maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

المفتي الماجنُ والمفتي الدَّاجنُ رؤيةٌ شرعيةٌ عصريةٌ

يقول السائل: ما المرادُ بالمفتي الماجنِ المذكور في كتب الفقهاء وقالوا بالحجْرِ عليه، أفيدونا؟

الجواب:أولاً: المجون في لسان العرب:[ من مجن الشيء يمجن مجوناً، إذا صلب وغلظ، ومنه اشتقاق الماجن لصلابة وجهه وقلة استحيائه…والماجن عند العرب الذي يرتكب المَقابحَ المُرْدية والفضائح المُخْزِية، ولا يَمُضُّه عَذْلُ عاذِلِه ولا تَقْريعُ من يُقَرِّعُه…والمجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع، وقال ابن سيده: الماجن من الرجال الذي لا يبالي بما قال، ولا ما قيل له كأنه من غِلَظِ الوجه والصلابة]وورد كثيراً استعمال عبارة (المفتي الماجن) في كتب الحنفية، قال الزيلعي:[ الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَهُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْعَوَامَّ الْحِيَلَ الْبَاطِلَةَ، كَتَعْلِيمِ الِارْتِدَادِ لِتَبِينَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ لِتَسْقُطَ عَنْهَا الزَّكَاةُ، وَلَا يُبَالِي بِمَا يُفْعَلُ مِنْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ أَوْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ] تبيين الحقائق 5/193.

وقال داماد أفندي الحنفي:[الْمُفْتِي الْمَاجِنُ يُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ] مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 2/441.

أي أن المفتي الماجن لا يخشى اللهَ عز وجل، ولا يخشى كلامَ الناس عليه، ولا يبالي بتحليل الحرام أو تحريم الحلال، ويفتي عن جهلٍ، أو يفتي بما يخالفُ الشرع لِغَرضٍ أو هوى.وقد نصَّ فقهاء الحنفية على الحجر على المفتي الماجن، لأنه يفسد على الناس دينهم كما سيأتي.

قال العيني الحنفي: [(والمفتي الماجن) ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده: والمفتي الجاهل وهما متقاربان، لأن ضررهما عامٌ، وهو من مجن الشيء مجوناً إذا صلب وغلظ، وقولهم رجلٌ ماجنٌ كأنه أُخذ من غِلظ الوجه وقلة الحياء، وليس بعربيٍ محضٍ، قاله ابن دريد.

والمفتي الماجن الذي يعلمُ الناس الحيلَ الباطلة، مثل أن يعلم المرأة حتى ترتدَ فتبينَ من زوجها، ويعلمُ الرجلَ أنه يرتد فتسقط عنه الزكاة ثم يسلم، ولا يبالي أن يحرم حلالاً أو يحلل حراماً يفسدُ على الناس دينَهم. ولقد شاهدت بالديار المصرية طائفةً قد تحلوا بحلية الفقهاء – أشباه العلماء اللابسين لباسهم- واستولوا على مناصب الأجلِّ من العلماء، بمخالطتهم الظلمة وأرباب الدولة ومشاركتهم إياهم فيما هم فيه من الفساد، وأعطوا لهم بما يطابق أغراضهم الفاسدة، وبما يوافق أهواءهم الكاسدة فضلوا وأضلوا، ولقد قرع سمعي من بعض الثقات أن واحداً منهم قد أفتى لملكٍ لهم كبير، بإباحة الإتيان في مماليكه، مستدلاً بقول الله عز وجل: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} سورة النساء الآية 3. وآخر قد أباح شرب الخمر بمصر مستدلاً بأنها لا تقذف بالزبد، وهو شرطٌ في الحرمة. وآخر أفتى بجواز السماع، والرقص، وسماع الملاهي مستدلاً بلعب الحبشة في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحراب، والدرق، وبالجاريتين المغنيتين، ونحو ذلك مما ذكر عنهم من الترهات] البناية شرح الهداية 11/90.

