maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

” يا أيها الذين آمنوا لا تُطبِّعوا”

يقول السائل: ما قولكم فيما زعمه أحد مشايخ التيار السلفي في الأردن أن التطبيع جائزٌ شرعاً لأنه ليس في القرآن آيةٌ تقول:” يا أيها الذين آمنوا لا تُطَبِّعوا”، وكذا ما زعمه من أن الكافر إذا احتلَّ أرضاً مسلمةً مَلَكَها،وأن تصرفاته عليها صحيحة”، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: لا بد أن يُعلم أن علماء الإسلام من أصوليين وفقهاء ومفسرين ومحدثين وغيرهم قد اتفقوا على أن نصوص الكتاب والسنة هما المرجع الأساسي لأحكام الشريعة الإسلامية، قال تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} سورة النحل الآية 89. وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} سورة الأنعام الآية 38.

وعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، أَلا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ ، يَقُولُ :عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ)رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/871.

ومعلومٌ أن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية محدودةُ العدد ومتناهيةٌ كما يقول العلماء، إلا أنها قد اشتملت على القواعد الكلية والمبادئ العامة، ولكن الحوادث التي تقع للناس متجددةٌ وغير متناهية.

ومن المعلوم قطعاً أن الكتاب والسنة لم ينصَّاً صراحةً على كل حكمٍ من الأحكام الجزئية التي تتجدد للناس، فلذا اتفق جماهير علماء الإسلام على أن ما لم يُذكر من الأحكام الجزيئة والنوازل، فالمرجع فيه إلى القياس واجتهاد العلماء، الذي يشمل المصلحة والاستحسان وسدَّ الذرائع والعرف وغيرها من الأدلة الشرعية الفرعية.

قال الجصّاص:[إذا ابتلوا بحادثةٍ طلبوا حكمها من النصِّ، ثم إذا عدموا النصَّ نزعوا إلى الاجتهاد والقياس، ولا يُسوِّغون لأحدٍ الاجتهادَ واستعمال القياس مع النصِّ]الفصول في علم الأصول 2/319.

وقال ابن السمعاني :[ الضرورةُ داعيةٌ إلى وجوب القياس, لأن النصوص متناهيةٌ والحوادثُ غير متناهية, ولا بد أن يكون لله تعالى في كل حادثةٍ حكمٌ, إما بتحريمٍ أو تحليلٍ. فإذا كانت النصوص قاصرةً عن تناول جميع الحوادث، وكان التكليفُ واقعاً بمعرفة الأحكام, لم يكن لنا طريقٌ نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس. ألا ترى: أنا إذا تركنا القياس تعطلت أحكام الحوادث, فصح قولنا: إن الضرورة داعية إلى استعمال القياس]قواطع الأدلة في الأصول 2/84.

وقال إمام الحرمين الجويني:[ القياسُ مناطُ الاجتهاد وأصلُ الرأي, ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة, وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية, فإن نصوص الكتاب والسنة محصورةٌ مقصورةٌ, ومواضعُ الإجماع معدودةٌ مأثورةٌ, فما ينقل منها تواتراً فهو المستند إلى القطع, وهو مُعْوِزٌ قليلٌ, وما ينقله الآحادُ عن علماء الأعصار يُـنَـزَّل منزلةَ أخبار الآحاد, وهي على الجملة متناهيةٌ, ونحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. والرأي المبتوت المقطوع به عندنا, أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى, متلقى من قاعدة الشرع]البرهان في أصول الفقه 2/485 .

وقال الزركشي أثناء استدلاله على صحة القياس:[ الرَّابِعُ: طَرِيقُ الْعَقْلِ. وَهُوَ أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ يُضَافُ إلَيْهِ، لَكِنَّ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا تَنَاهِي النُّصُوصِ فَإِنَّ الْمَعْنَى إذَا ظَهَرَ تَنَاوَلَ ذَلِكَ الْفَرْعَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْأَذْهَانِ، فَإِنَّ أَفْرَادَ الْعُمُومِ لَا تَتَنَاهَى، فَإِذَا تُصُوِّرَ عَدَمُ التَّنَاهِي فِي الْأَلْفَاظِ فَفِي الْمَعَانِي أَوْلَى، قَالَ الْقَفَّالُ: وَلِأَنَّهُ لَا حَادِثَةَ إلَّا وَلِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى بَيَانِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} وَرَأَيْنَا الْمَنْصُوصَ لَمْ يُحِطْ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ.

وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِ ” إثْبَاتِ الْقِيَاسِ “: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَبَطَلَ الْقِيَاسُ، وَلَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ َكَانَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مُهْمَلًا لَا حُكْمَ لَهُ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ] البحر المحيط 7/33-34

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :[ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل أن تُعْوِزَ النصوصُ من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام‏‏]الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ص 4.

وقال ابن القيم :[ والقياس الصحيح حقٌ مطابقٌ للنصوص ، فهما دليلان : الكتاب والميزان ، وقد تخفى دلالة النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس ، ثم قد يظهر موافقاً للنص فيكون قياساً صحيحاً ، وقد يظهر مخالفاً له فيكون فاسداً ، وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته ، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته] إعلام الموقعين 2/248.

ويرى أمير بادشاه شارح التحرير:[ أن قوله تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} لا تعني أن كل شيء مفصل في القرآن “إذ ليس كل الأشياء مفصلة في القرآن لكن معنى كل شيء أنه يتضمن شيء إجمالاً، وقد يتضمن كل شيء إلا أن المجتهد تقاصرعن فهمه وإداركه]تسيير التحرير 4/106-107.

ويقول د. مسفر القحطاني:[إن الله عز وجل أكمل شريعته ببعثة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم فلم يبق أمر من أمور الدنيا أو الآخرة أو للناس فيه مصلحة خاصة أو عامة إلا ووضحه وبينه وجعل الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.يقول الله عز وجل عن هذه النعمة العظيمة:{الْيَوْمَ أَكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسْلامَ دِينًا} سورة المائدة الآية 3، فمبادئ الإسلام وشرائعه العامة واضحة جلية.

أما الجزئيات فبعضها قد تضمنته النصوص وبعضها تُرك للاجتهاد، لأن الجزئيات التي تتولد عن الحوادث المستجدة لا تتناهى، بينما النصوص تتناهى، ولو أُلزمَ الناسُ في كل قضيةٍ جزئيةٍ أن يحكمها نصٌّ لوقع الناسُ في حرجٍ.

وأيضاً فإن القضايا قد تتغير صورُها وملابساتُها وأنواعُها من زمن إلى آخر…فلو وضعت لها نصوصٌ تشريعيةٌ، فسيقيّد ذلك من حركة المجتمع والدولة ويعطل مسيرتها، ولكن الشارع جعل لما يستجدُ في حياة الناس وما هو قابلٌ للتغير، قواعدَ كلية ومبادئ عامة يعود الناس إليها ليجدوا فيها الحكمَ عن طريق الاجتهاد والقياس أو غيره من مسالك الاجتهاد، كالاستحسان والمصلحة المرسلة والعرف وسد الذرائع وغيرها، يقول الشاطبي:”فلم يبق للدِّين قاعدة يحتاج إليها من الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بُيِّنت غاية البيان.نعم، يبقى تنزيلُ الجزئيات على تلك الكليات موكولاً إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد أيضاً ثابتةٌ في الكتاب والسنّة، فلا بدَّ من إعمالها ولا يسعُ تركُها، وإذا ثبتت في الشريعة أشعرت بأن ثمَّ محالاً للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا في ما لا نصَّ فيه…بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجرى عليها مالا نهاية له من النوازل”الاعتصام 2/817. فإذا كان الاجتهاد ضرورياً في حياة أسلافنا فهو أكثر ضرورةً في حياتنا اليوم، ذلك أن أوضاعنا الحياتية قد تغيرت عمَّا كان عليه في الماضي تغيراً كبيراً وتطورت تطوراً مذهلاً بخاصة في ما يتعلق بمستجدات العصر الراهن في قضايا السياسة والدولة وطرق الحكم الرشيد ومساحة الحريات المدنية إذا تقاطعت مع الديني، وما هو دستور الوطن القومي المتعدد الثقافة والدِّين، والموقف من الخروج على الحاكم، والوقوف مع الثورات على الأنظمة، إلى غيرها من نوازل تترى كل يوم، ما يوجب مواجهتها باجتهادات يُبيَّن فيها حكم الشريعة حتى يكون المجتمع المسلم على بينةٍ من أمره فيما يدع وفيما يذر.]

