مسائلُ في الوكالةِ في الزكاة

يقول السائل:ذكرتم في الحلقة السابقة من “يسألونك” مسألةَحكمِ أخذِ الوكيلِ لنفسهِ من مالِ الزكاةِ المُوكَّل بتوزيعهِ، فهلا وضحتم لنا حكمَ توكيل لجان الزكاة في إخراج الزكاة وصدقة الفطر،وهل لها أن توكِّلَ غيرها في ذلك؟ وما الحكم إذا خالفت هذه اللجان ما طلبه الموكِّلُ ؟ ومن يتحملُ أُجرةَ نقلِ الزكاة وإيصالها إذا نُقلت من منطقة إلى أخرى؟أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً: يجوز توكيلُ لجان الزكاة في إخراج الزكاة وصدقة الفطر،بشرط أن يكون القائمون عليها ثقاتٍ وأمناءَ على المال، ويدل على جواز ذلك ما ذكرته من أدلة في الحلقة السابقة على جواز الوكالة بشكلٍ عامٍ، ويدخل في ذلك التوكيل في الزكاة وفي صدقة الفطرفي إخراجها ودفعها إلى مستحقيها، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وأما العبادات، فما كان منها له تعلقٌ بالمال، كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات، جاز التوكيلُ في قبضها وتفريقها، ويجوز للمُخرج التوكيلُ في إخراجها ودفعها إلى مستحقها. ويجوز أن يقول لغيره: أخرج زكاة مالي من مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:(أعلمهم أن عليهم صدقةً تُؤخذُ من أغنيائهم، فتردُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوةَ المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ)متفق عليه.] المغني 5/206.

ومعلومٌ أن لجان الزكاة لديها معرفةً واسعةً بالفقراء والمحتاجين، وقد يتعذرُ على أرباب الأموال الوصول لهؤلا الفقراء وغيرهم من المستحقين للزكاة.

ثانياً:الواجبُ الشرعي على أعضاء لجان الزكاة الالتزامُ بأحكام الزكاة، فيلزمُ لجان الزكاة إيصالُ الزكاة إلى المستحقين فقط حسب آية مصارف الزكاة، وهي قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } سورة التوبة الآية60.

ويلزمُ لجان الزكاة أيضاً الالتزامُ بما يطلبه أربابُ الأموال من توصيل مال الزكاة لشخصٍ معينٍ أو جهةٍ معينةٍ.ولا يجوز لها مخالفةُ شروط الموكِّل في الصرف إلى شخصٍ معينٍ أو جهةٍ معينةٍ. فلا بدَّ من الالتزام بشروط المزكي أو المتصدق ما دامت أنها ليست مخالفةً للشرع.

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي:[ لا يملك الوكيلُ من التصرف إلا ما يقتضيه إذنُ الموكِّل من جهة النطق أو من جهة العرف،لأن تصرفه بالإذن فلا يملك إلا ما يقتضيه الإذن ] المهذب 2/165.

وقال الشيخ تقي الدين السبكي:[ وَالْوَكِيلُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَتَبُّعُ تَخْصِيصَاتِ الْمُوَكِّلِ, وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: فَرِّقْ هَذَا الْمَالَ أَيْ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلَوْ قَالَ: فَرِّقْهُ فِيهَا، لَيْسَ لَهُ تَفْرِقَةٌ فِي غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَقْطَعَ بِأَنْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ.]فتاوى السبكي2/454.

ويلزم لجانَ الزكاة أيضاً صرفُزكاةالفطرللمستحقينلهاقبلصلاةالعيد، ولا يجوز لها تأخيرها عن ذلك.

لما ورد في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجةوالدار قطني  والحاكم.وحسَّنة العلامة الألباني.

ثالثاً: ليس للوكيل أن يُوَكِّلَ غيرَه إلا أن يأذن له الأصيل، أي الموكِّل على مذهب جمهور الفقهاء، وهو القول الراجح، ورد فيالموسوعةالفقهية:[إِذَا صَدَرَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً دُونَ إِذْنِهِ لِلْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْ نَهْيِهِ عَنْهُ وَدُونَ تَفْوِيضِهِ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى رَأْيَيْنِ:الرَّأْيُ الأْوَّلُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ-الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ- إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، لأِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَلأِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِهِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الآْرَاءِ فَلاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِغَيْرِهِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ مَا وُكِّلَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ يُفَوِّضَ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، أَوِ اصْنَعْ مَا شِئْتَ، لإِطْلاَقِ التَّفْوِيضِ إِلَى رَأْيِهِ]الموسوعة الفقهية الكويتية 45/82.

 

رابعاً:إذا خالف الوكيلُ الموكِّل في توزيع الزكاة فتصرف بمال الزكاة على خلاف شرط صاحب المال، فيلزمه أن يخبره بذلك ، فإن أجاز تصرفَه جاز، وإلا فإن الوكيلَ ضامنٌ، وهذا بناءً على القول الراجح في تصرفات الفُضولي، فقد ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعي في قوله القديم وهو أحد قوليه في الجديد وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن تصرف الفضولي موقوفٌ على إجازة المالك، فإن أجازه صح، وإن لم يجزه لم يصح.ويدل لذلك ما ورد في الحديث عن شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ، قَالَ:( سَمِعْتُ الحَيَّ يُحَدِّثُونَ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ،وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ ) رواه البخاري. ويدل له أيضاً ما ورد في حديث ابن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار:(وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ،فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي ، فَقُلْتُ لَهُ : كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ، وَالرَّقِيقِ ،فَقَالَ:يَا عَبْدَ اللَّهِ،لَا تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا ) رواه البخاري ومسلم.وغير ذلك من الأدلة.