وأما الداجن في لسان العرب:[ فهي الشاة التي تعلفها الناسُ في منازلهم…والدواجن من الحمام كالدواجن من الشاء والإبل…وقد دجنت تدجن وأدجنت، وقال ابن سيده: دجنت الناقةُ والشاةُ تدجن دجوناً وهي داجنٌ لزمتا البيوت وجمعها دواجن ] أي أن الداجن هو ما تمَّ تدجينهُ، أي استئناسه من طيرٍ أو غنمٍ أو إبلٍ، ويطلق لفظُ الدواجن في عصرنا على الحيوانات الصغيرة الحجم سريعة الدورة الإنتاجية كالدجاج والحمام والتي استئنسها الإنسان ويربيها في أماكن محدودة للحصول منها على إنتاج مفيد كاللحم والبيض.وأما استعمال عبارة “المفتي الداجن” فقد جاء من عبارة “تدجين المشايخ” [وهو وصفٌ أطلقه العلامة محمود شاكر رحمه الله على محاولة “نابليون” استمالة مشايخ الأزهر حين أصدر قرارًا بمجرد دخوله القاهرة، بإنشاء ديوان من تسعة علماء من الأزهر يتولى شئون القاهرة؛ فقبل منهم مَنْ قبل ورفض منهم مَنْ رفض، على رأسهم الشيخ “عمر مكرم” رحمه الله] anasalafy.com/play.php?catsmktba=15497ويراد بتدجين المشايخ تطويعهم وتغيير مواقفهم لخدمة الحكام وتحقيق رغباتهم وتفصيل الفتاوى على مقاسهم.وقد كثُرَ في زماننا مَنْ يستحق بجدارةٍ وصف المفتي الماجن والمفتي الداجن، في ظل انتشار الأنظمة الطاغوتية التي تتخذ من الدِّين مجردَ ديكورٍ لتزيين أنظمتها، فجندت هؤلاء وصدَّرتهم في وسائل الإعلام المختلفة، ليفتوا حسب أهواء سادتهم، وقد صدر عن المفتي الماجن والمفتي الداجن في زماننا فتاوى عجيبةٌ غريبةٌ غير منضبطةٍ بالضوابط الشرعية، هذه الفتاوى المعلبةُ والمسيسةُ الخارجةُ عن جادةِ الصواب، والموافقةُ لأهواء السياسيين الطغاة، وتبريراً لأعمالهم وتحقيقاً لأهدافهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.إن فتاوى المفتي الماجن والمفتي الداجن أشبه بآلة القهوة الجاهزة، أو آلة المشروبات الباردة، تضع فيها قطعةً العُملة، ثم تختار ما تريد!والأمثلة على ذلك كثيرةٌ منها: تحليلُ الربا وتسميته بأسماء أخرى، وإباحةُ التطبيع مع يهود وتبريره بالأكاذيب، والتحريضُ على قتل المعارضين للحكام الظلمة، وتسويةُ المرأة بالرجل في الميراث، ووصفُ اثنين من طغاة العصر بأنهما “رسولان بعثهما الله لحماية الدين”، وإباحةُ بيع المسلم في دولةٍ غير إسلامية الخمورَ لغير المسلمين وغير ذلك.

