maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

في المسألة قولان!

يقول السائل: أثار بعضُ الناسِ ضجةً حول فتواكم بجواز التباعد بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك، واعتبروا أنكم قد رجعتم عن فتوى سابقةٍ لكم بمنع التباعد، فهلا وضحتم لنا المسألة؟

الجواب:

أولاً: أبدأ بما قاله إياسُ بن معاوية المُزني أحدُ سلف هذه الأمة المباركة، فعن سفيان بن حسين قال:(ذكرتُ رجلاً بسوءٍ عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والتُرك ؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَمُ منك الرومُ والسِّندُ والهندُ والتُركُ، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟!قال: فلَم أَعُد بعدها).

منذ مدةٍ كنت قد نشرتُ مقطعاً مصوراً بينتُ فيه حكمَ التباعد بين المصلين بسبب جائحة “كورونا”، وذكرتُ أن التباعد لا يجوز، لأنه مخالفٌ للهيئة الشرعية لصلاة الجماعة كما دلت على ذلك الأحاديثُ النبوية التي تأمرُ بتراص الصفوف، وهذا قولي في المسألة لم أغيره لقناعتي بقوة أدلته، ومنذ أسبوعٍ نشرت مقطعاً آخر بناءً على أسئلةٍ من بعض العلماء والمشايخ وغيرهم حول التباعد بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك، وما يحفُّ المسجد الأقصى المبارك من أطماعٍ للاحتلال، وقد بيّنتٌ فيه أن مسألة التباعد فيها قولان للعلماء، وأنه لا حرجَ على مَنْ أخذ بأيٍّ من القولين؛ لأن القضية اجتهاديةٌ ظنيةٌ، وليست من المسائل القطعية، وتكلمتُ عن خصوصية التباعد في المسجد الأقصى المبارك، نظراً لما يحيط بالمسجد الأقصى المبارك من أطماعٍ للاحتلال، وأن هنالك تهديداً حقيقياً قد يؤدي إلى إغلاق المسجد الأقصى المبارك، وطلبتُ من أهلنا في بيت المقدس، والمصلين في المسجد الأقصى المبارك أن يأخذوا بهذا القول نظراً للظرف الخاص للمسجد الأقصى المبارك، نظراً لتربص يهود به.

وكلا القولين السابقين في المسألة، قال به جماعةٌ من أهل العلم، ولكليهما حظٌ من النظر والاستدلال الشرعي.

فزعم سُفَهاءُ الأحلامِ أني غيرتُ قولي الأولَ في المسألة، وشنوا هجمةً على صفحاتِ التواصل الاجتماعي، انطوت على الجهل والكذب والبذاءة وسوء الأخلاق، وهذه الهجمة تنمُّ عن جهلٍ فاضحٍ بمبادئ وأساسيات العلم الشرعي، وجهلٍ لأسس تعدد أقوال الفقهاء في المسائل الظنية في الفقه الإسلامي، والتي أُدرسها لطلبة العلم الشرعي في الفقه المقارن. وكنت أتمنى لو أن واحداً من هؤلاء ناقش المسألةَ مناقشةً علميةً – ولكن فاقدَ الشيء لا يعطيه – عوضاً عن تحويل الموضوع إلى مسألةٍ شخصيةٍ، وتهجمٍ وتطاولٍ على شخصي، وطعناً في ديني وفي نيتي التي لا يعلمها إلا الله عز وجلَّ، ووصل التطرف بأحدهم أن قال: لا يؤخذ الدِّين عن أيٍ كان؟! ووصل الأمر أيضاً إلى الكرسي الذي كنتُ أجلسُ عليه فلم يسلم من طول ألسنتهم؟!

وماذا أصنع إذا كان جهلهم وحقدهم وكذبهم قد أعمى عقولَهم عن فهم كلامي، فلم أقل إني رجعتُ عن القولِ بالتراص، وغيرتُه إلى القولِ بجواز التباعد، وما قلته واضحٌ وضوحَ الشمس في رابعةِ النهار أن للعلماء المعاصرين في المسألة قولين: قولٌ يرى أن التراصَّ هو المطلوب لموافقته للسنة النبوية، وأنا شخصياً ما زلتُ على هذا القول ولم أبدله؟!

