maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

تعظيمُ القرآنِ الكريمِ وكيفيةُ التعاملِ مع المصحفِ التالفِ

يقول السائل:أعملُ موظفاً مع سيارةٍ لجمع النفايات،وقد عثرتُ على نسخٍ من المصاحف التالفة في حاويات القمامة، وقد تكرر ذلك عدة مرات، فما الحكم الشرعي في ذلك، وكيف نتصرف بالمصاحف التالفة، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: من المعلوم أن القرآن في اصطلاح العلماء هو: اسمٌ لكلام اللّه تعالى المنزَّل على رسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، المتعبّد بتلاوته، المكتوبُ في المصاحف، المنقولُ إلينا نقلاً متواتراً.

وأما المصحف في اصطلاح العلماء فهو:اسمٌ للمكتوب فيه كلام اللّه تعالى بين الدَّفَّتين، المبدوءُ بسورة الفاتحة، والمختومُ بسورة الناس.

فالفرقُ بين المصحف وبين القرآن:أنّ المصحفَ اسمٌ للمكتوب من القرآن الكريم،المجموع بين الدّفّتين والجلد، والقرآنُ اسمٌ لكلام اللّه تعالى المكتوب فيه،فالمصحفُ ما جُمع فيه القرآن.

وقد أنزل الله تبارك وتعالى القرآن الكريم ليكون نوراً مبيناً يهدي الناس سواء السبيل، وجعله كتابَ هدايةٍ ومنهاجاً للأمة، ليسيِّر الناس على هداه،قال الله تعالى:{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً}سورة الإسراء الآية 9.

وقال تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً}سورة الكهف الآيات 1-3.

وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} سورة يونس الآية 57.

وقال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء}سورة الزمر الآية 23.

وقال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} سورة ق الآية 37، وغير ذلك من الآيات الكريمات.

ولا شك أن تعظيمَ كتابَ الله عزَّ وجلَّ أمرٌ واجبٌ شرعاً في حق كل مسلمٍ، ومَنْ وقَّرَ القرآنَ الكريم فقد وقَّر الله سبحانه وتعالى، ومَنْ استخفَّ بالقرآن فقد استخفَّ بالله عز وجل، وقد أجمعت الأمةُ المسلمةُ على وجوب تعظيم القرآن الكريم، ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال والعبث.

فمن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى:{ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} سورة الحج الآية 32. ويقول تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} سورة الحج الآية30،قال الإمام القرطبي:[{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ}الشعائر جمع شعيرة،وهو كل شيءٍ لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم…فشعائر الله أعلام دينه] تفسير القرطبي12/56.

وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال:(عظِّموا القرآن) تفسير القرطبي 1/29.

وقال الإمام النووي:[أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن، ص 108.

وقد بحث المجمعُ الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة تعظيم كتاب الله عز وجل، ومما ورد في قراره:[بعد أن استمع المجلس إلى الأبحاث المقدمة في الموضوع المسئول عنه، والمناقشات المستفيضة في ذلك حوله، يؤكد على وجوب تعظيم كتاب الله واتباع هديه، والالتزام بمقاصده؛ فقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن ليكون موعظة وعبرة، وشفاءً لما في الصدور، وليهتدي به الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ويطبقونه في جميع أمور حياتهم، ويتلونه حق تلاوته تدبراً وتذكراً، ويسترشدون به في جميع شؤونهم، ويأخذون أنفسَهم بالعمل به في كل أحوالهم، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}يونس:57،وقال سبحانه:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً}الإسراء:82، وقال تعالى:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}فصلت:44، وقال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}ص:29،ويؤكد المجلسُ أن على المسلمين أن يعرفوا لكتاب ربهم منزلته، ويقدِّروه قدره، ويجعلوا مقاصده نصب أعينهم، ويتخذوا منه ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مناراً يهتدون بهما. والمجلس إذ يذَّكرُ بهذا ليهيب بالمسلمين القيام بما يجب عليهم تجاه الآيات القرآنية من احترامها والمحافظة عليها من الامتهان والعبث.]

وصورُ تعظيم القرآن الكريم والأدبُ في التعامل معه كثيرةٌ جداً يضيق المقام بذكرها.

ثانياً:اتفق أهل العلم على أن المسلمَ إذا أهان مصحفاً متعمِّداً مختاراً يكون مرتداً ويقام عليه حدُّ الرّدّة.الموسوعة الفقهية الكويتية 38/13.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وقد اتفق المسلمون على أن من استخفَّ بالمصحف، مثل أن يُلقيه في الحَشِّ- محل قضاء الحاجة- أو يركضه برجله إهانةً له، أنه كافرٌ مباحَ الدم] مجموع الفتاوى 8/425.

وقال القاضي عياض:[واعلم أن من استخفَّ بالقرآن أو المصحف، أو بشيءٍ منه، أو سبَّهما، أو جحده أو حرفاً منه أو آيةً، أو كذَّب به، أو بشيءٍ منه، أو كذَّب بشيءٍ مما صرح به فيه من حكمٍ أو خبرٍ، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علمٍ منه بذلك، أو شكَّ في شيءٍ من ذلك، فهو كافرٌ عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}سورة فصلت الآيتان 41-42] الشفاء 2/304.

