maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

الفرقُ بين إنكارِ المُنكرِ والنصيحةِ

يقول السائل: صليتُ الجمعةَ في أحدِ المساجد، فتركَ شخصٌ بجواري الصلاةَ لانشغاله بنقلِ الصلاة على الهواء، فأنكرتُ عليه بعد الصلاة فِعلَته، فاعترضَ بعضُ المصلين بدعوى أن النصيحةَ تكون سراً، فما الحكمُ الشرعي في ذلك، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: من المعلوم أن صلاة الجمعة فرضٌ على كلِّ مكلفٍ بها لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة الجمعة الآية 9.

وصلاةُ الجمعة هي فرضُ الوقت يوم الجمعة، وليس صلاة الظهر كما يظن بعضُ الناس، فصلاةُ الجمعة هي الأصلُ وصلاةُ الظهر بدلٌ عنها. ولا يجوز للمسلم المكلف بصلاة الجمعة أن يتركها لغير عذرٍ شرعيٍ، وقد حذَّر الرسولُ صلى الله عليه وسلم تاركَ الجمعة لغير عذرٍ، وأن تاركها يطبعُ اللهُ على قلبه، فيصير قلبهُ قلبَ منافقٍ والعياذُ بالله، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة: (لقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ علَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَيَنتَهيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِمُ -تركهم-الجُمُعاتِ أو لَيختِمَنَّ اللهُ على قلوبِهم ثم لَيَكونُنَّ منَ الغافِلينَ) رواه مسلم. وهذا الحديث يدل على أن الجمعةَ فرضُ عينٍ كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم 2/463.

ولا شك أن تاركَ صلاةِ جمعةٍ واحدةٍ بغير عذرٍ فهو آثمٌ، وتاركٌ لفريضةِ من فرائض الله سبحانه وتعالى. ومن هذه الأحاديث يظهرُ لنا حرمةُ تركِ صلاةِ الجمعة، ولا يُعَدُّ العملُ وقت صلاة الجمعة عذراً لتركها، إلا في حالاتٍ خاصةٍ جداً، ولا يجوز للمسلم أن يشتغل في عمل يصدُّه عن أداءِ ما فرض الله عليه ولو أدى ذلك إلى تركه للعمل.

وبهذا يظهرُ لنا أن ما قام به الشخصُ المذكورُ في السؤال من المنكراتِ التي يجبُ إنكارُها، وليس عملهُ مجيزاً له تركَ صلاةِ الجمعة.

ثانياً: إن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض الغائبة في هذا الزمان إلا قليلاً، ومن المعلوم أن فريضةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائصِ الأُمةِ المسلمة، قال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} سورة آل عمران الآية 110.

والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر من أعظمِ مهامِ النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}سورة الأعراف الآية 157.

كما أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر من صفاتِ المؤمنين، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة الآية 71.

ويضافُ لما سبق أن القيامَ بفريضةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروطِ التمكين للأمة المسلمة، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} سورة الحج الآية 41.

وتركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر عند مجاهرةِ الفساق بالمنكراتِ، من أسبابِ هلاكِ الأمةِ المسلمة، فقد ورد في الحديث (أن زَيْنَبَ بنْتُ جَحْشٍ رضي الله عنها قالَت: يا رَسولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ؛ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ) رواه البخاري.

وقال أبو بكرٍ رضي الله عنه، بعد أن حمَِدَ اللهَ وأثنَى عليه: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكم تقرؤون هذه الآيةَ، وتضعونها على غيرِ موضعِها {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنَّا سمِعنا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ:

(إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا الظَّالمَ فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشكَ أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ، وإنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثمَّ يقدِرون على أن يُغيِّروا، ثمَّ لا يُغيِّروا إلَّا يوشِكُ أن يعُمَّهم اللهُ منه بعقابٍ) رواه أبو داود والترمذيُ وابنُ ماجه وصحَّحه العلامة الألباني في صحيح أبي داود.

وينبغي أن يُعلم أن فريضةَ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكرِ من مسؤوليةِ الجماعةِ المسلمة، كما أنها من مسؤوليةِ الأفراد، قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة آل عمران الآية 104.

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم. قال الإمام النووي في شرح الحديث:[ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيُغَيِّرْهُ فَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ الرَّافِضَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يُكْتَرَثُ بِخِلَافِهِمْ فِي هَذَا، فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْبُغَ هَؤُلَاءِ…ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ، أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا خَوْفٍ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ الا هو أو لا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، وَكَمَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي الْمَعْرُوفِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِكَوْنِهِ لَا يُفِيدُ فِي ظَنِّهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ] شرح النووي على مسلم 2/22-23.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مُرُوا بالمعروفِ وانْهَوا عن المنكرِ قبلَ أن تَدعوا فلا يُستجابَ لكم) رواه أحمد وابن ماجة، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب.

وعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم) رواه أحمد والترمذي، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب.

وعن العُرْسِ بْنُ عَمِيرَةَ الْكِنْدِي رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا-وَقَالَ مَرَّةً “أَنْكَرَهَا”- كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا) رواه أبو داود وهو حديثٌ حسنٌ كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود.

وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِي اللهُ عَنه قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يقولُ: (إنَّ اللَّهَ لَيسألُ العبدَ يومَ القيامَةِ، حتَّى يقولَ ما منعَكَ إذ رأيتَ المنكرَ أن تُنْكِرَهُ، فإذا لقَّنَ اللَّهُ عبدًا حجَّتَهُ، قالَ يا ربِّ رَجوتُكَ وفَرِقْتُ منَ النَّاسِ) رواه أبو داود وابن ماجه وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه.

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (الإسلامُ ثمانيةُ أَسهُمٍ: الإسلامُ سَهمٌ، والصَّلاةُ سَهمٌ، والزَّكاةُ سُهمٌ، وحَجُّ البَيتِ سَهمٌ، والصِّيامُ سَهمٌ، والأمرُ بالمعروفِ سَهمٌ، والنَّهيُ عنِ المُنكَرِ سَهمٌ، والجِهادُ في سَبيلِ اللهِ سَهمٌ، وقد خابَ مَن لا سَهمَ له) رواه البزار وصححه الحافظ ابن حجر العسقلاني.

وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: مَنْ ميتُ الأحياءِ؟ فقال: (الذي لا يعرفُ معروفاً ولا يُنكرُ مُنكراً) ذكره ابن تيمية في (الأمر بالمعروف) ص 18.

وقال أبو حامد الغزالي: [فإن الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طُوي بساطهُ وأُهمل علمهُ وعملهُ، لتعطلت النبوةُ واضمحلت الديانةُ وعمَّت الفترةُ وفشت الضلالةُ وشاعت الجهالةُ واستشرى الفسادُ واتسعَ الخَرقُ وخربت البلادُ وهلك العبادُ، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التنادِ] إحياء علوم الدين 2/306.

ثالثاً: إذا تقرر هذا فإن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها شروطٌ وآدابٌ لا يتسعُ المقامُ لتفصيلها، ولكن أذكرُ أمراً مهماً يتعلق بالسؤال، وهو علنيةُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكرِ، فقد قرر العلماءُ أن الأصلَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكونَ علنياً، ما دام أن الُمْنكرَ قد رُئِيَ من المُنكرِ وحصلَ أمامه، فالمنكراتُ الظاهرةُ بما فيها منكراتُ الحكامِ والمسؤولين وعامةِ الناسِ، يجبُ إنكارها ظاهراً وعلانيةً، ولا يصح قولُ مَنْ زعم أنه لا يجوزُ الإنكارُ على الحكام علانيةً، بل سراً فقط، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السابق: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)

وعَنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، قالَ: دَخَلَ المَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ أُمِّ الحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقالَ: انْظُرُوا إلى هذا الخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} رواه مسلم. قال الإمام النووي:[ هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَالْإِنْكَارَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إِذَا خَالَفُوا السُّنَّةَ، وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حسنةٌ} مع قوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ}وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَلُّوا كما رأيتموني أصلي). شرح النووي على صحيح مسلم 6/152.

وعن طارقِ بنِ شهابٍ، أنَّه قال: (أَوَّلُ مَن بَدَأَ بالخُطْبَةِ يَومَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوانُ. فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ، فقالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الخُطْبَةِ، فقالَ: قدْ تُرِكَ ما هُنالِكَ، فقالَ أبو سَعِيدٍ: أمَّا هذا فقَدْ قَضَى ما عليه سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه

وسلَّمَ يقولُ: (مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ) رواه مسلم.

وعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ أنه رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ -زاد أبو داود: وَهُوَ يَدْعُو فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ-فَقَالَ: (قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.

وكذلك حوادث الإنكار العلنية على الصحابة وغيرهم، كما حصل من الإنكار على عمر رضي الله عنه في لبسه الثوبين، ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين، وهي قصةٌ مشهورةٌ وليس لها سندٌ صحيحٌ.

وكذلك ما حصل من الإنكار على معاوية، فعنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لَا تَبِيعَ ذَلِكَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ) رواه مالك في الموطأ ورواه الشافعي وأحمد والنسائي والبيهقي. وقال الشيخ شعيب الأرناووط في تخريج شرح السنة: إسناده صحيح.

رابعاً: وأما النصيحة فهي مصطلحٌ شرعيٌ ورد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، ومن ذلك قولهُ تعالى حكايةً عن نوحٍ عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} سورة الأعراف الآيتان 61-62.

وقولهُ تعالى حكايةً عن هود عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} سورة الأعراف الآيتان 67-68.

وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ) رواه مسلم.

وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:(بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) رواه البخاري. وغير ذلك.

وقد اتفق العلماء على أن النصيحةَ واجبةٌ، قال ابن بطال: [النَّصِيحَة فرضٌ يُجزئ فيه مَنْ قام به، ويسقط عن الباقين.

وقال: والنَّصِيحَة لازمةٌ على قَدْرِ الطاقة إذا علم الناصحُ أنه يُقبل نصحه، ويُطاع أمره، وأمنَ على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذىً فهو في سَعَةٍ] شرح صحيح البخاري 1/129.

