع. وأن التكتلات الحديثة كنقابات الأطباء والمهندسين وسائقي السيارات وأمثالهم، الذين أثبت الواقعُ أن نصرتهم لبعضهم أشدُّ من نصرةِ الأقرباء، متحققةٌ فيهم علةُ التعاقل، فيكونون عاقلةً لبعضهم البعض. وبناءً عليه فإن القرابة التي تترابط بها العَاقِلَةُ كوحدةٍ اجتماعيةٍ هي صلةٌ اجتماعية يمكن أن يُقاس عليها غيرها من الصلات الاجتماعية] انظر بحث

“العَاقِلَةُ في ضوء المستجدات الاجتماعية” الدكتور محمد نوح معابدة، وانظر أيضاً رسالة الماجستير “العَاقِلَةُ وتطبيقاتها المعاصرة في الفقه الإسلامي” للطالب أسامة ياسين اسليم، وقد استفدت منهما.

ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي السابق ما يلي: ثالثاً: التطبيقات المعاصرة: عند عدم وجود العشيرة أو العصبة التي تتحمل الدِّيَةَ، فإنه يجوز أن ينوب عنها عند الحاجة، بناءً على أن الأساس للعاقلة هو التناصر والتضامن، ما يلي:

(أ) التأمين الإسلامي (التعاوني أو التكافلي) الذي ينصُّ نظامهُ على تحمل الدِّيات بين المستأمنين.

(ب) النقابات والاتحادات التي تقام بين أصحاب المهنة الواحدة، وذلك إذا تضمن نظامها الأساسي تحقيق التعاون في تحمل المغارم.

(ج) الصناديق الخاصة التي يكونها العاملون بالجهات الحكومية والعامة والخاصة لتحقيق التكافل والتعاون بينهم.]

وخلاصة الأمر أن العَاقِلَةَ “هي الجهةُ التي تغرمُ دِّيَةَ القتلِ الخطأِ وشبهِ العمدِ فقط، ولا تحمل العَاقِلَةُ دِّيَةَ القتلِ العمد، لأنها تكون في مالِ القاتل، ولا يحقُّ للعَاقِلَةِ الرجوعُ على الجاني بما دفعته.

وأن العَاقِلَةَ عند جمهور الفقهاءِ هم عصبةُ الجاني كلهم، أي عمودُ نسبهِ، وهم: أبوه وجده لأبيه وأولاده الذكور وأبناءُ أبنائه وإن نزلوا، وإخوانه الأشقاء، والأخوة لأب وأبناؤهم، وأعمامه الأشقاء وأعمامه لأب، وأبناؤهم. والعَاقِلَةُ هم الذكورُ دون الإناث، فالإناثُ لا يدخلن في العصبة.

وأن العَاقِلَة عند الحنفية ومَنْ وافقهم هم أهلُ الدِّيوَانِ، وَالدِّيوَانُ هُوَ الدَّفْتَرُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ وَلَهُمْ رِزْقٌ أَوْ عَطَاءٌ فِي بَيْتِ الْمَال.

وأن الذي أرجحهُ هو القولُ الأول، حيث ما زال في مجتمعنا اعتبارٌ اجتماعيٌ للعائلة الكبيرة، لذلك تعتبرُ العصبةُ هي العَاقِلَةُ، وإن ضعفُ الدورُ الاجتماعي للعائلة الكبيرة كما هو الحال في بعض البلدان فيؤخذُ بقولِ الحنفية وبما سيأتي من التطبيقات المعاصرة للعَاقِلَةِ.

وأن كيفيةَ توزيعِ تحميل الدِّيَة على العَاقِلَةِ عند جمهور الفقهاء إنه يُبدأ في التقسيم بين العصبات بالأقرب فالأقرب. وعند الحنفية ومَنْ وافقهم يسوى في التقسيم بين جميع أفراد العَاقِلَةِ وهم أهلُ الديوان.

وأن مقدارَ تحملِ كلِّ فردٍ من أفراد العَاقِلَةِ قضيةٌ اجتهد الفقهاءُ فيها، لأن المسألةَ لم يرد فيها نصٌ.

وأن الذي أرجحه هو التسويةُ في تقسيم الدِّيَةِ بين جميع أفراد العَاقِلَةِ، القريبُ والبعيدُ سواءٌ.

وأرى أن المساواة بين جميع أفراد العصبة هي التي تحقق الحكمة من تشريع الدِّيَةِ على العَاقِلَة.

وأن الفقراء من العصبة معفون من المساهمة في الدِّيَة، فلا يؤخذ منهم شيءٌ على الراجح من أقوال الفقهاء، وكذلك إعفاء النساء والصّبيان والمجانين من المساهمة في الدِّيَةِ.

وأن جماهير أهل العلم قد اتفقوا على أن دِّيَةَ القتل الخطأ تُؤدى مقسطةً على ثلاث سنوات، وهذا على خلاف ما جرى عليه العرفُ العشائري في بلادنا حيث تدفع الدِّيَةُ بعد سنةٍ واحدةٍ من حادثة القتل.

وأن من الفقهاء المعاصرين مَنْ يرى أنه إذا تعذَّر وجودُ العصبة في زماننا، فإنه يمكن أن ينوبَ عنها أنظمةٌ حديثةٌ كالتأمين الإسلامي والنقابات العمالية والاتحادات التي تُقام بين أصحاب المهنة الواحدة وغيرها، وقد سبقهم إلى ذلك الحنفية حيث قالوا بتحميل الدِّيَةِ لأهل الديوان، وهذا فقهٌ حسنٌ يحققُ المقصودَ من حكمة تحميل العَاقِلَة للدِّيَةِ.

والله الهادي إلى سواء السبيل