maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

الضوابطُ الشرعيةُ لقاعدة ما تعمُّ به البلوى

يقول السائل: إنه تاجرٌ يستورد بضائع من الخارج كالملابس النسائية وكثيرٌ منها عليها صورُ فاضحةٌ للنساء، ويصعبُ إيجادُ بديلٍ لها ليس عليها تلك الصور، فما الحكم في استيراد تلك الملابس والمتاجرة بها، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: إن الشريعة الإسلامية جاءت برفع الحرج ودفع المشقة عن الناس، بل إن هذا أصلٌ قطعيٌ من أصول الشريعة الإسلامية، ودلت عليه أدلةٌ كثيرةٌ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه وتعالى :{ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } سورة المائدة الآية 6 .

وقال تعالى :{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } سورة الحج الآية 78 .

وقـال تـعـالى :{ يُرِيدُ الـلَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ســورة البـقرة الآية 185 .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا) رواه البخاري ومسلم .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما لمّا بعثهما إلى اليمن :( يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا) رواه البخاري .

وقال صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا) رواه مسلم ، وغير ذلك من النصوص الشرعية .

ومن خلال هذه النصوص نرى أن الشريعة الإسلامية شريعةُ يُسرٍ وسهولةٍن رفعت الحرجَ ودفعت المشقة عن الناس، وليس معنى هذا أن يتحللَ الناسُ من الأحكام الشرعية لأدنى مشقةٍ تلحق بهم، وإنما وفق ضوابط قررها الفقهاء.

ثانياً: من القواعد الفقهية المعتبرة عند الفقهاء قاعدةُ “عُموم البلوى”،وهي قاعدةٌ فقهيةٌ يَستشهِد بها فقهاء المذاهب وغيرهم عند بيانهم للأحكامٍ الطارئة، في ظروفٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ معينةٍ عند حصول بلاءٍ عامٍ، ومعنى قاعدة “عموم البلوى” أن العموم هو الشمول، والبلوى بمعنى الاختبار والامتحان ، أو الامتحان الذي ينتج عنه مشقةٌ زائدةٌ.

ويذكر علماء الأصول أن عموم البـلوى هو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال. وفي الاصطلاح يفهم من عبارات الفقهاء أنّ المراد بعموم البلوى:الحالة أو الحادثة الّتي تشمل كثيراً من النّاس ويتعذّر الاحتراز عنها، وعبَّر عنه بعض الفقهاء بالضّرورة العامّة، وبعضهم بالضّرورة الماسَّة ، أو حاجة النّاس . وفسَّره الأصوليّون بما تمسُّ الحاجةُ إليه في عموم الأحوال ]الموسوعة الفقهية الكويتية 31/6.

قال الزركشي:[ قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه: ومعنى قولنا تعمُّ به البلوى أن كلَّ أحدٍ يحتاج إلى معرفته ] البحر المحيط 4/347.

ومعنى هذا أن جميع المكلفين – خاصِّهم وعامِّهم – يحتاجون إلى معرفة حكم تلك الحادثة للعمل به، إذ إنهم مكلفون فيها بالفعل أو الترك ] عموم البلوى دراسة نظرية تطبيقية، ص 48.

والأدلةُ على اعتبار قاعدة “عموم البلوى” كثيرةٌ منها: ما ورد أن امرأة أرسلت بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَوَجَدَتْهَا تُصَلِّي فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ فَقَالَتْ : إِنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:”إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا “ .

وفي رواية أخرى عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي، فَقُلْتُ نَعَمْ، فَقَالَ :إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَات”ِ رواهما أبو داود والترمذي وصححهما البخاري والدارقطني كما في التلخيص الحبير 1/15.

فوجود القطط في البيوت وملامستها للأغراض والمأكولات مما تعمُّ به البلوى، فشبهها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخدم الذين يخدمون الناس في منازلهم ، فلا يمكن أن يتحرزوا منها ، فجاء التخفيف في ذلك.

وسَأَلَتْ إمرأةٌ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي، وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ فَقَالَتْ: أُمُّ سَلَمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني في “صحيح الترمذي”.

وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر تكرر ملابسة ثياب المرأة للمكان القذر أمرًا يخفف عنده؛ إذ تعتبر ملابسة الثياب للمكان الطاهر بعد ذلك مطهرًا لها، ولو قيل بعدم طهارة ثياب النساء حينئذ لأدَّى إلى إلحاق المشقَّة بعموم النساء. عموم البلوى دراسة نظرية تطبيقية ص 326.

