maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

ضياعُ الأمانةِ والفسادُ المالي والإداري، رؤيةٌ شرعيةٌ

يقول السائل: ما قولكم في ظاهرة ضياعِ الأمانةِ عند كثيرٍ من الناس في هذا الزمان، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: الأمانةُ من أهمِ القيمِ الأخلاقيةِ التي أكدت عليها النصوصُ الشرعيةُ من كتابِ اللهِ عز وجل ومن السنةِ النبوية، فالأمانةُ هي: كلُّ حقٍّ لزمَك أداؤُهُ وحفظهُ. وقال بعض العلماء: الأمانةُ هي:[التَّعفُّفُ عمَّا يتصرَّفُ الإنسانُ فيه مِن مالٍ وغيره، وما يوثقُ به عليه مِن الأعراضِ والحُرَم مع القدرة عليه، وردُّ ما يستودع إلى مودعه] dorar.net/akhlaq

وخلقُ الأمانةِ لا يوجدُ إلا حيثُ يوجدُ العدلُ، وإذا سادَ الظلمُ ولدت معه الخيانة، وبالعدل والأمانة تزدهر الحضارة، وتتقدم الدولُ والأممُ، ويعرفُ الناسُ حقوقهم وواجباتهم، وفي القرآن الكريم نجدُ الأمرَ بالأمانةِ، والنهيَ عن الخيانة، والتشديد في ذلك، كما نجدُ اقترانَ الأمرِ بالأمانة مع الأمرِ بالعدل؛ لأنهما صِنوان، كما أن الخيانةَ والظلم أخوان، قال تعالى:{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْل {سورة النساء الآية 58، فأمرَ اللهُ سبحانه وتعالى بالعدل والأمانة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الآية الكريمة حيث بنى كتابه”السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” على الآية الكريمة وسمَّاها “آية الأمراء في كتاب الله” حيث قال:[ نزلت الآية في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناسِ أن يحكموا بالعدل…وإذا كانت الآية قد أوجبت أداءَ الأماناتِ إلى أهلها، والحكمَ بالعدل، فهذان جمِاعُ السياسة العادلة، والولاية الصالحة] “السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية” ص 12.

وقال الإمام الشَّوكاني: [هَذِهِ الآيَةُ مِن أُمَّهاتِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الخِطابَ يَشْمَلُ جَمِيعَ النّاسِ في جَمِيعِ الأماناتِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّها خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ووُرُودُها عَلى سَبَبٍ كَما سَيَأْتِي لا يُنافِي ما فِيها مِنَ العُمُومِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في

الأُصُولِ، وتَدْخُلُ الوُلاةُ في هَذا الخِطابِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَأْدِيَةُ ما لَدَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ ورَدُّ الظُّلاماتِ وتَحَرِّي العَدْلِ في أحْكامِهِمْ، ويَدْخُلُ غَيْرُهم مِنَ النّاسِ في الخِطابِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ رَدٌّ ما لَدَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ والتَّحَرِّي في الشَّهاداتِ والأخْبارِ. ومِمَّنْ قالَ بِعُمُومِ هَذا الخِطابِ: البَراءُ بْنُ عازِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، واخْتارَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأماناتِ مَرْدُودَةٌ إلى أرْبابِها: الأبْرارُ مِنهم والفُجّارُ،كَما قالَ ابْنُ المُنْذِرِ] تفسير فتح القدير 1/719.

وقد امتدح اللهُ عز وجل أداءَ الأمانةِ، وجعلَهُ من أوصافِ المؤمنين، ومن أوصافِ المصلين، فقال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ…وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} سورة المؤمنون.

ونهى سبحانه وتعالى المؤمنين عن الخيانةِ فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ {سورة الأنفال الآية 27. وقال تعالى:{إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ{سورة الأنفال الآية 58. وقال تعالى:{وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ{سورة يوسف الآية 52.

وقد نفى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإيمانَ عن الخائن؛ لأن الإيمانَ يدعو صاحبَهُ للأمانة، وينهاهُ عن الخيانة، قال أَنَسٌ رضي الله عنه:(ما خطبنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لمن لا عهدَ له) رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

وقال أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه:(أصدقُ الصِّدق الأمَانَةُ، وأكذبُ الكذبِ الخيانةُ) رواه البيهقي بنحوه في السنن الكبرى.

