ضمانُ الْعَارِيَّةِ

يقول السائل: استعرتُ من جاري آلةَ قصِ حجرٍ كهربائيةٍ، وأثناء استعمالي لها تعطلت ولم تَعُدْ تعمل، فرددتُها إلى صاحبها ولكنه رفض أخذها وطالبني بتعويضٍ عنها، فما الحكمُ في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: استعارةُ الأدواتِ ونحوها، أصلُها في اللّغة من التَّعاور ويسمَّى إعارة: وهو التّداول والتّناوب مع الرَّدِّ. والإعارةُ مصدرُ أعار، والاسمُ منه الْعَارِيَّةُ مشددةٌ وقد تخفف كما في القاموس المحيط، والْعَارِيَّةُ عند الفقهاء هي: إباحةُ الانتفاعِ من الأشياءِ مدةً بما يحلُّ الانتفاعُ به مع بقاء عينها بلا عوضٍ. وقامت الأدلةُ على مشروعية الْعَارِيَّةِ، ومنها: قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} سورة الماعون الآية 7، ذكر ابنُ كثير أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سُئل عن الماعون، فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأسِ والقِدْرِ والدلو وأشباه ذلك. وعَنه أيضاً قَالَ: (كنَّا نعدُّ الماعونَ علَى عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عارِيةَ الدَّلوِ وَالْقِدْرِ ) رواه أبو داود والنسائي في السنن الكبرى، وهو حديثٌ حسنٌ. وهذا أحد تأويلات الآية الكريمة. وأكثرُ العلماء على أن الْعَارِيَّةَ مستحبةٌ وليست واجبةً، ولا يأثم المرءُ بتركِ إعارةِ متاعهِ للناس وخاصةً في زماننا هذا لفساد الناس. وفسر الشيخُ العثيمين قولَه تعالى: [{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} أي: يمنعون ما يجبُ بذلهُ من المواعين وهي الأواني، يعني يأتي الإنسانُ إليهم يستعيرُ آنيةً، يقول: أنا محتاجٌ إلى دلوٍ، أو محتاجٌ إلى إناءٍ أشربُ به، أو محتاجٌ إلى مصباحِ كهرباءٍ، وما أشبه ذلك، فيمنع، فهذا أيضاً مذمومٌ، ومنعُ الماعون ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: قسمٌ يأثمُ به الإنسان.

القسم الثاني: قسمٌ لا يأثمُ به، لكن يفوته الخير، فما وجب بذلهُ فإن الإنسان يأثمُ بمنعه، وما لم يجب بذلهُ فإن الإنسان لا يأثمُ بمنعه، لكن يفوتهُ الخير.

مثال ذلك: إنسانٌ جاءه رجلٌ مضطرٌ يقول: أعطني ماءً أشربه، فإن لم أشرب مُتُ، فبذلُ الإناء له واجبٌ يأثمُ بتركه الإنسان، حتى إن بعض العلماء يقول: لو مات هذا الإنسان فإنه يضمنه بالدية، لأنه هو سبب موته ويجب عليه بذل ما طلبه.] تفسير العلامة العثيمين 45/3. وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجَّةِ الوداع: (العارِيةُ مُؤَدَّاةٌ، والمِنحةُ مَردودةٌ، والدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، والزعيم غارمٌ) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وقال الترمذي: حسن، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل. وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استعار منه أدرعاً يومَ حُنَيْنٍ، فقال: أغَصْبٌ يا مُحمَّدُ؟ فقال: لا، بل عاريَّةٌ مَضمونةٌ) رواه أبو داود وقال العلامة الألباني: صحيح. قال الملا على القاري: [قَوله: “بَلْ عَارِيَةً” بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ وَبِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ وَكَذَا قَوْلُهُ ” مَضْمُونَةً ” أَيْ: مَرْدُودَةً، وَالْمَعْنَى أَنْ أَسْتَعِيرَهَا وَأَرُدَّهَا، فَوَضَعَ الضَّمَانَ مَوْضِعَ الرَّدِّ مُبَالَغَةً فِي الرَّدِّ، أَيْ: كَيْفَ لَا أَرُدُّهَا وَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيَّ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَضْمُونَةٌ نَظَرَ إِلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ” قَوْلُهُ: “مَضْمُونَةً” مُؤَوَّلٌ بِضَمَانِ الرَّدِّ أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ عَيْنِهَا عِنْدَ قِيَامِهَا. قَالَ الْقَاضِي: ” هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 5/978.

ثانياً: اتفق الْفُقَهَاءُ على أَنَّ الْعَارِيَّةَ إِنْ تَلِفَتْ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، واختلفوا فيما عدا ذلك، فقال الشافعيةُ والحنابلةُ وهو المذهب عندهم، الْعَارِيَّةُ مضمونةٌ مطلقاً سواء تعدَّى المستعيرُ فيها أو لم يَتعدَّ، ورُوي هذا عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما، وهو أحد قولي الإمام مالك، واختاره أشهب من المالكية، وبه قال عَطَاءٌ وإسحاق بن راهويه. وهذا المذهب رجَّحه الشيخُ ابن قدامة المقدسي في المغني. قال الإمام الشافعي: [الْعَارِيَّةُ كُلُّهَا مَضْمُونَةٌ، الدَّوَابُّ وَالرَّقِيقُ وَالدُّورُ وَالثِّيَابُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهَا، فَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَتَلِفَ فِي يَدِهِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ] الأم 3/250. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وَيَجِبُ رَدُّ الْعَارِيَّةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً. بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً، تَعَدَّى فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ…وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ». وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَا إذْنٍ فِي الْإِتْلَافِ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ.] المغني 5/164. وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا جَمِيعًا: الْعَارِيَّةُ تُغْرَمُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْمَنُ الْعَارِيَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طاووس عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي قَضِيَّةِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ. وَكَانَ شُرَيْحٌ يُضَمِّنُ الْعَارِيَّةَ، وَضَمَّنَهَا الْحَسَنُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَصَحَّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَيْضًا، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَذَكَرَا: أَنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِهِمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا بِهِ وَكَانُوا يَقْضُونَ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيَّارٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَجْمَعَ رَأْيُ الْقُضَاةِ عَلَى ذَلِكَ، إذْ رَأَوْا شُرُورَ النَّاسِ، وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}] المحلى 8/139. وذكر الحافظُ ابنُ عبد البر أن القُضاةَ في زمانه كانوا يقضون بالضَّمانِ في الْعَارِيَّةِ. التمهيد 7/416. وقال شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد: [جاءت الأحاديثُ الدالةُ على أن الْعَارِيَّةَ مضمونةٌ، وهذا فيه مصلحةٌ للناس، بحيث يطمئن الناسُ على حقوقهم، وأنها مضمونةٌ؛ لأن من استعار عَارِيَّةً فهي في ضمانه حتى يعيدها كما أخذها، وإن تلفت فيؤدي مثلها أو يدفع ثمنها، وكذلك من أفسد شيئاً على أخيه غرم مثله، ومن أتلفت ماشيته زرعاً بالنهار فليس لصاحب الزرع شيءٌ، وإن كان ليلاً فعلى صاحب الماشية أن يغرم لصاحب الزرع ما أتلفت ماشيته، وهذا فيه مراعاةٌ لجميع الناس…والإمام أبو داود رحمه الله أورد حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ)، أي: أن هذا لازمٌ عليها، وأنه حقٌ متعينٌ على صاحب اليد الذي عليه أداؤهُ وإرجاعه، وإذا لم يؤده فإنه يؤدي نظيرَه ومثيله، إذا كان له مثيلٌ أو قيمتهُ إذا لم يكن له مثلٌ. وقد جاء في بعض الأحاديث التي سيذكرها أبو داود ما يدل على الضمان، وذلك في قصة الأدرع التي استعارها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما فقد بعضها قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها: (أنا أغرم لك، فقال: لا)، فدل هذا على أنها مؤداةٌ، فإن كانت موجودةً فبعينها، وإن كانت قد تلفت فإنه يؤدي مثلها، وإن لم يكن لها مثلٌ فإنه يؤدي قيمتها] شرح سنن أبي داود للعباد 1/404. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي مبيناً القولَ الآخر بعدمِ الضمان: [وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ: هِيَ أَمَانَةٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا إلَّا بِالتَّعَدِّي؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ، ضَمَانٌ». وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَكَانَتْ أَمَانَةً، كَالْوَدِيعَةِ. قَالُوا: وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ». يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} سورة النساء الآية 58] المغني 5/164.

