maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

الجُرأَةُ على الفتوى في زمنِ “كورونا”

يقول السائل: ما قولكم في الفتاوى الكثيرة التي انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي في  زمنِ “كورونا” في قضايا كبيرةٍ وصدرت عن أناس ليسوا من أهل الفتوى، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: إن الفتوى بمجردِ الرأي دون علمٍ، وبدون دليلٍ بابٌ من أبواب الضلالة، فالفتوى من أخطر الأمور وأشدِّها، لأنها في الحقيقة توقيعٌ عن ربِّ العالمين كما قال العالمون، وكثيرٌ من الذين يتصدرون للفتوى على صفحات التواصل الاجتماعي، لا يدركون خطورة شأن الفتوى، وما يجب أن يكون عليه المفتي من علمٍ وصدقٍ والتزامٍ بشرع الله. قال تعالى:{فاسْألُوا أهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}سورة النحل الآية 43، وقال ابن عباس رضي الله عنهما:[أهل الذكر هم أهل العلم] تفسير القرطبي10/108.

وقال العلامة ابن القيم:[ولما كان التبليغ عن الله سبحانه وتعالى يعتمدُ العلمَ بما يُبلغ،  والصدقَ فيه، لم تصلحْ مرتبةُ التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ، صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضلُهُ، ولا يُجهل قدرُهُ، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيقٌ بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عُدَّته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرجٌ من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصرُهُ وهاديه، وكيف وهو المنصبُ الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ}سورة النساء الآية 127، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}سورة النساء الآية 176، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤولٌ غداً وموقـوفٌ بـين يـدي الله] إعلام الموقعين 2/16-17.

وإن مما ابتلي به المسلمون في زمنِ “كورونا” أن يتسور على العلم الشرعي من ليس له بأهلٍ، حتى صارت الفتوى في أمور الدِّين حمىً مستباحاً للذين ليس بينهم وبين العلم نسبٌ ولا علاقةُ مودةٍ أو قربى.وهذا أمرٌ كان موجوداً سابقاً ولكنه اتسع وزاد في زمنِ “كورونا” مع الأسف الشديد.

إن كثيراً من هؤلاء المتسورين على الفتوى، يفتون بغير علمٍ، ويتجرؤون على دين الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على قلة العلم وقلة التقوى والورع والعياذ بالله .

وقد كان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها ويعتبرون ذلك ثُّلْمَةً في الإسلام ومنكراً عظيماً يجب أن يمنع.عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يَقُول:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوساً جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)رواه البخاري ومسلم.

وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال:( من أُفتِيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه ) وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في المشكاة 1/81.وذلك لأن المستفتي معذورٌ إذا كان من أفتاه لبس لَبوسَ أهل العلم، وحشر نفسه في زمرتهم وغرَّ الناس بمظهره وسمته.

ومن ثَمَّ قرر العلماء أن من أفتى وليس بأهلٍ للفتوى فهو آثمٌ عاصٍ، ومن أقره على ذلك فهو عاص أيضاً.وهؤلاء بمنزلة من يدلُّ الرَكبَ وليس له علمٌ بالطريق، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم .وإذا كان يتعين منع من لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب ولا السنة ولم يتفقه في الدين؟

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على هؤلاء ولما قال له بعضهم يوماً: أجُعلت محتسباً على الفتوى ؟ قال له: يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ، ولا يكون على الفتوى محتسب .الفتوى بين الانضباط  والتسيب ص22-24 بتصرف.

وروي عن أبي حصين الأسدي أنه قال: [إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر.

 قال البهوتي الحنبلي:[وقد كان السلف الصالح يهابون الفتيا كثيراً، ويتشددون فيها، ويتدافعونها حتى ترجع إلى الأول لما فيها من المخاطرة، وأنكر أحمد وغيره من الأعيان على من يهجم على الجواب، وقال:”لا ينبغي أن يجيب في كل ما يستفتى به”] شرح منتهى الإرادات 3/483.

وقال ابن القيم في مبحث:”تورع السلف عن الفتيا”:[وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كلُّ واحدٍ منهم أن يكفيه إياها غيره؛ فإذا رأى أنها تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى] إعلام الموقعين 1/32.

