maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

دخولُ الجنِّ بدنَ الإنسانِ بين النقلِ والعقلِ

يقول السائل:ما قولكم فيمن يزعمُ أنه لا يوجد شيءٌ اسمه تلبس الجن للإنسان،وأنه من الخرافات،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:من الأمور الثابتة في دين الإسلام بشكلٍ قطعيٍ وجود الجن،وأنهم عالمٌ غيبيٌ قائمٌ بذاته،كما دلت على ذلك نصوصُ القرآن الكريم والسنة النبوية،فالجن خلقوا لعبادة الله عز وجل وحده لا شريك له،قال تعالى:{ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ}سورة الذاريات الآية 56،وهنالك سورةٌ من سور القرآن الكريم تسمَّى سورة الجن،قال تعالى:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(2)وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا(3)وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(5)وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6)وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا(7)وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8)وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا(9)وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا(10)وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا(11)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا(12)وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا(14)وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(15)وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17)وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(19)}

والجنُّ منهم المؤمن ومنهم الكافر،قال الله تعالى:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}سورة الأنعام الآية 100.

وقال تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(128)وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ(130)}سورة الأنعام.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(خُلِقَتِ الملائكةُ من نُّورٍ،وخُلق الجانَُّ من مارِجٍ من نارٍ، وخُلق آدمَُ مِما وُصِفَ لكمْ)رواه مسلم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( ما مِنكُم مِن أحَدٍ،إلَّا وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ،قالوا:وإيَّاكَ؟يا رَسولَ اللهِ،قالَ:وإيَّايَ،إلَّا أنَّ اللَّهَ أعانَنِي عليه فأسْلَمَ،فلا يَأْمُرُنِي إلَّا بخَيْرٍ)رواه مسلم

وغير ذلك من الأدلة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[لم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين في وجود الجن،ولا في أن الله أرسل محمًدا صلى الله عليه وسلم إليهم…وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبارُ الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار،ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة،بل مأمورون منهيون] مجموع الفتاوى 9/19.

ثانياً:دخول الجان بدن الإنسان ثابتٌ بالكتاب والسنة،وهو معتقد أهل السنة والجماعة، وهو أمرٌ مشاهدٌ ومحسوسٌ،ولم ينكره إلا المعتزلة الذي قدَّموا العقلَ على الأدلة النصية من الكتاب والسنة،ومن قلدهم من الجهمية والمعتزلة وهشام بن الحكم الرافضي والرازي والقفال الشافعي والبيضاوي وأبو السعود،ومن المعاصرين الشيخ محمود شلتوت،والشيخ طنطاوي جوهري،والشيخ أحمد مصطفى المراغي، والشيخ محمد الغزالي، وتبعهم في ذلك طائفةٌ من العقلانيين المعاصرين.

يقول أبو الحسن الأشعري:[وإن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية،كما قال الله عز وجل:{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}]سورة البقرة الآية 275.الإبانة في أصول الديانة، ص12.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وجود الجنِّ ثابتٌ بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها،وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابتٌ باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة،قال الله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل:[قلت لأبي إن أقواماً يقولون:إن الجني لا يدخل بدن المصروع،فقال:يا بنيَّ يكذبون،هو ذا يتكلم على لسانه] وهذا الذي قاله أمرٌ مشهورٌ، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسانٍ لا يُعرف معناه،ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً لو ضرب به جملٌ لأثر به أثراً عظيماً،والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذي يقوله،وقد يجر المصروع غير المصروع ويجر البساط الذي يجلس عليه ويحول الآلات وينقل من مكانٍ إلى مكان،ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علماً ضرورياً بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنسٌ آخر غير الإنسان،وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع،ومن أنكر ذلك وادَّعى أن الشرع يُكذب ذلك،فقد كذب على الشرع،وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك] مجموع الفتاوى24/276-277.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً:[إن دخول الجني بدن الإنس، وتكلمه على لسانه بأنواع الكلام وغير ذلك أمرٌ قد علمه كثيرٌ من الناس بالضرورة] الرد على المنطقيين ص 407.

