إِرجافُ الْمُرْجِفُينَ على صحيحِ الإمامِ البخاري

يقول السائل:تزدادُ الهجمةُ على صحيح الإمام البخاري شراسةً حتى وصل الأمرُ ببعض المهاجمين أنه أنكر نسبة الكتاب لمؤلفه الإمام البخاري،وتورط في تلك الهجمة بعض طلبة العلم الشرعي في بلادنا فصاروا يشككون فيه، فما الجواب عن ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الهجومُ على ثوابت الإسلام قديمٌ متجددٌ،وزاد حِدةً واتساعاً مع انتشار وسائل الإعلام المختلفة، ولا شك لدي أن الهجمة المعاصرة على ثوابت دين الإسلام علي أيدي العلمانيين والليبراليين والقرآنيين! ومنْ يُسَمَّون بالمفكرين وأدعياء العلم الشرعي وغيرهم،ما هي إلا هجمةٌ ممنهجةٌ ومخططٌ لها من أعداء الإسلام،بل ومدفوعة الأجر!

وإن هذه الهجمة قد طالت القرآن الكريم، فشككوا في كماله وزعموا نقصانه وتحريفه،وطالت السنة النبوية، كقول بعضهم إن السنة النبوية ليست مصدراً للتشريع،ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم،وطالت مصادر السنة النبوية كصحيح البخاري وصحيح مسلم،وطالت هذه الهجمة أيضاً الصحابة كأبي بكر وعمر ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم، وطالت كبار علماء الإسلام كالإمام البخاري والإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم كثيرٌ.

وإن هؤلاء الطاعنين على تنوع مشاربهم إنما يتخذون الطعن في الثوابت والعلماء،مدخلاً للهجمة على الإسلام، وللهجوم على حضارتنا وعلى تاريخنا، لأنهم وأسيادهم يستشعرون خطر الإسلام على معتقداتهم وأفكارهم البائسة،ونحن نوقن أن قدحَ وتطاولَ وتهجمَ هؤلاء الطاعنين،ما هو إلا كصريرِ بابٍ،وطنينِ ذبابٍ،ونوقن أنه لا يضرُّ السحابَ نُباحُ الكلاب، ولكنه للتشويش على عامة المسلمين.

ثانياً:صحيحُ الإمام البخاري هو أصحُّ كتابٍ في الدنيا بعد كتاب الله عز وجل، رغم أنف الطاعنين والمشككين،وهذا ما قرره علماءُ الإسلام عامةً وأهلُ الحديث خاصةً وهم أصحاب الاختصاص،وليس الأدعياء، فقد اتفق علماء الأمة قديماً وحديثاً على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصحُّ كتابين بعد كتاب الله عز وجل،وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديثُ صحيحةٌ ثابتةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام النووي:[ اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصحَّ الكتب بعد الكتاب العزيز،الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمةُ بالقبول، وكتابُ البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد]

وقال الإمام النووي أيضاً:[ اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصحًّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمةُ بالقبول.وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة.وقد صحَّ أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظيرٌ في علم الحديث ] شرح النووي على صحيح مسلم 1/24 .

وقال الإمام النسائي:[ ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري ]

وقال ابن الصلاح:[ أول من صنف في الصحيح،البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل،وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، ومسلمٌ مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه،فإنه يشارك البخاري في كثيرٍ من شيوخه، وكتاباهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله العزيز ] هدي الساري ص12 .

وقال الذهبي:[ وأما جامع البخاري الصحيح، فأجلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى ] الحِطَّة في ذكر الصحاح الستة ص312.

وقال ابن السبكي:[ وأما كتابه الجامع الصحيح فأجل كتب الإسلام بعد كتاب الله ] انظر عشرون حديثاً من صحيح البخاري ص 8 فما بعدها.

وقال ولي الله الدهلوي:[أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما،وأن كل من يهونُ أمرهما فهو مبتدعٌ متبعٌ غير سبيل المؤمنين]حجة الله البالغة 1/249 .

وقال العلامة أحمد محمد شاكر :[ الحقُّ الذي لا مِرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر أن أحاديث الصحيحين صحيحةٌ كلها.ليس في واحدٍ منها مطعنٌ أو ضعفٌ.وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفَّاظ بعض الأحاديث،على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كلُّ واحدٍ منهما في كتابه.وأما صحةُ الحديث في نفسه فلم يخالف أحدٌ فيها.فلا يهولنَّك إرجافُ المرجفين،وزعمُ الزاعمين أن في الصحيحين أحاديثَ غيرَ صحيحةٍ] الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص 35.

وإن الهجوم على صحيح الإمام البخاري،وترويجَ الأفكار المضللة الباطلة عنه،إنما هو لهدم السنة النبوية،وإثارة الفتن وإحداث البلبلة بين صفوف عامة المسلمين،وتشكيكهم في أصول دينهم،حيث إن صحيح الإمام البخاري هو عمدةُ كتب أهل السنة،وإن إسقاطَ صحيح الإمام البخاري وهيبته عند المسلمين،إنما هو إسقاطٌ للسنة النبوية،ونفي كونها المصدر الثاني لدين الإسلام.