وما قرره علماؤنا في كلامهم السابق أمرٌ مؤصلٌ شرعاً، يدل عليه قوله تعالى: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا }سورة النساء الآية 83، وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } سورة النساء الآية 59.

وبناءً على ما سبق فإن ما زعمه أحد مشايخ التيار السلفي في الأردن من أن التطبيع جائزٌ شرعاً لأنه ليس في القرآن آيةٌ تقول:” يا أيها الذين آمنوا لا تُطَبِّعوا” كلامٌ باطلٌ عاطلٌ، كاسدٌ فاسدٌ ، بل هو أسوأُ من قول الجامدين على ظواهر النصوص دون النظر في عللها ومآلاتها، ونقول له أين تجد في القرآن الكريم حكم النوازل المعاصرة كالشركات الحديثة، وأنواع التأمين المختلفة وطرق العلاج الحديثة كاستعمال أجهزة الإنعاش ، وأطفال الأنابيب، وما يتعلق بالقانون الدولي وغير ذلك من آلاف المستجدات؟!

ومما يدل على بطلان الكلام السابق أن فقهاءنا على مرِّ العصور وتوالي الأيام درسوا النوازل المستجدة في كل عصرٍ وحين، وتركوا لنا ثروةً علميةً عظيمة في عددٍ كبير من المؤلفات فيما يُعرف بفقه النوازل أو الواقعات.

ثانياً: قضية التطبيع التي زعم الشيخ المذكور أنه لا يوجد آيةٌ في القرآن الكريم تقول:” يا أيها الذين آمنوا لا تُطَبِّعوا” ورتَّب على ذلك أنه جائز؟!

أقول التطبيع من النوازل المستجدة، ولا يوجد نصٌّ صريحٌ لا في الكتاب ولا في السنة يمنعه ويحرمه، ولكننا إذا استجبنا لأمر الله عز وجل في قوله تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }  يظهر لنا أن حكم التطبيع مرجعهُ إلى أهل العلم الذين استنبطوا حكمه بناءً على قواعد الشريعة وكلياتها المستمدة من الكتاب والسنة، وقرروا حرمته ومنعه ، لما يترتب عليه من مخالفاتٍ صريحةٍ لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومخالفته لقواعد الإسلام العامة المعروفة عند أهل العلم، وليست معلومةً عند أدعياء السلفية الذين لا يرون أبعدَ من أنوفهم، والمطبلين والمزمرين لأسيادهم المهرولين للتطبيع من العربان! وكأني بهذا الشيخ لا يدري ما هو التطبيع! ولا يدري ماذا يترتب على التطبيع مع يهود الذين احتلوا واغتصبوا فلسطين وأسروا المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث المسجدين التي تشدُّ إليها الرحال.

وإن كلام الشيخ المذكور ليشكلُ طعنةً غادرةً في ظهر أهل بيت المقدس وأكنافه.

وأن التطبيع الذي يبيحه مُدَّعي السلفية المذكور ما هو إلا إقرارٌ وتسليمٌ بضياع كل فلسطين والقدس المسجد الأقصى المبارك خاصةً، وإقراره واعترافه بكل ما أحدثه المحتلون من تدميرٍ وتخريبٍ لقرى ومدن فلسطين وبناءٍ للمستوطنات وتهجيرٍ لأهل فلسطين واستسلام ورضاً بأفعال المحتلين وإقرارٍ لباطلهم.

ولا يدري مُدَّعي السلفية أن التطبيع ما هو إلا فتحٌ لأبواب بلاد العرب والمسلمين أمام يهود وغزوها اقتصادياً وثقافياً وأخلاقياً وسياساً…إلخ وإقامة علاقات تجارية وصناعية وزراعية وسياحية ودبلوماسية وثقافية طبقاً لقرارات هيئة الأمم المتحدة ،وليس طبقاً لأحكام الكتاب والسنة.

والكلام في التطبيع واسعٌ لا يحتمله هذا المقام، وخلاصة التطبيع أنه يجعلُ ما هو غير طبيعي طبيعياً.

