تبعاتُ حادثِ سيارةٍ غيرُ قانونيةٍ “مشطوبة”

 يقول السائل:سائقٌ يقود سيارةً غير قانونيةٍ “مشطوبة” تسبَّبَ بحادثِ سيرٍ أدى لوفاة شخصٍ،فماذا يترتب على السائق في هذه الحالة،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:انتشارُ السيارات غير القانونية “المشطوبة” في شوارع بلادنا ظاهرةٌ مُقلقةٌ وخطرةٌ، ويترتب عليها مفاسدُ كثيرةٌ، وخاصةً أن أعداد السيارات غير القانونية كبيرةٌ جداً،وحسب الناطق الإعلامي باسم الشرطة الفلسطينية فهنالك ما لا يقل عن سبعين ألف مركبة في شوارع الضفة الغربية. http://www.alhadath.ps/article/41318/result.php

ومما يزيدُ من أضرار السيارات غير القانونية وخطورتها، أن كثيراً من سائقيها هم من الشباب وصغار السن، ممن لا يحملون رخصة قيادةٍ، ولا يعرفون نظام السير الذي يجب الالتزام به.فضلاً عن ذلك فهم يسوقون بدون وثيقة تأمين، حتى وثيقة التأمين الإلزامي، وهو تأمين اجباري بموجب القانون، ويغطي الأضرار الجسدية التي تلحق بالمصابين من حوادث الطرق سواء كانوا موجودين داخل المركبة المؤمَّن عليها أو في مركبة أخرى شاركت في الحادث أو كانوا مشاة على الطريق.ويضاف إلى ما سبق أن السيارات غير القانونية “المشطوبة”تستعمل من الشبان الصغار فيما يسمى “التفحيط ” في الشوارع، وما ينتج عن ذلك من إزعاج وخاصةً في ساعات الليل المتأخرة.

ثانياً:من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظُ الضرورات الخمس – الدِّين والنفس والعقل والنسل والمال – ولا شك أن الالتزام بقانون السير فيه تحقيقٌ لمقصد الشارع الحكيم بالمحافظة على الأنفس والأموال، فتطبيق قانون السير والالتزام به وسيلةٌ لحفظ الأنفس والأموال، وقد قرر العلماءُ أن للوسائل أحكامَ المقاصد، قال الإمام العز بن عبد السلام:[للوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلةُ إلى أفضلِ المقاصد هي أفضلُ الوسائل، والوسيلةُ إلى أرذلِ المقاصد هي أرذلُ الوسائل] قواعد الأحكام 1/46.

وقال الإمام القرافي:[ واعلم أنَّ الذريعةَ كما يجب سَدُّهَا يجب فتحُها، ويُكرَهُ ويندب ويباح، فإنَّ الذريعةَ هي الوسيلةُ، فكما أنَّ وسيلةَ المحرَّمِ محرَّمةٌ، فوسيلةُ الواجب واجبةٌ، كالسعي للجمعة والحجِّ، غيرَ أنَّ الوسائلَ أخفض رُتبةً من المقاصد، وهي أيضاً تختلف مراتبُها باختلاف مراتبِ المقاصد التي تؤدِّي إليها، فالوسيلةُ إلى أفضلِ المقاصد أفضلُ الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبحُ الوسائل، وإلى ما هو متوسِّط متوسِّطةٌ] شرح تنقيح الفصول ص 200.

وقال الإمام القرافي أيضاً:[اعلم أن الذريعة كما يجب سدُّها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج.

وموارد الأحكام على قسمين:مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريمٍ وتحليلٍ،غير أنها أخفض رتبةً من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلةً الوسيلة] الفروق 2/33.

ثالثا:وبناءً على ما سبق فيجب شرعاً الالتزام بقوانين السير ولا يجوز تعمد مخالفتها،وإن كانت قوانين وضعية [ فلا يجوز مخالفة قوانين المرور لما قد يترتب على ذلك من إزهاقٍ للنفوس وإتلافِ مال الغير، علماً بأن قوانين المرور لا تدخل تحت باب الحكم بغير ما أنزل الله كما قرر أهل العلم، وإنما هي نظامٌ إداري، فإذا كانت لا يترتبُ عليها تحليل ما حرم الله، ولا تحريم ما أحل الله، ولا مخالفة الشرع، فيجب التقيدُ بها، قال الشيخ الشنقيطي: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمهُ الكفرَ بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداريٌ وشرعيٌ: أما الإداري الذي يُراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم، وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر…مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك…وكاشترائه -أعني عمر رضي الله عنه- دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجناً في مكة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجناً هو ولا أبو بكر رضي الله عنه. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تُفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة] http: //www. islamweb. net/fatwa.

وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي قراراً بوجوب الالتزام بأنظمة المرور والمنع من مخالفتها ورد فيه ما يلي:

[ بحث مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بعض الأحكام المتعلقة بحوادث المرور المعاصرة، وبعد اطلاعه على البحوث التي وردت إليه بهذا الشأن واستماعه للمناقشات العلمية التي دارت حوله، وبالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سنَّ الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسنِّ والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والمحمولة، قرر المجمع ما يلي:أولاً: (أ) إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعاً، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.