ثالثا:إن المتتبع لهؤلاء الطاعنين على صحيح الإمام البخاري،يجد أن الجهلً وعدم العلم بالحديث النبوي،وعدم معرفة مناهج المحدثين،هي الصفة الغالبة التي تجمعهم،وأسوق مثالين على جهلهم الفاضح:

(1) زعم أحدهم ممن يتزيا بزي علماء الأزهر أن مؤلف صحيح البخاري،ليس هو البخاري!بل شخصٌ آخر هو:جمعة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري!وهذا المتعالم الجاهل في القراءة،لما وجد على غلاف صحيح الإمام البخاري العبارة التالية” جمعه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري” فقرأها “جمعة” بالتاء المربوطة مع أنها بالهاء،ولم يعرف أن “أبا عبد الله” إنما هي كنية الإمام البخاري!ولما سمعت كلامه هذا بصوته،قلت هكذا العلم وإلا فلا،وهؤلاء هم الذين تفتحُ لهم أبواب القنوات الفضائحية على مصراعيها!

(2)زعم أحدُ من تسمِّيه القنواتُ الفضائحية مفكراً إسلامياً،أن صحيح البخاري قد جُعل صنماً يُعبد من غير الله،مع أنه لا يوجد نسخةٌ خطيةٌ منه بخط البخاري ولا بتوقيعه،وزعم أن نسخَ صحيح البخاري المجلوبة من المغرب إنما هي لنساخ،فكيف أمكن للبخاري أن يدخل المغرب،وهو لم يثبت عنه تاريخياً أنه دخل المغرب،لتكون النسخ الأصلية لصحيحه بالمغرب،وزعم أن الأمر لا يحتاج إلى كبيرِ ذكاء لنعرف أن هاته النسخ،إنما هي قطع غيار غير صالحة ملتقطة ومجلوبة من هنا وهناك ؟!

وغريبٌ عجيبٌ جهل هؤلاء بانتشار العلم والمؤلفات،ونسألهم:كيف وصل فقه الإمام مالك إلى شمال أفريقا مع أنه لم يدخلها؟ وكيف وصل فقه الإمام الشافعي إلى جنوب شرق آسيا وهو لم يدخلها؟ وكيف وصل فقه الظاهرية إلى الأندلس حتى غدا ابن حزم ناصر المذهب الظاهري،مع أن مؤسس المذهب داود بن علي الظاهري لم يدخل الأندلس،وبينهما حوالي مئتي سنة ؟ وكيف..؟ وكيف…؟

ألا يعلم هؤلاء أن العلم أول ما انتقل كان بالرواية الشفوية قبل الكتب،وهي الطريقة المعروفة لدى المحدثين،فكان المحدثُ يقرأُ كتابه أو يُقرأ عليه بحضور أعدادٍ كبيرةٍ من تلاميذه،فيحفظون أو يدونون ثم ينتشرون في البلدان،   فتنتشر تلك الكتب وتنسخ بخط اليد، ومعلوم أن الطباعة ما عرفت إلا متأخرة.

ومعلومٌ عند أهل الحديث أن صحيح البخاري قد سمعه تسعون ألف رجل من الإمام البخاري نفسه،كما أخبر بذلك أحدُ أشهر تلاميذه،وهو محمد بن يوسف الفربري المتوفى سنة 320 هـ. كما في ” تاريخ بغداد ” (2/9) و”تاريخ الإسلام ” (7/375) وقد اشتهرت رواية الفربري لصحيح البخاري لطول عمره،وإتقان نسخته،فقد سمعها من البخاري رحمه الله في ثلاث سنين،ثم أخذها عنه جماعةٌ من الرواة الثقات،وعنهم اشتهر هذا الكتاب.

وأما الزعم بأن صحيح البخاري لا توجد له نسخةٌ مخطوطةٌ،فدعوى ساقطة،والجواب عن ذلك أن نسخ صحيح البخاري المخطوطة بلغت أكثر من ألفي نسخةٍ موزعةٍ في مكتبات كثيرة جداً،وقد أحال” الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط ” على (2327) موضعاً في مكتبات العالم المختلفة،توجد به مخطوطات صحيح البخاري.انظر:” الفهرس الشامل 1/493– 565.

