حكمُ قطعِ الصلاةِ المفروضةِ والنافلةِ

 يقول السائل:كنت أصلي صلاةَ الظهرِ فرنَّ هاتفي الجوال مراتٍ متواليةٍ فظننتُ أن الاتصالَ لأمرٍ مهمٍ فقطعتُ صلاتي،ثم صليتها مرةً أخرى، فما حكم ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:لا تخفى مكانةُ الصلاة وأهميتُها على مسلمٍ، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وقد تكرر الأمرُ بها في كتاب الله عز وجل في آياتٍ كثيرةٍ، كقوله تعالى:{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} سورة البقرة الآية 43، والصلاةُ أول ما يحاسبُ عليه العبدُ من أعماله يوم القيامة،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ،وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ،فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ:انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ،فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ؟ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ) رواه الترمذي وحسنه، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم،وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/130.

وجاء في رواية أخرى:(إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ) قَالَ:(يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ:انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً،وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا،قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ،قَالَ:أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ،ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ) رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 1/241.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرَ الصلاةَ يوماً فقال:(مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ،وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُرْهَانٌ وَلاَ نُورٌ وَلاَ نَجَاةٌ،وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَهَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ.) رواه ابن حبان بسند صحيح ورواه أحمد ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمي وصححه الشيخ أحمد شاكر.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ،فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدْ أَكْمَلَهُنَّ وَلَمْ يَنْتَقِصْهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ،كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ،وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدِ انْتَقَصَهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ،إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ)رواه أحمد وابن حبان وهو حديث صحيح.

والصلاة من آخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته،فعن أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت:(كان من آخِرِ وَصِيَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ،حتى جَعَلَ نبي الله صلى الله عليه وسلم يُلَجْلِجُهَا في صَدْرِهِ وما يَفِيضُ بها لِسَانُهُ) رواه أحمد وابن ماجة وصححه العلامة الألباني.وغير ذلك من النصوص.

ثانياً:اتفق العلماء على أنه لا يجوز قطعُ الصلاة المفروضة عمداً بدون عذرٍ شرعي،وأنه من المحرمات،لأن قطع العبادة المفروضة بعد الشروع فيها بلا عذرٍ شرعي غيرُ جائزٍ،وهو عبثٌ وتلاعبٌ يتنافى مع حرمة العبادة، وقد ورد النهي عن إفساد العبادة،قال الله تعالى:{أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} سورة محمد الآية 33.

قال صاحب الروضة البهية:[ويحرم قطع الصلاة الواجبة اختياراً للنهي عن إبطال العمل المقتضي له إلا ما أخرجه الدليل]

هذا في الصلاة المفروضة، وأما الصلاة النافلة فالأمرُ فيها أسهل،وقد قرر الفقهاء أن المشروع في حقِّ المسلم إذا بدأ بأمرٍ مندوب كصلاةٍ مندوبة – نافلة – أو صوم مندوب أن يتمه ويكمله.والذي عليه جمهور الفقهاء أن ذلك ليس واجباً وإنما هو في دائرة الاستحباب،وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديثُ كثيرةٌ تفيد ذلك،منها عن أم هانيء رضي الله عنها:(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ فَقَالَتْ:يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ)رواه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد والبيهقي،وقال النووي إسناده جيد، وقال الحاكم صحيح ووافقه الذهبي،وقال الحافظ العراقي إسناده حسن .

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[سائر النوافل من الأعمال حكمُها حكمُ الصيام في أنها لا تلزمُ بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا خرج منها إلا الحج والعمرة ] المغني 3/46.

وقال ابن حجر المكي:[ومن تلبَّس بصوم تطوعٍ أو صلاته أو غيرهما من التطوعات إلا النسك، فله قطعهما،للخبر الصحيح” الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ” وقيس به الصلاة وغيرها،فقوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محلهُ في الفرض] تحفة المحتاج 3/459-460.

ثالثا:ورد في السنة النبوية بعضُ الأعذار والمسوغات التي تجيز قطع الصلاة، وقاس عليها العلماءُ ما يُلحق بها مما هو مثلها أو أولى منها.

