maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

حكمُ التغريمِ بالمالِ في التحكيمِ الشرعي والعُرفِ العشائري

يقول السائل:ما قولكم فيما يُصدرُه المُحكَّمون الشرعيون وقضاةُ العُرفِ العشائري من غراماتٍ ماليةٍ في الخصوماتِ التي تُعرض عليهم، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الأصلُ المقررُ شرعاً أنّ إقامة الحدود والقصاص من أعمال الحاكم المسلم، أو من يُنيبه، وليس ذلك لأفراد الناس، فلا يجوز لفردٍ أو جماعةٍ تطبيق الحدود والقصاص، لأن هذا يفتح باباً عريضاً من أبواب الشر والفساد.

ومن الأدلة على أن تنفيذ الحدود والقصاص من اختصاص الدولة المسلمة ممثلةً بالإمام أو من يقومُ مقامَه، قولُ الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}سورة البقرة الآية 178. قال الإمام القرطبي في تفسير الآية:[لا خلاف في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأُ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مَقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود] تفسير القرطبي 2/245.

ومما يدل على ذلك قوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}سورة النور الآية 2. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية:[لا خلاف أن المخاطبَ بهذا الأمر الإمامُ ومن نابَ منابَه] تفسير القرطبي 12/161.

ويدلُ على ذلك أيضاً ما ورد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَه، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ) رواه مالك في الموطأ والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال العلامة الألباني:وهو كما قالا. السلسلة الصحيحة 2/272.

قال الإمام الشافعي:[لا يقيمُ الحدودَ على الأحرار إلا الإمامُ ومن فوض إليه الإمامُ، لأنه لم يُقَم حدٌّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، لأنه حقُّ الله يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَنُ في استيفائه الحيفُ، فلم يجز بغير إذن الإمام.] الأم 6/154.

وقال الكاساني الحنفي:[وأما شرائط جواز إقامتها -الحدود- فمنها ما يعمُّ الحدودَ كلها، ومنها ما يخصُّ البعض دون البعض، أما الذي يعمُّ الحدود كلها فهو الإمامة، وهو أن يكون المقيمُ للحدِّ هو الإمامُ أو من ولاه الإمام.]بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 9\204.

وقال الإمام القرطبي:[ اتفق أئمة الفتوى أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصَّ من أحدٍ حقه دون السلطان،وليس للناس أن يقتصَّ بعضُهم من بعضٍ، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل اللهُ السلطانَ ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض]تفسير القرطبي 2 \256.

وقال الشيخ العدوي المالكي:[إقَامَةُ الْحُدُودِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ، فَلَوْ تَوَلَّاهَا غَيْرُ الْإِمَامِ لَوَقَعَ مِنْ النِّزَاعِ مَا لَا يُحْصَى، إذْ لَا يَرْضَى أَحَدٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ] حاشيته على كفاية الطالب 1/360.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[لا يجوز لأحدٍ إقامةُ الحدِّ، إلا للإمام أو نائبه لأنه حقُّ لله تعالى، ويفتقرُ إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه الحيف، فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدَّ في حياته، ثم خلفاؤهُ بعده] الكافي 4/106.

وروى الإمام البيهقي بإسناده:[عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين يُنتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان] سنن البيهقي 8/245.

وقال الشيخ عبد القادر عوده تحت عنوان من الذي يُقيم الحدّ:[من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدَّ إلا الإمام أو نائبه، لأن الحدَّ حقُّ الله تعالى، ومشروعٌ لصالح الجماعة، فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة، وهو الإمام، ولأن الحدَّ يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤمنُ في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب، فوجب تركهُ لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه. وحضورُ الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ حضوره لازماً، فقال:(اغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، وأمر صلى الله عليه وسلم برجم ماعزٍ ولم يحضر الرجم. وأُتي بسارقٍ فقال: (اذهبوا به فاقطعوه)، لكن إذن الإمام بإقامة الحدِّ واجبٌ، فما أُقيم حدٌّ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، وما أُقيم حدٌّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي 2/444.

