افتراءاتُ يوسف زيدان على القائدِ المسلمِ صلاح الدين الأيوبي

يقول السائل:ما قولكم فيما قاله المفكر المصري يوسف زيدان من التهجم على القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي ووصفهِ بأنه سفاحٌ وليس بطلاً،وأنه “من أحقرِ الشخصياتِ في التاريخ الإنساني”،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً تتواصلُ الحملةُ المُنظمةُ في مهاجمة ثوابت الإسلام، مع تواصل الهجمة القذرة على رموز المسلمين وقادتهم العظام،وتزدادُ هذه الهجمة حِدةً واتساعاً،مع انتشار وسائل الإعلام المختلفة،وخاصةً القنوات الفضائية، التي فُتحت أبوابُها على مصراعيها لشُذََّاذِ الآفَاقِ من مختلف الصنوف والمشارب، فتارةً تجدهم من أشباه العلماء،ممن يُظهرون التَّزَيِّي بزي العلماء، وتارةً تجدهم من العلمانيين والليبراليين والقرآنيين، وممنْ يُسَمَّون بالمفكرين،وأخرى من الأدباء،كما في حالة يوسف زيدان،وقد سبق له أن شكَّكَ في مكانة القدس والمسجد الأقصى المبارك،بل شكَّك في مكان وجوده،فزعم – والزعمُ مطيةُ الكذب- أن المسجد الأقصى الموجود في مدينة القدس المحتلة، ليس هو المسجد الأقصى ذو القدسية الدينية الذي ذُكر في القرآن الكريم، والذي أُسري بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه،وأن ذلك مجردَ خرافاتٍ،والمسجدُ الأقصى في زعمه موجودٌ في الجعرانة على طريق مدينة الطائف في الحجاز, وسبق للمدعو يوسف زيدان أن نفى حادثة المعراج، وزعم أنها قصةٌ مخترعةٌ من ترويج القصاصين، وضعت في القرن الثالث الهجري ؟!

ولا شك لدي أن الهجومَ على ثوابتِ الإسلام ورموزه وقادته وعلماءه،أمرٌ ممنهجٌ ومخططٌ له من أعداء الإسلام من الداخل والخارج،ويشارك في هذا المخطط الطغاةُ المتسلطين على رقابِ المسلمين،ويستعملون العلمانيين والليبراليين والقرآنيين والأدباء والإعلاميين ومَنْ يُسَمَّون بالمفكرين كأدواتٍ مدفوعةِ الأجرِ لتنفيذ هذه الهجمة الشرسة.

ثانياً:لقد طالت هذه الهجمةُ القذرةُ ثوابتَ الإسلام وعلماءه الكبار وقادته العظام،فلم يتركوا شيئاً من ذلك إلا وشككوا فيه وقلَّلوا من مكانته وقيمته، فطعنوا في القرآنَ الكريم، المصدر الأول لدين الإسلام،فشككوا في كماله وزعموا نقصانَهُ وتحريفَهُ.

وطالت هذه الهجمةُ أيضاً سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنوا في شخصه الكريم، وفي زوجاته أمهات المؤمنين.

وشكَّكوا في السنة النبوية،وهي المصدر الثاني لدين الإسلام،كزعمِ بعضهم أن السنةَ النبويةَ ليست مصدراً للتشريع،ويجب الاكتفاءُ بما في القرآن الكريم.

وطالت هذه الهجمةُ أيضاً مصادرَ السنة النبوية الثابتة عند جماهير علماء الإسلام كصحيحي البخاري ومسلم.

كما طالت هذه الهجمةُ أيضاً عقيدةَ أهلِّ السنُّةِ والجماعةِ،فزعموا أن اليهودَ والنصارى ليسوا كفاراً ولا مشركين،بحجةِ أنهم أهلُ كتابٍ.

ودعوا إلى إلغاء الفوارق الدِّينِية بين أصحاب الديانات الثلاث،الإسلام واليهودية والنصرانية،باسم وحدةِ الأديان أو توحيدِ الأديان على أساس الملة الإبراهيمية،أو وحدة الدِّينِ الإلهي أو وحدةِ أرباب الكتب السماوية !!

وزعموا – والزعمُ مطيَّةُ الكذب – أنه لا فرقَ بين السنَّةِ والشيعة الرافضة،مع أن الخلاف بين أهل السنَّة والشيعة خلافٌ في العقائد والأصول، وليس خلافاً في الفروع كما يظن كثيرٌ من الناس.