وقد عالج شيخ الإسلام ابن تيمية الإنسانَ المصروعَ بسبب الجني مراتٍ كثيرةٍ،وحدَّث عن نفسه في ذلك فقال:[كما قد فعلنا نحن هذا وجربناه مراتٍ كثيرةٍ يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين] مجموع الفتاوى 19/60.

وقال ابن حزم الظاهري:[وأما الصرع فان الله عز وجل قال:{الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}فذكر عز وجل تأثير الشيطان في المصروع إنما هو بالمماسة…فصح أن الشيطان يمس الإنسان الذي يسلطه الله عليه مساً كما جاء في القرآن،يثير به من طبائعه السوداء والأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ،كما يخبر به عن نفسه كل مصروع بلا خلاف منهم،فيحدث الله عز وجل له الصرع والتخبط حينئذ كما نشاهده وهذا نصٌّ من نصِّ القرآن وما توجبه المشاهدة]الفصل في الملل والأهواء والنحل5/83.

وقال القرطبي في تفسير قول الله عز وجل:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} قال:[هذه الآية دليلٌ على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن،وزعم أنه من فعل الطبائع،وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان،ولا يكون منه مسٌّ] تفسير القرطبي3/355.

ويقول العلامة السيد محمود الألوسي:[واعتقاد السلف وأهل السنة أن ما دلت عليه أمور حقيقة واقعة،كما أخبر الشرع عنها،والتزام تأويلها كلها يستلزم خبطاً طويلاً لا يميل إليه إلا المعتزلة ومن حذا حذوهم،وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم،فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون]تفسير روح المعاني 3/49.

ويقول الشيخ محمد الحامد وهو من العلماء المعاصرين:[ووقائع سلوك الجن في أجساد الإنس كثيرةٌ مشاهدةٌ لا تكاد تحصى لكثرتها،فمنكر ذلك مصطدم بالواقع المشاهد،وإنه لينادي ببطلان قوله] ردود على أباطيل 2/135.

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 1/183 ما يلي:[ومس الجن للإنس أمرٌ معلومٌ من الواقع،وتستعمل للعلاج من مسه الأدوية الشرعية من الدعاء والقراءة عليه بشيء من القرآن]

وقد استدل العلماء على إثبات دخول الجني بدن الإنسي بحديث صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها قَالَتْ:(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا.فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً.فَحَدَّثْتُهُ,ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ,فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي-وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ – فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ،فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا.فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:عَلَى رِسْلِكُمَا.إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ.فَقَالا:سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ.فَقَالَ:إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا أَوْ قَالَ شَيْئًا)رواه البخاري ومسلم.

وقد استدل بهذا الحديث على قدرة الجن سلوك بدن الإنسان ودخوله فيه،جماعةٌ من علماء وأئمة أهل السنة والجماعة منهم:القرطبي في تفسيره 2/50.وابن تيمية في مجموع الفتاوى 24/277.وابن حجر الهيثمي وردَّ به على المعتزلة منكري ذلك في الفتاوى الحديثية ص 72.والبقاعي في تفسيره 1/531.وابن حجر العسقلاني في بذل الماعون ص 83.والقاسمي في تفسيره محاسن التأويل 3/360.وحكى النووي أن بعض علماء الشافعية استدلوا بالحديث على أن الله جعل للشيطان قوة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه.شرح صحيح مسلم 4/157.

وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال:(لما استعملَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الطائفِ جعل يعرضُ لي شيءٌ في صلاتي حتى ما أدري ما أُصلِّي،فلما رأيتُ ذلك رحلتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ،فقال ابنُ العاصِ.قلتُ:نعم يا رسولَ اللهِ.قال:ما جاء بك؟قلتُ:يا رسولَ اللهِ عرضَ لي شيءٌ في صلاتي حتى ما أدري ما أُصلِّي.قال:ذاك شيطانٌ،ادْنُه فدنوتُ منه فجلستُ على صدورِ قدَميَّ.قال:فضرب صدري بيدهِ وتفل في فَمي.وقال اخرج عدوَّ اللهِ،ففعل ذلك ثلاثَ مراتٍ ثم قال الحقْ بعملِكَ) رواه ابن ماجه والحاكم وابن أبي عاصم وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة2/273، وصححه الدكتور بشار عواد معروف.

ودلالة الحديث على تلبس الجن بالإنسان ظاهرةٌ،فقوله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:“اخرج عدو الله” تدل على وجود الشيطان داخل بدن الإنسان،فلذا أمَرَه عليه الصلاة والسلام بالخروج منه.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ،فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) رواه مسلم،والحديث يدل على أن الجني يدخل في الإنسان حالة غفلته.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[فيحتمل أن يراد الدخول حقيقة،وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم،لكنه لا يمكن منه ما دام ذاكرا الله تعالى،والمتثائب في تلك الحالة غير ذاكر،فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة،ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه،لأن من شأن من دخل في شيء أن يكون متمكنا منه]فتح الباري 10/628.

ثالثاً:إن القول بدخول الجني بدن الانسان لم ينفرد به المسلمون فقط،بل قال به أهل الأديان الأخرى وكثيرٌ من الغربيين وغيرهم من الأمم الأخرى،وقد أثبت الكتاب المقدس الصرع الشيطاني،وتروي الأناجيل قصصاً كثيرةً تفيد أن المسيح عليه السلام قد شُفي على يديه كثيرٌ من المرضى،وأنه أخرج الشيطان من كثيرين أصيبوا بالمس والصرع. ومن الشواهد على ذلك:ما جاء في إنجيل متى:”وفيما هما خارجان إذ إنسان أخرس مجنون قدّموه إليه،فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس،فتعجب الجموع قائلين:لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل..” الإصحاح الثامن،الفقرة 32.

وجاء في إنجيل لوقا:”وكان في المجمع رجلٌ به روح شيطانٍ نجسٍ،فصرخ بصوتٍ عظيم آه ما لنا لك يا يسوع الناصري،أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت:قدوس الله،فانتهره يسوع قائلاً:اخرس واخرج منه،فصرعه الشيطان في الوسط،وخرج منه ولم يضره شيئٌ“الإصحاح الرابع،الفقرات 32-37، وانظر نفس القصة في إنجيل مرقص: الإصحاح الأول، الفقرات 21-28.

وجاء في إنجيل مرقص:”ولمَّا صار المساء،إذ غربت الشمس،قدمَّوا إليه جميع السُّـقماء والمجانين،وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب،فشفي كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة،وأخرج شياطين كثيرة،ولم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه“.الإصحاح

الأول،الفقرات 32-38،وانظر قصصاً أخرى في نفس الإنجيل،الإصحاح السابع الفقرات 24-30،والإصحاح التاسع، الفقرات 14-29.

وقد أفرد رياض مصطفى العبد الله أسماء وقصص عدد من المصروعين والملبوسين من الغربيين وغيرهم في كتاب له سمَّاه “المسكونين بالشياطين”. برهان الشرع ص 115.

ونقل الأستاذ عبد الرزاق نوفل في كتابه “عالم الجن والملائكة” ص 82.عن عدد من أطباء الغرب ثبوت دخول الجن بدن الإنسان،وأن ألوفاً من الناس يعانون في الوقت الحاضر من هذا المرض.

وذكر الأستاذ محمد فريد وجدي أن الأستاذين الشهيرين في أوروبا:ريتشارد هودس،وجيمس هيزلوب قد نشرا بحثاً علمياً في كتاب جاء فيه:”إن عدداً عديداً من المجانين الذين يحبسون في البيمارستانات (مستشفيات المجانين) ليسوا بمصابين بأمراض عقلية،بل مملوكون لأرواح قد استولت عليهم واستخدمتهم”الإسلام في عصر العلم ص 365.