انظروا إلى حال السلف والعلماء في الزمن الماضي، وقد تغير ذلك مع مرور الأزمان، فها هو   الإمام القرافي المتوفى سنة 684هـ يصف حال الفتوى في زمانه فيقول:[وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهل على الناس أمرُ دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح، وما لا يصلح؛ وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم، وأن يقول أحدهم:” لا أدري” فلا جرمَ آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال] الفروق 3/200.فكيف بحالنا في أيامنا هذه أيام الفيسبوك وأخواتها؟!

ثانياً: في زمن “كورونا” ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر واليوتيوب والواتس أب وغيرها وكذا الشبكة العنكبوتية-الإنترنت- تصدى للفتوى أصنافٌ من الناس غير المؤهلين، أذكر صنفين منهم:

الأول بعض الدعاة وأشباههم من غير المتخصصين في الفقه وأصوله وقواعده، فهؤلاء صدرت عنهم فتاوى في نازلة “كورونا” والأحكام المتعلقة بها،وقد أتوا بالعجب العجاب في فتاواهم كما في فتوى” اقتداءِ المأمومِ بالإمام في صلاة التراويح عن بُعدٍ عِبْرَ البثِّ المباشر بالتلفاز أو والمذياع” التي صدرت عن أحد الدعاة، وقد أتى باستدلالات غريبة كاستدلاله بالقاعدة الفقهية:” لَا يُنْكَرُ تَغَيُّرُ الْأَحْكَامِ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ” أو قاعدة “العادةُ محكَّمة” مع أن القاعدتين لا علاقة لهما بالعبادات عامةً ولا بالصلاة خاصةً؟!

الصنف الثاني: من العوام وأشباه المتعلمين، ومن أدعياء الوعي والثقافة ونحوهم من الحزبيين، الذين تصدوا للفتوى والردِّ على الفقهاء والمجامع الفقهية، بل تجاوزا الحدود بالسب والشتم والطعن في أعراض العلماء ونياتهم، والواحدُ من هؤلاء لا يعرفُ كوعَه من بوعِه؟ هؤلاء تجرؤوا على الفتوى وهم جاهلون بمبادئ العلم الشرعي، وأدعياء العلم هؤلاء اقتحموا هذه العقبة الكؤود، ولم يستعدوا لها، فلو سألت أحدهم عن مبادئ وقواعد أصول الفقه، لما عرفها، فلو سألته ما العام؟ وما الخاص؟ وما المطلق وما المقيد؟ وما القياس ؟ وما الحديث المرسل؟ لما أحرى جواباً. ولو سألته عن أمهات كتب الفقه المعتبرة لما عرفها، ولو سألته عن آيات الأحكام من كتاب الله وعن أحاديث الأحكام من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عرف شيئاً.

وأبعدُ من هؤلاء عن العلم الشرعي الذين يُنظِّرون لهم، ممن يتخذون لباساً أكبر من مقاسهم، وينطبق عليهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:( المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي:[قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل، فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور] شرح النووي على صحيح مسلم 4/291.