والقولُ الآخر يجيزُ التباعدَ بسبب جائحة “كورونا”، وأفتيت المصلين في المسجد الأقصى المبارك، بأن يأخذوا بالتباعدِ، وأن يأخذوا بأسباب الوقاية الصحية، نظراً لتربص يهود بالمسجد الأقصى المبارك، ولقطع الطريق على المتربصين، ولئلا يؤدي عدمُ الالتزام بأسبابِ الوقاية الصحية إلى إغلاق المسجد الأقصى المبارك، وقلت إن القائلين بالتباعد لهم أدلتهم الواضحة المجيزة للتباعد، خوفاً من انتشار العدوى والوباء، وأنه أفضل من إغلاق المسجد الأقصى المبارك، فتركُ التراص هنا لعذرٍ، وله نظائرُ في الشرع من الواجبات والشروط والأركان التي تترك للعذر مع كونها أشد منه.

وزعم سُفَهاءُ الأحلامِ أن في هذا القولّ رضوخاً للحاخامات! وأقول ما زلنا في انتظار خليفتكم المنتظر ليحرر القدس وفلسطين! وقد صار خليفتكم المنتظر كمهدي الشيعة المنتظر؟!

وخلاصة ما قلته في المسألة هو جواز الأخذ بالقول المخالف نظراً للظرف الخاص بالمسجد الأقصى المبارك، ومن المعلوم عند الفقهاء إرشادُ المفتي للمستفتي أن يأخذ بالقول المخالف لسبب ما، وهذا أمرٌ معروفٌ ومشهورٌ في الفقه الإسلامي، فمن المعلوم عند الفقهاء أن الفقه الإسلامي في معظمه ظنيٌ، والمسائلُ القطعية معدودةٌ.

لذا اختلف الفقهاء في فروع الفقه الإسلامي، ووجد عندنا مذاهبُ فقهيةٌ متعددةٌ، وتعددت أقوالُ الفقهاء في مسائل الفروع الفقهية، وفي بعض المسائل وصل عددُ الأقوال لأكثر من أربعين قولاً في المسألة الواحدة؟ كما في مسألة تحديد الصلاة الوسطى، ارجعوا إلى كتب الفقهاء وليس لكتبكم المتبناة.

وينبغي أن يُعلم أن اختلافات الفقهاء في المسائل الاجتهادية قد أثرت الفقه الإسلامي، ولولا ذلك لما كان عندنا هذه الثروة الفقهية العظيمة المتنوعة، وتخيلوا لو أن فقهاء الأمة أخذوا بنظرةِ ضيقي الأفق هؤلاء، الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، كيف يكون حال ثروتنا الفقهية خاصةً، والعلمية الشرعية عامةً، إن تعددَ المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوزٌ وثروةٌ لا يعرف قدْرَها إلا العلماء والفقهاء.

ثم أنتم يا هؤلاء ما شأنكم بالفتوى في دين الله وحزبكم يقول:[ حزب التحرير لا توجد لديه صفة المفتي لأنّه لا يتصدّر للفتوى، ولا يبحث عن أفعال الأفراد بوصفهم أفراداً ليعطي الحكم الشرعي لها، وإنّما هو سياسي يرعى شؤون الناس بأحكام الشرع، وهو لا توجد لديه صفة العالم، لأن عمله ليس التنقيب عن المعرفة في الكتب، وإن كان يراجع الكتب لطلب المعرفة، فالتنقيب عن المعرفة ليس عمله وليس غايته، وإنّما هو وسيلة لعمله وهو السياسة، وهو كذلك ليس واعظاً يذكّر الناس بالآخرة ولا يصرف النّاس عن الدنيا، بل يرعى شؤونهم ويبصّرهم بالدنيا لتكون لهم سيادتها، ويجعل غايتهم من الدنيا سعادة الآخرة، ونوال رضوان الله، وهو أيضاً ليس معلِّما وإن كان يثقِّف الناس بالأفكار والأحكام، فتعليم المعارف المجردة ليس عمله ولا يعني نفسه بها، وإنّما العمل بالأفكار والأحكام هو ما يهدف إليه، فيعطي المعارف مربوطة بواقعها وظروفها كسياسة لا كعلم، ورعاية شؤون لا كتعليم. ولذلك إن من الظلم أن يقال عن الحزبي أنَّه مفتٍ، ومن الانحراف أن يصبح الحزب مفتياً…ومن هنا تظهر فظاعةُ أن ينقلب الحزب إلى مفتٍ وأن يصبح شباب الحزب مفتين، فإن ذلك هو الهلاك المحقّق لا للشباب فحسب ولا للحزب وحده، وإنّما للأمة التي يقودها الحزب، وللمبدأ الذي يحمله، إذ يحوّله من وجهة نظرٍ في الحياة إلى معالجة فرديةٍ ليس غير…!؟]