وأيضاً فإن هناك الكثير من الأطباء الأوروبيين الذين تحدثوا عن مرض المس الشيطاني،ويسمونه المس الروحي أو الروحاني،وينسبونه إلى أرواح خبيثة استحوذت على الشخص المريض وعملت على إيذائه.”عالم الجن والملائكة” ص 82-83.

وذكر العلامة ابن القيم أن أئمة أطباء اليونان –وعلى رأسهم أبقراط- يقرون بصرع الجن للإنسان،وأنه لا ينكر ذلك إلا جهلة الأطباء،ممن تزندقوا وغلب عليهم التفكير المادي الذي ينكر عالم الغيب ولا يؤمن إلا بالمحسوس المشاهد،وهؤلاء ليس معهم إلا الجهل،وإلا فليس في الطب ما يدفع ذلك.انظر زاد المعاد 3/178، وانظر قريباً من هذا القول فتح الباري لابن حجر العسقلاني 3/114. وللتوسع في الموضوع راجع بحث ” الأدلة الشرعية في إثبات صرع الشيطان للإنسان والرد على المنكرين” أ.د. صالح الرقب، وقد فصَّل أدلة المثبتين وردَّ على أقوال المنكرين، وقد استفدتُ منه كثيراً.

رابعاً:لا بدَّ من التنبيه على أن مسألة دخول الجني لبدن الإنسي،قد حصل فيها تهويلٌ ومبالغاتٌ وإساءةٌ في العلاج على أيدي أدعياء المعالجين بالقرآن.وكثيرٌ من الأشخاص الذين يُظن أنهم متلبسون بالجن،ليسوا كذلك،وإنما عندهم أمراضٌ عضويةٌ أو أمراضٌ نفسيةٌ،يحتاجون للعلاج عند الأطباء المتخصصين،ولكن الدجاجلة أوهموهم بأن الجن قد تلبسهم ليتربحوا منهم،وما علموا أن ما يكسبونه منهم ما هو إلا سحتٌ محرمٌ.فهذه التهويلات والمبالغات والإساءات والممارسات غير الشرعية من أدعياء المعالجين بالقرآن،ليست دليلاً على نفي التلبس بحالٍ من الأحوال.

خامساً:إن العلاج المشروع والفعال لقضية التلبس بالجن إنما هو الرقيةُ الشرعيةُ،وينبغي على المسلم تحصين نفسه بذكر الله وطاعته والمحافظة على عبادته،ويحصن زوجته وأولاده بالرقية الشرعية،ولا حاجة للذهاب إلى الشيوخ المعالجين،بل يرقي المسلمُ نفسَه وأهلَ بيته كما

ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت:( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحدٌ من أهله نفث عليه بالمعوذتين)رواه مسلم.

وينبغي التنبيه إلى أنه قد كثر في زماننا هذا الذين يدَّعون العلاج بالقرآن الكريم،والذين يدَّعون أنهم يتعاملون مع الجن في معالجة المرضى،وأكثر هؤلاء من الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون جهل الناس وضعف المرضى،فيبتزونهم ويأخذون منهم الأموال الكثيرة بغير حقٍ ويرتكبون مخالفاتٍ كثيرةٍ.

وينبغي التنبيه أيضاً أن الإنسان إذا مرض فعليه مراجعة الأطباء أهل الاختصاص،لأن الله تعالى خلق الداء والدواء،فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(ما أنزل الله من داءٍ،إلا أنزل له شفاءً)رواه البخاري ومسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(لكل داء دواء،فإذا أصيب دواء الداء،برأ بإذن الله)رواه مسلم .

وأما الرقية الشرعية فتكون بالقرآن الكريم وبما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف الكرام.يقول سبحانه وتعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} سورة الإسراء الآية 82 .

