حكمُ أخذِ الوكيلِ لنفسهِ من مالِ الزكاةِ المُوكَّل بتوزيعهِ

يقول السائل: وكَّلني قريبي المقيم خارج البلاد في إخراج زكاة أمواله وتوصيلها للمستحقين حسب معرفتي ، ولمَّا كنت في حاجةٍ ملحةٍ للمال أخذتُ جزءً منها، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً: الوكالة فِي الاصْطِلاَحِ هي استنابةُ جائزِ التصرفِ مثلَه فيما تدخلهُ النيابةُ.

وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ،ويدل على مشروعيتها قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} سورة الكهف، الآية 19.

وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}سورة النساء الآية 35.

ومن السُّنَّةُ مَا وَرَدَ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ رضي الله عنه:( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ)رواه البخاري.فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

وَعَنْ جَابِرِ رضي الله عنه قَالَ:(أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ)رواه أبو داود وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ أيضاً.

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ:( تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلاَلٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا)رواه الترمذي  وقال حديث حسن. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي النِّكَاحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ.

أَمَّا الإْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا مُنْذُ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 45/5-8.

ويجوز التوكيل في الزكاة وفي صدقة الفطرفي إخراجها ودفعها إلى مستحقيها، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وأما العبادات، فما كان منها له تعلقٌ بالمال، كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات، جاز التوكيلُ في قبضها وتفريقها، ويجوز للمُخرج التوكيلُ في إخراجها ودفعها إلى مستحقها. ويجوز أن يقول لغيره: أخرج زكاة مالي من مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:(أعلمهم أن عليهم صدقةً تُؤخذُ من أغنيائهم، فتردُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوةَ المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ)متفق عليه.] المغني 5/206.

وقال المرداوي:[ يجوز التوكيل في دفع الزكاة. وهو صحيح. لكن يشترط فيه أن يكون ثقةً، نصَّ عليه -يعني الإمام أحمد- وأن يكون مسلماً على الصحيح من المذهب] الإنصاف3/197.

وقال الإمام النووي: [ له أن يوكل في صرف الزكاة التي له تفريقها بنفسه…وإنما جاز التوكيلُ في ذلك مع أنها عبادةٌ،لأنها تشبه قضاءَ الديون،ولأنه قد تدعو الحاجةُ إلى الوكالة لغيبة المال وغير ذلك… وتفريقهُ بنفسه أفضلُ من التوكيل بلا خلاف، لأنه يكون على ثقةٍ من تفريقه بخلاف الوكيل] المجموع 6/138.

وسئل الشيخ العثيمين:[هل يجوز التوكيلُ في صرف زكاة الفطر وزكاة المال وفي قبضها ؟فأجاب:”نعم ، يجوز التوكيلُ في صرف زكاة الفطر، كما يجوز في زكاة المال ، لكن لابدَّ أن تصل زكاةُ الفطر إلى يد الفقير قبل صلاة العيد ؛ لأنه وكيلٌ عن صاحبها ] مجموع فتاوى العثيمين 18/310.

والأولى أن يتولى المرءُ زكاةَ ماله بنفسهِ،وذلك بإيصالها للمستحقين،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ويستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه، ليكون على يقينٍ من وصولها إلى مستحقها،سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة.قال الإمام أحمد:أعجبُ إليَّ أن يُخرجها ، وإن دفعها إلى السلطان،فهو جائزٌ]المغني 2/267.

ثانياً: الأصل المقرر عند الفقهاء أن الوكيلَ أمينٌ، وقد أمر الله عز وجل بحفظ الأمانة، ونهى عن الخيانة فيها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}سورة الأنفال الآية 27، ويلزمُ الوكيلَ شرعاً التقيُّدُ بالقيود التي يضعها الموكِّل،قال علي حيدر: [ إذا قُيدت الوكالةُ فليس للوكيل المخالفةُ في الجنس على الإطلاق،وفي القدر والوصف إلى شرٍ، سواء أكان ذلك العقدُ راجعاً إلى الثمن أم إلى المشتري] درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3/604.