ويمكن وضع ضابطٍ لحالات قطع الصلاة بأنه إذا كان العارضُ للمصلي أمراً كبيراً ومهماً وضرورياً،فلا حرج في قطع الصلاة،وأما إذا كان العارضُ أمراً صغيراً بسيطاً وغير مهمٍ ولا ضروري فلا يجوز له قطع الصلاة حينئذٍ.

وقد ذكر الشيخ الإمام العز بن عبد السلام أن قطع العبادة المفروضة يدخل تحت قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد فقال:[ تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلوات،لأن إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضلُ من أداء الصلاة، والجمعُ بين المصلحتين ممكنٌ بأن ينقذ الغريق ثم يقضي الصلاة،ومعلومٌ أن ما فاته من مصلحة أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ نفسٍ مسلمةٍ من الهلاك،وكذلك لو رأى الصائمُ في رمضان غريقاً لا يتمكن من إنقاذه إلا بالفطر أو رأى مصولاً عليه لا يمكن تخليصه إلا بالتَّقَوي بالفطر، فإنه يفطر وينقذه، وهذا أيضاً من باب الجمع بين المصالح، لأن في النفوس حقاً لله عز وجل وحقاً لصاحب النفس.] قواعد الأحكام 1/95.

وقال ابن مفلح الحنبلي:[ ومن وجد آدمياً معصوماً في مَهلَكةٍ كغريقٍ ونحوه، ففي فتاوى ابن الزاغوني: يلزمهُ إنقاذهُ ولو أفطر] الفروع 4/469.

وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز:[ قطعُ الصلاة لمصلحةٍ مهمةٍ،أو لدرء خطرٍ مثل إنقاذ حريق،أو إنقاذ غريق،أو دفع صائلٍ أو ما أشبه ذلك. كلُّ هذا لا بأس به ] فتاوى نور على الدرب 9/ 303.

رابعاً:أستعرض بعض مسوغات قطعِ الصلاة كما نصًّ عليها الفقهاء المتقدمون والمعاصرون:

(1) تقطع الصلاة ولو فرضاً باستغاثة شخصٍ ملهوفٍ، ولو لم يستغث بالمصلي بعينه، كما لو شاهد إنساناً وقع في الماء، أو صال عليه حيوانٌ، أو اعتدى عليه ظالمٌ، وهو قادرٌ على إغاثته.

(2) تقطع الصلاة إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى، أو صغيرٍ أو غيرهما في بئر ونحوه.

(3) تقطع الصلاة خوف اندلاع النار واحتراق المتاع ومهاجمة الذئب الغنم؛ لما في ذلك من إحياء النفس أو المال، وإمكان تدارك الصلاة بعد قطعها، لأن أداء حقِّ الله تعالى مبنيٌ على المسامحة.

(4) سرقة المتاع،ولو كان المسروق لغيره، إذا كان المسروق يساوي درهماً فأكثر.

(5) خوف المرأة على ولدها، أو خوف فوران القدر، أو احتراق الطعام على النار.

(6) إذا خافت القابلة (الداية) موت الولد أو تلف عضو منه،أو تلف أمه بتركها، وجب عليها تأخيرُ الصلاة عن وقتها، وقطعُها لو كانت فيها.

(7) مخافة المسافر من اللصوص أو قطَّاع الطرق.

(8) قتل الحيوان المؤذي إذا احتاج قتله إلى عملٍ كثيرٍ.

(9)رد الدابة إذا شردت. انظر الفقه الإسلامي وأدلته 2/37.

(10) إذا أقيمت الصلاة المفروضة فاقطع النافلة التي أنت فيها لتدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام،لما ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم:(إذا أُقيمتْ الصّلاةُ فلاَ صلاةَ إلا المكتُوبة) رواه مسلم.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وإذا أُقيمت الصلاةُ,لم يشتغل عنها بنافلةٍ,سواء خشي فوات الركعة الأولى أم لم يخش.وبهذا قال أبو هريرة,وابن عمر,وعروة,وابن سيرين,وسعيد بن جبير,والشافعي,وإسحاق,وأبو ثور]المغني 1/272.وانظر فتاوى اللجنة الدائمة 7/312.