وقرر الإمام النووي أن الاستخفافَ بالمصحف يعتبر من الأفعال الموجبة للكفر، والتي تصدر عن تعمدٍ واستهزاءٍ صريحٍ بالدِّين حيث قال:[والأفعالُ الموجبةُ للكفر هي التي تصدر عن تعمدٍ واستهزاءٍ بالدِّين صريحٍ، كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات]روضة الطالبين 10/64.

وقال محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي:[مَنْ استخفَّ بالقرآن أو بالمسجد أو بنحوه مما يُعظَّمُ في الشرع كَفَرَ، ومَنْ وضع رجله على المصحف حالفاً استخفافاً كفر] رسالة في ألفاظ الكفر ص 22.

وعدَّ الشيخ منصور البهوتي الحنبلي شيخ الحنابلة بمصر في عصره،أن من نواقض الإسلام:[ أو وُجِدَ منه امتهانُ القرآن، أو طلبُ تناقضه، أو دعوى أنه مختلفٌ، أو مقدور في مثله، أو إسقاط حرمته كفر] كشاف القناع 6/137.

وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي:[ وَالْفِعْلُ الْمُكَفِّرُ مَا تَعَمَّدَهُ صَاحِبُهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ بِقَاذُورَةٍ،لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الِاسْتِخْفَافِ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالِاسْتِخْفَافُ بِالْكَلَامِ اسْتِخْفَافٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْمُصْحَفِ كُتُبُ الْحَدِيثِ.] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 5/431.

ثالثاً:إذا تقرر وجوب تعظيم المصحف وأن رميه في القاذورات وحاويات القمامة كفرٌ مخرجٌ من الملة، فيجبُ الانتباهُ إلى الفرق بين كون الشيء كفراً وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه، فلا نستطيع أن نحكم بكفر كل إنسان إذا صدر منه ما يحكم العلماء أنه كفرٌ، لأن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة أن موانع التكفير منتفيةٌ عن هذا الشخص المعين،وقد ذكر أهل العلم أن موانعَ التكفير هي: الخطأُ والجهلُ والعجزُ والإكراهُ.

قال الشيخ العلامة محمد العثيمين:[للحكم بتكفير المسلم شرطان:أحدهما:أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر .

الثاني:إنطباق الحكم على من فعل ذلك،بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له،فإن كان جاهلاً لم يكفر،لقوله تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}سورة النساء الآية 115.وقوله تعالى :{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}سورة التوبة الآية 115.وقوله تعالى :{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}سورة الإسراء الآية 15.لكن إن فرَّط بترك التعلم والتبين لم يُعذر،مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفرٌ،فلا يتثبت ولا يبحث، فإنه لا يكون معذوراً حينئذٍ.

وإن كان غير قاصدٍ لعملِ ما يُكفر لم يكفر بذلك،مثل أن يُكرَه على الكفر وقلبهُ مطمئنٌ بالإيمان، ومثل أن ينغلق فكرهُ فلا يدري ما يقول لشدة فرحٍ ونحوه، كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرةٍ ينتظر الموتَ،فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال:”اللهم أنت عبدي وأنا ربك” أخطأ من شدة الفرح] فتاوى العقيدة ص263-264.

وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي عن سبِّ الدِّين أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلاً ؟ فقال :[هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يعلَّم ويؤدب فإن علِّم وعاند بعد التعليم والبيان كفر وإذا قيل لا يعذر بالجهل فمعناه يعلَّم ويؤدب وليس معناه أنه يكـفر ] فتاوى ورسائل الشيخ عـبـد الـرزاق عفيفي ص372.

رابعاً:هنالك عدةُ طرقٍ للتعامل مع المصاحف التالفة وهي:

الأولى:دفنها في التراب الطاهر،بعيداً عن القاذورات وعن ممشى الناس،وهو مذهب الحنفية والحنابلة.قال الحصكفي الحنفي:[الْمُصْحَفُ إذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ:يُدْفَنُ؛كَالْمُسْلِمِ.وقال ابن عابدين أي يجعل في خرقةٍ طاهرةٍ،ويُدفن في محلٍ غير ممتهنٍ،لا يوطأ]حاشية ابن عابدين1/191.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وأما المصحف العتيق والذي تَخرَّق وصار بحيث لا يُنتفعُ به بالقراءة فيه،فإنه يُدفن في مكانٍ يُصانُ فيه،كما أن كرامة بدن المؤمن دفنهُ في موضعٍ يُصان فيه] مجموع الفتاوى 12/599.

وقال البهوتي الحنبلي: [وَلَوْ بَلِيَ الْمُصْحَفُ أَوْ انْدَرَسَ دُفِنَ نَصًّا،ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَدَفَنَهُ]كشاف القناع 1/137.

الثانية:حرقُ المصحف التالف،من العلماء مَنْ يرى أن المصحف التالف يُحرق بالنار، وهو قول المالكية والشافعية،وذلك اقتداءً بعثمان رضي الله عنه عندما أمر بحرق المصاحف الموجودة في أيدي الناس بعد جمع المصحف الإمام.