وفي الوكالة بالزكاة والصدقة يلزمُ الوكيلَ إيصالُ الزكاة إلى المستحقين فقط حسب آية مصارف الزكاة، ولا يجوز له مخالفةُ شروط الموكِّل في الصرف إلى شخصٍ معينٍ أو جهةٍ معينةٍ. ولا بدَّ من الالتزام بشروط المزكي أو المتصدق ما دامت أنها ليست مخالفةً للشرع كما سأبين.

قال الشيخ تقي الدين السبكي:[ وَالْوَكِيلُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَتَبُّعُ تَخْصِيصَاتِ الْمُوَكِّلِ, وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: فَرِّقْ هَذَا الْمَالَ أَيْ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلَوْ قَالَ: فَرِّقْهُ فِيهَا، لَيْسَ لَهُ تَفْرِقَةٌ فِي غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَقْطَعَ بِأَنْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ.]فتاوى السبكي2/454.

وقال ابن عابدين:[الوكيلُ إنما يستفيدُ التصرفَ من الموكِّل وقد أمره بالدفع إلى فلان ، فلا يملكُ الدفعَ إلى غيره، كما لو أوصى لزيدٍ بكذا، ليس للوصي الدفع إلى غيره ، فتأمل] حاشية ابن عابدين 2/269.

وورد في فتاوى دار الإفتاء الأردنية تحت عنوان:التزام الجهة الخيرية بإنفاق التبرع كما يشترطُ المتبرعُ

[ نيةُ المتبرع وشرطهُ محترمان في الشريعة الإسلامية، يجب الالتزام بهما في حقِّ من يوكله المتبرع لإيصال المال إلى المستحقين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم) علَّقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه.

وجاء في المهذب للشيرازي 2/ 165: “لا يملك الوكيلُ من التصرف إلا ما يقتضيه إذنُ الموكِّل من جهة النطق أو من جهة العرف؛ لأن تصرفه بالإذن فلا يملك إلا ما يقتضيه الإذن”وعليه؛ فتصرفات الوكيل “هيئة الإغاثة” مقرونة بإذن الموكِّل المتبرع، فإذا فوَّضها الموكِّلُ في التصرف بالتبرعات على الوجه الذي يرونه مناسباً، فلا حرج في نقلها إلى الحساب الخاصّ الذي تعود منفعته لعموم الأيتام المستحقين.وأما إذا اختار يتيماً معيناً يكفله بشكلٍ دوري، فينبغي احترامُ اختياره، والرجوعُ إليه قبل التصرف في ماله الذي تبرع به لذلك اليتيم المعيّن.] aliftaa.jo/Question2.aspx?QuestionId=3296#.WVIhheuGMdU

وبناءً على ما سبق إذا قال صاحبُ مال الزكاة: “خذ هذه الأموال وأعطها فلاناً”، فلا يجوز للوكيل أن يعطيها لغيره ولو كان أفقر منه. وقد سئل الشيخ العثيمين:هل يجوز للوكيل في الزكاة أن يعطيها لغير من عيَّنه صاحبُ الزكاة إذا كان الثاني أشدَّ فقراً ممن عيَّنه صاحبُ الزكاة أم لا؟فأجاب: إذا قال صاحبُ الزكاة: خذ هذه الأموال وأعطها فلاناً، فلا يجوز أن يعطيها غيره ولو كان أفقر.ولكنني أرتب على هذا السؤال سؤالاً آخر وهو: لو كان المعين غنياً وصاحبُ الزكاة لا يدري عنه،÷ فهل يجوز دفعها له؟الجواب: أنه لا يجوز، فإذا قال للوكيل: خذ هذه الدراهم زكاةً أعطها فلاناً. والوكيلُ يعلم أن فلاناً غير مستحق، فلا يحلُّ له أن يعطيه إياها، ولكن عليه أن يقول لصاحب الزكاة: إن فلاناً لا تحلُّ له الزكاةُ، وفي هذا إحسانٌ لدافع الزكاة، والمدفوعة إليه بمنعه من أخذ ما ليس له.]مجموعفتاوى العثيمين 18/433.