وقال عمر رضي الله عنه: (لا تُغُرُّنِي صَلَاةُ امْرِئٍ وَلَا صَوْمُهُ، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ صَلَّى، لَا دِينَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق. وغير ذلك كثيرٌ.

ويقابلُ الأمانةَ الخيانةُ وهي: (الاستبدادُ بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحُرَمِ، وتملكُ ما يُستودع، ومجاحدةُ مودعه) انظر dorar.net/akhlaq

وقد اعتبر ابن حجر المكي أن الخيانةَ من كبائر الذنوب كما في “الزواجر عن اقتراف الكبائر”1/442. وقد وردت النصوص الشرعية في الترهيب من الخيانة وهي من أسوأ الأخلاق، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة الأنفال الآية 27. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بيْنَما النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أعْرَابِيٌّ فَقالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ: كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ: إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) رواه البخاري.

ثانياً: الفسادُ المالي والإداري ظاهرةٌ متفشيةٌ في كثيرٍ من دول العالم، وخاصةً في بلاد العرب والمسلمين، فحسب تقريرٍ لمنظمة الشفافية الدولية فإن ثلث الفساد المالي مركزهُ الوطن العربي، ونصفه في العالم الإسلامي. ولا زالت غالبية الدول العربية من بين الأسوأ في الفسادِ محلياً وعالمياً بحسب منظمة الشفافية الدولية.والفسادُ المالي في مجال الوظيفة العامة هو: سوءُ التصرف في الأموال العامة، أو تلقي أموالٍ في مقابلِ تقديمِ خدمةٍ أو منفعةٍ، مشروعة أو غير مشروعة .

وأما الفساد الإداري فـهو:”سـلوك ينحـرف فـيه الـموظـف العـام، أو مـن كلـف بخدمـة عامـة، عـن معـايير أخلاقيات الوظـيفـة العامة، والقـيم الاجـتماعـية، بهـدف الحصـول علـى منـفعة ذاتية، أو فـئويةٍ علـى حـساب المصـلحـة العامة” islamweb.net/ar/library/index.php?page=bookcontents&ID=5764&bk_no=1682&flag=1

وهنالك أسبابٌ عديدة لتفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في بلاد العرب والمسلمين، منها: ضعف الوازع الديني والأخلاقي لدى الموظفين كباراً كانوا أو صغاراً، وهذا سببٌ عامٌ لكل أنواع الفساد، ذلك أن البُعدَ عن الدِّين،

والتنكرَ للقيم الأخلاقية، يجعلُ الإنسان مهيأً لسلوك طريق الفساد والانحراف، حيث لا وازعَ من دينٍ، ولا رادعَ من خلقٍ. ومن هنا تأتي أهمية تنمية الوازع الديني والأخلاقي في النفوس كمحورٍ مهمٍ من محاور السياسة الوقائية في الإسلام.

ومنها: فساد الإدارة السياسية للدولة: إن فساد القائمين على النظم السياسية يؤدي إلى فسادٍ عامٍ يطالُ كلَّ مؤسسات وأجهزة الدولة، وحين تتدخل النخبُ السياسيةُ الحاكمةُ في عملِ الأجهزة والمؤسسات الرسمية بدوافع حزبيةٍ أو سياسيةٍ ضاربةً عرض الحائط بكل النظم والقوانين المنظمة لعملِ تلك المؤسسات والأجهزة، فإنها بذلك تؤسسُ للفساد المالي والإداري على أوسع نطاق، وينتجُ عن ذلك سوءُ استخدام السلطة وانتشارُ الواسطة والمحسوبية، حيث يسـتـغلُ الموظـفُ سـلطته ونفـوذه لتحقيـق مصـالحَ خـاصـةٍ، على حسـاب المصـلحة العـامـة، وقد تـكون تلك المصـالح الخاصـة للأهل والعشـيرة، أو للأصـدقاء، أو للحزب… الخ. وتظهرُ المحسوبيةُ بشكلٍ واضحٍ في التوظيف والترقية للمناصب لمن يعرفون “بعظام الرقبة”. حيث تغيبُ المعاييرُ الموضـوعيةُ للتوظيف أو الترقية، وبدلاً عن ذلك يحلُّ معيـارُ الولاءِ الشـخصي، أو الأسـري، أو الجهـوي، أو الطائفي، أو الحزبي.