ومن ضوابط النصيحة أن لا يجهر الناصحُ بنصيحته، بل ينبغي أن يسرَّ بنصيحته للمنصوح له، فلا ينصحهُ أمام الملأ، قال الإمام الشافعي:

تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النَّصِيحَة في الجماعة

فإن النصحَ بين الناس نوع ٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه

وإن خالفتني وعصيتَ قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

وقال الإمام الشافعي أيضاً: [من وعظ أخاه سرًّا، فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً، فقد فضحه وشانه] ديوان الشافعي ص 74، إحياء علوم الدين 2/182.

وعن سليمان الخواص قال: [من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحةٌ، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن أبي الدنيا ص 99.

وقال ابن رجب الحنبلي: [كان السلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سرًّا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحةٌ، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبَّخه] جامع العلوم والحكم 1/224.

وقال ابن حزم الظاهري: (إذا نصحت فانصح سرًّا لا جهرًا، أو بتعريضٍ لا بتصريحٍ، إلا لمن لا يفهم، فلا بدَّ من التصريح له] رسائل ابن حزم ص 364. وانظر https://www.dorar.net/akhlaq

وبناءً على ما سبق فإنه ينبغي التفريقُ بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين النصيحة، فالأصلُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن

يكونَ علنياً، ما دام أن المنكرَ قد رُئِيَ من المُنكرِ وحصل أمامه، فالمنكراتُ الظاهرةُ بما فيها منكراتُ الحكام والمسؤولين وعامة الناس، يجبُ إنكارها ظاهراً وعلانيةً.

وأما النصيحة فالأصلُ فيها أن تكون سِرًّاً كما قرَّره العلماء كما سبق في كلام الشافعي وغيره من العلماء.

ولا يشترطُ في النصيحة أن تكون بما تراه من المنكرات، بل الأمرُ واسعٌ في ذلك، فلو سمعتَ أن فلاناً وقع في منكرٍ، أو شكى لك شخصٌ شكايةً عن آخر، أو بلغك أنه قد حصلت مشكلةٌ بين اثنين فتنصحهم بعد أن تتثبت وتسأل، وهكذا.

وخلاصة الأمر أن صلاةَ الجمعة فرضٌ على كلِّ مكلفٍ بها وهي فرضُ الوقت يوم الجمعة، وليس صلاة الظهر كما يظن بعضُ الناس، ولا يجوز للمسلم المكلف بصلاة الجمعة أن يتركها لغير عذرٍ شرعيٍ.

وأنه لا يُعَدُّ العملُ وقت صلاة الجمعة عذراً لتركها، إلا في حالاتٍ خاصةٍ جداً، ولا يجوز للمسلم أن يشتغل في عملٍ يصدُّه عن أداءِ ما فرض الله عليه ولو أدى ذلك إلى تركه للعمل.

وأن ما قام به الشخصُ المذكورُ في السؤال من المنكراتِ التي يجبُ إنكارُها، وليس عملهُ مجيزاً له تركَ صلاةِ الجمعة.

وأن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض الغائبة في هذا الزمان إلا قليلاً، ومن المعلوم أن فريضةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائصِ الأُمةِ المسلمة.

وأن الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر من أعظمِ مهامِ النبي صلى الله عليه وسلم.

وأنه من صفاتِ المؤمنين ومن شروطِ التمكين للأمة المسلمة.

وأن تركَ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر عند مجاهرةِ الفساق بالمنكراتِ، من أسبابِ هلاكِ الأمةِ المسلمة.

وأن فريضةَ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكرِ من مسؤوليةِ الجماعةِ المسلمة، كما أنها من مسؤوليةِ الأفراد.

وأن الأصلَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكونَ علنياً، ما دام أن الُمْنكرَ قد رُئِيَ من المُنكرِ وحصلَ أمامه، فالمنكراتُ الظاهرةُ بما فيها منكراتُ الحكامِ والمسؤولين وعامةِ الناسِ، يجبُ إنكارها ظاهراً وعلانيةً، ولا يصح قولُ مَنْ زعم أنه لا يجوزُ الإنكارُ على الحكام علانيةً، بل سراً فقط.

وأن النصيحةَ مصطلحٌ شرعيٌ ورد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية.

وأن العلماء قد اتفقوا على أن النصيحةَ واجبةٌ.

وأنه ينبغي التفريقُ بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين النصيحة، فالأصلُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكونَ علنياً، ما دام أن المنكرَ قد رُئِيَ من المُنكرِ وحصل أمامه، فالمنكراتُ الظاهرةُ بما فيها منكراتُ الحكام والمسؤولين وعامة الناس، يجبُ إنكارها ظاهراً وعلانيةً.

وأما النصيحة فالأصلُ فيها أن تكون سِرًّاً، قال الإمام الشافعي: [من وعظ أخاه سرًّا، فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً، فقد فضحه وشانه]

والله الهادي إلى سواء السبيل