الْكِتَابُ وَالسُّلْطَانُ سَيَفْتَرِقَانِ

يقول السائل: ما صحة حديث “الْكِتَابُ وَالسُّلْطَانُ سَيَفْتَرِقَانِ” وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث” سَيكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ ” أفيدونا؟

الجواب:أولاً: ورد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (خُذُوا الْعَطَاءَ مَا دَامَ عَطَاءً ، فَإِذَا صَارَ رِشْوَةً عَلَى الدِّينِ فَلَا تَأْخُذُوهُ ، وَلَسْتُمْ بِتَارِكِيهِ يَمْنَعُكُمُ الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ ، أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ ، أَلَا إِنَّهُ سَيكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ ؟ قَالَ: ” كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرِ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ) رواه الطبراني وأبو نعيم في حلية الأولياء، والخطيب في تاريخ بغداد، قال الهيثمي: يزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعةٌ، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد 5/238.

[والحاصل: أن الحديث من حيث الصنعة الحديثية في سنده ضعف، وقد ضعفه أيضاً الشيخ الألباني في ” تخريج أحاديث مشكلة الفقر ” ص 11. ولكن ضعفه ليس شديداً، والمعاني التي تضمنها الحديث في مجملها صحيحةٌ، حيث تدور على التحذير من أُعطيات السلطان إذا كان يُراد بها شراء الذمم لقول ما لا يُرضي الله، والتوصية بكتاب الله والتمسك به، وأنه سيكون أمراء ينحرفون عن منهج الله، فالحذر الحذر من متابعتهم والسير في ركبهم، وكل هذا ثابتٌ بنصوص أخرى صحيحة ، ففي صحيح مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: (لَا، مَا صَلَّوْا).

قال النووي: [(وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ) مَعْنَاهُ: ولَكِنَّ الْإِثْمَ وَالْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ لَا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما

يأثم بالرضى به أو بأن لا يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ] شرح النووي على صحيح مسلم 12/243. موقع الإسلام سؤال وجواب.

ثانياً: وقد اشتمل الحديثُ على معانٍ مهمةٍ أكدتها أدلةٌ ثابتةٌ من السنة النبوية، ومنها النهي عن الرشوة، حيث ورد في الحديث الصحيح لعْنُ الراشي والمرتشي، واللعنُ من علامات الكبائر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه (أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعنَ الراشي والمرتشي) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/261. وتعتبر الرشوة من السحت، كما قال تعالى:{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}سورة المائدة الآية 42. وقال الله تعالى:{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}سورة المائدة الآية 62. وقال تعالى:{لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} سورة المائدة الآية 63. قال أهل التفسير في قوله تعالى:{أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}أي الحرام وسمي المال الحرام سحتاً، لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي 6/183. قال الحافظ ابن عبد البر:[وفيه دليلٌ على أن كل ما أخذه الحاكم والشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة بالحق سحت، وكلُ رشوة سحت، وكل سحت حرام، ولا يحل لمسلمٍ أكله، وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. وقال جماعة من أهل التفسير في قول الله عز وجل:{أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قالوا: السحت الرشوة في الحكم، ومن السحت كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك 8/223.

ومن معاني الحديث أيضاً: أن الإسلام سيستمر في هذه الدنيا، وأن الصراع بين الحق والباطل مستمر، ويوصينا النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بالقرآن الكريم، وأن السلطان سيفترق عن القرآن، ويوصينا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتمسك بالقرآن وندور معه، وقد تحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من انفصال السياسة عن الدِّين كما هو مشاهدٌ في عالمنا العربي والإسلامي، حيث سيطرت المفاهيم الغربية من فصل الدِّين عن الدولة، وأصبحت المطالبة بعودة الإسلام إلى سدة الحكم من المحرمات عند طواغيت هذا الزمان.