ولا شك أن صفة التعالم داخلةٌ في هذا الحديث وما كان في معناه، وآفة التعالم قديمة جديدة، فالمتعالمون موجودون في كل عصرٍ وأوان، وقد ابتليت الأمة بالمتعالمين، الذين يظهرون في لباس العلماء، وحقيقتهم جهلٌ فاضحٌ، بل جهلٌ مركبٌ، فهم جاهلون ويجهلون أنهم جاهلون. وهؤلاء المتعالمين ذوي ألسنةٍ حدادٍ يسلطونها على أهل العلم، المتقدمين منهم والمتأخرين، فيسفهون أقوالهم ويلمزونهم، وينتقصونهم، ويلصقون كل مذمةٍ بهم، وفي زماننا هذا كثر المتعالمون، خاصة مع انتشار الإنترنت ووسائل الاتصال الأخرى، فترى كتابات المتعالمين وأقوالهم تغصُّ بها مواقع الشبكة العنكبوتية، وآفة هؤلاء المتعالمين أنهم لم يتعلموا قبل أن يتصدروا، فهم قد تزببوا قبل أن يتحصرموا، أي صاروا زبيباً قبل أن يصيروا حصرماً. وأنى لإنسانٍ أن يصير عالماً قبل أن يتعلم، بل قبل أن يتعب في طلب العلم على العلماء، فمن لم يحن ركبتيه في مجالس العلماء، لا يجوز أن تُحنى عنده الركب، ومن لم يحصل العلم كيف له أن يُعلم غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهؤلاء المتعالمين يزعمون أنهم قد حازوا علوم الشرع كلها، بقراءة كتاب أو كتابين، فترى بعضهم يفسر القرآن الكريم، ويستخف بابن جرير الطبري شيخ المفسرين، ولا يساوي ابن كثير وغيره من المفسرين شيئاً عنده، وآخر يعدُّ نفسه مجتهداً في الفقه والأحكام، وكأنه أبو حنيفة زمانه، أو شيخ الإسلام ابن تيمية، وهؤلاء المتعالمين يشنون حملةً شعواء على حملة الشهادات الشرعية من العلماء المعاصرين، ويعتبرونها منقصةً، وهم في الحقيقة كالثعلب الذي لم يستطع أن يصل إلى قطف العنب فقال عنه: حامض!! فهؤلاء المتعالمين ليسوا من حملة الشهادات الشرعية، ولا هم من ممن درسوا على العلماء، فتعلموا منهم فصاروا علماء مثلهم، وإنما تعلموا من قراءة بعض الكتب، فظنوا أنفسهم علماء يشار لهم بالبنان. وينطبق عليهم قول الشيخ ابن دقيق العيد:

يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ          ومن أنتمو حتى يكون لكم عندُ

وقال الخطيب البغدادي:[الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً].

ولله درُّ أبي العلاء المعريّ عندما قال: مفرقاً بين الحالين:

 من الناسِ من لفظُهُ لؤلؤٌ  يبادرُه اللقطُ إذ يُلفَظُ

وبعضهُمُ لفظُهُ كالحصى  يُقالُ فيُلغَى ولا يُحفَظُ

ولا بد أن أنبه على أننا نعيش في عصر اعتبر فيه الاختصاص شيئاً أساسياً، فالاختصاص معتبرٌ في جميع نواحي الحياة تقريباً. فمثلاً يشترط في أعضاء هيئة التدريس في الجامعات أن يكون الواحد منهم متخصصاً في العلم الذي يدرّسه، وكذلك يشترط الاختصاص في الطب وفروعه المتعددة، وكذلك يشترط الاختصاص في الحِرَف والمهن وغيرها.بل إن الاختصاص تطور وصار هنالك في العلم الواحد تخصصات كثيرة، وقد يكون المتخصص في أحد فروع العلم المعاصر عامياً في فرع آخر من فروع ذلك العلم.وإذا كان الاختصاص له كل هذا الاعتبار في مجتمعنا فلماذا لا يعتبر في العلوم الشرعية ؟

إن العلم الشرعي بحرٌ لا ساحل له، وفروع العلم الشرعي عديدةٌ كعلوم القرآن وعلوم الحديث والفقه وأصول الفقه والعقيدة  وغيرها، ونحن في هذا الزمان كدنا نفقد ذلك العالم الموسوعي الذي يحيط بمعظم العلوم الشرعية، فنقرأُ في كتب التراجم في وصف عالم من علمائنا المتقدمين أنه كان مفسراً محدثاً فقيهاً عالماً بالأصلين…إلخ. وهذا في زماننا صار نادراً، بل إن كثيراً من حملة الشهادات في العلوم الشرعية، لا يكادون يتقنون تخصصهم الذي كانت معظم دراستهم فيه، فضلاً أن يتقنوا تخصصاً آخر من التخصصات الشرعية.وبناء على ذلك أقول: إنه لا يكفي أن يتعرض للفتوى في دين الله من ليس له صلةٌ بالفقه والأصول، وإن كان قد درس التفسير أو علوم القرآن أو الحديث أو السياسة الشرعية، وكذلك فإن كثيراً من الموظفين الرسميين في الوظائف الدينية ليسوا أهلاً للإفتاء في دين الله وإن لبسوا لباس العلماء.وكذلك المثقفون بالثقافة الدينية الذين قرأوا الكتب بأنفسهم أو على أقرانهم، فهؤلاء لا يوثق بعلمهم، لأن العلم الشرعي لا بدَّ فيه من التلقي على أيدي العلماء والشيوخ، ولا يكفي أخذه من الكتب أو أن يأخذه طالب علم عن طالب علم مثله، بل الصحيح أن يأخذه طالب العلم عن شيخه، قال الإمام الشافعي:[ من تفقه من الكتب ضيع الأحكام ] مقدمة المجموع للنووي 2/38.