ومن أسباب تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري: ضعف أجهزة الرقابة والمحاسبة، وفسادها في ذاتها وتخلف الإجراءات الإدارية، وهو ما يجعل البيئة خصبة جداً لانتشار واستشراء الفساد المالي والإداري.

وبسبب الفساد المالي والإداري في كثير من ديار المسلمين ساد السفلةُ والأراذلُ الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، سادوا بما جمعوا من أموالٍ محرمةٍ، جلبت لهم جاهاً لا يستحقونه، فخربت البلدان بسببهم، واستشرى الفساد، وانزوى الأمناءُ المصلحون الناصحون، وخملُ ذكرُهم؛ لأن البيئات المتلوثة بالرشوة والغش والسحت وأكل الحرام وممارسته وتسويغه لا مكانَ فيها للأمناء والمصلحين الناصحين. وما تقدمت بلاد الغرب على بلاد المسلمين بذكاء في عقول أبنائها، ولا بفساد أخلاقها وأعراضها، ولا بتحرر نسائها؛ كما يقول أهل الغش والتدليس والتغريب من دعاة الفساد والإفساد، ولكنها تقدمت بأنظمةٍ صارمةٍ تجاه الغش والرشوة

وجميع أنواع الفساد الإداري والمالي، لا محاباةَ فيها لأحدٍ، ويؤاخذُ بها الكبيرُ والصغيرُ على حدٍ سواء.

www.albayan.co.uk/article2.aspx?id=1309

ومن هنا نلاحظُ أن أكثرَ الدول الغربية قد تربعت على عرشِ النزاهة في مؤشر الفساد العالمي، حيث يشملُ التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية 180 دولة، ويقاسُ مستوى الفسادُ فيها على أساس مؤشرٍ من 100 درجةٍ أعلاها الأفضلُ، وأصغرها الأسوأُ والأكثرُ فساداً، فجاءت كثيرٌ من الدول العربية والإسلامية في ذيل المؤشر.

ثالثاً: لا شك أن من أكثر مظاهر الفساد وضوحاً وانتشاراً في الدول العربية والإسلامية، الثراءُ الفاحشُ للحكام وعوائلهم وحاشيتهم وأحزابهم، وطالما نُشرت تقاريرُ عالمية عن هذا الثراءِ الفاحشِ لهؤلاء، وإنفاقهم الملايين خارج بلادهم في شراء القصور والطائرات واليخوت وغيرها، كما في “وثائق باندورا” التي صدرت مؤخراً وكشفت بعض ثروات الحكام في مختلف دول العالم، وما خفي أعظم! مع العلم أن نسبةَ الفقرِ في شعوبهم مرتفعةٌ جداً.ولا يتسع المقام للتفصيل.

رابعاً: إن الإسلامَ قررَ مبادئَ عديدةً لمحاربة الفسادِ المالي والإداري من أهمها حُرمةُ المالِ العام، فهي أعظمُ من حُرمةِ المالِ الخاص، فالاعتداءُ على الأموالِ العامةِ كبيرةٌ من كبائر الذنوب، وقد دلت الأدلةُ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حُرمةِ الخوضِ في الأموالِ العامة، قال الله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}سورة البقرة 188.

وقرر الإسلامُ مبدأَ المسائلةِ للموظفين “من أين لك هذا” كما ثبت عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قال: (اسْتَعْمَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَجُلًا على صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابن الْلَّتَبِيَّةِ، فلما جاء حَاسَبَهُ، قال: هذا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهَلاّ جَلَسْتَ في بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حتى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إن كُنْتَ صَادِقًا؟! ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أستعملُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ على الْعَمَلِ مِمَّا وَلاّنِي اللهُ

فَيَأْتِيَ فيقولَ هذا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي، أَفَلا جَلَسَ في بَيْتِ أبيهِ وَأُمِّهِ حتى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟! والله لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شيئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إلا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يوم الْقِيَامَةِ، فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا له رُغَاءٌ أو بَقَرَةً لها خُوَارٌ أو شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حتى رُؤي بَيَاضُ إِبْطِهِ يقول: اللهم هل بَلَّغْتُ) رواه البخاري ومسلم.