وجاء في الموسوعة الفقهية:[اتفق الفقهاء على أنه لا يقيمُ الحدَّ إلا الإمام أو نائبه، وذلك لمصلحة العباد، وهي صيانةُ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والإمام قادرٌ على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً، كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفيةٌ عن الإقامة في حقه، فيقيمها على وجهه، فيحصل الغرضُ المشروع بيقين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] الموسوعة الفقهية الكويتية 17/144-145.

ثانياً:ما تقرر سابقاً من أنّ إقامة الحدود والقصاص في حال وجود الحاكم المسلم الذي يسوس الدنيا بالدِّين، وأما في حال غيابه كما هو واقع المسلمين الآن، فإن من الفقهاء من يرى تنفيذها، وهو واجبُ العلماء وأهلُ الرأي في المجتمع حال غياب الإمام، قال إمام الحرمين الجويني: [وقد قال بعض العلماء:لَوْ خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ، فَحَقٌّ عَلَى قُطَّانِ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَسُكَّانِ كُلِّ قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ; فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ إِظْلَالِ الْوَاقِعَاتِ.] غياث الأمم ص 387.

وقال إمام الحرمين الجويني أيضاً:[ فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمورُ موكولةٌ إلى العلماء، وحقٌّ على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد

هُدوا إلى سواء السبيل، وصار علماءُ البلاد ولاةَ العباد ] غياث الأمم ص 391.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، كَالْجِهَادِ وَالْإِمَامَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ؟!] المغني 10/32.

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي:[ إذَا عدِمَ السُّلْطَانُ لَزِمَ أَهْل الشَّوْكَةِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا، فَتَنْفُذَ حِينَئِذٍ أَحْكَامُهُ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لِذَلِكَ.وقد صرح بنظير ذلك الإمام – الجويني- في الغياثي فيما إذا فقدت شوكةُ سلطان الإسلام أو نوابه في بلدٍ أو قطرٍ، وأطال الكلام فيه ونقله عن الأشعري وغيره. واستدل له الخطابي بقضية خالد بن الوليد وأخذه الراية من غير إمرةٍ لما أُصيب الذين أمَّرهم صلى الله عليه وسلم زيد فجعفر فابن رواحة رضي الله عنهم. قال: وإنما تصدى خالدٌ للإمارة لأنه خاف ضياع الأمر، فرضي به صلى الله عليه وسلم ووافق الحقَّ فصار ذلك أصلاً في الضرورات إذا وقعت في قيام أمر الدِّين.] تحفة المحتاج 7/257.

وقال العز بن عبد السلام:[إن من كُلِّف بشيءٍ من الطاعات فَقَدَر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه] قواعد الأحكام 2/ 6.

وقال الخطيب الشربيني:[ ولو خلا الزمانُ عن إمامٍ رجع الناسُ إلى العلماء، فإن كثُرَ علماء الناحية فالمتبع أعلمهم، فإن استووا وتنازعوا أُقرع كما قاله الإمام- الجويني-] مغني المحتاج ٤/ ٣٧٣.

وقال شيخ لإسلام ابن تيمية:[ وَالْأَصْلُ أَنَّ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ- إقامة الحدود- تُقَامُ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، فَمَتَى أَمْكَنَ إقَامَتُهَا مِنْ أَمِيرٍ لَمْ يُحْتَجْ إلَى اثْنَيْنِ، وَمَتَى لَمْ يَقُمْ إلَّا بِعَدَدِ وَمِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ، أُقِيمَتْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إقَامَتِهَا فَسَادٌ يَزِيدُ عَلَى إضَاعَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ “بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ” فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ وُلَاةِ الْأَمْرِ أَوْ الرَّعِيَّةِ مَا يَزِيدُ عَلَى إضَاعَتِهَا لَمْ يُدْفَعْ فَسَادٌ بِأَفْسَدَ مِنْهُ.] مجموع الفتاوى 34/176.