وقال الإمام النووي:[ قالوا ولا تأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءةٍ على شيوخٍ أو شيخٍ حاذقٍ، فمن لم يأخذه إلا من الكتب يقع في التصحيف ويكثر منه الغلط والتحريف ] مقدمة المجموع للنووي 1/36.

ثالثاً: في زماننا هذا استوى العالمُ والجاهلُ في النشرِ على وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر واليوتيوب والواتس أب وغيرها وكذا الشبكة العنكبوتية-الإنترنت-، ولا تظنن أن كل من نشر وأبدى رأيه في مسائل العلم الشرعي، صار عالماً بمجرد انتشار قوله على هذه الوسائل؟! ولا تظنن أن كلَّ من تكلم على العلماء وتهجم عليهم استحق رداً، معاذ الله، قال الشاعر:

 لو أن كلَُّ كلبٍ عوى ألقمتُهُ حجرًا    لأصبح الصخرُ مثقالاً بدينارِ

وقال الآخر: لقد جلَّ قدْرُ الكلبِ إن كان كلما    عوى وأطال النبحَ ألقمتهُ الحجَرِا

وقال الآخر: فما تبالي السما يوماً إذا نبحتْ    كلُّ الكلابِ وحقِّ الواحدِ الباري

لذا أنصح العلماء وطلبة العلم الشرعي ألا ينشغلوا بالردود على القضايا المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي من أمور الإسلام، وهي كثيرةٌ جداً مما ينشره الملحدون والعلمانيون وأشباه المتعلمين وغيرهم.

وإلى كل الجريئين على الفتوى في دين الله بغير علم ولا دليل، اسمعوا قول الله تعالى:{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} سورة الإسراء الآية 36.

وقوله تعالى:{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}سورة النحل الآية 116.

وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوساً جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)

رابعاً: إن الفقهاء عندما يتصدون للفتوى في النوازل المعاصرة كنازلة “كورونا” يسيرون على بينةٍ وهدىً ومنهجٍ شرعيٍ أصيلٍ في التعامل معها، ولا يسايرون العامة في إفراطهم أو تفريطهم، ولا يسيرون وفق رغبات الناس وأهواءهم، ولا يمشون على طريقة “ما يطلبه المستمعون”.

وهنالك أسسٌ علميةٌ شرعيةٌ لدراسة النوازل المعاصرة وألخصها فيما يلي:

(1) بعد التأكد من وقوع النازلة لا بدَّ من فهمها فهماً صحيحاً مطابقاً للواقع.

(2) استشارةُ أهل الاختصاص إذا كانت النازلة من المسائل الطبية أو الاقتصادية أو المالية أو الفلكية أو الطبيعية ونحوها، فالرجوع إلى أهل العلم في هذه الفنون مطلوبٌ شرعاً امتثالاً لقوله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} سورة النحل الآية 43.

(3) عرضُ النازلة على كتاب الله عز وجل وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما أمر الله تبارك وتعالى بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} سورة النساء الآية 59. ثم دراسة النازلة بالنظر فيما قرره الفقهاء من قياسٍ واجتهادٍ ومصلحةٍ وعرفٍ وقواعد فقهية، ومقاصد شرعية يمكن أن تندرج النازلة تحتها.

(4) ذكرُ دليل الحكم في الفتوى النازلة.

(5) ما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات في النوازل المعاصرة، وإن كان لا يعتبرُ في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمةٌ على اجتهادات أفراد العلماء، فالاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يُعدُّ مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر.