ثانياً: أهميةُ منصب المفتي في ديننا أمرٌ معلومٌ مشهورٌ، فإن الفتوى من أخطر الأمور وأشدِّها، لأنها في الحقيقة توقيعٌ عن ربِّ العالمين كما قال العالمون، وكثيرٌ من الذين يتصدرون الفتوى اليوم، لا يدركون خطورةَ شأنِ الفتوى، وما يجب أن يكون عليه المفتي من علمٍ وصدقٍ والتزامٍ بشرعِ الله، قال تعالى:{فاسْألُوا أهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}سورة النحل الآية 43، قال ابن عباس رضي الله عنهما:[أهلُ الذِّكْرِ هم أهلُ العلم] تفسير القرطبي10/108. قال الإمام الشاطبي:[المفتي قائمٌ في الأمة مقامَ النبي صلى الله عليه وسلم] الموافقات 4/244.وقال العلامة ابن القيم: [ولما كان التبليغُ عن الله سبحانه وتعالى يعتمدُ العلمَ بما يُبلغ، والصدقَ فيه، لم تصلحْ مرتبةُ التبليغِ بالروايةِ والفتيا إلا لمن اتصفَ بالعلمِ والصدق، فيكون عالماً بما يُبلغ، صادقاً فيه، ويكونُ مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السِّرِ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضلُهُ، ولا يُجهل قدرُهُ، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن ربِّ الأرضِ والسموات؟ فحقيقٌ بمن أُقيم في هذا المنصبِ، أن يُعدَّ له عُدَّته، وأن يتأهبَ له أُهبته، وأن يعلم قدْر المقام الذي أُقيم فيه، ولا يكون في صدره حرجٌ من قول الحقِّ والصَّدعِ به، فإن الله ناصرُهُ وهاديه، وكيف وهو المنصبُ الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ}سورة النساء الآية 127، وكفى بما تولاه اللهُ تعالى بنفسهِ شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}سورة النساء الآية 176، وليعلمَ المفتي عمَّنْ ينوبُ في فتواه، وليوقنَ أنه مسؤولٌ غداً وموقـوفٌ بـين يـدي الله] إعلام الموقعين 2/16-17.والمفتي الماجنُ والمفتي الداجنُ ومن يتصدرون للفتوى اليوم من مشايخ التمييع وحميرِ السلاطين، أعماهم ولاؤهم المطلقُ للحكام عن قولِ الحقِّ والصدقِ، وصمَّ آذانهم، وغطى عقولهم وأعمى بصائرهم عن معرفة واقع أحوال المسلمين في العالم اليوم، والوقوف مع الحقِّ وأهله.وما أحسن ما قاله الإمام أحمد بن حنبل:[ لاَ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ -يَعْنِي لِلْفَتْوَى- حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ، أَمَّا أُولاَهَا: فَأَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ، وَلاَ عَلَى كَلاَمِهِ نُورٌ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَيَكُونُ لَهُ خُلُقٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَيَكُونُ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَالْكِفَايَةُ، وَإِلاَّ مَضَغَهُ النَّاسُ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ: فَمَعْرِفَةُ النَّاسِ] قال العلامة ابن القيم معـلقاً علـى كلام الإمام أحمد:[ وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيءٍ نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه] ثم شرح ابن القيم عبارة الإمام أحمد وأذكر بعض كلامه:[ فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يُبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابعٌ لها يُبنى عليها، يصحُ بصحتها ويفسد بفسادها…وقد جرت عادةُ الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضاء ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابةُ والمحبةُ، وللآخر المقت والبغضاء.وأما قوله أن يكون له حِلمٌ ووقارُ وسكينةٌ، فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيءٍ أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوةُ علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس. وقال بعض السلف: ما قُرِنَ شيءٌ إلى شيءٍ أحسنُ من علمٍ إلى حِلمٍ] إعلام الموقعين 4/199 فما بعدها. ونظراً لأهمية منصب المفتي في ديننا فقد وضع الفقهاء شروطاً وصفاتٍ للمفتي ذكرها باختصار الشيخ الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح فقال: [أما شروطه وصفته فهو: أن يكون مُكَلَّفًا مسلمًا ثقةً، مأمونًا، مُنَزَّهًا من أسباب الفسق، ومُسقطاتِ المروءة؛ لأن مَنْ لم يكن كذلك، فقوله غيرُ صالحٍ للاعتماد، وإنْ كان مِنْ أهل الاجتهاد، ويكونَ فقيهَ النفس، سليمَ الذهن، رصينَ الفِكر، صحيحَ التصرُّف والاستنباط مُتَيَقِّظًا] أدب المفتي والمستفتي 1/21. وتفصيل ذلك بإيجازٍ [أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، وهذه الشروط معلومةٌ، ويشترط في المفتي أن يكون عدلًا، والعدالةُ هيئةٌ يكون عليها المسلم، من مقتضياتها ولوازمها فعلُ المطلوب شرعًا وترك المنهيّ عنه شرعًا، وهجرُ ما يخرم المروءة ويوقع في التهم والشكوك، وأن تكون أخلاقُ صاحبها وسلوكه على النحو اللائق بعلماء الإسلام، وينبغي أن يُعلم أن مما يُسقط عدالةَ المفتي مجاراةُ الظَّلَمَة، والإفتاءُ لهم بما يشتهون، وأخذُ الرشوة منهم ونحو ذلك. ويشترط في المفتي أن يكون فقيهًا،لديه القدرة على البحث واستخراج الأحكام ومعرفتها عن طريق الاستدلال من مصادرها المعتبرة.] انظر كتاب أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان.ويشترط في المفتي توافر صفتي الأمانة والديانة فيه [ فالأمانة، تعني في الحقيقة بيان الحكم الشرعي على ما تقتضيه الشريعةُ، ومراقبةُ الله عز وجل في ذلك، وأن يكون صادقاً يبتغي ما عند الله عز وجل لا يريدُ شيئاً آخر؛ لأنه لو أراد شيئاً آخر لدخلنا في قضية الأغراض الدنيوية التي تصرفُ الفتوى عن محلها، وربما تشرع للناس ما ليس مشروعاً، سواء كانت فتوى ماجنةٍ تبتغي تزيين الشهوات، أو داجنةٍ تبتغي الارتزاق المحرم بالفتوى أو الشهرة من وراء الشغب بها، والعياذ بالله من كل ذلك؛ فلا يكفي العلم، بل لا بد من ديانةٍ تمنعُ المفتي من تجاوز حدود الله باسم الله، فالله ذكر أن اليهود يعلمون، لكنه بين أنهم لا يعملون بما يعلمون، فالأمانةُ شرطٌ مهمٌ جداً، ومن يفتقد هذا الشرط يدخل به ما يعرف بالمفتي الماجن، الذي تحدّث العلماء عن الحجر عليه.فالمفتي الماجن يُراد به الشخص المؤهل للفتيا من الناحية العلمية، لكن لم يتوافر فيه شرط الأمانة والديانة.] dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=102111وقد ذكر جماعة من العلماء أنه يشترط في المفتي أن يكون متيقظاً بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، قال العلامة ابن عابدين:[ شرطَ بعضُهم تيقظ المفتي…وهذا شرطٌ في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً، يعلمُ حيلَ الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارةً في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضررٌ كبيرٌ في هذا الزمان] حاشية ابن عابدين 4/301.وقال العلامة ابن القيم تحت عنوان:[على المفتي ألا يعين على المكر والخداع، يحرم عليه – أي على المفتي – إذا جاءتهُ مسألةٌ فيها تحيلٌ على إسقاط واجبٍ أو تحليلِ محرمٍ أو مكرٍ أو خداعٍ أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يُحسن الظنَّ بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازرهُ فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألةٍ ظاهرها ظاهرٌ جميلٌ، وباطنها مكرٌ وخداعٌ وظلمٌ! فالغرُّ ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقدُ مقصدَها وباطنها، فالأولُ يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَل الدارهم، والثاني يُخرج زيفَها كما يخرجُ الناقدُ زيفَ النقود، وكم من باطلٍ يخرجه الرجلُ بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حقٍ يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنةٌ وخبرةٌ لا يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة.] إعلام الموقعين 4/229.