واستدل هذا الفريق من العلماء بقول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}سورة التغابن الآية 166.

وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) رواه البخاري ومسلم.

والذي أُرجحهُ في هذه المسألة هو جوازُ العقوبة المالية فقط في بلادنا لما سبق من الأدلة،وخاصةً أنه قد طال وقتُ غياب الدولة المسلمة بالاصطلاح الشرعي أكثر من قرنٍ من الزمان.وأنه يجب النظرُ إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد عند تطبيق عقوبة التعزير بالمال، فمن المعلوم أن الواجب على المسلمين العملُ بأحكام الشريعة الإسلامية على قدر الوسع والطاقة، وإذا عجَزوا عن بعض أحكامها لم يسقط عنهم ما كانوا قادرين عليه من أحكامها، والقاعدة الفقهية تقول:” الميسورُ لا يسقطُ بالمعسور” ومعناها أنَّ المأمور به إذا لم يتيسَّر فعلُه على الوجه الأكمل الذي أمَر به الشارع؛لعدم القدرة عليه،وإنما يمكن فعلُ بعضه

مما يمكن تجزُّؤه،فيجب فعلُ المقدور عليه، ولا يُتركُ الكلُّ بسبب البعض الذي يشقُّ فعله. www.alukah.net/sharia/0/9442/#ixzz65hsELqdJ

كما وأرجحُ أنه لا يجوز تنفيذُ القصاص والحدود في بلادنا في ظل غياب دولة الإسلام، لما قد يترتب عليه من مفاسد كبيرةٍ ، ومعلومٌ أن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح.

ورد في فتوى للشبكة الإسلامية:[ أما إقامة الحدود والتعزير، فلا يكون إلا لولي أمر المسلمين، لأن القول بخلاف ذلك مدعاةٌ للفساد والإفساد، فربما حدث خلافٌ بين اثنين فقام أحدهما بقتل صاحبه، فإذا حوكم قال: كان المقتول تاركاً للصلاة، أو نحو ذلك. ويستثنى من ذلك ما إذا كانوا بأرضٍ لا إمام فيها للمسلمين، فيكون إلى أعلم الناس إقامةُ الأحكام الشرعية من حدودٍ وتعازير ونحوهما. قال الإمام الشربيني:ولو خلا الزمان عن إمام رجع الناسُ إلى العلماء، فإن كثُر علماءُ الناحية فالمتبعُ أعلمهم، فإن استووا وتنازعوا أُقرع كما قال الإمام.ا.هـ ولاشك أن هذا مقيدٌ بعدم حصول فتنة، ومفسدة أكبر يغلب على الظن وقوعها.] www.islamweb.net

ثالثاً: العقوبة بالمال – الغرامة المالية – محلُّ خلافٍ بين الفقهاء المتقدمين والمعاصرين، والمسألةُ من مسائل الخلاف الكبيرة، فقد بحثها الفقهاءُ في مواضع متعددة ،منها مسألة مانع الزكاة، وفي التعدي على الأموال وغيرهما، ولا يتسع المقام للتفصيل، ولكن القول الراجح أن مبدأ العقوبة بالمال مشروعٌ، وقامت الأدلةُ الكثيرةُ على جوازه بشكلٍ عام، واشتهر عن الصحابة رضي الله عنهم جواز التعزير بالمال، فقد نُقل ذلك عنهم في قضايا كثيرة ولم يُعرف منهم مخالفٌ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[والتعزير بالمال سائغٌ إتلافاً وأخذاً، وهو جارٍ على أصل أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابهُ أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها. وقول الشيخ أبى محمد المقدسي: ولا يجوز أخذ مال المعزَّر فإشارةٌ منه إلى ما يفعله الولاةُ الظلمةُ] الاختيارات الفقهية 1/261.

وادَّعى بعض أهل العلم أن العقوبة المالية منسوخةٌ، ودعوى النسخ هذه غير مُسلَّمةٍ، قال الإمام النووي:[ النسخ يحتاج إلى دليلٍ ، ولا قدرة لهم عليه هنا ] روضة الطالبين 5/209.