ثالثاً: اختلف الفقهاء في حكم أخذ الوكيل لنفسه من مال الزكاة الموكَّل بتوزيعه ، فمن الفقهاء كالمالكية من أجاز ذلك ما دام أن الوكيل من المصارف الثمانية التي يجوز دفعُ الزكاة لهم كالفقير والمسكين والغارم. وقال بعض الفقهاء لا يجوز للوكيل أن يأخذ لنفسه.

والذي يظهر لي رجحانُ القولِ بالجواز إذا لم يحدد صاحبُ مال الزكاة شخصاً معيناً لصرفها له، فإذا قال الموكِّلُ للوكيل اصرف الزكاة لمن ترى أنه مستحقٌ لها،فأدخلَ الوكيلُ نفسه ضمن ذلك، فأرى جواز تصرفه، ما دام أن الوكيل يأخذُ نصيبه منها بالعدل،ولا يُحابي نفسه فيأخذ أكثر مما يُعطي غيره،ولأنه داخلٌ ضمن مصارف الزكاة المذكورة في قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة الآية 60،فالوصفُ الذي حصل به الاستحقاقُ متحققٌ في الوكيل، فيجوز له الأخذُ منها كغيره من المستحقين،مع أن الأفضل أن يخبر صاحب المال بحاجته قبل الأخذ منها.

قال الحطاب المالكي:[ قَالَ سَنَدٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَصْرِفِ الزَّكَاةِ:مَنْ دُفِعَتْ إلَيْهِ زَكَاةٌ لِيُفَرِّقَهَا فِي أَهْلِهَا،وَكَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ،قَالَ مَالِكٌ:مَنْ أَعْطَى مَالًا فِي خُرُوجِهِ لِحَجٍّ أَوْ غَزْوٍ لِيَصْرِفَهُ عَلَى مَنْ قَطَعَ بِهِ فَقَطَعَ بِهِ فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ بَيِّنٌ؛لِأَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ قَائِمَةٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ،انْتَهَى.

وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ نَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي فِيمَنْ بُعِثَ مَعَهُ جَزَاءٌ أَوْ فِدْيَةٌ أَوْ جَزَاءُ صَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ،قَالَ:إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُمِسْكِينًا، فَجَائِزٌ أَنْ يَأْكُلَ،قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِهِ: وَنَظِيرُهُ الْكَفَّارَةُ وَالزَّكَاةُ تُدْفَعُ لِبَعْضِ الْمَسَاكِينِ يُفَرِّقُهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْهَا بِالْعَدْلِ،انْتَهَى.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ:يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ أُعْطِيت لَهُ صَدَقَةٌ يُفَرِّقُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ حَظِّهِ إذَا كَانَ مِسْكِينًا،وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا قَوْلَانِ،وَسَبَبُهُمَا الْوَكِيلُ،هَلْ هُوَ مَعْزُولٌ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ لَا؟وَهَلْ الْمَأْمُورُ بِالتَّبْلِيغِ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمْ لَا؟وَيَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْعُطَاشِ أَنَّهُ يُشْرَبُ مِنْهُ إنْ عَطِشَ، انْتَهَى.

وَفِي رَسْمِ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ،ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَ لِمَنْ بُعِثَ مَعَهُ بِمَالٍ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ لِيُفَرِّقَهُ عَلَى الْمُنْقَطِعِينَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إذَا احْتَاجَ بِالْمَعْرُوفِ،وَالْمَعْرُوفُ أَنْ لَا يُحَابِيَ نَفْسَهُ، فَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِي غَيْرَهُ،وَاسْتُحِبَّ لَهُ إنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ أَنْ يَتَسَلَّفَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا،وَاسْتُحِبَّ لَهُ إذَا رَجَعَ أَنْ يُعْلِمَ رَبَّهُ – صاحب المال – بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُمْضِهِ وَجَبَ غُرْمُهُ لَهُ،وَإِنْ فَاتَ لَمْ يُمْكِنُهُ إعْلَامُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَاشَى مِنْهُ؛لِأَنَّهُ أَجَازَ لَهُ الْأَخْذَ ابْتِدَاءً.