وزعم أحدُ الأفَّاكين بأن جبلَ الطورِ في سيناء – الوادي المقدس طوى- هو أقدسُ مكانٍ على وجه الأرض، وأن الحجَّ إليه أعظمُ منزلةً من الحجِّ للكعبة،وزعم أن الصيام فرضٌ على الأغنياء دون الفقراء!؟

وزعموا بأن الخمرَ غيرُ محرمةٍ في الإسلام، وأن مَنْ يُحرِّمُ شُربَ الخمر يكذبُ على الله عز وجل!؟

وزعموا بأن الحجابَ ليس فريضةً إسلاميةً. وزعموا، وزعموا.

وطالت هذه الهجمةُ أيضاً كبار الصحابة كأبي بكر وعمر ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم.

كما طالت كبارَ علماءِ الإسلام كالإمام البخاري والإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم كثيرٌ.

وطالت هذه الهجمةُ الشرسة القادة العظام في تاريخ الإسلام ، كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعقبة بن نافع، وكما هو الحال مع هذا الدَّعي يوسف زيدان في هجومه القذر على القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي ووصفه بأنه سفاحٌ وليس بطلاً،وأنه “من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني”؟!

ثالثاً:لا شك أن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الكردي من الشخصيات الفذة في تاريخ المسلمين، هذه الشخصية التي تركت أثراً بارزاً لا يمكن أن يُنسى على مرِّ العصور والأجيال، ولا يمكن لافتراءات الشُذََّاذِ أدعياء الفكر والتنوير، أن تطمس الحقائق الناصعة ، ولا يمكن لأمثال هذا التافه طالب الشهرة بأي وسيلةٍ كانت، كذاك الأعرابي الجهول الذي طلب الشهرة بالتبول في بئر زمزم أثناء ازدحام الحجاج في بيت الله الحرام؟!

طالبو الشهرة هؤلاء من الطاعنين في ثوابت الإسلام،والمتطاولون على قادة الأمة وعظماءها وعلماءها, يتسترون تارةً بالبحث العلمي، وتارةً بالتجديد، وتارةً بتنقية كتب التراث وغير ذلك من الأثواب المهترءة التي لا تستر سوآتهم، ولا تخفي مقاصدهم المنحطة.

إن ما قاله يوسف زيدان من كلامٍ بذيءٍ ووصفٍ مهينٍ للقائد العظيم والرمز الإسلامي الكبير البطل صلاح الدين الأيوبي،قاهرِ الصليبين، وفاتحِ بيت المقدس ومطهرها من دنسهم ورجسهم، بأنه سفاحٌ وليس بطلاً،وأنه “من أحقرِ الشخصياتِ في التاريخ الإنساني”

إن هذه المقولة القذرة تهدف إلى هدم هذا الرمز العظيم – صلاح الدين الأيوبي – في نفوس المسلمين، والذي يعتبرونه قدوةً، ومثلاً أعلى يرجون الله عز وجل أن يبعث في هذه الأمة مثلُه، ليقوم بما قام به صلاح الدين الأيوبي من تحرير أرض القدس وفلسطين من أيدي الغاصبين.

إن الحديث عن مآثر هذا البطل العظيم – صلاح الدين الأيوبي – لا توفيه حقه هذه المقالة، وهنالك عددٌ كبيرٌ من المؤلفات القديمة والمعاصرة التي تحدثت عن سيرة صلاح الدين الأيوبي،يمكن الرجوع إليها ومنها:

(1)النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد.

(2) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردى.

(3)صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس لعلي محمد الصلابي.

(4)تاريخ بيت المقدس من الفتح العمري حتى نهاية العهد الأيوبي لمحمد حافظ النقر.

(5)صلاح الدين الأيوبي بطل حطين ومحرر القدس لعبد الله ناصر علوان وغيرها.

ومن ملامح سيرة صلاح الدين الأيوبي أنه قضى على الدولة العبيدية في مصر والتي سميت زوراً وبهتاناً بالفاطمية، ونشر مذهب أهل السنة والجماعة،وثبَّت أركان حكمه، ووحد كثيراً من بلاد المسلمين في الشام والحجاز واليمن تحت حكم الدولة الأيوبية، استعداداً لتحرير الشام وفلسطين من رجس الصليبين الذين احتلوا بيت المقدس سنة 492 هـ، وارتكبوا مجزرةً بشعةً ذهب ضحيتها أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين،أطفالاً ورجالاً ونساءً، وهدم الصليبيون وخربوا معالم المسلمين في القدس كالمساجد والمدارس وغيرها، وقد شهد مؤرخو أوروبا بفظاعة جرائم الصليبين عندما احتلوا القدس.