وقال العلامة ابن القيم:[ ومن قال إن العقوباتِ المالية منسوخةٌ، وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالاً، فأكثر هذه المسائل سائغٌ في مذهب أحمد وغيره، وكثيرٌ منها سائغٌ عند مالك، وفعلُ الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطلٌ أيضاً لدعوى نسخها، والمدَّعون للنسخ ليس معهم كتابٌ ولا سنةٌ ولا إجماعٌ يُصحح دعواهم…ومن ادَّعى أنها منسوخةٌ بالإجماع، فهذا خطأٌ أيضاً، فإن الأمة لم تجمع على نسخها، ومحالٌ أن ينسخ الإجماعُ السنة] الطرق الحكمية ص 309.

وبناءً على ما تقدم فإن التعزير بالمال مشروعٌ وهو القول الراجح [ وذلك للأسباب التالية:

1. النصوص التي استند إليها المانعون للتعزير بالمال تعتبر نصوصاً عامة، وقد خصصت بأدلة كثيرة.

2. إن دعوى النسخ والإجماع التي ساقها المانعون لم تثبت، لأنها لا تستند إلى حجة شرعية.

3. عدم تعارض العقوبة المالية مع أصول الشريعة.

4. إن عملية الجمع والتوفيق بين الأدلة أولى من الترك والإهمال لبعضها؛ فالقول بالعموم والخصوص أولى من القول بالنسخ.

5. وقوع العقوبة المالية من قبل النبي صلي الله عليه وسلم، والصحابة رضوان الله عليهم من بعده.

6. إن القول بالتعزير بالمال أمرٌ تقره المصلحةُ وتقتضيه، وذلك لما فيه من مرونة في إيجاد العقوبات المناسبة والكفيلة بردع الجناة، لتواكب التغيرات النفسية والمعنوية للناس، فقديماً كان يكفي أن يُعزر الإمامُ بخلع العمامة، وكان ذلك يحقق مقصود العقوبة، وأما اليوم ونحن في ظل التخلي عن المروءة، فإن العقوبات المالية تحقق مقصد العقوبة أفضل من عقوبة الضرب والحبس والتوبيخ، حيث إن هذه العقوبات باتت لا تؤثر كثيراً في كثير من الناس، وهو بخلاف العقوبات المالية.] موقع الدكتور مازن اسماعيل هنية.

رابعاً: إذا تقرر أن العقوبة المالية مشروعة على القول الراجح من أقوال الفقهاء، فإن العقوبة المالية في ظل غياب الإمام جائزةٌ أيضاً كما قرره كثيرٌ من الفقهاء، قال الشيخ محمد ميارة الفاسي المالكي:[حاصل ما عند ابن الشماع منع العقوبة بالمال، وتخطئة من يقول بجوازها، إلا أن كلام البرزلي ومن ردَّ عليه هو – والله أعلم – مفروضٌ مع وجود الإمام، وتمكنه من إقامة الحدود، وإجراء الأحكام الشرعية، ولا شك أن العدولَ عنها إلى غيرها حينئذ مع إمكانها تبديلٌ للأحكام، وحكمٌ بغير ما أنزل الله الموصوف فاعلهُ بالظلم والفسق.

وأما مع عدم الإمام، وعدم التمكن من إقامة الحدود، وإجراء الأحكام على أصلها فذاك -والله أعلم- أولى من الإهمال، وعدم الزجر، وترك القوي يأكلُ الضعيفَ، فعِظَمُ المفسدة في ذلك يغني فيه العيانُ عن البيان، وذلك مُفضٍ لخراب العمران، وهدم البنيان، بل إذا تعذَّر إقامةُ الحدود ولم تبلغها الاستطاعةُ، وكان التعزير يحتاج إلى إيقاع الزواجر، وكانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزيرٍ يزدجر به، تنزلت أسبابُ الحدود منزلةَ أسباب التعزير، أي فيجرى منها ما هو معلوم في التعزير، وليس المراد أن الحدَّ يسقط بذلك، ولكن ذلك غاية ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعاً للمفسدة ما أمكن، فإن أمكن بعد ذلك إقامةُ الحدِّ أقيم إن اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحقُّ أن يُحمل عليه ] “فصل المقال في الجواب عن حادثة السؤال ونفي العقوبة بالمال” للأخميمي ص 45-57.