وبناءً على ذلك فإن صاحب المال إذا لم يُجز تصرف الوكيل ،فإن الوكيل ضامنٌ على الراجح من أقوال أهل العلم،قال الشيخ ابن حزم الظاهري:[ولا يحل للوكيل تعدي ما أمره به موكله، فإن فعل لم ينفذ فعلُهُ، فإن فات ضمن لقول الله تعالى:{وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}سورة البقرة الآية 190. ولقوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} سورة البقرة الآية 194] المحلى7/91.

وقال الشيخ ابن عابدين:[ الوكيل إنما يستفيد التصرفَ من الموكِّل وقد أمره بالدفع إلى فلان، فلا يملك الدفعَ إلى غيره ، كما لو أوصى لزيدٍ بكذا ليس للوصي الدفع إلى غيره] حاشية ابن عابدين 2/269.

وقال الشيخ العثيمين:[وهل له أن يُوَكِّلَ؟

الجواب: لا،ليس له أن يُوَكِّلَ، فإذا وكَّلت فلاناً أن يبيع هذه السيارة فليس له أن يُوَكِّلَ غيره؛ لأنني وكلته هو بنفسه، فليس له أن يُوَكِّلَ غيره؛ لأني قد أثقُ به، ولا أثقُ بغيره، ولاسيما في الأمور التي يختلف فيها القصدُ اختلافاً كبيراً، كما لو وكَّلت شخصاً يفرقُ زكاةً،وأراد أن يُوَكِّلَ غيره فهذا لا يمكن؛لأن الزكاة أمرها عظيم،وربما أثقُ بفلان،ولا أثقُ بغيره.] الشرح الممتع 9/350.

خامساً:يجوزُ نقلُ الزكاة لمصلحةٍ معتبرةٍ على الراجح من أقوال الفقهاء،وهو قول جماعة من الفقهاء المتقدمين كالحنفية والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول جماعةٍ من الفقهاء المعاصرين،واختارته عدةُ هيئاتٍ شرعيةٍ معاصرةٍ. انظر فقه الزكاة د. القرضاوي 2/809، بحث د. محمد شبير “نقل الزكاة من موطنها الزكوي”من ضمن أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة 1/450.

فإذا ترتب على نقل الزكاة من بلدٍ إلى آخر تكاليف مالية، فإن صاحب المال هو من يتحمل ذلك، ولا يجوز للوكيل حسمُ التكاليف من مال الزكاة، لأن الزكاة حينئذٍ ستصل إلى المستحقين ناقصةً. وعلى الوكيل أن يخبر صاحب المال بذلك، أما أن يحسم التكاليف دون علمه فلا يجوز، لأن في ذلك تعدٍّ على ملك غيره دون علمه ودون أن تطيب نفسه بذلك.قال الإمام النووي:[حيث جاز النقلُ أو وجب فمؤنتهُ على ربِّ المال]المجموع 6/214.

وقال المرداوي الحنبلي:[ أجرةُ نقل الزكاة – حيث قلنا به – على ربِّ المال]الإنصاف 7/174.

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية السابق:[أجرةُ نقل الزكاة على ربِّ المال؛لأن عليه تسليمها إلىمستحقها، فكان عليه مؤنته، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب]مجلة البحوث 93/22.

وخلاصة الأمر:

أَنَّه يجوز توكيلُ لجان الزكاة في إخراج الزكاة وصدقة الفطر،بشرط أن يكون القائمون عليها ثقاتٍ وأمناءَ على المال.

وأن الواجب الشرعي على أعضاء لجان الزكاة الالتزام بأحكام الزكاة، فيلزمُهم إيصالُ الزكاة إلى المستحقين فقط حسب آية مصارف الزكاة.

ويلزمُهم أيضاً الالتزامُ بما يطلبه أصحاب الأموال من توصيل مال الزكاة لشخصٍ معينٍ أو جهةٍ معينةٍ.

ولا يجوز لهم مخالفةُ شروط الموكِّل في الصرف إلى شخصٍ معينٍ أو جهةٍ معينةٍ.

وأنه ليس للوكيل أن يُوَكِّلَ غيره إلا أن يأذن له الأصيلُ أي الموكِّل على الراجح من أقوال الفقهاء.

وأن الوكيلَ إذا خالف الموكِّل في توزيع الزكاة فتصرف بمال الزكاة على خلاف شرطه فيلزمه أن يخبره بذلك ، فإن أجاز تصرفه جاز، وإلا فإن الوكيلَ ضامنٌ، وهذا بناءً على القول الراجح في تصرفات الفضولي.

وأنه يجوز نقلُ الزكاة لمصلحةٍ معتبرةٍ على الراجح من أقوال الفقهاء.

وأن أجرة نقل الزكاة على صاحب المال .

والله الهادي إلى سواء السبيل