فقهُ حديثِ (مَنْ صَلَّى الفَجرَ في جَماعةٍ، ثمَّ قعَدَ يَذكُرُ اللهَ تَعالى حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، ثمَّ صَلَّى رَكعَتينِ)

يقول السائل: ما صحةُ هذا الحديث: (مَنْ صَلَّى الفَجرَ في جَماعةٍ، ثمَّ قعَدَ يَذكُرُ اللهَ تَعالى حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، ثمَّ صَلَّى رَكعَتينِ، كانتْ كأجْرِ حَجَّةٍ وعُمرةٍ، تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ) وهل يدخل في جملته المرأة التي صلّت في منزلها منفردةً ثم جلست تذكرُ اللهَ حتى طلوعِ الشمس، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ ) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. ورواه الأصبهاني في الترغيب، والطبراني في المعجم الكبير وحسنه العلامةُ الألباني في السلسة الصحيحة وفصَّل الكلام عليه، حديث رقم 3403.

وقد ذكر الإمامُ المنذري في الترغيب والترهيب طائفةً من الأحاديث التي تشهدُ للحديث السابق أذكرها من صحيح الترغيب للعلامة الألباني: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ: أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ: أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً) رواه أبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني وحسنه العلامة الألباني.

وأخرج أحمد في مسنده: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَأَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ أُكَبِّرُ وَأُهَلِّلُ وَأُسَبِّحُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَذْكُرَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ: أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وقال العلامة الألباني: حسن لغيره.

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلَّى صلاةَ الغداةِ في جماعةٍ، ثم جلس يذكرُ اللهَ حتى تطلعَ الشمسُ، ثم قام فصلَّى ركعتَين، انقلب بأجرِ حجَّةٍ و عمرةٍ) رواه الطبراني وإسناده جيد، وقال العلامة الألباني حسن صحيح.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( مَن صلَّى الصُّبحَ ثمَّ جلَس في مجلِسه حتَّى تُمكِنَه الصَّلاةُ كانت بمنزلةِ عُمرةٍ وحَجَّةٍ متقبلتين) رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات إلا الفضل بن الموفق ففيه كلام، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره.

وعن عبد الله بن غابر أن أبا أمامة وعتبة بن عبدٍ رضي الله عنهما حدثاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( مَن صلَّى صلاةَ الصُّبحِ في جماعةٍ ثُمَّ ثَبتَ حتَّى يسبِّحَ للَّهِ سُبحةَ الضُّحَى كانَ لَهُ كأجرِ حاجٍّ ومعتَمِرٍ، تامٌّ لَهُ حجُّهُ وعمرتُهُ) رواه الطبراني وبعض رواته مختلف فيه وللحديث شواهد كثيرة، وقال العلامة الألباني حسن لغيره. ورواه البزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه، وقال العلامة الألباني: حسن صحيح.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ) رواه مسلم، ورواه الطبراني ولفظه: (كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس).

ورواه ابن خزيمة في صحيحه ولفظه: عن سماك أنه سأل جابر بن سمرة( كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا صلى الصبح؟ قال: كان يقعد في مصلاه إذا صلى الصبح حتى تطلع الشمس) صحيح الترغيب 1/318-320.

وبناءً على ما سبق فإن الحديث محلّ السؤال له طرقٌ متعددة لا بأس بها فيعتبر بذلك من باب الحسن لغيره وحسنه جماعةٌ من المحدثين.

ثانياً: ذكر العلماءُ بعض المسائل من فقه الحديث السابق منها:

(1) فضل صلاة الفجر جماعة في المسجد، وفيه أحاديثُ كثيرةٌ منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَماعَةٍ فكأنما صَلَّى الليلَ كُلَّهُ) رواه مسلم.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن صَلَّى الصُّبْحَ فَهو في ذِمَّةِ اللهِ، فلا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِن ذِمَّتِهِ بشيءٍ فيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ في نَارِ جَهَنَّمَ) رواه مسلم.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (أنَّ من صلَّى الفجرَ في جماعةٍ فكأنما صلَّى الليلَ كُلَّه: قال صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَماعَةٍ فكأنما صَلَّى الليلَ كُلَّهُ) رواه مسلم.

وفي الحديث أيضاً فضلُ الجلوس للذكر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس مع الاشتغال بذكر الله تعالى، ومقدار الأجر العظيم، فقوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله) بتلاوة القرآن أو مدارسة العلم الشرعي أو الذكر إلى وقت شروق الشمس، ثم بعد ذلك صلى ركعتي الضحى بعد الشروق بوقت يسير كان له هذا الأجر العظيم.

(2) تدخل المرأة التي صلّت في المسجد ثم جلست تذكر الله حتى طلوع الشمس ثم صلت ركعتين بعد ارتفاع الشمس قليلاً، فهذا الخير العظيم يثبت لها كالرجل، لأن الأصل العموم في الأحكام.

وأما إذا صلت المرأة منفردةً في منزلها فلها الأجر والثواب، وظاهر الحديث أن ذلك الأجر خاصٌ بمن صلى في المسجد.

وسئل فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز: من أقوال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَلَّى الفَجرَ في جَماعةٍ، ثمَّ قعَدَ يَذكُرُ اللهَ تَعالى حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، ثمَّ صَلَّى رَكعَتينِ، كانتْ كأجْرِ حَجَّةٍ وعُمرةٍ، تامَّةٍ تامَّةٍ تامَّةٍ) نعرف أن هذا الحديث يخص الرجال لأنهم يجتمعون في المساجد، فماذا على النساء في هذا الحديث؟ فأجاب بقوله: [ تبقى في مصلاها حتى تطلع الشمس، تفعل هذا وتستعين بذكر الله أو بقراءة القرآن، أو التسبيح والتهليل، فإذا طلعت الشمس صلت ركعتين حتى يعمها الحديث] فتاوى نور على الدرب.

