maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

التديُّنُ الصحيحُ والتديُّنُ المغشوشُ

يقول السائل: كيف نفرقُ بين التدينِ الصحيحِ وبين التدينِ المغشوش، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: التديُّنُ الصحيحُ هو الذي يقوم على الفهم الشامل لدين الله عز وجل، والالتزام بتطبيقه في جميع شؤون الحياة، فالإسلام يمتاز بالشمول لكل مناحي الحياة، وينظم علاقة العبد بربه من خلال العبادات، وينظم علاقات الناس من خلال المعاملات والأحوال الشخصية والأحكام الجنائية، والأحكام القضائية والأحكام الدستورية والنظام الأخلاقي وغير ذلك.

والأصل أن حياة المسلم كلها في ظلال الإيمان كما قال تعالى: {قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} الآية 162،.

وصاحب التديّن الصحيح يفهم أن الله سبحانه خلق الجن والإنس ليعبدوه، ولا يُشركوا به شيئاً، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات الآية 56. وأن هذه الآية الكريمة تدل على مفهوم العبادة الصحيح في الشرع، وهو مفهومٌ واسعٌ شاملٌ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته القيمة العبودية:[ الْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ. فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ وَصِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالْمَمْلُوكِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَةِ-يَعْنِي الظَّاهِرَةَ- وَكَذَلِكَ حَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَتُهُ وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ وَالصَّبْرُ لِحُكْمِهِ وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالرَّجَاءُ لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْفُ لِعَذَابِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ هِيَ مِنَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ-يَعْنِي الْبَاطِنَةَ- وَجُمَّاعُ الْعِبَادَةِ كَمَالُ الْحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ] رسالة العبودية ص 38. وهذا الفهم النير للآية الكريمة يؤكد على أن العبادة بالإضافة لشمولها للشعائر التعبدية مثل الصلاة والصيام والحج والعمرة، تشمل الأعمال الصالحة التي يصلح بها الفرد ويصلح بها المجتمع في جميع جوانب الحياة.

وصاحب التديّن الصحيح يعرف أن الأصل المقرر عند الفقهاء في العبادات هو التوقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يثبت شيءٌ من العبادات إلا بدليلٍ من الشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وجماعُ الدين أصلان: أن لا يُعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}سورة الكهف الآية 110] رسالة العبودية ص 170-171.

فلا يكون التديّنُ صحيحاً إذا حصل انفصالٌ بين بين الإيمان والأخلاق والعمل، كما بين ذلك حديث جبريل عليه السلام المشهور، حين سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقد بين هذا الحديث الشريف شمولية الإسلام للشعائر والعقائد والأخلاق. وهذا يوجب على المسلم أن يأخذ الإسلام كله.

ثانياً: يقابل التدين الصحيح التدين المغشوش، وقد نسميه التدين اللقيط! وهذا التدين المغشوش له أنماطٌ ومظاهرُ كثيرةٌ عند كثيرين من الناس، ومن أخطرها: (1) الانفصالُ ما بين القول والعمل، فمن الناس من يعرف الأحكام الشرعية معرفةً نظريةً فقط، ولا يحول تلك المعرفة إلى ممارسةٍ عمليةٍ في الحياة، قال تعالى:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}سورة البقرة الآية 44. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} سورة الصف الآيتان 2-3. ويدخل في ذلك النفاق، فالمنافقون في زمن النبوة كانوا يلجؤون إلى التدين المغشوش لمآرب في أنفسهم، وقد أظهرت عوراتـهم آياتٌ كثيرةٌ منها قوله تعالى: {إذَا جَاءَكَ الْـمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْـمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} سورة المنافقون الآيات 1-3.