ثالثاً: قرر العلماءُ قديماً وحديثاً خطورةَ المفتي الماجن والمفتي الداجن، فقد نصَّ الفقهاء على الحَجْرِ على المفتي الماجن للمصلحة العامة، ولحمايةِ دين الناس من الدجالين والأفاكين أعوان الظلمة: قال الكاساني:[ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجْرِي الْحَجْرَ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ: الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَةَ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفْتَى بَعْدَ الْحَجْرِ، وَأَصَابَ فِي الْفَتْوَى جَازَ، وَلَوْ أَفْتَى قَبْلَ الْحَجْرِ وَأَخْطَأَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا الطَّبِيبُ لَوْ بَاعَ الْأَدْوِيَةَ بَعْدَ الْحَجْرِ نَفَذَ بَيْعُهُ فَدَلَّ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ الْحَجْرَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ الْحِسِّيَّ أَيْ: يُمْنَعُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ عَنْ عَمَلِهِمْ حِسًّا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ الْمَاجِنَ يُفْسِدُ أَدْيَانَ الْمُسْلِمِينَ، وَالطَّبِيبَ الْجَاهِلَ يُفْسِدُ أَبْدَانَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسَ يُفْسِدُ أَمْوَالَ النَّاسِ فِي الْمَفَازَةِ، فَكَانَ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، لَا مِنْ بَابِ الْحَجْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّنَاقُضُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ] بدائع الصنائع 7/169.وقال ابن عابدين:[ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَ يَرَى الْحَجْرَ إذْ عَمَّ الضَّرَرُ كَمَا فِي الْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ] حاشية ابن عابدين 6/401. وقال علي حيدر شارح المجلة: [وَيُحْجَرُ عَلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ تَكُونُ مَضَرَّتُهُمْ لِلْعُمُومِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَقَدْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ كَالطَّبِيبِ إلَى أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصًا آخَرِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحَجْرَ وَهُمْ الْمُفْتِي الْمَاجِنُ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ…الْمُفْتِي الْمَاجِنُ: هُوَ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ الْبَاطِلَةَ أَيْ: الْحِيَلَ الْمُؤَدِّيَةَ إلَى الضَّرَرِ، وَاَلَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ وَلَا يُبَالِي بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ…يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاجِنٌ، وَالْمَاجِنُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُجُونِ وَاسْمُهُ بِضَمِّ الْمِيمِ مُجَّانٌ مَعْنَاهُ الصُّلْبُ وَالْغَلِيظُ وَاَلَّذِي لَا يَخْشَى كَلَامَ النَّاسِ وَلَا يُبَالِي بِمَا صَنَعَ، يَعْنِي: هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَحْيِي وَلَا يَخْجَلُ وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ غِلَظِ الْوَجْهِ إذَا قَلَّ حَيَاؤُهُ] درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 2/673.ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية:[ الْحَجْرُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى فَرْضِ الْحَجْرِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهُمْ : الْمُفْتِي الْمَاجِنُ ، وَالطَّبِيبُ الْجَاهِلُ , وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ.أ – الْمُفْتِي الْمَاجِنُ: هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ الْبَاطِلَةَ، كَتَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ الرِّدَّةَ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ تَعْلِيمِ الْحِيَلِ بِقَصْدِ إسْقَاطِ الزَّكَاةِ، وَمِثْلُهُ الَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ…وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَجْرِ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ حَقِيقَةُ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفْتَى بَعْدَ الْحَجْرِ وَأَصَابَ جَازَ، وَكَذَا الطَّبِيبُ لَوْ بَاعَ الْأَدْوِيَةَ نَفَذَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُفْسِدٌ لِلْأَدْيَانِ، وَالثَّانِيَ مُفْسِدٌ لَلْأَبَدَانِ، وَالثَّالِثَ مُفْسِدٌ لِلْأَمْوَالِ. فَمَنْعُ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ دَفْعُ ضَرَرٍ لَاحِقٍ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ] 17/101.

