maltepe escort kadıköy escort kartal escort ataşehir escort bostancı escort ataşehir escort kadıköy escort ataşehir escort pendik escort kadıköy escort escort bayan kadıköy escort maltepe escort kadıköy escort

حكمُ رجوعِ الوالدِ عن إسقاطِ ديونهِ عن ولده

يقول السائل:استدنتُ من والدي مبلغاً من المال،ولم أستطع سدادَهُ فسامحني والدي من الدَّين،وبعد مدةٍ تحسنت أحوالي المالية، فطالبني والدي بسداد الدَّين وتراجع عن مسامحته،فما الحكم الشرعي في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:إبراءُ المدين من الديون أمرٌ مندوبٌ إليه شرعاً، خاصةً إذا كان المدين معسراً، قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة الآية 280، وإنظارُ المعسر واجبٌ شرعاً عند الأئمة الأربعة ما دام معسراً حقيقةً، وقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} خبرٌ بمعنى الأمر،

وأما إبراءُ المعسر والتجاوز عنه فهو مندوبٌ،قال القرطبي:[ندب اللهُ تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدى وابن زيد والضحاك] تفسير القرطبي3/374.

وقال السيوطي:[إبراءُ المعسر؛ فإنه أفضلُ من إنظاره، إنظارهُ واجبٌ، وإبراؤُهُ مستحبٌ] الأشباه والنظائر ص 146.

وقال العلامة العثيمين:[ومن فوائد الآية: فضيلةُ الإبراء من الدَّين وأنه صدقة؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} والإبراءُ سنةٌ؛ والإنظارٌ واجبٌ؛ وهنا: السنـةُ أفضلُ من الواجب بنصِّ القرآن؛ لقولـه تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ووجه ذلك أنَّ الواجب ينتظم في السنة؛ لأنَّ إبراء المعسر من الدَّين إنظـارٌ وزيادة ] تفسير القرآن 5/310.

وقد ورد في عدة أحاديث فضيلةُ إبراءِ المدين المعسر، منها:

عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(تلقت الملائكةُ روحَ رجلٍ ممن كان قبلكم، فقالوا: عملتَ من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكَّر، قال: كنت أداين الناس فآمرُ فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال الله: تجاوزوا عنه) رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية عندهما أيضاً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن رجلاً ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقال هل عملتَ من خيرٍ؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئاً غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأُنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(كان رجلٌ يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه، لعل الله عز وجل يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه) رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية للنسائي:(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك قال الله له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناسَ، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عَسُرَ، وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من أنظر معسراً أو وضع له، أظله اللهُ يوم القيـامة تحت ظـل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 1/542.

ثانياً: مطلوب من المسلم إذا أعطى أولاده مالاً أن يعدل بينهم ،فقد صح في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:(اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) رواه البخاري.

وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاء بعض الأولاد شيئاً دون الآخرين من الجَوْر، فقد ورد في الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: قالت امرأة بشير: إنحل – أي أعط – ابني غلاماً وأشهد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:(له إخوة ؟ قال:نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته. قال:لا. فقال له عليه الصلاة والسلام:فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حقٍّ) رواه مسلم. وفي روايةٍ أخرى قال صلى الله عليه وسلم:(لا تشهدني على جورٍ، إن لبنيك عليك من الحقِّ أن تعدل بينهم) رواه أبو داود. وفي روايةٍ أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير والد النعمان:(لا تشهدني على جورٍ، أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء ؟ قال: نعم. قال: أشهد على هذا غيري) رواه أبو داود بسندٍ صحيح.

ومما يدل على أنه يجب على الأب أن يسوي بين أولاده في الهبات والعطايا قوله صلى الله عليه وسلم:(اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديثٌ صحيح.

وقوله صلى الله عليه وسلم:(سووا بين أولادكم في العطية، لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء) رواه سعيد بن منصور والبيهقي، وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن.

وقوله صلى الله عليه وسلم:(اعدلوا بين أولادكم في النِِحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر) رواه مسلم.