(ب) مما تقتضيه المصلحة أيضاً سنُّ الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يُعرِِّض أمنَ الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحسبة المقررة ] مجموع قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة عام 1414هـ قرار رقم ( 71) ص 162 – 164 .

وعليه فلا يجوز شرعاً قيادة سيارة دون تحقيق الشروط التي حددها قانون السير،فقد ورد في قانون المرور الفلسطيني رقم (5) لسنة 2000، في المادة (2) لا يجوز تسيير أية مركبة على الطريق إلا بعد تسجيلها لدى سلطة الترخيص والحصول على رخصة بتسييرها.

وفي المادة (13) لا يجوز تسيير أية مركبة على الطريق انتهت مدةُ صلاحية سيرها المحددة في رخصتها إلا بعد تجديدها طبقاً لما ورد في هذا القانون.

وفي المادة (73) لا يجوز قيادة أو السماح بقيادة مركبة آلية دون وثيقة تأمين سارية المفعول من قبل شركة مسجلة في فلسطين، تؤمن صاحب المركبة أو قائدها أو الغير في تغطية أية تعويضات عن أضرار جسمانية ناتجة عن حادث طرق.

رابعاً:إذا تسبب سائقُ السيارة غير القانونية “المشطوبة” في حادث سيرٍ أو كان طرفاً فيه، وأثبتت تحقيقاتُ شرطة السير أنه يتحمل مسؤولية الحادث سواء كانت وفاة أحد الأشخاص أو لحوق أضرار مادية، فإن سائق السيارة غير القانونية “المشطوبة” يتحملُ المسؤوليةَ عن ذلك شرعاً وقانوناً، فإن التقصير في الأخذ بالأسباب كحيازة الرخصة ووثيقة التأمين لا يعفيه من المسؤولية،ولا يُسقِط  عنه العقوبة.

وعليه فإنه يتحمل دية المقتول خطأً المقررة في الشرع، وإذا قام “الصندوق الفلسطيني لتعويض مصابي حوادث الطرق”

بدفع تعويضٍ لورثة القتيل،حسب  المادة (173) من قانون التأمين الفلسطيني رقم 20 لسنة 2005، وحسب المادة (154) إذا أدى الحادث إلى وفاة المصاب فإن المبلغ الذي يدفع لورثته هو خمسون بالمائة من الحد الأقصى المذكور في المادة (153) من هذا القانون مطروحاً منه حصة الورثة المعالين وفقاً لحجة حصر إرث المتوفى.

والحد الأقصى المشار إليه هو عشرة آلاف دينار أردني فقط ، وهذا المبلغ لا يُغطي إلا جزءً يسيراً من الدِّية الشرعية، وعليه يُلزم السائقُ المذكور بتكملة باقي مبلغ الدِّية الشرعية،وتكون الدِّية على العاقلة لأن هذا من باب القتل الخطأ.

وكما يلزمُ السائقَ الكفارةُ وهي صيام شهرين متتابعين،لقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا، فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}سورة النساء الآية 92.فالواجب في القتل الخطأ أمران:أحدهما:الدِّية المخففة على العاقلة.وثانيهما: الكفارة،وهي عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ،وبما أنه يتعذر في زماننا عتقُ رقبةٍ فعلى القاتل خطأً صيام شهرين متتابعين.

 

وخلاصة الأمر

أن انتشار السيارات غير القانونية “المشطوبة” في شوارع بلادنا ظاهرةٌ مقلقةٌ وخطرةٌ ويترتب عليها مفاسد كثيرة.

وأن الالتزام بقانون السير فيه تحقيقٌ لمقصد الشارع الحكيم بالمحافظة على الأنفس والأموال،وهذا الالتزام ما هو إلا وسيلةٌ لحفظ الأنفس والأموال،وقد قرر العلماء أن للوسائل أحكام المقاصد،

وأنه يجب شرعاً الالتزامُ بقوانين السير ولا يجوز تعمدُ مخالفتها،وإن كانت قوانين وضعية ما دامت لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

وأنه إذا ثبت أن سائق السيارة غير القانونية “المشطوبة” قد تسبب في حادث سيرٍ أو كان طرفاً فيه فإنه يتحمل المسؤولية عن ذلك شرعاً وقانوناً،فيتحمل دية المقتول خطأً المقررة في الشرع،وإذا قام “الصندوق الفلسطيني لتعويض مصابي حوادث الطرق”بدفع تعويضٍ لورثة القتيل وهو أقلُّ من مبلغ الدِّية فيلزمُ السائقُ بتكملة باقي مبلغ الدِّية الشرعية، وتكون الدِّية على العاقلة لأنه من باب القتل الخطأ.ويلزمه أيضاً الكفارةُ وهي صيامُ شهرين متتابعين.

والله الهادي إلى سواء السبيل