(3) قوله صلى الله عليه وسلم (ثمَّ قعَدَ يَذكُرُ اللهَ تَعالى حتى تَطلُعَ الشَّمسُ) أي في المسجد ولو في أي بقعةٍ منه، وسئل فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد: قوله:(في مصلاه الذي صلى فيه) هل المراد البقعة التي صلى فيها أو عموم المسجد؟

فأجاب: [ لا شك أن الإنسان إذا كان في المكان الذي صلى فيه فالأمر في ذلك واضح ليس فيه أي إشكال، وإنما الإشكال فيما إذا قام منه إلى مكان آخر، وما دام أنه موجود في المسجد فلا شك أنه على خير، فمن كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة والملائكة تدعو له، ولو أنه خرج لتجديد الوضوء فهذا من الأمور الضرورية التي لابد منها، ولا يعني ذلك أنه يعدم الأجر، أو أن الملائكة لا تصلي عليه؛ لأن الحاجة طرأت عليه فخرج، والخير حصل له قبل أن يذهب، كما جاء في الحديث: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس) الحديث، يعني: لو أن الإنسان قام ليحضر درساً أو قام من مكانه ليستند على عمود، فإن حضور الدرس لا يدخل في الحديث، وإن جلس في المصلى يذكر الله، وحديث: (من جلس بعد الفجر) فالذي يبدو أنه من جلس ليذكر الله أو يقرأ القرآن، أما كونه يحضر درساً فيبدو أنه يختلف عما جاء في الحديث، لكن الكل على خيرٍ بلا شك] شرح سنن أبي داود.

ثالثاً: لو خرج مصلي الفجر من المسجد لأمرٍ ضروري كأن يخرج للوضوء ثم يعود للمسجد فهل له الأجر؟

ورد في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: إذا كان الإنسان في مصلاه يذكر الله بعد الفجر حتى الشروق ليصلي الضحى ولكنه أحدث وذهب للوضوء، هل يعتبر هنا خرج من المسجد وليس له أجر الحجة والعمرة إذا رجع وصلى الضحى كما في الحديث؟

الجواب: من جلس في مصلاه بعد أداء صلاة الفجر يذكر الله حتى طلعت الشمس ثم أحدث، فخرج من المسجد ليتوضأ ثم رجع بعد وضوئه لمصلاه من قريبٍ ولم يطل مكثه خارج المسجد، فصلى ركعتين بعد ارتفاع الشمس قدر رمحٍ، فإن خروجه ذلك لا يؤثر ولا يمنع من حصوله على الثواب العظيم المترتب على تلك العبادة إن شاء الله تعالى، وهو إدراك حجةٍ وعمرةٍ تامتين والفوز بجنته، ويدل لذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له أجر حجة وعمرة) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تامة تامة تامة»]

(4) قوله صلى الله عليه وسلم (ثمَّ صَلَّى رَكعَتينِ) هما ركعتا الضحى، وهي صلاة الإشراق وسميت كذلك لكونها تُفعل عقب شروق الشمس وارتفاعها في أول وقتها، ويدخل وقت صلاة الضحى من طلوع الشمس وارتفاعها إلى قبيل وقت صلاة الظهر. وقدَّره الشيخ العثيمين بأنه بعد شروق الشمس بربع ساعة إلى قبيل صلاة الظهر بعشر دقائق. الشرح الممتع 4/122.

وأفضل صلاة الضحى بعد اشتداد حرِّ الشمس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صَلَاةُ الأوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ) رواه مسلم. والفصال هي أولاد الإبل، قال الإمام النووي: [قوله صلى الله عليه وسلم: (صَلَاةُ الأوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ) هو بفتح التاء والميم, والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس, أي حين تحترق أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل -جمع فصيل- من شدة حرِّ الرمل فترفع أخفافها وتضعها من حرارة الأرض. والأواب: المطيع, وقيل: الراجع إلى الطاعة. وفي الحديث: فضيلة الصلاة هذا الوقت…وهو أفضل وقت صلاة الضحى, وإن كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال. شرح صحيح مسلم.

وليس شرطاً أن يصليه المرءُ الركعتين في المسجد، فلو صلاهما في بيته حصل له الأجر. ولا يشترط أيضاً أن يصليهما بعد ارتفاع الشمس مباشرةً، فلو صلاهما في وقت الضحى السابق جاز.

(5) قوله صلى الله عليه وسلم (كَانَت لهُ كَأجرِ حَجَّةٍ وّعُمرَةٍ تَامَّةٍ تامَّةٍ تامةٍ) فمن لم يستطع الحج ولا العمرة، فهذا الحديث يفتح أمامه باباً من أبواب الخير، فيصلي الصبح في جماعة ثم يجلس يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثُمَّ يصلّي ركعّتينِ، فإنه ينال أجرِ حَجَّةٍ وّعُمرَةٍ تَامَّةٍ تامَّةٍ تامةٍ، إن شاء الله تعالى.

وخلاصة الأمر أن قَولَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ،

تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) حديثٌ حسنٌ له طرقٌ متعددة لا بأس بها وقد حسنه عددٌ من المحدثين.

وأن في هذا الحديث فضائل عديدة كفضل صلاة الفجر جماعةً في المسجد، وفضلِ الجلوس للذكر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس مع الاشتغال بذكر الله تعالى، وفيه مقدار الأجر العظيم لذلك، وهو أجرِ حَجَّةٍ وّعُمرَةٍ تَامَّةٍ تامَّةٍ تامةٍ.

وأنه ينبغي للمسلم المحافظة على هذه الفضائل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل