maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

السبُّ والشتمُ لأهل العلم الشرعي على مواقع التواصل الاجتماعي

يقول السائل:ما قولكم في ظاهرة سبِّ وشتمِ أهل العلم على مواقع التواصل الاجتماعي لمجرد الخلاف في الرأي،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:كثُر في أيامنا هذه استعمالُ مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر واليوتيوب وغيرها، ومعلوم أنها من وسائل النشر سريعة الانتشار، وقد قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام:[للوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام 1/46.

وقال الإمام القرافي:[اعلم أن الذريعة كما يجب سدُّها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج. وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريمٍ وتحليلٍ، غير أنها أخفض رتبةً من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلةً الوسيلة] الفروق 2/33.

واستعمالُ مواقع التواصل الاجتماعي، خاضعٌ للضوابط الشرعية، ومن أهمها أنه لا يجوز شرعاً استعمالها كمنصاتٍ للسبَّ والشَتمِ للناسِ عامةً وسبِّ وشتمِ أهل العلم الشرعي خاصةً بسبب الخلاف في مسائل العلم الشرعي.

ثانياً:إن الطعنَ واللعنَ والسبَّ والشتم والفُحش ليست من أخلاق المؤمنين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححاه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَكْمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَاناً أَحسَنُهُم خُلُقاً، وخيارُكُم خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهمْ) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وقد وردت أقوالٌ كثيرةٌ عن السلف والعلماء في ذمِّ الفُحش والبذاءة والطعن واللعن والسب والشتم منها:قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:(ألأَمُ خُلُقِ المؤمن، الفُحْش).

ورأى أبو الدرداء رضي الله عنه امرأةً سليطةَ اللسان، فقال: (لو كانت هذه خرساء، كان خيراً لها).

وقال إبراهيم بن ميسرة: (يقال: الفاحش المتفحش يوم القيامة، في صورة كلبٍ، أو في جوف كلب).

وقال عون بن عبد الله: (ألا إنَّ الفحش والبذاء من النفاق، وهن مما يزدن في الدنيا، وينقصن في الآخرة، وما ينقصن في الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا).

وقال الأحنف بن قيس:(أولا أخبركم بأدوأ الداء: اللسان البذيء، والخلق الدنيء).

وقال الأصمعي: (جرى بين رجلين كلام، فقال أحدهما لصاحبه: لمثل هذا اليوم كنت أدع الفحش على الرجال. فقال له خصمه: فإني أدع الفحش عليك اليوم؛ لما تركت قبل اليوم).

وقال ابن حبان البستي: (إنَّ الوقح إذا لزم البذاء، كان وجود الخير منه معدومًا، وتواتر الشر منه موجودًا، لأنَّ الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كلها، فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها).

وقال القرطبي: (والبذيء اللسان يسمَّى سفيهًا؛ لأنَّه لا تكاد تتفقُ البذاءةُ إلا في جُهال الناس، وأصحاب العقول الخفيفة).

وقال القاسمي: (كلام الإنسان، بيان فضله، وترجمان عقله، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل، وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام).

وقال بعض الحكماء: لا تضع معروفك عند فاحش، ولا أحمق، ولا لئيم؛ فإن الفاحش يرى ذلك ضعفًا، والأحمق لا يعرف قدْرَ ما أتيت إليه، واللئيم سبخة -السبخة: أرض ذات نز وملح- لا ينبت ولا يثمر، ولكن إذا أصبت المؤمن؛ فازرعه معروفك تحصد به شكرًا). dorar.net/akhlaq

إن الذين يسبون ويشتمون إنما يعبرون عن حقيقة نفوسهم المريضة، كما يقول الطب النفسي: حين يلجأُ الإنسانُ الى استخدامِ الألفاظ الساقطة أخلاقياً، وحينما يعتادُ على السبِّ والشتائم في التعبير عن رأيه، إنما يُعبِّر عن إفلاسه الفكري، ومستواه المنحط أخلاقياً، وإن هذه النوعية من البشر تُصبح فيروساً ضاراً وخطيراً على المجتمع.

ثالثاً: لا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي، فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم، وأهل العلم لهم حرمةٌ. وقد وردت نصوصٌ كثيرةٌ في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي:[بابُ توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم]،ثم ذكر قولَ الله تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} سـورة الزمر الآية 9، ثم ساق الإمامُ النووي طائفةً من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار،وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص 187-192.

ومما ورد في احترام العلماء قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ) رواه أحمد والحاكم، وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب 1/152.

وعن عبد الرحمن بن غنم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(خيارُ عباد الله الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى، وشرارُ عباد الله الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، والمفرِّقون بين الأحبة، الباغونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ) رواه أحمد والمنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه أحمد عن شهر عنه وبقية إسناده محتجٌ بهم في الصحيح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه لغيره العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحبُ العقيدة الطحاوية المشهورة:[وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص 554.

وقد حذر العلماء من سبِّ العلماء ومن الوقيعة بهم، فقد ورد عن الإمام أبي العباس الأذرعي الشافعي قوله:[الوقيعةُ في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب] حرمة أهل العلم ص 319.

ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغلٌ إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويحاول هؤلاء الصبية من أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة تشويهَ صورة العلماء، وتنفير عامة الناس منهم، بوصفهم هؤلاء العلماء بأنهم علماء السلاطين، كما زعم هؤلاء النكرات، ويظنون أنهم بفعلتهم

الشنيعة هذه ينالون مكانةً في المجتمع، وعلى هؤلاء أن يعلموا أن الأمة لا تحترمُ ولا تُقدرُ إلا من يحترم العلماء.

والأصل في المسلم الصادق أنه لا يتخذ وسائل التواصل الاجتماعي محلاً للتجريح والسبِّ والشتمِ، بل يتخذها وسائل لنشر الدعوة والعلم الشرعي والأخلاق الحميدة، ولا يتخذها محلاً للتجريح والسبِّ والشتم وخاصةً في حقِّ العلماء، إلا أشباه طلبة العلم من أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة، ومن سار على نهجهم، ممن تضيق صدورهم بالخلاف، حتى في مسائل الفروع، هؤلاء المطايا الذين يستعملهم أعداءُ الإسلام من حيث يشعرون أولا يشعرون، ليشوهوا العلماء والدعاة المشهود لهم بحُسن السيرة والعلم، يتخذون السبَّ والشتم والتجريح وسيلةً للتسلق. هؤلاء يسلطون ألسنتهم القذرة على العلماء والدعاة، بينما نجد أن أعداء الإسلام من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين واليهود والنصارى يسلمون من ألسنتهم، هؤلاء ينطبق عليهم ما قاله إياسُ بن معاوية المُزني أحدُ سلف هذه الأمة المباركة، فعن سفيان بن حسين قال:(ذكرتُ رجلاً بسوءٍ عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والتُرك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الرومُ والسِّندُ والهندُ والتُركُ، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟ !قال: فلَم أعُد بعدها)البداية والنهاية لابن كثير 13/121.

وقال بكر بن عبد الله:(إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب النَّاس، ناسياً لعيبه، فاعلموا أنَّه قد مُكِرَ به) صفة الصفوة 3/249.

وقال الإمام أحمد:(ما رأيت أحداً تكلم في الناس وعابهم إلا سقط).

وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}:[وهذا كله حضٌ على مكارم الاخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مُداهنةٍ، ومن غير أن يتكلم معه بكلامٍ يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناسٌ ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدةٌ، فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي؟] تفسير القرطبي 2/16.

وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية عندما وصف أمثال هؤلاء بالذباب، إذ قال:[إنَّ بعض الناس لا تراه إلا مُنتقداً داءً، يَنسى حسنات الطوائف والأجناس، ويذكر مثالبهم، فهو مثل الذباب يترك مواضع البرد والسلامة، ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج]

islamport. com/w/amm/Web/2571/11136

وصدق الشاعر إذ قال:

شرُّ الورى بمساوي الناس مشتغلٌ مثل الذباب يُراعي موضع العلل

وقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء:[ إنما نحترمك ما احترمت الأئمة].