وقرر الإسلامُ مبدأَ اختيارِ الموظفين على أسسٍ صحيحةٍ من الكفاءةِ والنزاهةِ والأمانةِ والصدقِ والعدلِ، وليس على أي أسسٍ غير شرعية كالانتماء الحزبي، قال الله تعالى:{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}سورة القصص الآية 26. وقال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}سورة يوسف الآية 55، وثبت في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قالَ: فَضَرَبَ بيَدِهِ علَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قالَ: يا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمَانَةُ، وإنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلَّا مَن أَخَذَهَا بحَقِّهَا، وَأَدَّى الذي عليه فِيهَا.)رواه مسلم.

وقال أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة في رسالته إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد:[رأيتُ أن تتخذ قوماً من أهل الصلاحِ والدِّينِ والأمانةِ فتوليهم الخراج. ومن وليتَ منهم فليكن فقيهاً عالماً مشاوراً لأهل الرأي عفيفاً لا يطلع الناسُ منه عَلَى عورةٍ، ولا يخافُ فِي اللهِ لومةَ لائمٍ، ما حفظ من حقٍ وأدى من أمانةٍ احتسبَ به الجنةَ، وما عملَ به من غير ذلك خافَ عقوبة الله فيما بعد الموت، تجوز شهادتُهُ إن شهد، ولا يُخاف منه جورٌ في حكمٍ إن حكم. فإنك إنما توليه جبايةَ الأموالِ وأخذها…فإذا لم يكن عدلاً ثقةً أميناً فلا يؤتمن عَلَى الأموال] كتاب الخراج. وغير ذلك.

وقد ذكر لنا التاريخُ الإسلامي نماذجَ مضيئةً ورائعةً في أداءِ الأمانةِ، والبعدِ عن الخيانة، تطبيقاً لما قرره الإسلام من مبادئ لمحاربة الفساد المالي والإداري، وقد كان للخلفاء دورٌ في الحفاظ على المال العام على مرِّ التاريخ، كما كان للعلماء أيضاً دورٌ بارزٌ في ذلك.

وأذكر بعض المواقف باختصار: (لما جيء بكنوزِ كسرى لأميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعجبَ عمرُ والمسلمون من كثرتها

وتنوعها، وبُهروا بها، فقال عمر رضي الله عنه:« إن قوماً أدَّوا هذا لأُمناء! فقال له علي رضي الله عنه: إنك عفَفْتَ فعفَّت رعيتُك، ولو رتعتَ لرتعت رعيتُك ». ذكره الدارقطني في فضائل الصحابة.

وهذا موقفٌ رائعٌ لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه محذراً أقاربه من استغلال قرابتهم به لتحقيقِ مكاسبَ بغير حقٍ حيث قال لهم:” لا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ آلِ عُمَرَ أَتَى شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْهُ إِلا ضَاعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، فَإِنَّمَا أَعْيُنُ النَّاسِ إِلَيْكُمْ كَأَعْيُنِ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، فَإِنِ انْتَهَيْتُمُ انْتَهَوْا، وَإِنِ رَتَعْتُمْ رَتَعُوا، وإني والله لا أُوتى برجلٍ منكم وقعَ فيما نهيتُ الناسَ عنه إلا ضاعفتُ له العذابَ لمكانه مني “. رواه ابن شبة في تاريخ المدينة بإسناد صحيحٍ.