(2) ومن التدين المغشوش الاعتناءُ بالأحكام الشرعية الفرعية وخاصةً المتعلقة بالعبادات، مع إهمال الكليات والمقاصد الشرعية التي بُعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم لتحقيقها، فنرى هؤلاء يضخمون الفروع على حساب الأصول والأحكام الكلية، قال ابن الجوزي: [رأيت كثيراً من الناس يتحرزون

من رَشاشِ نجاسةٍ ولا يتحاشون من غيبةٍ، ويكثرون من الصدقة ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت، في أشياء يطول عددها من حفظ فروعٍ وتضييع أصولٍ، فبحثتُ عن سبب ذلك، فوجدته من شيئين: أحدهما العادة، والثاني غلبةُ الهوى في تحصيل المطلوب، فإنه قد يغلب فلا يترك سمعاً ولا بصراً…وفي الناس من يطيع في صغار الأمور دون كبارها، وفيما كلفته عليه خفيفةٌ أو معتادةٌ، وفيما لا ينقصُ شيئاً من عادته في مطعمٍ وملبسٍ…ونرى أقواماً يوسوسون في الطهارة ويستعملون الكثيرَ من الماء، ولا يتحاشون من غيبةٍ. وأقواماً يستعملون التأويلات الفاسدة في تحصيل أغراضهم مع علمهم أنها لا تجوز…وفي الناس من هذه الفنون عجائبُ يطول ذكرها.] صيد الخاطر 1/53.

وقال العلامة ابن القيم: [ولهذا تجدُ الرجلَ يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادةِ حريرٍ لحظةً واحدةً، ويطلقُ لسانه في الغيبة والنميمة، وكثيرٌ ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام] عدة الصابرين 1/56.

(3) ومن التدين المغشوش تدينُ علماءِ السلاطين، الذين يقفون مع الظلمة ويؤازرونهم، ويدافعون عن ظلمهم، ويصدرون الفتاوى التي تبررُ أعمالهم، ويغضون النظرَ عن جرائم الطغاة في حق الشعوب المسلمة من قتلٍ وتهجيرٍ وتشريدٍ وتعذيب في السجون، مع موالاةٍ ظاهرةٍ لأعداء الأمة!

ومن هذا التدين المغشوش ما يفعله مشايخُ السلطان في سوريا ومصر وغيرهما، وما يفعله المداخلةُ -صنيعة أجهزة الاستخبارات- في الخليج وليبيا، وأمثالهم. هؤلاء مشايخ السوء الذين وصفهم الله بالكلاب والحمير، هؤلاء المفترين على منهج السلف، أدعياء السلفية، وهؤلاء جميعاً يربطهم موقفٌ واحدٌ ألا وهو التزلفُ للطغاة وللظلمة، لذلك سخروا ظهورهم على القنوات الفضائية، لخدمة أسيادهم من المتسلطين على رقاب الأمة، الذين يسومونها سوء العذاب، هؤلاء الطغاة الذين يستأسدون على شعوبهم، فيسفكون الدماء ويسرقون الأموال ويسعون في الأرض فساداً، وفي ذات الوقت هم أرانبُ

خانعةٌ ذليلةٌ أمام أسيادهم سدنة الكفر في العالم. وقد سمعنا ورأينا من علماء السوء أولئك، ومن المستحمرين أقوالاً عجيبة غريبة، ومنها على سبيل المثال:

قال أحد الأفاكين مخاطباً سفاح الشام: اللهُ أقامك مقامَ خالد بن الوليد وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيوبي، وإن الله أقامك مقام أولئك العظماء الذين نصروا الأمة على أعدائها، فامض لما أقامك الله وتسلح بالعزم والإيمان.

ووصف دجالٌ أزهريٌ سفَّاحَينِ آخرين بأنهما رسولان من عند الله، مثلهما مثل موسى وهارون عليهما السلام. وشبه الدجال السابق نجاة طاغية من حادثةٍ، بنجاة نبي الله إبراهيم من النار!

وقالت عجوزٌ شمطاءُ تدَّعي الفقه: إن نساء الإخوان أخطر من اليهود، ولا يجوز الزواج منهن.

وأفتى أحد أفراخ الدجالين بتطليق الزوجة الإخوانية، باعتبارها قنبلةً موقوتةً في الأسرة.