وورد في المصدر السابق:[ كما أفتى الشيخ محمد العربي الفاسي رحمه الله بجوازها في بعض الصور،فقد سئل عن حال القبائل في الزمان الذى لا سلطانَ فيه، أن من قطع منهم طريقاً، أو نهب مالاً مثلاً لا يمكن زجره إلا بالعقوبة المالية، ومن رام غير ذلك من العقوبة في البدن تعرض لوقوع ما هو أنكر وأعظم.

فأجاب الشيخ الفاسي: إغرامُ أهل الجنايات ما يكون زجراً لهم من باب العقوبة بالمال، والمعروف عدم جوازها-أي عند المالكية- وأفتى بجوازها الشيخ أبو القاسم البرزلي، وأملى في ذلك تأليفاً، وردَّ عليه عصريهُ وبلديهُ الشيخ أبو العباس ابن الشماع، خَطَّأَ فيه من يقول

بالجواز، إلا أن كلام ابن الشماع مفروضٌ مع وجود الإمام، والنازلةُ المسؤولُ عنها مفروضةٌ مع عدمه، وعدم التمكن من إقامة الحدود الشرعية، وحينئذٍ إما أن يُهْمَلَ الناسُ؛ فلا ينزجرون عن مُوجِبات الحدود، وعِظَمِ المفسدة في ذلك يغني عنه العيان عن البيان، وإما أن يزجرهم من له نوعُ قدرةٍ على نوعٍ من الزجر، وذلك هو الجاري على المعروف من الشريعة من تأكيد درء المفاسد، والإتيان من الأمر بالمستطاع. والمألوفُ في الشرع هو العقوبةُ البدنية، والواقع الآن بالمشاهدة أن القبائل التي لا تنالها أحكام السلطان لا تُمكن فيهم العقوبةُ بالأبدان؛ لأنهم لا يذعنون لمن رام ذلك منهم. ووقع القطع بأن إرادة تنفيذ ذلك مُوقعٌ فيما هو أدهى وأمرُّ من الفتنة والفساد. وقد قال العلماء: لا يُغير المنكرُ إذا لم يُؤمنْ من أن يُؤدي إنكارهُ إلى أنكرَ منه. والمشاهد في الوقت أن القبائل بعيدةٌ عن تنفيذ الزواجر فيها على الوجه الشرعي، ونهيهم دون زجر لا يؤثر، ثم إن القبيلة قد يتصدى أهلُ الرأي منهم لتغيير المنكر، وغايةُ ما تصلُ إليه قدرتهم في زجر أهل الفساد، ما ألفوه من العقوبة المالية، فإن تُرِكَ ذلك وهو غاية المقدور، أَدَّى إلى استيلاء الفساد المحظور.]”فصل المقال في الجواب عن حادثة السؤال ونفي العقوبة بالمال” للأخميمي ص 44-45.

ومما استدل به أصحاب هذا القول قوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } سورة المائدة الآية 89، فهذه الآية تدلُ على مشروعية التغريم بالمال، وتطبقُ هذه العقوبةُ المالية، وهي الإطعام أو الكسوة أو قيمتُهما في حالِ غيابِ الإمام.