خامساً:إن الواجب الشرعي يقتضي التحذيرَ من المتسورين على الفتوى والمجاهيل الذين يصدرون الفتاوى باسم حزبٍ أو جماعةٍ دون أن يُعرفوا بأعيانهم، حتى ينظر الناسُ هل هؤلاء أهل للفتوى أم ليسوا لها أهلاً؟ ويجب أن يُعلم أن الفتوى خاصةً وأمور الدين عامةً لا تقبل من المجاهيل، فالمجهول مردودُ الرواية، ولا يعتدُّ بقوله لا في وفاقٍ ولا في خلافٍ.

وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( سَيَكونُ في آخِرِ أُمَّتي أُناسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ ما لَمْ تَسْمَعُوا أنتُمْ ولا آباؤُكُمْ، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ) رواه مسلم.

وذكر الإمام ابن أبي حاتم هذا الأثر:[دينُك، دينُك، إنما هو لحمُك ودمُك، فانظر عمن تأخذ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا]

وقال الإمام أبو حنيفة:[تُكتب الآثارُ ممن كان عدلاً في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقيدتهم تضليلُ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أتى السلطان طائعاً حتى انقادت العامةُ له، فذاك لا ينبغي أن يكون من أئمة المسلمين]

وقد حقَّ لنا أن نبكي على أحوال أدعياء الفتوى كما بكى ربيعة الرأي – شيخ الإمام مالك- قَالَ مَالِكٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ وَارْتَاعَ لِبُكَائِهِ فَقَالَ لَهُ: أَمُصِيبَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْكَ ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَا هُنَا أَحَقُّ بِالسَّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ] وقال بعض العلماء:[ فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علمَ عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكرٌ أو غريبٌ، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب] إعلام الموقعين عن رب العالمين 6/118.

إذا تقرر هذا فإن العلم الشرعي لا يُؤخذ عن كل من هبَّ ودبَّ، وإنما يُؤخذ عن أهل العلم الصادقين، العاملين به، ويُؤخذ من العلماء الربانيين، قال محمد بن سيرين من أئمة التابعين:[ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه ] رواه مسلم في مقدمة صحيحه 1/76 .

وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون:[ إن العالم حجتُك بينك وبين الله تعالى، فانظر مَنْ تجعل حجتك بين يدي الله عز وجل ] الفقيه والمتفقه 2/178.

وقال الخطيب البغدادي:[ أَوَّلُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِي إِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَنْ يَطْلُبَ الْمُفْتِيَ, لَيَسْأَلَهُ عَنْ حُكْمِ نَازِلَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلَّتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِدُهُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ لَزِمَهُ الرَّحِيلُ إِلَيْهِ, وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُ, فَقَدْ رَحَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي مَسْأَلَةٍ…إلى أن قال: وَإِذَا قَصَدَ أَهْلَ مَحِلَّةٌ لِلْاسْتِفْتَاءِ عَمَّا نَزَلَ بِهِ, فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِ وَيَسْكُنُ إِلَى أَمَانَتِهِ عَنْ أَعْلَمِهِمْ وَأَمْثَلِهِمْ, لِيَقْصِدَهُ وَيَؤُمَّ نَحْوَهُ, فَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى الْعِلْمَ أَحْرَزَهُ, وَلَا كُلُّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ] الفقيه والمتفقه 2/177.

وقال الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) [باب اختيار الفقهاء الذين يتعلم منهم، ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة، وعرف بالستر والصيانة]

وقال الإمام الآمدي:[ القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة، بأن يراه منتصباً للفتوى والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن بالضد من ذلك] الإحكام في أصول الأحكام 4/453.

وقال الإمام القرافي المالكي:[ ولا يجوز لأحد الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع ] الذخيرة 1/147.

وقال الإمام الشوكاني:[ إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه فيسأله عن حادثته طلباً منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحانه أو ما في سنة رسول الله  فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به ويعرفه حق معرفته وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنة وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يستروون النصوص من العلماء ويعملون على ما يرشدونهم إليه ويدلونهم عليه وقد ذكر أهل الأصول أنه يكفي العامي في الاستدلال على من له أهلية الفتوى بأن يرى الناس متفقين على سؤاله مجتمعين على الرجوع إليه ولا يستفتي من هو مجهول الحال كما صرح به الغزالي والآمدي وابن الحاجب وحكى في المحصول الاتفاق على المنع ] إرشاد الفحول ص 271.