وما شأنكم بالفتوى في دين الله وأحدُ كباركم يقول:[ كلمة الفتوى في وقتنا هذا تعني الجهل وعدم البحث، وحب الخلود إلى الكسل، وباقي موروث “علقها في رقبة عالم واطلع سالم”؟!] وجاء في دوسيه لحزبكم:[…وإنه بغض النظر عن كون الفتوى أحط أنواع الفقه، وبغض النظر عن كون مجرد وجود كلمة مفتي بما لها من واقع، هي انحطاط في المجتمع]

فاتركوا شأن الفتوى لأهلها، وانشغلوا فيما تعرفون:

خلقَ اللهُ للعلمِ رجالاً … ورجالاً لقصعةٍ وثَريدِ

ثانياً: ألا تعلمون أنه لا يجوز للمفتي أن يحمل الناس على قوله، وليس الخلاف في الفروع الفقهية إما أسودَ وإما أبيضَ، فالأمر فيه سعةٌ، ولا تحجروا واسعاً، قال الإمام سفيان الثوري:

[ إذا رأيتَ الرجلَ يعمل العملَ الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيرَه فلا تنهه].

وقال الإمام أحمد:[ لا ينبغي للفقيه أن يحملَ الناسَ على مذهب ].

وقال الإمام القرافي:[ يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضاً في كل ما لا ينتقض فيه حكم حاكم، وفي ذلك في أربعة مواضع: أن يخالف الإجماع أو النص، أو القياس الجلي، أو القواعد] جلاء العينين ص 209.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ وأما إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماعٌ، وللاجتهاد فيها مساغٌ، فلا يُنكر على مَنْ عملَ بها مجتهداً أو مقلداً ] انظر الآداب الشرعية 1/169،دراسات في الاختلافات الفقهية ص 103/104.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً:[ مسائلُ الاجتهاد مَنْ عمل فيها بقولِ بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عملَ بأحدِ القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان، فإن كان الإنسانُ يظهرُ له رجحان أحدَ القولين عملَ به، وإلا قلَّد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 20/207.

وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقاً:[ وليس لأحدٍ أياً كان أن يحمل أحداً على اتباع مذهبه في المواضع التي اختلف فيها المجتهدون، ولا أن يُنكر عليه إذا خالفه] “إنصاف الفقهاء للمخالف” ص 23.

ثالثاً: لو سلمنا جدلاً أنني غيرتُ قولي في مسألة التباعد – مع أنه لم يحصل- فليس الأمرُ بمنكرٍ، وفي تاريخنا الفقهي غيَّرَ كبارُ فقهاء الإسلام أقوالَهم في مسألةٍ أو مسائل، بل غيَّر الإمامُ الشافعي مذهبَه لما ذهب من العراق إلى مصر، ومعلومٌ أن للشافعي مذهبان، قديمٌ في العراق، ويمثلهُ كتاب “الحُجة”، وجديدٌ في مصر ويمثلهُ كتابه “الأم”. والإمام الشافعي لما تراجع عن مذهبه القديم في العراق، وأنشأ المذهبَ الجديد في مصر لم يغير أي حكمٍ من الأحكام المبنية على النصوص الصريحة من الكتاب أو السنة، ولكن التغيير طرأ في المسائل الاجتهادية لدواعٍ معروفة عند العلماء.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوءَ من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدمُ ولم يتوضأ، هل يُصلى خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟

وصلى الإمامُ الشافعي الصبحَ قريباً من مقبرة أبي حنيفة، فلم يقنت – والقنوت عنده سنةٌ مؤكدةٌ- فقيل له في ذلك، فقال:” لا أخالفه وأنا في حضرته “.