ورد في فتوى لدار الإفتاء المصرية بعنوان: [التعزير بالمال في المجالس العرفية: والذي نراه راجحًا هو جواز العقوبة بالمال، وهو الذي أخذ به القانون المصري كما في المادة (22 عقوبات)، حيث نصَّت على أن العقوبة بالغرامة إلزام للمحكوم عليه بأن يدفع إلى خزينة الحكومة المبلغ المقدَّر في الحكم، وقد بيَّن القانونُ حدودَ الغرامة لكل جريمة على حدة. وعليه وفي واقعة السؤال: فيجوز للمجلس العرفي إلزام أحد الخصمين بجزءٍ من المال لخصيمه، ويحلُّ للخصيم أخذ هذا المال، لكن يُراعى في تقدير العقوبة أن تكون مناسبةً؛ فلا يتعدى فيها فيُفْرِط، ولا يتهاون فيُفَرِّط، وأن يراعى في ذلك حال المعَاقَب والبيئة التي يعيش فيها وملابسات السبب المُوجِب للعقوبة، وغير ذلك مما له تأثيرٌ في الحكم، والحذر من أن تكون تلك العقوبة بالمال ذريعةً لأكل الربا، مع الأخذ في الاعتبار أن تتحقق المصلحةُ المرجوة من تلك العقوبة، وهو كفُّ الجاني عن جنايته، وتتأثر تلك المصلحة سلبًا إذا ثبت حكمٌ شرعي على المراد معاقبته بالمال، كأن يكون مستحق قطع اليد. وعلى كلٍّ فللمجلس العرفي الأخذ بما يريد، وبالشكل الذي يحقِّق المصلحة، وبالضوابط التي تتفق مع قواعد الشريعة.] dar-alifta.org.eg/AR/ViewResearch.aspx?ID=228

وختاماً فإنه يجوز للمُحكَّمين الشرعيين ولقضاة العُرفِ العشائري أن يحكموا بالغرامات المالية في الخصوماتِ التي تُعرض عليهم، ويشترط لصحة أحكامهم أن تصدر عن المؤهلين لذلك، وأن تكون العقوبةُ المالية عادلةً، وأن لا تخالف الشرع كتضمنها للربا، وأن يوازنوا بين المصالح والمفاسد عند الحكم بالغرامات المالية.

ومع الأسف الشديد فإن بعض قضاة العُرفِ العشائري يبالغون مبالغةً منكرةً في تقدير العقوبة المالية، فتجدُ بعضَهم وخاصةً من يسمَّى “المنشد” يقرر عقوبةً ماليةً بمبلغٍ كبيرٍ جداً، وهذا مجافٍ للعدلٍ ولا يقرهُ شرعٌ ولا فرعٌ.

وخلاصة الأمر:

أن الأصلَ المقرر شرعاً أنّ إقامة الحدود والقصاص من أعمال الحاكم المسلم، أو من يُنيبه، وليس ذلك لأفراد الناس، فلا يجوز لفردٍ أو جماعةٍ تطبيق الحدود والقصاص.

وأن ذلك في حال وجود الحاكم المسلم الذي يسوس الدنيا بالدِّين، وأما في حال غيابه كما هو واقع المسلمين الآن، فإن من الفقهاء من يرى تنفيذها، وهو واجبُ العلماء وأهلُ الرأي في المجتمع حال غياب الإمام.

وأن مبدأ العقوبة بالمال مشروعٌ على القول الراجح من أقوال الفقهاء.

وأن العقوبة المالية في ظل غياب الإمام جائزةٌ أيضاً كما قرره كثيرٌ من الفقهاء.

وأنه يجوز للمُحكَّمين الشرعيين ولقضاة العُرفِ العشائري أن يحكموا بالغرامات المالية في الخصوماتِ التي تُعرض عليهم، ويشترط لصحة أحكامهم أن تصدر عن المؤهلين لذلك، وأن تكون العقوبةُ المالية عادلةً، وأن لا تخالف الشرع كتضمنها للربا، وأن يوازنوا بين المصالح والمفاسد عند الحكم بالغرامات المالية.

وأن بعض قضاة العُرفِ العشائري يبالغون مبالغةً منكرةً في تقدير العقوبة المالية، فتجدُ بعضَهم وخاصةً من يسمَّى “المنشد” يقرر عقوبةً ماليةً بمبلغٍ كبيرٍ جداً، وهذا مجافٍ للعدلٍ ولا يقرهُ شرعٌ ولا فرعٌ.

والله الهادي إلى سواء السبيل