ثالثاً: القولُ الذي أرجحهُ في هذه المسألةِ الخلافية، هو القولُ بالضمانِ مطلقاً لما سبق من الأدلة، ونظراً لفساد أهل زماننا وخراب ذممهم وسوء أخلاقهم من الكذب وغيره، وإذا كان بعضُ الفقهاء المتقدمين قد قالوا بالضمان مطلقاً، وحكمَ به القضاةُ في زمانهم كما قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَجْمَعَ رَأْيُ الْقُضَاةِ عَلَى ذَلِكَ، إذْ رَأَوْا شُرُورَ النَّاسِ. وكما ذكر الحافظ ابن عبد البر أن القُضاةَ في زمانه كانوا يقضون بالضَّمانِ في الْعَارِيَّةِ، فمن باب أولى في زماننا هذا، حيث إن من الحزمِ الاحتراسُ من الناسِ بسوءِ الظنِّ، كما قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن الشِّخِّير: “احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ ” قال البيهقي: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا، وَالْحَذَرُ مِنْ أَمْثَالِهِ سُنَّةٌ متَّبَعَةٌ. وذكره الحافظ ابن حجر في “الفتح”، وعزاه لمُسَدد، وصَحَّحَهُ. فالحديث بمجموع طرقه، وشواهده يتقوى بعضها ببعضٍ، ويرتقي إلى “الحسن لغيره”. انظر المعجم الأوسط للطبراني 2/144.

ويضاف إلى ما سبق أن كثيراً من الأدوات التي تُعار كالأجهزة الكهربائية وغيرها سريعةُ التلفِ والعطبِ، ولا شكَّ أن المحافظةَ على أموال الناس من ضمنِ المصالح الشرعية المعتبرة، وأنه في حالة استعارةِ الأجهزة وتلفها، يصعبُ إثباتُ عدم التعدي والتفريط، لأن المستعيرَ يغيب عن نظرِ المُعير، فالقولُ بتضمين المستعير محققٌ للمصلحة، قياساً على مسألةِ تضمين الصُنَّاع-أصحاب الحِرَف- قال د. نزيه حماد:[ما ذكره ابنُ رشدٍ في مسألةِ تضمينِ الصُنَّاع بقوله: “ومن ضمَّنه فلا دليلَ له إلا النظرَ إلى المصلحة وسدَّ الذريعة “أي إلى تضييعِ أموالِ الناسِ وإتلافها، وعلى ذلك فإذا كانت “المصلحةُ العامةُ وصيانةُ أموالِ الناس” قاعدةٌ معتبرةٌ شرعاً في جعل يدِ الأمين ضامنةً جبراً بغير رضاه؛ فلأن تعتبر ضامنة برضاه واختياره عند اشتراطه ذلك على نفسه في العقد أو اشتراطه عليه وقبوله به أولى. ] بحث “مدى صحة تضمين يد الأمانة بالشرط” ص 405-406.

رابعاً: الضَّمَانُ هُوَ إعْطَاءُ مِثْلِ الشَّيْءِ إنْ كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ، وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ. مجلة الأحكام العدلية المادة 416. والْمِثْلِيُّ كما بينته الْمَادَّةُ 145 من المجلة هو: مَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي السُّوقِ بِدُونِ تَفَاوُتٍ يُعْتَدُّ بِهِ كَالْمكَيْلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ مِثْلِ الْجَوْزِ وَالْبَيْضِ. وأما الْقِيَمِيُّ فقد بينته الْمَادَّةُ 146 من المجلة وهو: مَا لَا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِي السُّوقِ أَوْ يُوجَدُ لَكِنْ مَعَ التَّفَاوُتِ الْمُعْتَدِّ بِهِ فِي الْقِيمَةِ كَالْخَيْل وَالْحَمِير وَالْغَنَم وَالْبَقَر وَالْبِطِّيخ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُوجَدُ تَفَاوُتٌ بَيْنَ أَفْرَادِهَا بِحَيْثُ تَتَفَاوَتُ فِي الْأَثْمَانِ تَفَاوُتًا بَعِيدًا، فَإِذَا أَتْلَفَ إنْسَانٌ كَيْلَةَ حِنْطَةٍ لِآخَرَ أَعْطَاهُ مِثْلَهَا، أَوْ أتلف حِصَانًا أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ إتْلَافِهِ. انظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام 2/440.