ومن معاني الحديث أيضاً: بيان حال حكام المسلمين حيث انحرفوا عن الإسلام انحرافاً شديداً، بل حاربوا شرع الله عز وجل وأفسدوا في الأرض أيما إفساد! وحال حكام المسلمين اليوم، وما صنعوه في أمة الإسلام فيه دلالةٌ واضحةٌ على صدق ما

أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم :(إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ). ومن أحوال هؤلاء الحكام ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: (أَلَا إِنَّهُ سَيكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ) والناظرُ في واقع الحكام اليوم يجدُ مصداق الخبر النبوي، فحكامُ اليوم حولوا بلاد المسلمين إلى ممتلكات شخصية لهم، فهم يقضون لأنفسهم ولعائلاتهم ولحاشيتهم ولأعوانهم ما لا يقضون لشعوبهم من المسلمين.

إن هؤلاء الحكام وأنظمتهم هم المسؤولون عن المصائب التي حلَّت بأمة الإسلام بجميع أشكالها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

وإذا نظرت إلى دويلات المسلمين ترى القتل والتدمير والتشريد والخراب والتخلف والفقر، كما هو الحال في اليمن وسوريا والعراق وفلسطين وليبيا وغيرها.

ثالثاً: ومن أوضح ما يقوم به الحكام حيث ” يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ” ما يتعلق بإدارتهم لثروات الأمة وخيراتها وأموالها، حيث أصبحت دول المسلمين من أكثر الدول فقراً كما هو ثابت في التقارير والإحصائيات الدولية، كما في التقرير العالمي حول التنمية البشرية الذي يعده برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية PNUD ، حيث ذكر على عدة سنوات أن معظم الدول العربية تحتل مراتب متأخرة في التنمية البشرية، وذكرت تقارير دولية ومحلية ارتفاع نسبة الفقر في بلدان المسلمين، على الرغم من الثروات الطائلة فيها، فأين تذهب المليارات؟ إن من يتابع ما تنشره وسائل الإعلام الأجنبية عن ثروات الحكام يصاب بالذهول من تلك الأرقام، حتى في الدول الفقيرة كاليمن مثلاً، حيث نهب الحاكم المخلوع مليارات كانت كفيلةً بإخراج الشعب اليمني من فقره. وزاد الطين بلة الحرب في اليمن والتي أُنفقت عليها مليارات كثيرة، دون أن يستطيع أحدٌ مسائلة الحكام عن ذلك!

وما يقال عن اليمن وحربها يقال عن عددٍ كبيرٍ من دول المسلمين وأحوالها، كحرب العراق وإيران وما أنفق فيها! وغزو الكويت وتحريرها وما أنفق فيها! والحرب في سوريا وما أنفق فيها، والحرب في ليبيا وما أنفق فيها! وغير ذلك.

وهذا كله يؤكد لنا دور الطبقة الحاكمة في إفقار الشعوب المسلمة، من خلال تلك الحروب، ومن خلال الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة، وقد ذكرت تقارير دولية أن ست دول عربية ضمن قائمة العشر دول الأكثر فساداً في العالم؟!

وأذكر مثالاً واحداً على ذلك، فقد قال الرئيس العراقي برهم صالح، إن بلاده خسرت ألف مليار دولار منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 بسبب “استشراء الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة ] https://arabic.rt.com

وكذلك إذا نظرت إلى حجم المديونيات في دول المسلمين فستصاب بالذهول من ضخامة الأرقام، فقد نشرت مجلة الايكونوميست البريطانية قبل مدةٍ أن مديونة خمس عشرة دولة عربية يقارب 650 بليون دولار.

وكذلك إذا قرأنا التقارير الدولية والمحلية عن مستوى الفقر في بلدان المسلمين تجد المآسي الكبيرة، فنسبة الفقر في الدول العربية تزيد على 30% من السكان.

وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من نصف سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر.

وتوقعت وزارة التنمية الاجتماعية في فلسطين أن تصل نسبة الفقر إلى 50%.

وقطاع غزة هو الأشد فقراً في فلسطين حيث إن 85% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي والعربي والاعتداءات الإسرائيلية!

وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من نصف سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر.

وحسب تقرير البنك الدولي فإن 48% من سكان اليمن تحت خط الفقر. وغير ذلك كثير.