رابعاً:لما كان يتعذرُ في زماننا الحَجْرُ على المفتي الماجنِ، كان الواجبُ تحذيرَ الناسِ من المفتي الماجنِ والمفتي الدَّاجنِ، نظراً لخطورتهما على دينِ الناس، ولا بدَّ من نشر الوعي بين الناس باستفتاء العلماء الموثوقين في علمهم ودينهم فقط، لأن الأصل في المستفتي أن يسأل مَنْ يثقُ في علمه ودينه، فيعرضَ مسألته عليه، فإن أفتاه لزم المستفتي أن يأخذ بفتواه. وخاصةً أنه قد كثُرَ المتسورون على العلم الشرعي في زماننا هذا، من اللابسين لباس العلماء، ويزعمون أنهم يتكلمون باسم الدِّين، وهم ليسوا أهلاً ليؤخذ العلم عنهم، وخاصةً أن وسائل الظهور على الناس ومخاطبتهم قد كثُرت وتنوعت كما في الفضائيات والإذاعات وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف والمجلات وغيرها. وقد حُقَّ لنا أن نبكي على أحوال أدعياء العلم والفتوى كما بكى ربيعةُ الرأي -شيخ الإمام مالك-فقيل: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: اسْتُفْتِيَ مَنْ لا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِي الإِسْلامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. وكان ربيعة يقول: لَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَا هُنَا أَحَقُّ بِالسَّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ” وقال بعضُ العلماء:[فكيف لو رأى ربيعةُ زماننا؟ وإقدامَ مَنْ لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومدَّ باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكرٌ أو غريبٌ، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيبٌ] إعلام الموقعين 6/118. وأسوقُ هنا طائفةً من الأحاديث النبوية، ومن أقوال السلف فيمن يؤخذ عنهم العلم الشرعي ومَنْ لا يؤخذ عنهم، حتى يكون المسلمُ على بينةٍ من أمره: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( سَيَكونُ في آخِرِ أُمَّتي أُناسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ ما لَمْ تَسْمَعُوا أنتُمْ ولا آباؤُكُمْ، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ) رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليـه وسلم قـال:( يَكونُ في آخِرِ الزَّمانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأحادِيثِ بما لَمْ تَسْمَعُوا أنتُمْ، ولا آباؤُكُمْ، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ، لا يُضِلُّونَكُمْ، ولا يَفْتِنُونَكُمْ) رواه مسلم. وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إنَّما أخافُ على أمَّتي الأئمَّةَ المُضلِّين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي، وقال الترمذي: حديث صحيح. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 4/156.وقال محمد بن سيرين من أئمة التابعين:[ إنَّ هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمَّنْ تأخذونَهُ] رواه مسلم في مقدمة صحيحه 1/76.وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون:[إِنَّ الْعَالِمَ حُجَّتُكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى, فَانْظُرْ مَنْ تَجْعَلُ حُجَّتَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] الفقيه والمتفقه 2/178.وقال الخطيب البغدادي:[ أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلةٌ أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره فقد رحل غيرُ واحدٍ من السلف في مسألةٍ…إلى أن قال: وإذا قصد أهلَ محلةٍ للاستفتاء عما نزل به فعليه أن يسأل مَنْ يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم؛ ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادَّعى العلم أحرزه، ولا كل مَنْ انتسب إليه كان من أهله ] الفقيه والمتفقه 2/177. وقال الآمدي:[ القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة بأن يراه منتصباً للفتوى والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن بالضدِّ من ذلك] الإحكام في أصول الأحكام 4/453. وقال الإمام القرافي المالكي:[ ولا يجوز لأحدٍ الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع ] الذخيرة 1/147. وينبغي أن يُعلم أن استفتاء مفتٍ مع علمك أنه متساهلٌ ومتلاعبٌ في فتواه لا يبرئ ذمتك أمام الله عز وجل.