وقال كبيرُ الدجاجلة من أدعياء السلفية: إن حصار غزة وإغلاق معبر رفح، فيه مصلحةٌ لأهل غزة وفلسطين!؟ وغير ذلك من قاذورات هؤلاء التي تزكم الأنوف، وتعافها عقول المؤمنين.

وهذا الكلام ينطبق على المؤسسات الدينية التي صارت ألعوبةً بأيدي الطغاة، يوجهونها لخدمتهم، ويستغلون مشايخها في عبوديتهم! هؤلاء السفلة الذين اتخذهم الطغاة والظلمة (جِزَماً بالعامية المصرية) ليخوضوا بها الأوحال والمستنقعات النتنة، ومن ثم يخلعونها ويرمونها، وهذا هو مصيرهم في الدنيا، وأما مصيرهم في الآخرة فلعله ينطبق عليهم ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ. فَقَدْ قِيلَ.ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ

أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ) رواه مسلم.

مشايخ السلطان أصحاب التدين المغشوش لا يتورعون عن القول على الله بغير حق ما دام هذا المسلك يرضي سادتهم الطغاة، يقول العلامة ابن القيم: [كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب -سبحانه- كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولاسيما أهل الرئاسة، والذين يتبعون الشبهات، فإنهم لا تتمُّ لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرئاسة، متبعين للشهوات، لم يتم لهم ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولاسيما إذا قامت له شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به، ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته، وقال: لي مخرج بالتوبة] الفوائد ص 145.

وقال ابن القيم أيضاً: [علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون الناس إليها بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا؛ قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاعُ طرق ] الفوائد ص 61.

(4) ومن التدين المغشوش ما يفعله القُصَّاص الجُدد الذين أبرزتهم وشهرتهم القنوات الفضائحية، هؤلاء الذين يحدثون الناس بالغرائب والأباطيل والأكاذيب، ويستميلون قلوب العامة إليهم بذلك، ومعلومٌ أن العامة في كل عصر مولعون بالغريب ويعجبون بالخرافة ويستمتعون بالعجائب، قال ابن قتيبة: [القصاص فإنهم يميلون وجه العوام إليهم ويشيدون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث، ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن نظر المعقول أو كان رقيـقاً يـحـزن القلب] تأويل مختلف الحديث ص357 .

(5)ومن مظاهر التدين المغشوش أن أصحابه وخاصةً الحكام الطغاة يتفاخرون ببناء المساجد الضخمة والفخمة التي تكلف الملايين، كما هو مشاهدُ في بعض عواصم بلاد المسلمين، ثم تصبح هذه المساجد أشبه بالمتاحف يزورها السياح من غير المسلمين، وحالها كحالِ مسجد الضرار، الذي قَصَّ

علينا القرآن الكريم خبرَ المنافقين الذين قاموا ببنائه، وعلى رأسهم أبو عامر الراهب, وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرفٌ في الخزرج كبير، وكان الهدف الحقيقي لبناء مسجد الضرار هو الكيد للإسلام والمسلمين، ففضحهم الله تعالى وسمَّاه مسجد الضرار، ونهى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه، قال تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة الآيات 107-110 .

قال الشيخ علي القاري: [ومن هذا القبيل عملُ الظلمة من جمع مال الحرام، وصرفه في بناء المساجد، والمدارس، وإطعام الطعام ] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 14/284.

ومن مظاهر التدين المغشوش للحكام تسابقهم لإقامةِ مسابقات تحفيظ القرآن الكريم، وتخصيصهم للجوائز الكبيرة لذلك، وتسابقهم إلى طباعةِ المصاحف وتوزيعها، مع العلم أنهم محاربون لكتاب الله ومعطلون لأحكامه ومقترفون لكل المنكرات التي نهى القرآنُ الكريمُ عنها!؟

(6) ومن مظاهر التدين المغشوش ما يفعله كثيرون من العبادة الموسمية، كما هو مشاهدٌ من عبَّاد رمضان الذين يصومون ويصلون في رمضان فقط، ولا شكَّ أن إقبالَ الناس على الصلاة والصيام وقراءة القرآن وارتياد المساجد في رمضان يشيرُ إلى جوانب إيجابية في حياة الناس وإلى تعظيمهم لشهر مضان، ولكنه يشير في الوقت ذاته إلى خللٍ في حقيقة تصور هؤلاء الناس لعبادة الله سبحانه وتعالى، فمفهوم العبادة في الشرع مفهوم واسع شامل كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. كما أن المفهوم الحقيقي لعبادة الله يتسم بطابع الاستمرارية وعدم الانقطاع فعبادة الله ينبغي أن تكون مستمرة ومتصلة طوال الوقت وعلى مدار الأيام وعبادة الله سبحانه وتعالى ليست موسمية في رمضان فقط وإنما في كل شهور العام فرب رمضان هو رب شوال وشـعبا،

والله سبحانه وتعالى يقول :{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} سورة الحجر الآية 98، أي استمر على عبادة الله حتى يأتيك الموت.

ومن هذا التدين المغشوش احتفالُ الطغاةِ ببعض المناسبات الدينية؟ كالإسراء والمعراج والهجرة النبوية والمولد النبوي وغيرها، وقصدهم استغفال شعوبهم، وظهورهم بمظهر المتدينين، وهؤلاء ينطبقُ عليه قولُ الشاعر أحمد شوقي:

مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَوماً أَنَّ لِلثَعلَبِ ديناً

وغير ذلك من مظاهر التدين المغشوش.

ثالثاً: تكمن خطورة التدين المغشوش أنه يقوم على الغش والكذب والمخادعة، وكلُّ ذلك منافٍ لأحكام الشريعة، فقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الغش فقال: (مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم:( مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنِّا).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنِّا والمَكرُ والخداعُ في النَّارِ) رواه ابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني، إرواء الغليل 5/164.

وتكمن خطورة التدين المغشوش أيضاً أنه يقوم على الازدواجية في شخصية صاحبه، وقد ورد التحذيرُ من ذلك في كتاب الله عز وجل وفي السنة النبوية، كما في قوله تعالى:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} وفي قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ أي فُلاَنُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ) رواه البخاري.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم:(مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْل فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري.

ويخشى أن ينطبق على أصحاب التدين المغشوش قولُ الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} سورة الكهف الآيتان 103-104.

وقد ورد عن الصحابة والتابعين التحذير من التدين المغشوش، فقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً في السوق يحملُ تمرةً وينادي عليها صارخاً: لقد وجدت تمرةً فمن صاحبها ؟ولما رأى عمر أنه يفعل ذلك تظاهراً بالورع, علاه بالدرة وقال له: دعك من هذا الورع الكاذب!

وجاء رجل من أهل العراق إلى ابن عمر رضي الله عنه وقت الحج يسأله عن بعوضةٍ قتلها، فهل عليه دمٌ أم لا؟! فقال ابن عمر: سبحان الله، يا أهل العراق تقتلون ابن رسول الله – الحسين بن علي- وتسألون عن دم البعوض!

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: أستعيذ بالله من خشوع النفاق، أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشعٍ.

وقال سفيان الثوري: سيأتي أقوامٌ يخشعون رياءً وسمعةً، وهم كالذئاب الضواري، غايتهم الدنيا، وجمع الدراهم من الحلال والحرام.

وجاء رجلٌ زنى بامرأةٍ إلى الإمام أحمد بن حنبل يسأله عن ابنه من الزنا، فقال له: لماذا لم تعزل، فقال الرجل: بلغني أن العزل مكروه، فقال أحمد: أو لم يبلغك أن الزنا حرام؟! وغير ذلك.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الشيخ محمد الغزالي العالم المصري المعروف، كان من أكثر المعاصرين تحذيراً من التدين المغشوش حيث قال:[ وفى تجاربي ما يجعلني أشمئز من التدين المغشوش، وأصيح دائماً أحذِّر عُقْباه إن المنحرفين يسترون ـ بركعاتٍ ينقرونها ـ فتوقاً هائلةً في بنائهم الخلقي وصلاحيتهم النفسية، وهم لا يظنون بالناس إلا الشر، ويتربصون بهم العقاب لا المتاب، وهم يسمعون أن شُعَب الإيمان سبعون شعبةً، بيد أنهم لا يعرفون فيها رأساً من ذنب، ولا فريضةً من نافلةٍ، والتطبيقُ الذى يعرفون، هو وحده