وقال الإمام الشافعي أيضاً: “ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق”.

وثبت أن أبا يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة قد تراجعا عن قولِ إمامها في ثلث المذهب.

وهذا أبو يوسف صاحبُ أبي حنيفة قد رجعَ عن قوله وقولِ إمامه في مقدار الصاع، وأخذ بقولِ الإمام مالك. وقال له: رجعتُ إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعتُ إلى قولك يا أبا عبد الله.

وورد في الفتاوى البزازية من كتب الحنفية عن الإمام الثاني – أبو يوسف – أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أُخبر بوجودِ فأرةٍ ميتةٍ في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة، إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً. وغير ذلك كثيرٌ، فلم تقم الدنيا ولم تقعد على هؤلاء الفقهاء وغيرهم ممن غيروا أقوالهم في الفروع الفقهية الاجتهادية!

فلماذا هذا الهوس بالشتم والطعن واتهام النيات؟ إنه الجهلُ والحقدُ والحسدُ الذي يملأ قلوب سفهاء الأحلام.

رابعاً: لو سلمنا جدلاً مرةً أخرى أنني غيرتُ قولي في مسألة التباعد- مع أنه لم يحصل- فليس الأمرُ بمنكرٍ أيضاً، بل مستندُ هذا التغيير إن وجد، الأخذُ بالقاعدة الفقهية التي تقول:” لا يُنكر تغيرُ الأحكام بتغيرِ الأزمان” وهي قاعدةٌ معتبرةٌ عند الفقهاء، قال العلامة ابن القيم:[فصلٌ في تغير الفتوى واختلافها بحسبِ تغير الأزمنةِ والأمكنةِ والأحوالِ والنياتِ والعوائد] إعلام الموقعين 3/14.

وقال العلامة الشيخ مصطفى الزرقا:[وقد اتفقت كلمةُ فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس، هي الأحكامُ الاجتهاديةُ من قياسيةٍ ومصلحيةٍ، أي التي قررها الاجتهادُ بناءً على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة بالقاعدة الآنفة الذكر.

أما الأحكامُ الأساسية التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية، كحرمة المحرمات المطلقة، وكوجوب التراضي في العقود…إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها ومقاومةِ خلافها، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ] المدخل الفقهي العام 2/934-935 .

وعليه لو سلمنا جدلاً بتغيير فتواي في مسألة التباعد – وهذا لم يحصل- فهو أمرٌ غيرُ منكرٍ عند الفقهاء استناداً للقاعدة السابقة، ولكنه من الكبائر والمنكرات عند سفهاء الأحلام، الذين لا يُعتدُّ بقولِ كبيرهم ولا برأي حزبهم في وفاقٍ ولا خلافٍ، وإنما يعامل ما يصدرُ عنهم معاملةَ القولِ الشَّاذِّ في الفقه الإسلامي.

خامساً: إن القول بتبني الأحكام في الفروع الفقهية، وأنه لا يجوز لأحدٍ الخروجُ عن ذلك، قولٌ باطلٌ في شرعنا الشريف، ومن مبتدعات سُفَهاءِ الأحلامِ، فقد جاء في إحدى نشرات حزب التّحرير ما نصُّه:[إلّا أنّ الحزب في صُحُفِه ونشراته ومناقشاته لا يحملُ أيَّ رأيٍ يخالفُ الرأيَ الذي تبنّاه مطلقاً، وهذا بالنسبة للحزب، وكما ينطبق ذلك على الحزبِ فإنَّهُ ينطبق على أيِّ شابٍّ من شباب الحزب، فلا يصحّ لأيّ شابٍّ أن يؤلّفَ كتاباً، أو يُصدرَ صحيفةً، أو يكتبَ مقالاً، أو يناقشَ أحداً مجرّد مناقشةٍ بأيّ رأيٍّ يخالف آراءَ الحزب، فإنِّ كلّ شابٍّ قد تبنّى آراء الحزب تبنيّاً فلا يَحِلُّ له أن يخالفها، لا فكراً، ولا قولاً، ولا عملاً، وإذا صدَرَ منه شيءٌ من ذلك يُعَالَجُ ثم يُنذَرُ، ثم يُتّخذُ بحقّه الإجراءُ المقتضى]