وخلاصة الأمر أنه قد ورد كثيراً استعمال عبارة (المفتي الماجن) في كتب الفقه الحنفي.وأن الْمُفْتِي الْمَاجِنُ يُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ. أي أن المفتي الماجن لا يخشى اللهَ عز وجل، ولا يخشى كلامَ الناس عليه، ولا يبالي بتحليل الحرام أو تحريم الحلال، ويفتي عن جهلٍ، أو يفتي بما يخالفُ الشرع لِغَرضٍ أو هوى.وأن المراد بتدجين المشايخ تطويعهم وتغيير مواقفهم لخدمة الحكام وتحقيق رغباتهم وتفصيل الفتاوى على مقاسهم.وأنه قد كثُرَ في زماننا مَنْ يستحق بجدارةٍ وصف المفتي الماجن والمفتي الداجن، في ظل انتشار الأنظمة الطاغوتية التي تتخذ من الدِّين مجردَ ديكورٍ لتزيين أنظمتها.وأن أهمية منصب المفتي في ديننا أمرٌ معلومٌ مشهورٌ، فإن الفتوى من أخطر الأمور وأشدِّها، لأنها في الحقيقة توقيعٌ عن ربِّ العالمين كما قال العالمون.وأن المفتي الماجنُ والمفتي الداجنُ ومن يتصدرون للفتوى اليوم من مشايخ التمييع وحميرِ السلاطين، أعماهم ولاؤهم المطلقُ للحكام عن قولِ الحقِّ والصدقِ، وصمَّ آذانهم، وغطى عقولهم وأعمى بصائرهم عن معرفة واقع أحوال المسلمين في العالم اليوم، والوقوف مع الحقِّ وأهله.وأن العلماء قديماً وحديثاً قرروا خطورةَ المفتي الماجن والمفتي الداجن، فقد نصَّ الفقهاء على الحَجْرِ على المفتي الماجن للمصلحة العامة، ولحمايةِ دين الناس من الدجالين والأفاكين أعوان الظلمة.وأنه لما كان يتعذرُ في زماننا الحَجْرُ على المفتي الماجنِ، كان الواجبُ تحذيرَ الناسِ من المفتي الماجنِ والمفتي الدَّاجنِ، نظراً لخطورتهما على دينِ الناس، ولا بدَّ من نشر الوعي بين الناس باستفتاء العلماء الموثوقين في علمهم ودينهم فقط، وخاصةً أنه قد كثُرَ المتسورون على العلم الشرعي في زماننا هذا، من اللابسين لباس العلماء، ويزعمون أنهم يتكلمون باسم الدِّين، وهم ليسوا أهلاً ليؤخذ العلم عنهم.وأن استفتاء مفتٍ مع العلم أنه متساهلٌ ومتلاعبٌ في فتواه لا يبرئ الذمة أمام الله عز وجل.وأنَّ هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمَّنْ تأخذونَهُ.والله الهادي إلى سواء السبيل