وَإِنْ قَالَ صَاحِبُهُ:”إنْ احْتَجْت فَخُذْ” جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِاتِّفَاقٍ، مِثْلَ مَا يُعْطِي غَيْرَهُ،وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَرْضَى بِذَلِكَ]مواهب الجليل3/239.

وقال الخرشي: [وللنائب أن يأخذ منها إن كان من أهلها بالمعروف]شرح مختصر خليل 2/221.

والقول بالجواز هو أحد الوجهين عند الحنابلة،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[إن وكَّله في إخراج صدقة على المساكين وهو مسكينٌ‏,‏ أو أوصى إليه بتفريق ثلثه على قومٍ وهو منهم، أو دفع إليه مالاً وأمره بتفريقه على من يريد أو دفعه إلى من شاء‏,‏ فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجوز له أن يأخذ منه شيئاً، فإن أحمد قال‏:‏ إذا كان في يده مالٌ للمساكين وأبواب البر وهو محتاجٌ فلا يأكل منه شيئاً‏,‏ إنما أمره بتنفيذه، وذلك لأن إطلاق لفظ الموكل ينصرف إلى دفعه إلى غيره.

ويحتمل أن يجوز له الأخذُ إذا تناوله عمومُ اللفظ كالمسائل التي تقدمت،ولأن المعنى الذي حصل به الاستحقاقُ متحققٌ فيه‏,‏واللفظُ متناولٌ له،فجاز له الأخذُ كغيره.

ويحتملُ الرجوع في ذلك إلى قرائن الأحوال،فما غلب على الظنِّ فيه أنه أراد العموم فيه وفي غيره‏,‏فله الأخذُ منه.

وما غلب أنه لم يرده، فليس له الأخذ‏,‏وما تساوى فيه الأمران احتمل وجهين]المغني5/70.

وورد في فتاوى الشبكة الإسلامية:[ وأما أخذُ الوكيل من الزكاة التي وكِّل في تفريقها إذا كان مستحقاً لها، فمحل خلافٍ بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، وإلى الجواز ذهب المالكيةُ رحمهم الله، ففي شرح الخرشي لمختصر خليل قال: وللنائب أن يأخذ منها إن كان من أهلها بالمعروف. انتهى.

وعليه؛ فلا نرى مانعاً من أن تأخذ من الزكاة التي وكِّلت في تفريقها بقدر حاجتك ما دمت مستحقاً لها، وننصحك بعدم نشر ذلك لأحدٍ،لأن المتصدقين إذا عرفوا ذلك عنك ربما اتهموك وانتشر ذلك بين الناس فسبب بعدهم عنك وعن دعوتك]

fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=97019

وخلاصة الأمر:

أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ.

وأنه يجوز التوكيلُ في الزكاة وفي صدقة الفطرفي إخراجها ودفعها إلى مستحقيها.

وأن الأولى أن يتولى المرءُ زكاةَ ماله بنفسه وذلك بإيصالها للمستحقين.

وأن الأصل المقرر عند الفقهاء أن الوكيلَ أمينٌ وقد أمر الله عز وجل بحفظ الأمانة ونهى عن الخيانة فيها، وأنه يلزمُ الوكيلَ شرعاً التقيُّدُ بالقيود التي يضعها الموكِّلُ.

وأن أخذَ الوكيل لنفسه من مال الزكاة الموكَّل بتوزيعه جائزٌ، ما دام أن الوكيل من المصارف الثمانية التي يجوز دفعُ الزكاة لهم،وما دام أن الوكيل يأخذُ نصيبه منها بالعدل، ولا يُحابي نفسَه فيأخذ أكثر مما يعطي غيره. وما دام أن صاحب المال لم يحدد شخصاً معيناً لصرفها له.

وأن الأفضل للوكيل أن يخبر صاحب المال بحاجته قبل الأخذ منها.

والله الهادي إلى سواء السبيل