وبناءً على هذه النصوص قرر العلماء أن الأصل في هبة الوالد لأولاده العدل، ولا ينبغي له أن يفاضل بينهم إلا لموجبٍ شرعي. والوالدة كالوالد في المنع من المفاضلة،

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏(‏اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم‏)،‏ولأنها أحدُ الوالدَّين‏،‏ فمُنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة، يوجد مثلهُ في تخصيص الأم بعض ولدها‏، فثبت لها مثلُ حكمه في ذلك‏.‏] المغني 6/54-55.

ثالثا:قرر جمهور أهل العلم أنه لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده، لورود الأدلة المخصصة للوالد من هذا الحكم، وهو حرمةُ الرجوع في الهبة كما سأذكر لاحقاً،

ويدل على حرمة رجوع الواهب في هبته أحاديث منها:عن قتادة قال: سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(العائد في هبته كالعائد في قيئه) رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم:(ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) رواه البخاري.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مثلُ الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب، يقيءُ ثم يعودُ في قيئه فيأكله) رواه مسلم.

فهذه الأحاديث وغيرها تدل على تحريم الرجوع في الهبة،قال الإمام البخاري في صحيحه:[ باب لا يحل لأحدٍ أن يرجع في هبته وصدقته ] ثم ذكر حديثي ابن عباس، الأول والثاني،انظر فتح الباري 6/162-163.

وقال الإمام النووي:[باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده، وإن سَفُلَ] شرح صحيح مسلم 4/236.

وأما استثناء الوالد من الحكم السابق، فيجوز للوالد الرجوع فيما وهبه لولده،كما هو مذهب جمهور الفقهاء، فلما صح في الحديث عن طاووس، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا يحل للرجل أن يعطي عطيةً أو يهبَ هبةً فيرجعَ فيها، إلا الوالدُ فيما يعطي ولده، ومثلُ الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه) رواه أصحاب السنن وأحمد، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وصححه العلامة الألباني أيضاً.

ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد في إحدى روايات حديث النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(إني نحلتُ ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا، فقال: لا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه) رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير:(فاردده).

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعاً وعلى تقدير كونه رجوعاً فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك] فتح الباري 6/143.

رابعاً:إذا تقرر هذا فإن جمهور الفقهاء الذين أجازوا للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده اشترطوا شروطاً حتى يصحَّ رجوعهُ فيما وهبه لولده:

الأول:أن تكون الهبةُ باقيةً في مِلك الابن، فإن خرجت عن ملكه ببيعٍ أو هبةٍ أو وقفٍ أو إرثٍ ونحوه من كل ما يخرج الشيءَ الموهوب عن ملك الموهوب له، فمثل هذا الخروج يمنع الوالد من الرجوع في الهبة.

الثاني:عدم تعلق حق الغير بالموهوب كأن يداين الناس الموهوب له نظراً لملاءة ذمته لما وهب له،وذلك إعمالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وغيرهم وهو حديث صحيح.

الثالث:عدم هلاك الموهوب أو استهلاكه، لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك، ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته، لأنها ليست بموهوبة لعدم ورود العقد عليها، وقبض الهبة غير مضمون.

الرابع: أن لا يزيد الموهوب زيادةً متصلةً، كأن يكون الموهوب أرضاً فيبني عليها. انظر المغني 6/56-58.

وهنالك شرطٌ آخر يمنعُ رجوعَ الأب فيما وهبه لولده، وهو أن يكون الموهوب عيناً لا ديناً، فإن كان ديناً للوالد على الولد، فإنه لا يصحُّ له الرجوع فيه متى وهبه له. والمقصود بالعين مثل الأرض والبيت والسيارة ونحوها.

وهذا الشرطُ قال به على وجه الخصوص الشافعيةُ والحنابلةُ،ولم أجد نصاً خاصاً بذلك للحنفية ولا للمالكية إلا كلاماً عاماً حول الإبراء من الدَّين.