فإذا كان حزبكم يقول:[ لا يصحّ لأيّ شابٍّ أن يؤلّفَ كتاباً، أو يُصدرَ صحيفةً، أو يكتبَ مقالاً، أو يناقشَ أحداً مجرّد مناقشةٍ بأيّ رأيٍّ يخالف آراءَ الحزب] أمركم غريبٌ عجيبٌ، كيف خالفتم ما تتبنوه!].

وجاء في نشرةٍ أُخرى لحزب التّحرير ما نصُّه:[…وحتى لو أنّ الحزبيَّ مجتهدٌ مُطلَقٌ وتبنّى الحزبُ رأياً خلاف رأي هذا المجتهد المطلَقِ، فإنّ عليه أن يترك رأيه فوراً؛ لأنه بمجرّد تبنّي الحزب رأياً صار هذا الرأيُ الذي تبنّاهُ الحزبُ هو رأيه لا الرأيَ الذي استنبطه، وإذا لم يترك رأيهَ فعليه أن يتركَ الحزب فوراً؛ لأنّه خرج عن جُزئيةِ الحزب ولو بمفهومٍ واحدٍ؛ إذ خرج عن معنى التبنّي من حيثُ هو…]

افهموا كلام سفهاء الأحلام ثم اسمعوا كيف كان حال الصحابة والتابعين من تعدد للأقوال الفقهية، وهم من القرون التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، قال الشيخ ولي الله الدهلوي:[ وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأُ البسملة ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهرُ بها، ومنهم من لا يجهرُ بها، وكان منهم من يقنتُ في الفجر، ومنهم من لا يقنتُ في الفجر، ومنهم من يتوضأُ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأُ من ذلك. ومنهم من يتوضأُ من مسِّ الذكرِ ومسِّ النساء بشهوةٍ، ومنهم من لا يتوضأُ من ذلك، ومنهم من يتوضأُ من أكلِ لحم الإبلِ، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا فكان بعضُهم يصلي خلفَ بعضٍ، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلفَ أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً . وصلى الرشيدُ إماماً وقد احتجم، فصلى الإمامُ أبو يوسف خلفه ولم يُعد.] حجة الله البالغة 1/295-296.

وانظروا أيضاً إلى هذا الفكر الأعوج، وقارنوه بقول الأئمة من فقهاء الإسلام, قال الإمام أبو حنيفة مخاطباً صاحبه أبا يوسف:[ ويحك يا يعقوب لا تكتب كلَّ ما تسمع مني، فإني أرى الرأيَ اليومَ وأتركه غداً، وأرى الرأيَ غداً وأتركه بعد غدٍ].

وقال الإمـام مالك:[ ليس أحـدٌ بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويُؤخذُ من قوله ويترك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ].

وقال الإمام الشافعي:[ أجمع المسلمون على أن من استبان له سنةٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقولِ أحدٍ].

ولا شك أن مبدأ التبني قد جعل حزبَ التحرير عقيماً، وقتلَ الإبداع عند أفراده، فلا تكاد تجدُ عندهم عالماً مبدعاً، وأورثت فكرةُ التبني أتباعَ الحزب اللَّدَدَ في الخصومة بدون وعيٍ مع أنهم أدعياء الوعي! والتعصُّبَ المقيتَ لآراء الحزب ولو كانت تناقض البدهيات وتخالف المسلَّمات؛ لأنّهم أصبحوا يُسَلِّمون بهذه الآراء بدون وعيٍ، وليس معهم في كثيرٍ منها حُجةٌ ولا برهانٌ، إلا أنّ الحزبَ تبنّى هذا الرأيَ أو ذاك!! انظر نقد فكرة “التبني” عند حزب التحرير.