روى البخاري في صحيحه بإسناده أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ،قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ،وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ،فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي القِرَاءَةِ،فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ:يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ،أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ،قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلاَفَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى،فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ:أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ،ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ،فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ،فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ،وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ،وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ،وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ،وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ:إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ،فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ،رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ،وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا،وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ،أَنْ يُحْرَقَ).

قال أبو الحسن بن بطال المالكي:[وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن،جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى،وأن ذلك إكرامٌ لها وصيانةٌ عن الوطء بالأقدام،وطرحها في ضياع من الأرض،روى معمر عن ابن طاوس عن أبيه : أنه كان يحرق إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم،وحرق عروة بن الزبير كتبَ فقهٍ كانت عنده يوم الحرة،وكره إبراهيم-أي النخعي-أن تًحرق الصحفُ إذا كان فيها ذكر الله تعالى؛وقول مَنْ حرقها أولى بالصواب،وقد فعله عثمانُ،وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة:جائزٌ للإمام تحريقُ الصحف التي فيها القرآن،إذا أداه الاجتهادُ إلى ذلك.] تفسير القرطبي 1/54.

وقال السيوطي الشافعي:[ إذا احتيج إلى تعطيل بعض أوراق المصحف لبلى ونحوه،فلا يجوز وضعها في شقٍ أو غيره لأنه قد يسقط ويوطأ،ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقة الكلم،وفي ذلك إزراء بالمكتوب.كذا قاله الحليمي.قال:وله غسلها بالماء،وإن أحرقها بالنار فلا بأس،أحرق عثمان مصاحف كان فيها آيات وقراءات منسوخة،ولم ينكر عليه]الإتقان في علوم القرآن ص 424.

وروى أبو بكر بن أبي داود أن علياً رضي الله عنه قال حين حَرَّق عثمانُ المصاحف:[لو لم يَصْنَعه هو لَصَنَعْتُه.]

وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص:[أدْرَكْت الناس مُتَوافِرين حين حَرَّق عثمانُ المصاحفَ فأعجبهم ذلك،أو قال:لم يُنْكِر ذلك منهم أحَدٌ]قال ابن كثير :وهذا إسنادٌ صحيحٌ.

وروى أبو بكر بن أبي داود أيضاً عن طاووس:[أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ تُحَرَّقَ الْكُتُبُ،وَقَالَ إنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ]وإسـنـادهُ صـحـيـحٌ.غـايـة المرام 2/122.

الثالثة: استخدامُ آلة فرم الورق،بشرط أن تكون دقيقة جداً في فرمها للورق، بحيث لا تُبقي شيئاً من الكلمات والحروف الظاهرة.

قال الشيخ العثيمين:[التمزيق لابد أن يأتي على جميع الكلمات والحروف،وهذه صعبة إلا أن توجد آلة تمزق تمزيقاً دقيقاً جداً بحيث لا تبقى صورة الحرف،فتكون هذه طريقةٌ ثالثةٌ وهي جائزة] فتاوى نور على الدرب 2/384.

ويوجد في السوق الآن آلاتٌ حديثةٌ لتقطيع الورق بشكلٍ دقيقٍ جداً، بحيث يكون حجمُ الورق الممزق لا يزيد عن خمسة مليمترات مربعة،ولا يتجاوز عرضها مليمتر واحد، فهذه تفي بالغرض.

وخلاصة الأمر:
أن الفرقَ بين المصحف وبين القرآن:أنّ المصحفَ اسمٌ للمكتوب من القرآن الكريم،المجموع بين الدّفّتين والجلد،والقرآنُ اسمٌ لكلام اللّه تعالى المكتوب فيه،فالمصحفُ ما جُمع فيه القرآن.

وأن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن الكريم ليكون نوراً مبيناً يهدي الناس سواء السبيل،وجعله كتابَ هدايةٍ ومنهاجاً للأمة،ليسيِّر الناس على هداه.

وأن الأمةَ المسلمةَ قد أجمعت على وجوب تعظيم القرآن الكريم،ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال والعبث.

وأن أهل العلم متفقون على أن المسلمَ إذا أهان مصحفاً متعمِّداً مختاراً يكون مرتداً ويقام عليه حدُّ الرّدّة.

وأنه يجبُ الانتباهُ إلى الفرق بين كون الشيء كفراً وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه، فلا نستطيع أن نحكم بكفر كل إنسان إذا صدر منه ما يحكم العلماء أنه كفرٌ،لأن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة أن موانع التكفير منتفيةٌ عن هذا الشخص المعين.

وأن هنالك عدةُ طرقٍ للتعامل مع المصاحف التالفة أولاها:دفنها في التراب الطاهر،بعيداً عن القاذورات وعن ممشى الناس.وثانيها حرقها بالنار.وثالثها استخدامُ آلة فرم الورق،بشرط أن تكون دقيقة جداً في فرمها للورق،بحيث لا تُبقي شيئاً من الكلمات والحروف الظاهرة.

والله الهادي إلى سواء السبيل