إجراءُ فحصِ “كورونا” وأخذُ لقاح “كورونا” في نهار رمضان لا يُفسدان الصومَ

يقول السائل: هل إجراء فحص “كورونا” وأخذ لقاح “كورونا” في نهار رمضان يُفسدان الصومَ أم لا، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: الراجح من أقوال أهل العلم هو التضييق في المفطرات، وعدم التوسع فيها لعدم ثبوت الأدلة، فالمفطراتُ المعتبرةُ هي ما دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ، وهي الطعام والشراب والجماع، ومعلومٌ أن الطعامَ والشرابَ يتناوله الإنسانُ من منفذه الطبيعي، وهو الفم، فما كان طعاماً أو شراباً ودخل من المدخل الطبيعي فلا شك أنه يفطر الصائم.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} البقرة الآية 187.

وقد اختار القول بالتضييق في المفطرات الإمامُ البخاري صاحبُ الصحيح رحمه الله كما يؤخذ من تراجم أبوابه، واختاره الشيخ ابن حزم الظاهري رحمه الله حيث قال: [إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي، وما علمنا أكلاً ولا شرباً يكون على دبرٍ أو إحليلٍ أو أذنٍ أو عينٍ أو أنفٍ أو من جرح في البطن أو الرأس، وما نُهينا قط أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله ] المحلى 4/348. واختاره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [وأما الكحلُ والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يُفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير ومن لم يفطر الكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك. والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام في دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها اللهُ ورسولهُ في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحدٌ من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حـديـثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك] مجموع الفتاوى 25/ 233-234.

وقال شيخ الإسلام أيضاً: [إن الأحكام التي تحتاج الأمة معرفتها لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا، عُلم أن هذا ليس من دينه، وإذا كانت الأحكام التي تعمُّ بها البلوى لا بد أن يبينها صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً، ولا بد أن تنقلها الأمةُ، فمعلومٌ أن الكحل ونحوه مما تعمُّ به البلوى، كما تعمُّ بالدهن والاغتسال والبخور والطيب، فلو كان هذا مما يفطر لبين صلى الله عليه وسلم كما بين الإفطار بغيره] مجموع الفتاوى 25/236-242.وكذا اختاره جماعةٌ من علماء العصر كالشيخ القرضاوي وأعضاء مجمع الفقه الإسلامي وغيرهم.

ثانياً: فحصُ “فيروس كورونا” يتمُّ بأن يُدخل الممرضُ أو الطبيبُ أنبوباً بلاستيكياً رفيعاً وجافاً وله نهاية قطنية في مجرى الأنف، لمسح عينة من داخل الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، ويتم إدخالُ عود الفحص إلى عمق التجويف الأنفي لجمع خلايا عينة الفحص، كون الجزء الخارجي من الأنف قد لا يعطي نتائج دقيقة، أو يتم الفحصُ بمسح اللوزتين والحَلق وبداية الأنف إلى منتصفه.إن هذا الإجراء بإدخال أداة فحص “كورونا” ليس من المفطرات، وإن دخلت أداة الفحص إلى جوف الأنف، ولا يُسَلَّمُ توسعُ بعض الفقهاء في مدلول الجوف، فقالوا كل مجوف في بدن الإنسان فهو جوف، كباطن الإذن وداخل العين وباطن الرأس وباطن الدبر والقُبل، فعندهم يفطر الصائمُ بكل ما دخل من هذه المنافذ، حتى قالوا يفطر الصائم بما وصل من عينه عمداً إلى مطلق الجوف من منفذٍ مفتوحٍ، والتقطير في باطن الأذن مفطرٌ، والحقنة من الدبر والتقطير في باطن الإحليل وإدخال عود أو نحوه فيه مفطرٌ، ودخول طرف الأصبع في الدبر حالة الاستنجاء يفطر به] تحفة الحبيب على شرح الخطيب بتصرف، لأن [القول الراجح أن الجوف هو المعدة فقط، أي إن المفطر هو ما يصل إلى المعدة دون غيرها من تجاويف البدن. ويضاف إلى ذلك أن الأمعاء هي المكان الذي يمتص فيه الغذاء، فإذا وضع فيها ما يصلح للامتصاص سواء كان غذاءً أو ماءً فهو مفطر، لأن هذا في معنى الأكل والشرب كما لا يخفى] مفطرات الصيام المعاصرة.

ثالثاً: معلومٌ أن لقاح “كورونا” يؤخذ بحقنةٍ تعطى للشخص في العضل، وينطبق عليها حكمُ الحقن العلاجية، التي يقصد بها الدواء، وليست للتغذية، فهذه لا تُفطر الصائم، على القول الراجح الذي اخترته أعلاه، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً، وليست في معنى الطعام والشراب.كما أن المادة المحقونة تكون في العضل، ولا تصل الى الجوف، وهو المعدة فقط، فالمفطر هو ما يصل إلى المعدة دون غيرها من تجاويف البدن. وكذلك فإن المادة المحقونة ليست مغذيةً فلا تفسد الصيام. وهذا ما نصَّ عليه قرارُ مجمع الفقه الإسلامي كما يلي: [بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهاتٍ أخرى، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء قرر ما يلي:أولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات…الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.]

وخلاصة الأمر:

أن الراجح من أقوال العلماء هو التضييق في المفطرات، وعدم التوسع فيها لعدم ثبوت الأدلة، فالمفطرات المعتبرة هي ما دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ، وهي الطعام والشراب والجماع.وأن إدخال أداة فحص “كورونا” ليست من المفطرات.وأن لقاح “كورونا” يؤخذ بحقنةٍ تُعطى للشخص في العضل، وينطبق عليها حكمُ الحقن العلاجية، التي يقصد بها الدواء، وليست للتغذية، فهذه لا تفطر الصائم، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً، وليست في معنى الطعام والشراب.

والله الهادي إلى سواء السبيل