إن مشكلة الفقر في بلاد المسلمين ليست نتاج نقص في الثروات والمصادر الطبيعية، بل هي في حقيقتها من نهب الأموال والتصرف فيها بدون أي نوع من المحاسبة، فمن أهم أسباب انتشار الفقر في بلاد المسلمين هو نهب الأموال وإهدارها من الطبقة الحاكمة الفاسدة، وتحويل المليارات إلى بنوك الغرب، والإنفاق الهائل على صفقات الأسلحة التي لا يستفاد منها وتتحول مع مرور الزمن إلى خردة!

[وإن غياب العدالة في توزيع الثروات من أكبر أسباب شيوع الفقر في المنطقة العربية غياب عدالة توزيع الثروة، سواء في الدول النفطية أو غير النفطية، فلا تعرف الدول العربية سياسة التقارب بين الطبقات في الدخل، أو العمل على اتساع شريحة الطبقة المتوسطة، باعتبارها صلب النسيج الاجتماعي في أي مجتمع.

كما لا تعرف الدول العربية وجود سياسات للأجور العادلة، أو الحماية الاجتماعية للعمال، أو ارتباط الأجور بالأسعار، واستيفاء العمال حقوقهم في حياةٍ كريمةٍ، وفق ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ لذلك تسود سوق العمل غير الرسمية في البلدان العربية، ويترتب عليها المزيد من انتشار الفقر.] https://www.aljazeera.net/ebusinessAA

وخلاصة الأمر أن الحديث محلُّ السؤال من حيث الصنعة الحديثية في سنده ضعف، ولكن ضعفه ليس شديداً، والمعاني التي تضمنها الحديث في مجملها صحيحةٌ، حيث تدور على التحذير من أُعطيات السلطان إذا كان يُراد بها شراء الذمم لقول ما لا يُرضي الله، والتوصية بكتاب الله والتمسك به، وأنه سيكون أمراءُ ينحرفون عن منهج الله، فالحذر الحذر من متابعتهم والسير في ركبهم، وكل هذا ثابتٌ بنصوصٍ أخرى صحيحة.

وأن الحديث قد اشتمل على معانٍ مهمةٍ أكدتها أدلةٌ ثابتةٌ من السنة النبوية، ومنها النهي عن الرشوة.

وأن الإسلام سيستمر في هذه الدنيا، ويوصينا النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بالقرآن الكريم، وأن السلطان سيفترق عن القرآن، ويوصينا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتمسك بالقرآن وندور معه حيثما دار.

وأن الناظرَ في واقع الحكام اليوم يجدُ مصداق الخبر النبوي، فحكامُ اليوم حولوا بلاد المسلمين إلى ممتلكات شخصية لهم، فهم يقضون لأنفسهم ولعائلاتهم ولحاشيتهم ولأعوانهم ما لا يقضون لشعوبهم من المسلمين.

وأن هؤلاء الحكام وأنظمتهم هم المسؤولون عن المصائب التي حلَّت بأمة الإسلام بجميع أشكالها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

وأن من أوضح ما يقوم به الحكام ما يتعلق بإدارتهم لثروات الأمة وخيراتها وأموالها، حيث أصبحت دول المسلمين من أكثر الدول فقراً كما هو ثابت في التقارير والإحصائيات الدولية.

وأن مشكلة الفقر في بلاد المسلمين ليست نتاج نقصٍ في الثروات والمصادر الطبيعية، بل هي في حقيقتها من نهب الأموال والتصرف فيها بدون أي نوع من المحاسبة، فمن أهم أسباب انتشار الفقر في بلاد المسلمين هو نهب الأموال وإهدارها من الطبقة الحاكمة الفاسدة، وتحويل المليارات إلى بنوك الغرب، والإنفاق الهائل على صفقات الأسلحة التي لا يستفاد منها وتتحول مع مرور الزمن إلى خردة!

وأن غياب العدالة في توزيع الثروات من أكبر أسباب شيوع الفقر في المنطقة العربية.

وأن كل ما سبق يؤكد دور الطبقة الحاكمة في إفقار الشعوب المسلمة، من خلال إشعال الحروب في دولهم، ومن خلال الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة.

والله الهادي إلى سواء السبيل