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني في “صحيح أبي داود”.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أذن بإزالة القذر بالتراب، مع أن التراب ملوث، ولكن جاز لأن التصاق القذر بالنعال مما تعم به البلوى.

وأدخل الفقهاء قاعدة “عموم البلوى” تحت قواعد فقهية كلية منها: قاعدة”المشقة تجلب التيسير” و قاعدة “إذا ضاق الأمر اتسع” وغير ذلك.

ثالثاً: ذكر العلماء أسباباً عامةً لتطبيق قاعدة عموم البلوى في تخفيف الأحكام على الناس، أهمها:

(1) صعوبة التخلص من الشيء، ويعبر عنه الفقهاء بما لا يمكن الاحتراز منه، أو ما يشق الانفكاك منه، كالعفو عن ما يصيب الثياب من طين الشوارع.

(2) تكرار الأمر على الشخص في حياته اليومية بحيث يتصف هذا التكرار بالمشقة؛ ولذلك جاء في السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، فقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن إيجاب ذلك الفعل لوجود المشقة لوجود تكرار للفعل عند كل وضوء، ومثل المسح على الخفين فتكرار نزع الخف أو الجورب خفف الحكم من الغسل إلى المسح، وهذا هو لب قاعدة التيسير لعموم البلوى، ولكن يشترط في هذا السبب أن يكون التكرار كثيراً، ويُعتمد في ذلك على العرف إذا لم يكن هناك نصٌ شرعي أو نظامي يحدد الشيء الكثير والقليل.

(3) انتشار الشيء بحيث يصعب على الناس البعدُ عنه لانتشاره وتفاقم الحاجة إليه، ويمثل له الفقهاء قديماً باختلاط الناس بالهرة، ولو قيل بنجاسة ما تلامسه الهرة لشقَّ ذلك على الناس، ويمثل لذلك في الفقه والقانون التجاري استخدام التجار للدفاتر في إثبات حقوقهم، فلو لم تعتبر تلك الدفاتر حجة في إثبات الديون لشق ذلك على التجار مشقة عظيمة؛ إذ سيؤدي ذلك إلى ضياع حقوقهم، فتعتبر الدفاتر إذاً حجة في إثبات الديون وفقاً لتلك المشقة، وقد يكون انتشار هذا الأمر لجميع الناس أو لفئةٍ معينة أو لأهل بلدٍ معين، وكل بقدر حسب الظروف.

(4) كثرة الشيء وامتداد زمانه، بحيث يصعب على الشخص التعامل معه في مثل الظروف الاعتيادية فيأخذ حكماً من باب التخفيف، مثل الأشخاص الذين يعانون سلس البول، فهؤلاء يستمر منهم الحدث ولا يمكنهم الاستمرار على طهارتهم؛ ولذلك يكتفي بوضوئه قبل الصلاة ،ويعفى عن نزول شيء منه أثناء الصلاة.

(5) تفاهة الشيء وقلته، ومعنى ذلك أن تكون بعض الأشياء التافهة قد تلاحق بعض الحالات مثل قطرات الدم في ثوب المصلي، ومثل الغرر والجهالة اليسيرة في البيوع والمعاوضات في أحكام المعاملات، والتي يصعب الانفكاكُ منها، وتعظم حاجةُ الناس لها، فهذه تمَّ التخفيف في حكمها من أجل عموم البلوى بها. https://www.assakina.com/taseel/11393.html

وينبغي أن يُعلم أن الفقهاء قد نصوا على أنه يجب أن لا يعارِض عمومَ البلوى نصٌ شرعيٌ صريحٌ، قال ابن نجيم الحنفي: [ لا اعتبار عند أبي حنيفة بالبلوى في موضع النص، كما في بول الآدمي، فإن البلوى فيه أعم] الأشباه والنظائر ص 84.

وعليه لا يجوز استباحة المحرمات الثابتة بحجة عموم البلوى، كما يدَّعي بعض الناس أنه يجوز للمرأة أن تكشف رأسها مع محافظتها على حِشمة لباسها الساتر، وذلك باعتبار أن كشْف الرأس قد أَصبَح من قَبِيل عموم البلوى، وأنَّ ستْر الرأس يُصبح مانعًا للمرأة من حضور المؤتمرات والاجتماعات والسفر إلى بعض البلدان ويلحقها بسبب ذلك حرجٌ كبيرٌ.