قال الخطيب الشربيني الشافعي:[تَنْبِيهٌ مَحَلُّ الرُّجُوعِ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا. أَمَّا الْهِبَةُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَهِبَةٌ لِسَيِّدِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي هِبَةِ الْأَعْيَانِ.أَمَّا لَوْ وَهَبَ وَلَدَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ،فَلا رُجُوعَ لَهُ جَزْماً، سَوَاءٌ أَقُلْنَا إنَّهُ تَمْلِيكٌ أَمْ إسْقَاطٌ، إذْ لَا بَقَاءَ لِلدَّيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ ] مغني المحتاج 3/568. وانظر الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/367

وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي: [وقوله: «في هبته اللازمة إلا الأب» يستفاد منه أنه لو أبرأ ابنه من دينٍ فليس له الرجوعُ؛ لأن الإبراء ليس بهبةٍ، بل هو إسقاط.] الروض المربع ص342- 343.

وقد أخذت بهذا الرأي بعضُ القوانين كالقانون المدني الأردني والإماراتي وغيرهما.[ويشترط لصحة رجوع الأب في هبته:1- أن يكون الشيء الموهوب عيناً لا ديناً و لا منفعةً، فإذا كان للأب على ابنه دَينٌ فوهبه له، فلا حقَّ له في الرجوع في هبته، لأن هبة الدَّين إسقاطٌ لا تمليكٌ حتى يملك الأبُ نقل الملك إليه. وكذلك ليس له الرجوعُ في إباحة منفعةً بعد استيفائها، فإذا أباح الأبُ لابنه سكنى دارٍ مدةً معينةً، و سكن الابنُ بالفعل هذه المدة،فليس لوالده أن يرجع في ملك المدة التي سكنها،وله الرجوع في ما يُستقبل من المدة.] http://elkanoun.blogspot.com/2015/09/blog-post_2.html

خامساً:المسامحةُ من الديون تعني الإبراء في لغة الفقهاء،والإبراءُ في الاصطلاح هو إسقاطُ الشخص حقاً له في ذمَّةِ آخر.

ويترتبُ على الإبراء المستوفي أركانَه وما يتصل بها من شروطٍ، أن تبرأ ذمَّةُ المدين المُبْرَأ عمَّا أُبرئ منه بحسب الصيغة عموماً أو خصوصاً.وبذلك يسقط عنه ولا يبقى للدائن حقَُ المطالبة] الموسوعة الفقهية الكويتية 1/168.

وقد اتفق الفقهاء على سقوط الدَّين،إذا سامح الدائنُ المدينَ؛ لأن الساقط لا يعود،[صرح به الحنفية من أن الإبراء لا تجري فيه الإقالة، بناءً على أن الإبراء إسقاطٌ، فيسقط به الحقُّ من الذمَّةِ، ومتى سقط لا يعود،طبقاً للقاعدة المعروفة (الساقط لا يعود )]المصدر السابق.

وقال الشيخ ابن حجر المكي:[هبةُ الدَّين لا رجوعَ فيها جزماً] تحفة المحتاج شرح المنهاج 6/310.

وقال الشيخ زكريا الأنصاري:[:يمتنعُ الرجوع في هبة الدَّين،لأنه لا بقاء له ]الغرر البهية 3/392 بتصرف .

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وإذا كان له في ذمَّةِ إنسان دينٌ فوهبه له أو أبرأه منه أو أحلَّه منه، صحَّ وبرئت ذمَّةُ الغريم منه،وإن ردَّ ذلك فلم يقبله،لأنه إسقاطٌ فلم يفتقر إلى القبول،كإسقاط القصاص والشفعة وحدِّ القذف وكالعتق والطلاق. وإن قال تصدقتُ به عليك صحَّ، فإن القرآن ورد في الإبراء بلفظ الصدقة بقول الله تعالى:{وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} وإن قال عفوتُ لك عنه صحَّ،لأن الله تعالى قال:{إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} يعني به الإبراء من الصداق، وإن قال أسقطته عنك صحَّ، لأنه أتى بحقيقة اللفظ الموضوع له، وإن قال ملَّكتك إياه صحَّ، لأنه بمنزلة هبته إياه] المغني 6/288.