وما أحسن هذه الكلمة النَيِّرةِ المضيئةِ التي قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله:[ اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}]

وعلى هؤلاء الشاتمين للعلماء المستترين تحت أسماء وهمية على صفحات التواصل الاجتماعي أن يعلموا

أن الله سيحاسبهم على طعنهم وسبهم وشتمهم يوم القيامة، وعلى كل خائضٍ في أعراض العلماء ظلماً وعدواً إن حُمل عنه ذلك، واقتدي به فيه، فقد سنَّ سيئةً، فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال على الشر كفاعله، والسعيد مَنْ إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى:{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}سورة يــس الآية 12. www.dorar.net

وقال الشاعر:

وما من كاتبٍ إلا سيلقى غداةَ الحشرِ ما كتبت يداهُ

فلا تكتبْ بكفكِ غيرَ شيءٍ يسُركَ في القيامةِ أن تراهُ

رابعاً: أقول لهؤلاء الذين تضيق صدورهم بالخلاف الفقهي في الفروع، والذين يحجرون واسعاً،إن المقرر عند أهل العلم أن الخلاف في الفروع الفقهية موجودٌ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الفروع كثيرةٌ، وهنالك علمٌ مستقلٌ يسمى علم [أسباب اختلاف الفقهاء] وقد ألفَّ فيه العلماءُ قديماً وحديثاً، فمن المؤلفات فيه:”الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم” لعبد الله البطليوسي، و”رفعُ الملام عن الأئمة الأعلام” لشيخ الإسلام ابن تيمية، و”الإنصاف في أسباب الخلاف” للدهلوي، و”أسباب اختلاف الفقهاء” لعلي الخفيف، و”أسباب اختلاف الفقهاء” للتركي وغيرها.

ولا بد لطلبة العلم الشرعي أن يدرسوا أسباب اختلاف الفقهاء، حتى يكونوا على بينةٍ من اختلافات العلماء، وحتى لا يقعوا في أعراض العلماء بالتجهيل والسبِّ والشتم.

وقد قرر العلماءُ أن الخلافَ في مسائل الفروع على نوعين:

الأول: خلافٌ سائغٌ مقبولٌ معتبرٌ، وهو اختلافُ العلماء في مسائل الفروع التي ليس فيها نصٌ صحيحٌ صريحٌ، أو لا يوجد فيها نصوصٌ أصلاً، وليست مجمعاً عليها، أي هي من المسائل التي للاجتهاد فيها مسرحٌ، وهذا الخلافُ يوصف بالخلاف القوي، ومعلومٌ أن هذا الخلاف المعتبر له أسبابه، وهي أسباب الاختلاف السائغ المقبول، كما هو معروف في علم “أسباب اختلاف الفقهاء”.

وهذا الخلاف يتكلم فيه العلماء فقط، وليس العوام وأشباه المتعلمين، وأدعياء الوعي والفكر والثقافة ونحوهم من الحزبيين، الذين تجاوزا الحدود بالسبِّ والشتمِ والطعنِ في أعراض العلماء ونياتهم، والواحدُ من هؤلاء لا يعرفُ كوعَه من بوعِه؟ هؤلاء تجرؤوا على الفتوى وهم جاهلون بمبادئ العلم الشرعي، وأدعياء العلم هؤلاء اقتحموا هذه العقبة الكؤود، ولم يستعدوا لها، فلو سألت أحدهم عن مبادئ وقواعد أصول الفقه، لما عرفها، فلو سألته ما العام؟ وما الخاص؟ وما المطلق وما المقيد؟ وما القياس ؟ وما الحديث المرسل؟ لما أحرى جواباً. ولو سألته عن أمهات كتب الفقه المعتبرة لما عرفها، ولو سألته عن آيات الأحكام من كتاب الله وعن أحاديث الأحكام من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عرف شيئاً.

وأبعدُ من هؤلاء عن العلم الشرعي الذين يُنظِّرون لهم، ممن يتخذون لباساً أكبر من مقاسهم، وينطبق عليهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:( المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي:[قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل، فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور] شرح النووي على صحيح مسلم 4/291.

ولا شك أن صفة التعالم داخلةٌ في هذا الحديث وما كان في معناه، وآفة التعالم قديمة جديدة، فالمتعالمون موجودون في كل عصرٍ وأوان، وقد ابتليت الأمة بالمتعالمين، الذين يظهرون في لباس العلماء، وحقيقتهم جهلٌ فاضحٌ، بل جهلٌ مركبٌ، فهم جاهلون ويجهلون أنهم جاهلون. وهؤلاء المتعالمين ذوي ألسنةٍ حدادٍ يسلطونها على أهل العلم، المتقدمين منهم والمتأخرين، فيسفهون أقوالهم ويلمزونهم، وينتقصونهم، ويلصقون كل مذمةٍ بهم، وفي زماننا هذا كثر المتعالمون، خاصة مع انتشار

الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي، وآفة هؤلاء المتعالمين أنهم لم يتعلموا قبل أن يتصدروا، فهم قد تزببوا قبل أن يتحصرموا، أي صاروا زبيباً قبل أن يصيروا حصرماً. وأنى لإنسانٍ أن يصير عالماً قبل أن يتعلم، بل قبل أن يتعب في طلب العلم على العلماء، فمن لم يحن ركبتيه في مجالس العلماء، لا يجوز أن تُحنى عنده الركب، ومن لم يحصل العلم كيف له أن يُعلم غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، فهؤلاء المتعالمين ليسوا من حملة الشهادات الشرعية، ولا هم من ممن درسوا على العلماء، فتعلموا منهم فصاروا علماء مثلهم، وإنما تعلموا من قراءة بعض الكتب، فظنوا أنفسهم علماء يشار لهم بالبنان. وينطبق عليهم قول الشيخ ابن دقيق العيد:يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ ومن أنتمو حتى يكون لكم عندُ

ولله درُّ أبي العلاء المعريّ عندما قال: مفرقاً بين الحالين:

من الناسِ من لفظُهُ لؤلؤٌ يبادرُه اللقطُ إذ يُلفَظُ

وبعضهُمُ لفظُهُ كالحصى يُقالُ فيُلغَى ولا يُحفَظُ

النوع الثاني: خلافٌ غيرُ سائغٍ ولا مقبولٍ، بل مردودٌ غيرُ معتبرٍ. ويكون فيما إذا خالف أحدٌ نصاً صريحاً من القرآن الكريم أو خالف نصاً من السنة النبوية قطعي الدلالة، أو خالف إجماعاً صحيحاً، أو ناقض المسلَّمات الشرعية، أو تعارض مع مقاصد الشريعة الغراء. كمن يقول بتحليل الربا، أو شرب الخمر ويزعم أن الخمر غير محرمة في كتاب الله عز وجل، أو يقول بأن الزنا باستعمال الواقي لا يعتبر زناً شرعاً، ونحو ذلك من الأباطيل. وهذا هو الخلاف الضعيف، وذلك لضعف دليله، وهذا الخلافُ يجب فيه الإنكار، لأنه خلافٌ غيرُ معتبرٍ، وليس له أي قيمةٍ علميةٍ عند العلماء. قال أبو الحسن بن الحصار المالكي:

وليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتبراً إلا خلافٌ له حظٌ من النَّظرِ

وخلاصة الأمر:

أن استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، خاضعٌ للضوابط الشرعية، ومن أهمها أنه لا يجوز شرعاً استعمالها كمنصاتٍ لسبَّ وشَتمِ الناسِ عامةً وسبِّ وشتمِ أهل العلم الشرعي خاصةً بسبب الخلاف في مسائل العلم الشرعي.

وأن الطعنَ واللعنَ والسبَّ والشتم والفُحش ليست من أخلاق المؤمنين لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ).

وأن الذين يسبون ويشتمون العلماء إنما يعبرون عن حقيقة نفوسهم المريضة.

وأن احترامَ العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي، فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم، وأهل العلم لهم حرمةٌ. وقد وردت نصوصٌ كثيرةٌ في تقدير العلماء واحترامهم.

وأن المسلم الصادق لا يتخذُ وسائلَ التواصل الاجتماعي محلاً للتجريح والسبِّ والشتمِ، بل يتخذها وسائل لنشر الدعوة والعلم الشرعي والأخلاق الحميدة.

وأنه لا يتخذها محلاً للتجريح والسبِّ والشتم وخاصةً في حقِّ العلماء، إلا أشباه طلبة العلم من أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة، ومن سار على نهجهم، ممن تضيق صدورهم بالخلاف، حتى في مسائل الفروع.

وأن من المقرر عند أهل العلم أن الخلاف في الفروع الفقهية موجودٌ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أسباب اختلاف الفقهاء في مسائل الفروع كثيرةٌ، وهنالك علمٌ مستقلٌ يسمى علم [أسباب اختلاف الفقهاء].

وأن الخلاف المعتبر في الفروع الفقهية يتكلمٌ فيه العلماء فقط، وليس العوام وأشباه المتعلمين، وأدعياء الوعي والفكر والثقافة ونحوهم من الحزبيين، الذين تجاوزا الحدود بالسبِّ والشتمِ والطعنِ في أعراض العلماء ونياتهم، والواحدُ من هؤلاء لا يعرفُ كوعَه من بوعِه؟

والله الهادي إلى سواء السبيل