وقد ردَّ الشيخ مصطفى أحمد الزرقا رحمه الله على هذه الدعوى الباطلة فقال:[ إنَّ كشْف المرأة المسلمة رأسَها ، ولا سيَّما في هذا الزمن الذي أصبح فيه تزْيين النساء شعورَهن على أيدي مُزَيِّنين أو مزينات اختصاصيِّين من أهم فنون التبرُّج وعرْض الجمال والمفاتن، غيرُ جائز شرعًا لمخالفته صريحَ القرآن والسنة النبوية الثابتة بصورة لا تَقبَل أيَّ تأويل.

ولا يَدخُل هذا الكشف في دائرة عموم البلوى التي لها مقاييس في غير هذا الباب، وهو باب الحاجات من جهة، وصعوبة الاجتناب من جهة أخرى، مثل الحكم بطهارة الكُحُول اليوم إذا اعتُبر أنَّ أصل الدليل يَستوجب نَجاستها، وكسُؤر الهِرَّة التي هي من الطوّافين والطوافات داخل البيوت، ولا يُمكن التحرُّزُ منها، والأصل أنَّ سُؤْر الحيوان، وهو ما مَسَّه بفمه في الشرب، يَتبَع لحمَه نجاسةً وطهارةً، والهِرَّة غير مأكولة اللحم لأنها سَبُعٌ مُفْترس، فكان الأصل نجاسة سُؤرها لولا عموم البلوى فيه، ومثل ذلك في عموم البلوى اليوم مجالسة المرأة المسلمة للمرأة غير المسلمة ونحو ذلك.

أما المحرَّمات القطْعية في غير حالات الاضطرار كشرب الخمر والرقْص المشترك ولبس الميني جوب أو الميكروجوب اليوم، فهذا لا يكون بحالٍ من الأحوال حاجة تَعُمُّ بها البلوى فتُباح، فإن الإنسان المسلم يستطيع اجتنابها دون أي حرج.

وظنُّ الجاهلين أنَّ اجتناب ذلك يجعلهم في حرجٍ حيث يُظَنُّ بهم الرجْعيَّة أو الجمود أو التعصب أو…أو…ـ فهو من ضعف شخصيتهم الإسلامية بعد أن يكونوا مؤمنين، كمن يترك الصلاة في وقتها لمتابعة اجتماع هو فيه، كيلا يقال عنه إنه مُتزمِّت لا يُقدِّر الظروف حقَّ قَدْرها!! والمسلم عليه أن يَعتزَّ بتمسُّكه بدينه وأوامره القطعية على الأقل، مهما قال عنه الملاحدةُ والفُسّاق، وإلا لانْحَلَّ الدِّينُ عُروةً عُروةً في تيارات الفساد، فلا يَبقَى منه شيء.

وقد أمَر القرآنُ النساء المسلمات أن يَضربن بالخُمُر على جُيوبهن، والخِمَارُ كِساءٌ يَستر الرأس كلَّه سوى الوجه، والمقصود أن يكون فَضْفاضًا يُمكِن رَدُّ ذيله على جَيْب القميص، وهو فتحة صدره، كي يَستُر صدر المرأة.

فإذا كان كشف الرأس من عموم البلوى، فما قولنا إذا أصبح أيضًا كشف الأفخاذ والرقص المشترك من عموم البلوى، بمعنى أن جميع الناس والمسلمين يمارسونه ويُعَيَّر بعدم فعله مَن لا يفعله، هل نُفتِي بجوازه دِينًا مُجاراة للفُسّاق والملاحدة؟

إن الحدود الأساسية للسلوك الإسلامي بحسب النصوص القطعية لا يُمكِن التنازل عنها باسم الدين؛ لأنه عندئذ تَضيع معالم الإسلام.(وقُلِ الحَقّ مِن ربِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فلْيؤمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف: 29.

إن عموم البلوى لا يُبيح فعْلَ المعاصي التي تحريمها تعبير عن نظام الإسلام وتخطيطه للحياة البشرية الصالحة، وإنما يُعتبر عموم البلوى عذرًا فيما أصبح من المُتعذَّر اجتنابه دون حرجٍ عامٍّ، كالنظر دون تَقصُّدٍ وتتبُّعٍ للمرأة المتكشِّفة اليوم، وهي تملأ الشوارع التي لا بدَّ للرجل أن يَمشِي فيها، ومراكز الأعمال التي لا بدَّ أن يَطْرُقها أو يوجد فيها.