الذى يُقرون، إفراطٌ وتفريطٌ، والخلاف الفقهي لا يوهي بين المؤمنين أُخوّة، ولا يُحدث وقيعةً! وهؤلاء يجعلون من الحبة قبةً، ومن الخلاف الفرعي أزمةً، والخلافُ إذا نشب يكون لأسبابٍ علميةٍ وجيهةٍ، وهؤلاء تكمن وراء خلافاتهم عللٌ تستحق الكشف!] من كتاب “مشكلات في طريق الحياة الإسلامية”

وخلاصة الأمر أن التديُّنُ الصحيحُ هو الذي يقوم على الفهم الشامل لدين الله عز وجل، والالتزام بتطبيقه في جميع شؤون الحياة.

وأن التديّنَ لا يكون صحيحاً إذا حصل انفصالٌ بين بين الإيمان والأخلاق والعمل.

وأن التدين الصحيح يقابله التدين المغشوش، وقد نسميه التدين اللقيط! وهذا التدين المغشوش له أنماطٌ ومظاهرُ كثيرةٌ عند كثيرين من الناس.

وأن من أخطر مظاهر التدين المغشوش الاعتناءُ بالأحكام الشرعية الفرعية وخاصةً المتعلقة بالعبادات، مع إهمال الكليات والمقاصد الشرعية التي بُعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم لتحقيقها، فنرى هؤلاء يضخمون الفروع على حساب الأصول والأحكام الكلية.

وأن من التدين المغشوش تدينُ علماءِ السلاطين، الذين يقفون مع الظلمة ويؤازرونهم، ويدافعون عن ظلمهم، ويصدرون الفتاوى التي تبررُ أعمالهم، ويغضون النظرَ عن جرائم الطغاة في حق الشعوب المسلمة من قتلٍ وتهجيرٍ وتشريدٍ وتعذيب في السجون.

وأن من التدين المغشوش ما يفعله القُصَّاص الجُدد الذين أبرزتهم وشهرتهم القنوات الفضائحية، هؤلاء الذين يحدثون الناس بالغرائب والأباطيل والأكاذيب.

وأن من مظاهر التدين المغشوش أن أصحابه وخاصةً الحكام الطغاة يتفاخرون ببناء المساجد الضخمة والفخمة التي تكلف الملايين، كما هو مشاهدُ في بعض عواصم بلاد المسلمين، ثم تصبح هذه المساجد أشبه بالمتاحف يزورها السياح من غير المسلمين، وحالها كحالِ مسجد الضرار.

وأن من مظاهر التدين المغشوش للحكام تسابقهم لإقامةِ مسابقات تحفيظ القرآن الكريم، وتخصيصهم للجوائز الكبيرة لذلك، وتسابقهم إلى طباعةِ المصاحف وتوزيعها، مع العلم أنهم محاربون لكتاب الله ومعطلون لأحكامه ومقترفون لكل المنكرات التي نهى القرآنُ الكريمُ عنها!؟

وأن من مظاهر التدين المغشوش ما يفعله كثيرون من العبادة الموسمية وأن المفهوم الحقيقي لعبادة الله يتسم بطابع الاستمرارية وعدم الانقطاع.

وأن خطورة التدين المغشوش تكمن في أنه يقوم على الغش والكذب والمخادعة، وكلُّ ذلك منافٍ لأحكام الشريعة.

وأن خطورة التدين المغشوش تكمن أيضاً في أنه يقوم على الازدواجية في شخصية صاحبه، وقد ورد التحذيرُ من ذلك في كتاب الله عز وجل وفي السنة النبوية وورد عن الصحابة والتابعين التحذير من التدين المغشوش.

وختاماً نسأل الله عز وجل أن نكون من أهل التدين الصحيح وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل كما قال الله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء}

والله الهادي إلى سواء السبيل