ثالثاً:ما زعمه مُدَّعي السلفية من أن ” الكافر إذا احتل أرضاً مسلمة مَلَكَها، ليس بمعنى أننا أعطيناه إياها، ولكن بمعنى أن تصرفاته عليها صحيحة” وهذا الكلام باطلٌ شرعاً ،وإن قال بعض الفقهاء بتملك العدو لأموال المسلمين المنقولة كالخيل والبضائع ونحوها ولم أجد قولاً لأحدٍ من الفقهاء في تملك العدو لأرض المسلمين المغصوبة، مع أن كثيراً من الفقهاء لا يقولون بتملك العدو لأموال المسلمين المنقولة،وهو القول الصحيح،ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية 5/181:[الكفّار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها أصلاً، وممّن قال بهذا الشّافعيّة، وأبو ثورٍ وأبو الخطّاب من الحنابلة، واحتجّوا بما رواه عمران بن حصينٍ أنّه «أسرت امرأةٌ من الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت مع نعمها ذات ليلةٍ من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتّى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ‏.‏ قال‏:‏ وناقةٌ منوّقةٌ‏.‏ فقعدت في عجزها ثمّ زجرتها فانطلقت، ونذروا بها، فطلبوها فأعجزتهم‏.‏ قال‏:‏ ونذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها، فلمّا قدمت المدينة رآها النّاس، فقالوا‏:‏ العضباء ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ إنّها نذرت إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها‏.‏ فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال‏:‏ سبحان اللّه، بئسما جزتها، نذرت للّه إن نجّاها اللّه عليها لتنحرنّها لا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ، ولا فيما لا يملك العبد» وفي رواية ابن حجرٍ «لا نذر في معصية اللّه»‏.‏]

ومن المقرر عند العلماء أن الغاصب فرداً كان أو جهةً أو مؤسسةً أو دولةً، لا يملك المال المغصوب، فالغصب محرمٌ شرعاً، وليس من طرق التملك المعتبرة شرعاً، وقد نصَّكثيرٌ من الفقهاء على أن العدو إذا استولى على أموال المسلمين فإنه لا يملكها، ورد في كتاب الأم للإمام الشافعي: [العبدُ المسلم يأبقُ إلى أهل دار الحرب، سألت الشافعي عن العدو يأبقُ إليهم العبد أو يشرد البعير أو يغيرون فينالونهما أو يملكونهما أسهما؟ قال: لا. فقلت للشافعي: فما تقول فيهما إذا ظهر عليهم المسلمون فجاء أصحابهما قبل أن يقتسما؟ فقال: هما لصاحبهما] ثم استدل الشافعي بما ورد في الحديث السابق في قصة ناقة النبي صلى الله عليه وسلم التي استولى عليها الكفار، ثم قال الشافعي: [وهذا الحديث يدل على أن العدو قد أحرز ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الأنصارية انفلتت من إسارهم عليها بعد إحرازهموها ورأت أنها لها، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد نذرت فيما لا تملك ولا نذر لها، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته، ولو كان المشركون يملكون على المسلمين لم يعد أخذ الأنصارية الناقة أن تكون ملكها بأنها أخذتها ولا خمس فيها، لأنها لم توجف عليها. وقد قال بهذا غيرنا ولسنا نقول به، أو تكون ملكت أربعة أخماسها وخمسها لأهل الخمس أو تكون من الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فيكون أربعة أخماسها للنبي صلى الله عليه وسلم وخمسها لأهل الخمس ولا أحفظ قولاً لأحدٍ أن يتوهمه في هذا غير أحد هذه الثلاثة الأقاويل. قال: فلما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته دل هذا على أن المشركين لا يملكون شيئاً على المسلمين] الأم 4/268.

قال الإمام النووي:[وفي هذا الحديث دلالةٌ لمذهب الشافعي وموافقيه:أن الكفار إذا غنموا مالاً للمسلم لا يملكونه…وحجة الشافعي وموافقيه هذا الحديث، وموضع الدلالة منه ظاهر.] شرح النووي على صحيح مسلم 6/32.

وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [ولا يملكُ أهلُ الكفر الحربيون مالَ مسلمٍ، ولا مال ذمي أبداً إلا بالابتياع الصحيح، أو الهبة الصحيحة، أو بميراث من ذمي كافر، أو بمعاملة صحيحة في دين الإسلام، فكل ما غنموه من مال ذمي أو مسلم، أو آبق إليهم، فهو باقٍ على ملك صاحبه…وحكمه حكمُ الشيء الذي يغصبه المسلمُ من المسلم، ولا فرق.وهو قول الشافعي وأبي سليمان -أي داود الظاهري-…]، ثم ذكر الشيخ ابن حزم كلاماً طويلاً في بيان هذه المسألة ثم قال: [أخبرونا عمَّا أخذه منا أهل الحرب أبحقٍ أخذوه أم بباطلٍ؟ وهل أموالنا مما أحله اللهُ تعالى لهم أو مما حرمه عليهم؟ وهل هم ظالمون في ذلك أو غير ظالمين؟ وهل عملوا من ذلك عملاً موافقاً لأمر الله تعالى وأمر نبيه عليه السلام، أو عملاً مخالفاً لأمره تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فالقولُ بأنهم أخذوه بحقٍ أنه مما أحله الله تعالى لهم وأنهم غير ظالمين في ذلك، وأنهم لم يعملوا بذلك عملاً مخالفاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله عليه السلام… فسقط هذا القول، وإذ قد سقط فلم يبق إلا الآخر، وهو الحق اليقين من أنهم إنما أخذوه بالباطل وأخذوا حراماً عليهم، وهم في ذلك أظلم الظالمين، وأنهم عملوا بذلك عملاً ليس عليه أمر الله تعالى: وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأن التزام دين الإسلام فرض عليهم. فإذ لا شك في هذا فأخذهم لما أخذوا باطلٌ مردودٌ، وظلمٌ مفسوخٌ، ولا حق لهم ولا لأحدٍ يشبههم فيه؛ فهو على ملك مالكه أبداً]المُحلَى 5/352-359.

وقال الإمام الماوردي: [وما غلب عليه المشركون من أموال المسلمين وأحرزوه لم يملكوه وكان باقياً على ملك أربابه من المسلمين] الأحكام السلطانية 1/264.

ومما يدل على بطلان تملك العدو لأموال المسلمين المغصوبة أيضاً القاعدة المقررة عند الفقهاء وهي أن ما بُني على الباطل فهو باطلٌ، فالاستيلاء على مال الغير باطلٌ من أساسه وما بُني على الباطل فهو باطلٌ.

قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [وكل عقدٍ انعقد على باطلٍ فهو باطلٌ، لأنه لم تُعقد له صحةٌ إلا بصحة ما لا صحة له، فلا صحة له]المحلى 6/382.

وخلاصة الأمر:

أن نصوص الكتاب والسنة هما المرجع الأساسي لأحكام الشريعة الإسلامية.

وأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية محدودةُ العدد ومتناهية إلا أنها قد اشتملت على القواعد الكلية والمبادئ العامة، والحوادث التي تقع للناس متجددة وغير متناهية .

وأنه من المعلوم قطعاً أن الكتاب والسنة لم ينصَّاً صراحةً على كل حكمٍ من الأحكام الجزئية التي تتجدد للناس.

وأن جماهير علماء الإسلام قالوا إن ما لم يُذكر من الأحكام الجزيئة والنوازل فالمرجع فيه إلى القياس واجتهاد العلماء، الذي يشمل المصلحة والاستحسان وسد الذرائع والعرف وغيرها من الأدلة الشرعية الفرعية.

وأنه لو أُلزم الناسُ في كل قضيةٍ جزئيةٍ أن يحكمها نصٌ لوقع الناسُ في حَرَجٍ كبير.

وأن التطبيع من النوازل المستجدة، ولا يوجد نصٌّ صريحٌ لا في الكتاب ولا في السنة يمنعه ويحرمه، ولذلك لم يجد الشيخ المذكور آيةٌ في القرآن تقول:” يا أيها الذين آمنوا لا تُطَبِّعوا”ولكننا إذا استجبنا لأمر الله عز وجل في قوله تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يظهر لنا أن حكم التطبيع مرجعهُ إلى أهل العلم الذين استنبطوا حكمه بناءً على قواعد الشريعة وكلياتها المستمدة من الكتاب والسنة، وقرروا حرمته ومنعه، لما يترتب عليه من مخالفات صريحة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومخالفته لقواعد الإسلام العامة المعروفة عند أهل العلم.

وأن ما زعمه مُدَّعي السلفية من أن “الكافر إذا احتل أرضاً مسلمة مَلَكَها” كلامٌ باطلٌ شرعاً

وأن القول الصحيح هو أن الكفّار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها أصلاً،

وأن الغصب ليس من طرق التملك المعتبرة شرعاً

وأن ما بُني على الباطل فهو باطل.

والله الهادي إلى سواء السبيل