ومثل ذلك يُقال في قبْض الموظَّفين المسلمين رواتبهم اليوم من الخزينة العامة التي اختَلط فيها المال الحلال بالحرام، وليس للموظَّف طريقُ لاجتنابها إلا أن يَترك العمل في وظائف الدولة، وفي هذا ما فيه من الحرج علاوة على ما يؤدي إليه من أن تصبح وظائف الدولة وأعمالها وقْفًا على الذين لا يُبالون ما يَفعلون، لا يُهمُّهم تمييزٌ بين حلال وحرام!

والخلاصة أن شيوع الفِسْق لا يُبيحه حُكمُ عموم البلوى؛ لأن الفسْق وانتهاك المحرَّمات لا يُمكن أن يكون حاجةً عامةً أو تَتوقف عليه حاجة عامة للمسلمين بحال من الأحوال، وإنما تَخضع إباحة المحظورات لقاعدة الضرورات بحدودها الخاصة وشرائطها وقيودها، ومثل كشف العورة للطبيب لأجل المداواة من مرض. فالضرورات مقياسها شخصي، وهي تُقدَّر بقدرها، أما قاعدة عموم البلوى فمقياسها عامٌّ، وأساسه تعذُّر الاجتناب، وإنَّ فِعْل المحرَّمات لا يُعتبر من هذا القَبِيل. وقد قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “ما نَهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتُوا منه ما استطعتم”.

ومتى كان حضور المرأة المسلمة في المؤتمرات والندوات مكشوفة الرأس، مُصفَّفة الشعر، عارضةً لجمالها ومفاتنها حاجة عامة يتعذَّر اجتنابها؟

ولا شك أنَّ كشف المرأة رأسَها وشعْرَها الذي هو من أهم معالم زينتها هو من الفسق بعد قول الله تعالى في مُحْكم قرآنه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ} سورة النور الآية 31.

فالمرأة التي تَفعل شيئًا من هذه المحرَّمات القطعية إذا فَعلَتْ ذلك، وهي معتقِدة لحُرْمتها مؤمنة بها، ولكنها ضعيفة الإرادة والشخصية لا تستطيع الامتناع عنها، هي عاصية حكمها كسائر من يَرتكِبون المعاصي وهم مؤمنون، ويَستحقون العقوبات الزاجرة لو كان هناك حكم إسلامي سائد.

وأمّا إن كانت المرأة مستبِيحة لشيء من المُحرَّمات القطْعية، أي: غيْر مؤمنة بحُرمتها، فإنها تَخرج بذلك عن الإسلام، والعياذ بالله.وهذه قاعدة لا خِلاف فيها بين علماء الشريعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمَن بعدهم من أئمة الإسلام،ومعظم الناس والنساء المنطلقات اليوم عنها غافلون] fatwa.islamonline.net/4141

رابعاً: ذكر الفقهاء فروعاً فقهيةً على قاعدة “عموم البلوى” منها:

جواز الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، كدم القروح والدمامل والبراغيث، وكطين الشارع وذرق الطيور إذا عمَّ في المساجد والمطاف، وأثرِ نجاسةٍ عسر زواله، والدم على ثياب القصاب، وما يقع على جسد المرضع أو ثيابها من نجاسة الرضيع، وأكل الولي من مال اليتيم بقدر أجرة عمله إذا احتاج. المصدر السابق.

ومن المسائل المعاصرة التي تدخل تحت قاعدة “عموم البلوى”: ما غلب على شركات الطيران من وجود مضيفات يقمن على خدمة الركاب.

وجود نغمات موسيقية في الهواتف المحمولة تأتي من ضمن برامجها الأصلية.

الاختلاط في الجامعات وفي المواصلات العامة وفي المؤسسات الرسمية كالمستشفيات والوزارات وغير الرسمية. وكذلك إطالة البناطيل في غير مخيلة.

وكذلك ما ورد في السؤال من وجود الصور الفاضحة للنساء على الملابس النسائية والمنتجات الصناعية كعلب المأكولات والمشروبات وغيرها كثير جداً. وكذا استعمال الصور الفاضحةٌ للنساء في الترويج للبضائع وبيعها عن طريق شبكة الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي.