ولمّا ولِيَ عَيّاض بن غُنم في الشام، قَدِمَ عليه نَفرٌ من أهل بيتهِ يطلبونَ صِلتهُ من مالٍ وأُعطيات، فَلَقيهم بالبِشرِ وأنزلهم وأكرمهم، فأقاموا أياماً ثمَّ كلَّموه في الصِّلة، وأعطى كُلَّ رجلٍ منهم عشرةَ دنانير، وكانوا خمسةَ رجالٍ، فردُّوها إليه وتسخَّطوا ونالوا منه. فقال لهم: أي بني عمّ، والله ما أُنكِرُ قرابتكم ولا حقّكم ولا بُعدَ شُقّتكم، ولكنَّ ما حصلتُ إلى ما وصَلتكم به، إلّا ببيعِ خادمي، وبيعِ ما لا غِنى بي عنه؛ فأعذروني. قالوا: ما عذَركَ الله؛ فإنّك والي نصف الشام، وتُعطي الرجل منّا ما لا يستطيعُ أنْ يَبلُغَ به أهله. فقال: أفتأمروني أنْ أسرقَ مالَ الله؟ فالله لأنْ أُشقَّ بالمنشار أحبَّ إليّ مِنْ أنْ أخون فلساً واحداً أو أتعدّى على مال الله. فقالوا له: قد عذرناكَ في ذاتِ يدكَ، فولِّنا أعمالاً نُؤدي ما يؤدِّي الناسُ إليك، ونُصيبُ من المنفعةِ ما يُصيبون، وأنت تعرفُ حالنا، وإنّا لا نتعدَّى ما جعلتَ لنا. فردَّ عليهم قائلاً: والله إنّي لأعرفكُم بالفضلِ والخير؛ ولكنْ يَبلُغ عُمر بن الخطاب، أنّي وَلّيتُ نفراً من قومي فيَلومني على ذلك. فقالوا: قد ولّاك أبو عبيدة بن الجراح، وأنت منه في القَرابةِ بحيث أنت، فأنفِذ ذلك لِعُمر؛ فلو ولّيتنَا لأنفَذهُ. فقال: إنّي لستُ عند عُمر كأبي عبيدة. فتركوه ومضوا لائمينَ له) رواه ابن الجوزي وابن عساكر وذكره في صفة الصفوة. والأمثلة أكثر من أن تُعد.

وخلاصة الأمر أن الأمانةَ من أهمِ القيمِ الأخلاقيةِ التي أكدت عليها النصوصُ الشرعيةُ من كتابِ اللهِ عز وجل ومن السنةِ النبوية.

وأن اللهَ عز جل قد امتدح أداءَ الأمانةِ، وجعلَهُ من أوصافِ المؤمنين، ومن أوصافِ المصلين.

وأن الخيانةَ تقابلُ الأمانةَ ، وأنه سبحانه وتعالى قد نهى المؤمنين عن الخيانةِ.

وأن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد نفى الإيمانَ عن الخائن؛ لأن الإيمانَ يدعو صاحبَهُ للأمانة، وينهاهُ عن الخيانة.

وأن الفسادَ المالي والإداري ظاهرةٌ متفشيةٌ في كثيرٍ من دول العالم، وخاصةً في بلاد العرب والمسلمين، فحسب تقريرٍ لمنظمة الشفافية الدولية فإن ثلث الفساد المالي مركزهُ الوطن العربي، ونصفه في العالم الإسلامي.

وأن من أسباب تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في بلاد العرب والمسلمين، ضعفُ الوازعِ الديني والأخلاقي لدى الموظفين كباراً كانوا أو صغاراً.

وأنه بسبب الفساد المالي والإداري في كثيرٍ من ديار المسلمين سادَ السفلةُ والأراذلُ الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

وأن من أكثر مظاهرِ الفسادِ وضوحاً وانتشاراً في الدول العربية والإسلامية، الثراءُ الفاحشُ للحكام وعوائلهم وحاشيتهم وأحزابهم.

وأن الإسلامَ قررَ مبادئَ عديدةً لمحاربة الفسادِ المالي والإداري من أهمها حُرمةُ المالِ العام.

وأن الإسلامَ قرر مبدأَ اختيارِ الموظفين على أسسٍ صحيحةٍ من الكفاءةِ والنزاهةِ والأمانةِ والصدقِ والعدلِ، وليس على أي أسسٍ غير شرعية كالانتماء الحزبي.

وأن تاريخَنا الإسلامي قد ذكر لنا نماذجَ مضيئةً ورائعةً في أداءِ الأمانةِ، والبعدِ عن الخيانة، تطبيقاً لما قرره الإسلام من مبادئ لمحاربة الفساد المالي والإداري، وقد كان للخلفاء دورٌ في الحفاظ على المال العام على مرِّ التاريخ، كما كان للعلماء أيضاً دورٌ بارزٌ في ذلك.

والله الهادي إلى سواء السبيل