(11) قطع الصلاة من الطبيب في الحالات الطارئة لإنقاذ نفسٍ من الهلاك.

(12) عندما يرى المصلي عقرباً أو أفعى وغيرها من الهوام السامة‏ مقبلةً عليه.

(13) عند الصلاة في المسجد الحرام أو المسجد النبوي إذا خشي المصلي فقدان ولده وضياعه.

(14) إذا ناداك الوالدان وأنت تصلي وكانا من الذين لا يعذرون ويريدون أن يكون قولهم هو الأعلى فاقطع صلاتك وكلمهما.انظر شرح رياض الصالحين للعثيمين ص 302.

(15) لا تقطع الصلاة للردِّ على الهاتف المحمول أو غيره،وعلى المصلي أن يغلقه ولا تؤثر حركته تلك في صحة صلاته.

وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي أقوالاً عن بعض السلف في هذه الجزئيات فقال:[باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة

وقال قتادة:إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة.

وروى عبد الرزاق في كتابه،عن معمر،عن الحسن وقتادة،في رجلٍ كان يصلي،فأشفق أن تذهب دابته أو أغار عليها السبع،قالا:ينصرف.

وعن معمر عن قتادة،قالَ:سألته،قلت:الرجل يصلي فيرى صبياً على بئرٍ،يتخوف أن يسقط فيها،أفينصرف؟ قال:نعم.قلت:فيرى سارقاً يريد أن يأخذ نعليه؟ قال:ينصرف.

ومذهب سفيان:إذا عرض الشيءُ المتفاقم والرجل في الصلاة ينصرف إليه.رواه  عنه المعافى.

وكذلك إن خشي على ماشيته السيل،أو على دابته.

ومذهب مالك من انفلتت دابته وهو يصلي مشى فيما قرب،إن كانت بين يديه،أو عن يمينه أو عن يساره،وإن بعدت طلبها وقطع الصَّلاة .

ومذهب أصحابنا:لو رأى غريقاً،أو حريقاً،أو صبيين يقتتلان،ونحو ذلك،وهو يقدر على إزالته قطع الصلاة وأزاله.

ومنهم من قيده بالنافلة.والأصح:أنه يعمُّ الفرضَ وغيره.

وقال أحمد فيمن كان يلازم غريماً له،فدخلا في الصلاة،ثم فرَّ الغريم وهو في الصلاة يخرج في طلبه.وقال أحمد أيضاً:إذا رأى صبياً يقع في بئر،يقطع صلاته ويأخذه.قال بعض أصحابنا:إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عملٍ كثيرٍ في أخذه، فإن كان العملُ يسيراً لم تبطل به الصلاة ] فتح الباري لابن رجب 9/339.

وروى الإمام البخاري عن الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ،فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّى، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا – قَالَ شُعْبَةُ – هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِىُّ- فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ.فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ إِنِّى سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ،وَإِنِّى غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَمَانِيًا،وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ،وَإِنِّى أَنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِى أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَيَّ)

قال الحافظ ابن حجر:[وَأَشَارَ أَبُو بَرْزَةَ بِقَوْلِهِ ” وَرَأَيْت تَيْسِيرَهُ ” إِلَى اَلرَّدِّ عَلَى مَنْ شَدَّدَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَتْرُكَ دَابَّته تَذْهَبُ وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ،وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِمْ:أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخْشَى إِتْلَافه مِنْ مَتَاع وَغَيْره يَجُوزُ قَطْعُ اَلصَّلَاةِ لِأَجْلِهِ]فتح الباري 3/82.