وبناءً على كلام الفقهاء فإن المسامحة بالدَّين هي إبراءٌ وإسقاطٌ، والقاعدة الفقهية تقول:”الساقط لا يعود” وعليه قرر الفقهاءُ أن من أسقط حقاً له من الحـقوق التي يجوز إسقاطها، يسقطُ ذلك الحقُّ، وبعد إسقاطه لا يعـود، ولكن يشترط في إسقاطه ذلك الحقِّ أن يكون عن رضا نفسٍ وبدون ضغطٍ أو إكراهٍ أو حياءٍ.

وقد نصت مجلة الأحكام العدلية (المادة 51) على القاعدة الفقهية:”الساقط لا يعود”. وقال شارح المجلة:[ الساقط لا يعود، يعني إذا أسقط شخصٌ حقاً من الحقوق التي يجوز له إسقاطُها يسقط ذلك الحقُّ، وبعد إسقاطه لا يعود…لو كان لشخصٍ على آخر دينٌ فأسقطه عن المدين،ثم بدا له رأيٌ فندم على إسقاطه الدَّين عن ذلك الرجل،فلأنه أسقط الدَّين،وهو من الحقوق التي يحقُّ له أن يُسقطها،فلا يجوز له أن يرجع إلى المدين ويطالبهُ بالدَّين؛لأن ذمته برئت من الدَّين بإسقاط الدائنِ حقَّهُ فيه، أما لو أبرأ شخصٌ آخر من طريقٍ له أو سيلٍ أو كان له قطعة وأبرأه بها، فلا يسقط حقه بالطريق والمسيل والأرض؛لأنه لا يسقط الحق بما ذكر بمجرد الترك والإعراض،ويجب لإسقاط الحقِّ فيها إجراءُ عقد بيعٍ أو هبةٍ مثلاً ] درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/89.

وقال شارح المجلة أيضاً:[إذا وهب الدائنُ الدَّين للمديون فليس له الرجوع بعد ذلك،انظر المادتين (51، 848) هبة الدَّين للمديون إبراء.وعليه إذا وهب الدائنُ الدَّين للمديون منجزاً، فليس للواهب الرجوع ما لم تُرد هذه الهبة من جانب المديون،ولو لم يوجد موانع الرجوع المذكورة في المواد الآنفة…لأن هذه الهبة إسقاطٌ والساقط لا يعود] درر الحكام شرح مجلة الأحكام 6/210.

وقاعدةُ:”الساقط لا يعود”قاعدةٌ معتبرةٌ وصحيحةٌ وعمل بها فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم،انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 1/144،ومما يدل على صحة القاعدة قوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا}سورة النساء الآية 92. فيجوز لأولياء القتيل أن يعفوا ويسقطوا حقهم في الدِّيَة.

وقوله تعالى:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ}سورة المائدة الآية 45.

وكذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة الآية 280.

وورد في الحديث عن كعب بن مالك رضي الله عنه( أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ – ستر البيت –  فَنَادَى: «يَا كَعْبُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ:أَيِ الشَّطْرَ،قَالَ:لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ)رواه البخاري ومسلم.

وخلاصة الأمر:

أن إبراءَ المدين من الديون أمرٌ مندوبٌ إليه شرعاً، خاصةً إذا كان المدين معسراً.

وأنه مطلوبٌ من المسلم إذا أعطى أولاده مالاً أن يعدل بينهم وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاءَ بعض الأولاد شيئاً دون الآخرين من الجَوْر.

وأنه لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده.

وأن هنالك عدة شروطٍ لا بدَّ من توفرها حتى يصحَّ رجوعُ الوالد فيما وهبه لولده، منها أن يكون الموهوب عيناً لا ديناً، فإن كان الموهوب ديناً للوالد على الولد، فإنه لا يصحُّ له الرجوع فيه متى سامحهُ منه.

وأن المسامحةَ من الديون تعني الإبراء وهو إسقاطُ الشخص حقاً له في ذمَّةِ آخر.

وبما أن الإبراءَ إسقاط ٌ، فيسقطُ به الحقُّ من الذمَّةِ، ومتى سقط لا يعود،طبقاً للقاعدة الفقهية( الساقط لا يعود )

وأنه لا يجوز للوالد أن يرجع في إسقاط ديونه عن ولده.

والله الهادي إلى سواء السبيل