وروى الإمام البخاري في صحيحه،عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(أنَّ رَهْطًا مِن أصْحَابِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ انْطَلَقُوا في سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا،حتَّى نَزَلُوا بحَيٍّ مِن أحْيَاءِ العَرَبِ،فَاسْتَضَافُوهُمْ فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمْ،فَلُدِغَ سَيِّدُ ذلكَ الحَيِّ،فَسَعَوْا له بكُلِّ شيءٍ لا يَنْفَعُهُ شيءٌ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ:لو أتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قدْ نَزَلُوا بكُمْ،لَعَلَّهُ أنْ يَكونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شيءٌ،فأتَوْهُمْ فَقالوا:يا أيُّها الرَّهْطُ،إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ،فَسَعَيْنَا له بكُلِّ شيءٍ لا يَنْفَعُهُ شيءٌ،فَهلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنكُم شيءٌ؟فَقَالَ بَعْضُهُمْ:نَعَمْ،واللَّهِ إنِّي لَرَاقٍ،ولَكِنْ واللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا،فَما أنَا برَاقٍ لَكُمْ حتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا،فَصَالَحُوهُمْ علَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ،فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ ويَقْرَأُ:الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ حتَّى لَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقَالٍ،فَانْطَلَقَ يَمْشِي ما به قَلَبَةٌ،قَالَ:فأوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الذي صَالَحُوهُمْ عليه،فَقَالَ بَعْضُهُمْ:اقْسِمُوا،فَقَالَ الذي رَقَى:لا تَفْعَلُوا حتَّى نَأْتِيَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَنَذْكُرَ له الذي كَانَ،فَنَنْظُرَ ما يَأْمُرُنَا،فَقَدِمُوا علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرُوا له،فَقَالَ:وما يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ؟أصَبْتُمْ،اقْسِمُوا واضْرِبُوا لي معكُمْ بسَهْمٍ)

وخلاصة الأمر:

أن من الأمور الثابتة في دين الإسلام بشكلٍ قطعيٍ وجود الجن،وأنهم عالمٌ غيبيٌ قائمٌ بذاته،كما دلت على ذلك نصوصُ القرآن الكريم والسنة النبوية.

وأن دخول الجان بدن الإنسان ثابتٌ بالكتاب والسنة،وهو معتقد أهل السنة والجماعة،وهو أمرٌ مشاهدٌ ومحسوسٌ،ولم ينكره إلا المعتزلة الذي قدَّموا العقلَ على الأدلة النصية من الكتاب والسنة،ومن قلدهم من الجهمية والمعتزلة وبعض المشايخ قديماً وحديثاً،وتبعهم في ذلك طائفةٌ من العقلانيين المعاصرين.

وأن القولَ بدخول الجني بدن الانسان لم ينفرد به المسلمون فقط،بل قال به أهل الأديان الأخرى وأثبته الكتابُ المقدس،وقال به كثيرٌ من الغربيين وغيرهم من الأمم الأخرى.

وأن مسألة دخول الجني لبدن الإنسي،قد حصل فيها تهويلٌ ومبالغاتٌ وإساءةٌ في العلاج على أيدي أدعياء المعالجين بالقرآن.

وأن هذه التهويلات والمبالغات والإساءات والممارسات غير الشرعية من أدعياء المعالجين بالقرآن،ليست دليلاً على نفي التلبس بحالٍ من الأحوال.

وأن العلاج المشروع والفعال لقضية التلبس بالجن إنما هو الرقية الشرعية وتكون بالقرآن الكريم وبما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف الكرام.

وأن المطلوب من المسلم تحصين نفسه بذكر الله وطاعته والمحافظة على عبادته،ويحصن زوجته وأولاده بالرقية الشرعية،ولا حاجة للذهاب إلى الشيوخ المعالجين، بل يرقي المسلمُ نفسَه وأهلَ بيته.

والله الهادي إلى سواء السبيل