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين:[فلا بد من معرفة من هم العلماء حقاً، هم الربانيون الذين يربون الناس على شريعة ربهم، حتى يتميز هؤلاء الربانيون عمن تشبه بهم وليس منهم، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفعال، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق وإرادة الحق، فخيار ما عنده أن يلبس الحق بالباطل ويصوغه بعبارات مزخرفة، يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، بل هو البدع والضلالات الذي يظنه بعض الناس هو العلم والفقه وأن ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون] شرح كشف الشبهات عن شبكة الإنترنت.

وخلاصة الأمر:

أن الفتوى بمجردِ الرأي دون علمٍ، وبدون دليلٍ بابٌ من أبواب الضلالة، فالفتوى من أخطر الأمور وأشدِّها، لأنها في الحقيقة توقيعٌ عن ربِّ العالمين كما قال العالمون.

وأن مما ابتلي به المسلمون في زمنِ “كورونا” أن يتسور على العلم الشرعي من ليس له بأهلٍ، حتى صارت الفتوى في أمور الدِّين حمىً مستباحاً للذين ليس بينهم وبين العلم نسبٌ ولا علاقةُ مودةٍ أو قربى.وهذا أمرٌ كان موجوداً سابقاً ولكنه اتسع وزاد في زمنِ “كورونا” مع الأسف الشديد.

وأنه قد تصدى للفتوى أصنافٌ من الناس غير المؤهلين كبعض الدعاة وأشباههم من غير المتخصصين في الفقه وأصوله وقواعده،وكالعوام وأشباه المتعلمين، ومن أدعياء الوعي والثقافة ونحوهم من الحزبيين، الذين تصدوا للفتوى والردِّ على الفقهاء والمجامع الفقهية، بل تجاوزا الحدود بالسبِّ والشتم والطعن في أعراض العلماء ونياتهم، والواحدُ من هؤلاء لا يعرفُ كوعَه من بوعِه؟

وأنه في زماننا هذا استوى العالمُ والجاهلُ في النشرِ على وسائل التواصل الاجتماعي ولا تظنن أن كل من نشر وأبدى رأيه في مسائل العلم الشرعي، صار عالماً بمجرد انتشار قوله على هذه الوسائل؟! ولا تظنن أن كلَّ من تكلم على العلماء وتهجم عليهم استحق رداً.

وأن الفقهاء عندما يتصدون للفتوى في النوازل المعاصرة كنازلة “كورونا” يسيرون على بينةٍ وهدىً ومنهجٍ شرعيٍ أصيلٍ في التعامل معها، ولا يسايرون العامة في إفراطهم أو تفريطهم، ولا يسيرون وفق رغبات الناس وأهواءهم، ولا يمشون على طريقة “ما يطلبه المستمعون”.

وهنالك أسسٌ علميةٌ شرعيةٌ لدراسة النوازل المعاصرة.

وأن الواجب الشرعي يقتضي التحذيرَ من المتسورين على الفتوى والمجاهيل الذين يصدرون الفتاوى باسم حزبٍ أو جماعةٍ دون أن يُعرفوا بأعيانهم، حتى ينظر الناسُ هل هؤلاء أهل للفتوى أم ليسوا لها أهلاً؟

وأن الفتوى خاصةً وأمور الدين عامةً لا تقبل من المجاهيل، فالمجهول مردودُ الرواية، ولا يعتدُّ بقوله لا في وفاقٍ ولا في خلافٍ.

وأن العلم الشرعي لا يُؤخذ عن كل من هبَّ ودبَّ، وإنما يُؤخذ عن أهل العلم الصادقين، العاملين به، ويُؤخذ من العلماء الربانيين، قال محمد بن سيرين من أئمة التابعين:[ إن هذا العلم دينٌ فانظروا عمن تأخذونه ]

والله الهادي إلى سواء السبيل