واستمر احتلالهم حوالي تسعين عاماً، وكان صلاح الدين الأيوبي يقول كما نقل المؤرخون الثقات:[كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؟!]

قال بهاء الدين بن شداد وهو من الملازمين لصلاح الدين:[ كان رحمه الله عنده من القدس أمرٌ عظيمُ لا تحمله إلا الجبال] وروي أنه قال:[ كيف ابتسم والمسجد الأقصى أسير ]

وهزم صلاح الدين الأيوبي الصليبين في معركة حطين التي وقعت في يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ وانتصر عليهم انتصاراً باهراً، وكان مقدمةً لفتح بيت المقدس،وقد جاءته رسالةٌ بعد معركة حطين على لسان المسجد الأقصى ورد فيها:

يَا أَيُّهَا المَلِكُ الذي ** لِمَعَالِمِ الصُّلْبَانِ نَكَّس

جَاءَت إِلَيْكَ ظُلامَةٌ ** تَسْعَى مِنَ البَيْتِ المُقَدَّس

كُلُّ المَسَاجِدِ طُهِّرَت ** وَأَنَا عَلى شَرَفِي أُدَنَّس

فسير صلاح الدين الجيوش وحاصر بيت المقدس وفتحها في 27 رجب سنة 583 هـ ، وكان ذلك اليوم يوماً عظيماً من أيام الإسلام، أعز اللهُ فيه أولياءه وأذل أعداءه، ونصر دينه، وبإذن الله سيأتي مثلُ ذلك اليوم قريباً.

رابعاً:إن أكاذيب وافتراءات يوسف زيدان على القائد البطل صلاح الدين الأيوبي،لن تغير الحقيقةَ الناصعةَ،ولن يغير كلامُ هذا الدَّعي شيئاً من مكانة هذا البطل في نفوس المسلمين،وينطبقُ على يوسف زيدان ما قاله الأعشى في معلقته:ألَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا…وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الإبِلُ

كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليوهنها…فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

ومعنى البيتين كما قال ابن هشام:[أن الذي يطلب ويرجو من الأشياء ما لا يستطيع الوصول إليه يُتعب نفسَه، ويخيبُ أملُه، ولا يظفرُ بشيءٍ؛ كالتيسِ الذي ينطحُ بقرنه صخرةً صلبةً ليضعفها ويفتتها، فلا يؤثرُ ذلك فيها شيئاً، ويرجع وقد أتعب نفسه وآذى قرنه] أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 3/183.

يحاولُ يوسف زيدان ومن لفَّ لفَّه أن يحيطَ نفسه بهالةٍ عظيمةٍ من البحث والتحقيق، وأنه قدًّم للأدب العربي الحديث ما لم يقدمهُ أحدٌ في هذه العقود الأخيرة،وأنه من المحققين في التاريخ،وأن أفكاره التي يطرحُها لا تصدرُ إلا بعد تمحيصٍ وتدقيقٍ ودراسةٍ واعيةٍ!وفي الحقيقة والواقع أن أفكاره هذه ما هي إلا اجترارٌ لما قاله من سبقه من المشككين من المستشرقين وأشباههم،وليست عن بحثٍ ولا عن كثيرِ دراسةٍ ولا قليلها ولا يحزنون؟! وإنما هو حبُّ الظهور والإتيانُ بالغرائب للتشويش على عامة المسلمين،وإرضاءٌ لأعداء هذا الدين.

وإن تهجمَ يوسف زيدان على البطل القائد صلاح الدين الأيوبي ما هو إلا كصريرِ بابٍ،وطنينِ ذبابٍ،ونُوقِنُ بأنه لا يضرُّ السحابَ نُباحُ الكلاب.

وخلاصة الأمر:

أن هنالك حملةً منظمةً في مهاجمة ثوابت الإسلام وهجمةً قذرةً على رموز المسلمين وقادتهم العظام.

وأن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الكردي من الشخصيات الفذة في تاريخ المسلمين، وأن هذه الشخصية قد تركت أثراً بارزاً لا يمكن أن يُنسى على مرِّ العصور والأجيال.

وأنه لا يمكن لافتراءات الشذاذ أدعياء الفكر والتنوير، أن تطمس الحقائق الناصعة.

وأنه ينطبق على يوسف زيدان ما قاله الأعشى:ألَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا…وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الإبِلُ

كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليوهنها…فَلَمْ يَضِرْها وَأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ

والله الهادي إلى سواء السبيل