وسئل الشيخ العلامة العثيمين السؤال التالي:كنت ذات يوم أصلي وكان معي حقيبة فيها مبلغ من المال فوضعتها أمامي لأن جيبي لا يتسع لها،وأثناء الصلاة تقدم إليها أحدُ ضعاف النفوس وخطفها وهرب بها مسرعاً ولم أستطع أن أقطع الصلاة للحاق به،فهل تركي له يأخذها ويهرب طمعاً في أجر صلاة الجماعة عملٌ صحيحٌ أم أنه كان يجب عليَّ أن أقطع الصلاة وألحق به حتى لو كان المال قليلاً ؟

فأجاب الشيخ:في هذه الحال إن كانت الصلاة نفلاً فلا شك في أنك يجوز لك قطعُها لتحرز مالك, وأما إذا كانت فريضةً فهو كذلك أيضاً،لكن أن تقطع الصلاة من أجل الحفاظ على مالك وإحرازه من هذا الظالم المعتدي وإذا قطعتها في مثل هذا الحال،فإن لك أجر صلاة الجماعة،لأنك لم تقطعها إلا لعذرٍ،فلو أنك قطعتها وحميت مالك وحفظته لنفسك ثم أنجيت هذا الرجل من هذا الظلم والعدوان لقول النبي عليه الصلاة والسلام (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وبيَّنَ أن نصر الظالم أن تمنعه من الظلم،لو أنك فعلت هذا لكان أولى بك،فالمهم أن قطع صلاة الفريضة أو النافلة في مثل هذه الحال لا بأس به، لأنك تُحرز مالك وتمنع غيرك من الظلم ] http://binothaimeen.net/content/7865

خامساً:إذا قطع المصلي صلاته لأي سببٍ كان،فإنه يخرج منها بالتسليم على الراجح من قولي العلماء،ويدل على ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:(مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ،وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)رواه أبو داود والترمذى وابن ماجة وغيرهم وصححه العلامة الألباني.والشاهد فيه ما قاله الشيخ محمد المختار الشنقيطي:[ فلما قال:( تحريمها التكبير )دل على أن كل من كبَّر تكبيرة الإحرام فقد دخل في حرمة الصلاة،ولمَّا قال:(تحليلها التسليم ) عمَّم،فدل على أن هذه الحرمة لا يخرج منها إلا بتسليم]

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/archive/index.php/t-250848.html

ويدل على ذلك أيضاً حديث جابر رضي الله عنه قَالَ:( كَانَ مُعَاذٌ، يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ،فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ فَقَالُوا لَهُ:أَنَافَقْتَ؟ يَا فُلَانُ، قَالَ: لا. وَاللهِ لآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ.فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ،ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ،فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ:«يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا) رواه مسلم.والشاهد فيه قوله:(فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ).

وخلاصة الأمر :

أن للصلاة مكانةً عظيمةً،فهي الركن الثاني من أركان الإسلام،وقد تكرر الأمرُ بها في كتاب الله عز وجل في آياتٍ كثيرةٍ.

وأنه لا يجوز قطعُ الصلاة المفروضة عمداً بدون عذرٍ شرعي،وأنه من المحرمات.وأما الصلاة النافلة فالأمر فيها أسهل، وأن المشروع في حقِّ المسلم إذا بدأ بأمرٍ مندوب كصلاةٍ مندوبةٍ أو صومٍ مندوبٍ أن يتمَّه ويكمله.

وأنه قد ورد في السنة النبوية بعض الأعذار والمسوغات التي تجيز قطع الصلاة،وقاس عليها العلماءُ ما يُلحق بها مما هو مثلها أو أولى منها.

وأنه يمكن وضع ضابطٍ لحالات قطع الصلاة بأنه إذا كان العارضُ للمصلي أمراً كبيراً ومهماً وضرورياً،فلا حرج في قطع الصلاة،وأما إذا كان أمراً صغيراً بسيطاً وغير مهمٍ ولا ضروري فلا يجوز له قطع الصلاة حينئذٍ.

وأنه إذا قطع المصلي صلاته لأي سببٍ كان،فإنه يخرج منها بالتسليم على الراجح من قولي العلماء.

والله الهادي إلى سواء السبيل