وإذا تقرر القولُ بضمانِ العارية مطلقاً، فإنه يَجِبُ ضَمَانُ الأدوات المستعارة التالفة بمثلها إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلاَّ فَبِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ. قال البهوتي الحنبلي: [وحيثُ ضَمِنها المستعيرُ فـ (بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلِفَتْ) إن لم تَكُن مِثليةً، وإلا فبِمِثلِها؛ كما تُضمَنُ في الإتلافِ.] الروض المربع بشرح زاد المستقنع 2/406.

وقال عبد الرحيم الزريراني الحنبلي: [وإذا تلفت العاريةُ ضمنت بقيمتها يوم التلف-هذا إن كانت متقومة، وإلا فبمثلها إن كانت مثلية-] إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل ص 342.

وقال الشيخ العثيمين: [الصحيح أن المثلي ما كان له مثيلٌ مطابقٌ أو مقاربٌ تقارباً كثيراً، ويدل لهذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لزوجته التي كسرت الإناء، وأفسدت الطعام: « إناءٌ بإناءٍ، وطعامٌ بطعامٍ » ولم يضمنها بالقيمة، ثم إننا نقول: الصناعةُ الآن تتقدم، ومن المعلوم أن الفناجيل ـ مثلاً ـ من الزجاج مصنوعة، وهي مثلية قطعاً، فمماثلة الفنجال للفنجال أشد من مماثلة صاع البر لصاع البر، وهذا أمرٌ معلومٌ، والحلي ـ مثلاًـ والأقلام، والساعات، كل هذه مثلية، وهي على حد الفقهاء ليست مثليةً، فالصوابُ إذاً: أن المثلي ما كان له مماثلٌ أو مقاربٌ مقاربةً تامةً، فإذا استعار إناءً ثم انكسر الإناءُ ـ فعلى ما اخترناه ـ يُضمن بإناءٍ مثلهُ، وعلى كلام الفقهاء يضمنُ بقيمته، والأقربُ إلى العدل أن يُضمن بمثله. قوله: «يوم تلفت» أي: في وقت التلف، فإذا كانت مثليةً فالأمرُ واضح، يؤدي المستعير مثلها قَلَّت القيمةُ أو نقصت، ولكن إذا كانت متقومةً، فيقول المؤلف: تضمنُ بقيمتها يوم تلفت، لا في وقت التضمين، ولا في وقت الإعارة؛ لأن لدينا ثلاثة أزمان: زمن الإعارة، وزمن التلف، وزمن المطالبة، والمعتبر زمن التلف؛ لأنه هو الذي خرج ملكُ صاحبها عنها فيه، أي: في وقت التلف] الشرح الممتع على زاد المستقنع 10/121-122.

وخلاصة الأمر أن الْعَارِيَّةَ عند الفقهاء هي: إباحةُ الانتفاعِ من الأشياءِ مدةً بما يحلُّ الانتفاعُ به مع بقاء عينها بلا عوضٍ، وقد قامت الأدلةُ على مشروعية الْعَارِيَّةِ. وأن الْفُقَهَاءَ قد اتفقوا على أَنَّ الْعَارِيَّةَ إِنْ تَلِفَتْ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، واختلفوا فيما عدا ذلك. وأن القولَ الذي أُرجحهُ في هذه المسألةِ الخلافية، هو القولُ بالضمانِ مطلقاً لما سبق من الأدلة، ونظراً لفساد أهلِ زماننا وخرابِ ذممهم وسوءِ أخلاقهم من الكذبِ وغيره، وإذا كان بعضُ الفقهاء المتقدمين قد قالوا بالضمان مطلقاً، وحكمَ به القضاةُ في زمانهم كما قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَجْمَعَ رَأْيُ الْقُضَاةِ عَلَى ذَلِكَ، إذْ رَأَوْا شُرُورَ النَّاسِ. وكما ذكر الحافظ ابن عبد البر أن القُضاةَ في زمانه كانوا يقضون بالضَّمانِ في الْعَارِيَّةِ، فمن باب أولى في زماننا هذا، حيث إن من الحزمِ الاحتراسُ من الناسِ بسوءِ الظنِّ. وأن المحافظةَ على أموال الناس من ضمنِ المصالح الشرعية المعتبرة. وأنه يَجِبُ ضَمَانُ الأدوات المستعارة التالفة بمثلها إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلاَّ فَبِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ.

والله الهادي إلى سواء السبيل