فهذه الأمور يصعب التحرُّزُ منها، وليس من السهولة اجتنابُها، لذلك كله فإنها داخلة في قاعدة “عموم البلوى”

فيعفى عنها، لأن ذلك من باب رفع الحرج ودفع المشقة عن الناس والمشقَّة تجلب التيسير.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: [ الأشياء الضرورية التي دخلت على الناس ، وعمَّت بها البلوى ، كالصور التي في النقود والكبريت ونحوها ، فالذي يظهر لي أن هذا من باب الاضطرار، وأحوال الاضطرار وعموم البلوى، يرجى فيه عفو الله، ويُسَهَّلُ الأمرُ فيه ] الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص 83.

وقال الشيخ العثيمين:[ ما عمَّت به البلوى الآن من وجود هذه الصور في كل شيء إلا ما ندر، فتوجد في أواني الأكل والشرب ، وفي الكراتين الحافظة للأطعمة، وفي الكتب، وفي الصحف، فتوجد في كل شيء إلا ما شاء الله .

فنقول:إن اقتناها الإنسان لما فيها من الصور:فلا شكَّ أنه محرم ، أي : لو وجد صورة محرمة في هذه المجلة أو في هذه الجريدة فأعجبته ؛ فاقتناها لهذا الغرض : فهذا حرامٌ لا شك . أو كان يشتري المجلات التي تنشر فيها الصور للصور فهذا حرام .

أما إذا كانت للعلم والفائدة والاطلاع على الأخبار؛ فهذه أرجو ألا يكون بها بأس، نظراً للحرج والمشقة ، وقد قال الله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فهذه الصور ليست مقصودة للإنسان، لا حال الشراء، ولا حال القراءة ، ولا تهمه ] الشرح الممتع 2/92.

وينبغي أن يُعام أن [الأمور التي عمَّت بها البلوى يُقَدِّرها أهلُ العِلْم بقدرها ، وليس كلُّ ما عمَّت به البلوى وانتشرَ وكان حرامًا ؛ أُبيحَ لمجرَّد عموم البلَوى .

فعلب المأكولات والمشروبات مثلاً التي عليها صُوَر نساء،ممَّا عمَّت به البلوى،وليس المقصود منها الترويج لصُور النساء ؛ بل المقصود بيع المأكول أو المشروب ، وعليه فيجوز بيع وشراء هذه العُلَب وإن كان عليها صُوَر ذوات الأرواح ؛ لتعسُّر التحرُّز منها ؛ فالمشقَّة تجلب التيسير.] https://islamqa.info/ar/211206

وأخيراً يجب التحذير من التوسع في استعمال قاعدة “عموم البلوى”حتى تصل الأمور إلى استباحة المحرمات بحججٍ واهيةٍ كانتشارها بين الناس، فالحرام يبقى حراماً وإن شاع وانتشر.

وإنما المرجع في تطبيق قاعدة “عموم البلوى” على الحوادث المستجدة للعلماء وفق الضوابط الشرعية

وخلاصة الأمر:

أن الشريعة الإسلامية جاءت برفع الحرج ودفع المشقة عن الناس.

وأن من القواعد الفقهية المعتبرة قاعدةُ “عُموم البلوى”،وهي قاعدةٌ فقهيةٌ يَستشهِد بها فقهاء المذاهب وغيرهم عند بيانهم للأحكامٍ الطارئة، في ظروفٍ زمانيةٍ ومكانيةٍ معينةٍ عند حصول بلاءٍ عامٍ

وأنها من قواعد التيسير والتسهيل التي تميزت بها شريعتنا الإسلامية الغراء.

وأن الفقهاء وضعوا ضوابط شرعية وذكروا أسباباً عامةً لتطبيق قاعدة عموم البلوى في تخفيف الأحكام على الناس.

وأن قاعدة “عموم البلوى” مقياسها عامٌّ، وأساسه تعذُّر الاجتناب وصعوبته،بينما الضرورات مقياسها شخصيٌّ لذا تُقدَّر بقدرها.

وأنه يجب أن لا يُعارِض عمومَ البلوى نصٌ شرعيٌ صريحٌ فلا يجوز استباحةُ المحرمات الثابتة بحجة عموم البلوى.

وأن وجود الصور الفاضحة للنساء على الملابس النسائية والمنتجات الصناعية يندرج تحت قاعدة “عموم البلوى” فتجوز التجارة بها مع وجود تلك الصور عليها لتعسُّر التحرُّز منها والمشقَّة تجلب التيسير.

والله الهادي إلى سواء السبيل