قال الإمام مالك:[ لا يُؤخذُ هذا العلم من أربعةٍ، ويؤخذُ ممن سواهم: لا يؤخذُ من سفيهٍ، ولا يؤخذُ من صاحبِ هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذَّابٍ يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يُتهم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من رجلٍ له فضلٌ وصلاحٌ وعبادةٌ إذا كان لا يعرف ما يحمل ويحدث به]

وقال محمد بن سيرين من أئمة التابعين:[ هذا العلمٌ دِينٌ، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم] رواه مسلم في مقدمة صحيحه 1/76.

وخلاصة الأمر:

أني أسألُ الله العظيم أن يجعلني ممن قَالَ فيهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)

ونحن نُوقِنُ أن قَدْحَ وتطاولَ وتهجمَ هؤلاء الطاعنين من سُفَهاءِ الأحلامِ وغيرهم على العلماء، ما هو إلا كصريرِ بابٍ، وطنينِ ذبابٍ، ونُوقِنُ بأنها زوبعةٌ في فنجان. ويُقصد به التشويشِ على عامةِ المسلمين والطعن في العلماء.

وأن ما قلته في مسألة تباعد المصلين هو جواز الأخذ بالقول المخالف نظراً للظرف الخاص بالمسجد الأقصى المبارك.

وأنه لا يجوز للمفتي أن يحمل الناس على قوله، وليس الخلاف في الفروع الفقهية إما أسودَ وإما أبيضَ، فالأمر فيه سعةٌ.

وأنه في تاريخنا الفقهي غيَّر كبارُ فقهاء الإسلام أقوالهم في مسألةٍ أو مسائل، بل غيَّر الإمامُ الشافعي مذهبه لما ذهب من العراق إلى مصر.

وأن ما قررته في هذه المقالة هو القولُ الحقُّ عند علماء وفقهاء الإسلام، ولا تلتفتوا لكلام سفهاءِ الأحلام، الذين تقطرُ قلوبُهم وألسنتُهم حقداً وحسداً على مَنْ خالفهم من المسلمين من الأفراد أو الجماعات، في حين يسلمُ من ألسنتهم الطغاة والبغاة وأعداء الإسلام.

وختاماً فقد قال الإمام القرطبي:[والبذيءُ اللسانِ يُسمَّى سفيهًا؛ لأنَّه لا تكادُ تتفقُ البذاءةُ إلا في جُهالِ الناس، وأصحابِ العقولِ الخفيفةِ]

وقال الشيخ عبد الرزاق البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر: [سادتي الفقهاء : وإني لا أعجبُ ممن جهلَ عظيمَ قدْرِكم فعاداكم، ونقلَ عنكم ما لم تتفوه به قط فاكم “كذا”، فإنه حَسَدٌ، ومثلكم مَنْ يُحسَد، والحسدُ لا تهمدُ نارهُ ولا تخمد، إنما أعجبُ من كونه ظلمَ نفسَه، وانطوى على البغي الشنيع، وإنه لا يرقبُ في مؤمنٍ إلاً ولا ذمةً، وإن الله لسميعٌ، تحلى وتروج بالكذبِ والتمويه، وتخلى عن كل ما فيه على كرمِ النفس دلالةٌ وتنويهٌ، ولكن على جنابكم حُسْنُ التفويض والتسليم لأمرِ مولاكم، فلا بدَّ إن شاء الله أن يريكم بسرعة العود لعلمكم وكتبكم، ما تقرُّ به أعيُنُكم، وبالصبرِ تُجتنى ثمراتُ الآمال، واللهُ تعالى يُحسنُ لنا ولكم الحالَ والمالَ، آمين] نقلاً عن “إنصاف الفقهاء للمخالف” بتصرف.

والله الهادي إلى سواء السبيل