وذكر الدكتور محمود مصري في بحثٍ له مقدمٍ الى “مؤتمر المخطوطاتِ الألفية” الذي عقد في مكتبة الإسكندرية سنة2004م أنَّ أقدمَ مخطوطٍ للبخاري موجودٌ في دارِ الكتبِ القطرية،ويعودُ تاريخهُ للعام 261 هـ ،ومخطوطٌ آخرَ موجودٌ في كليات سيلي أوك في برمنجهام، ويعودُ تاريخهُ الى سنةِ 391 هـ ،ومخطوطٍ آخرَ في دارِ الكتبِ في صوفيا يعود تاريخهُ لسنةِ 407 هـ ،ومخطوطٌ آخر في الخزانةِ العامةِ في الرباط في المغرب يعود تاريخهُ لسنة 492 هـ .وذكر أَّن عددَ مخطوطاتِ صحيح البخاري الموجودةُ في مكتباتِ العالمِ يصلُ عددها إلى حوالي (2327) نسخة مخطوطة في العالم] بتصرف من http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=40593

رابعاً:لا شك أن الإمام البخاري ليس معصوماً فهو بشرٌ يصيب ويخطئ،وقد قال الإمـام مالك:[ ليس أحـدٌ بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ] وقد انتقد عددٌ من المحدثين أحاديث من صحيح البخاري كالدارقطني،وقد فصَّل الحافظُ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري،والمسماة “هدي الساري” فذكر الأحاديث المنتَقدة وأجاب عليها جواباً إجمالياً وجواباً مفصلاً،فقال في الأول منهما:[ والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل…فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما،ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما،فيندفع الاعتراضُ من حيث الجملة] هدي الساري ص 506 .ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديثٍ انتقد على البخاري.

وكذلك فإن العلامة الألباني انتقد بعض الأحاديث من صحيح البخاري،وانتقادُ العلماء هذا لا يقدحُ في أحاديث صحيح البخاري،وإنما هو اختلافٌ سائغٌ ومقبولٌ، فمن المعلوم أن علم الحديث فيه من الخلافات كغيره من العلوم الشرعية.

والانتقاداتُ الموجهةُ لصحيح البخاري وكذا لصحيح مسلم، لا تخرجهما عن كونها في أعلى مراتب كتب السنة النبوية،

قال العلامة الألباني:[والصحيحان هما أصحّ الكُتب بعد كِتاب الله تعالى باتِّفاق علماء المسلمين مِن الْمُحدِّثِين وغيرهم ، فقد امتازا عن غيرهما مِن كُتب السنة بِتفرّدهما بِجَمْع أصحِّ الأحاديث الصحيحة،وطرح الضعيفة والمتون المُنكَرَة،على قواعد متينة،وشروطٍ دقيقةٍ،وقد وُفِّقُوا لذلك توفيقاً بالغاً لم يُوفّق إليه مَنْ بَعدهم ممن نحا نحوهم في جَمْع ” الصحيح ” كَابْنِ خزيمة،وابن حبان،والحاكم،وغيرهم،حتى صار عُرفاً عاماً أن الحديثَ إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما،فقد جاوز القنطرة،ودخل في طريق الصحة والسلامة,ولا ريبَ في ذلك،وأنه هو الأصلُ عندنا،وليس معنى ذلك أن كل حرفٍ أو لفظةٍ أو كلمةٍ في “الصحيحين” هو بِمَنْزِلة ما في “القرآن” لا يُمكن أن يكون فيه وَهْمٌ أو خطأٌ في شيءٍ من ذلك من بعض الرواة،كلا،فَلَسْنَا نعتقدُ العصمةَ لكتابٍ بعد كتاب الله تعالى أصلاً…كل مَن شمَّ رائحةَ العِلْمِ بالحديث الشريف يعلمُ بداهةً أن قولَ المحدث في حديثٍ ما:”رواه الشيخان” أو “البخاري أو مسلم” إنما يعني أنه صحيح.] مقدمة الألباني لشرح العقيدة الطحاوية ص 14-15.

وقال الإمام النووي:[الصحيح أقسام:أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما ] تدريب الراوي شرح التقريب 1/122-123.

وقال الشوكاني:[ واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به مِنْ دون بحثٍ لأنهما التزما الصحة، وتلقت ما فيهما الأمةُ بالقَبول ] نيل الأوطار 1/22 .

وبهذا يظهر جلياً لنا أن من يريدُ أن ينقد الإمام البخاري ويناقش صحيحه،لا بد أن يكون من أهل العلم وعلى معرفةٍ ودرايةٍ بعلوم الحديث،أي لا بد أن يكون من أهل التخصص،فنحن في هذا الزمان نعيش عصر التخصص في العلوم كافة،ولكن الطاعنين في الإمام البخاري وصحيحه يؤمنون بالتخصص إلا في العلوم الشرعية!

يا هؤلاء إن العلوم الشرعية ليست حمىً مستباحاً لكل من هبَّ ودبَّ،إن العلوم الشرعية كالفقه والأصول والجرح والتعديل وعلوم الأسانيد والمتون وغيرها تحتاج إلى دراسةٍ وتعلمٍ، وفرقٌ بين أن يتدين المسلم وبين أن يفتي في الدَّين أو يتكلم في دقائق مسائل العلوم الشرعية،فهذه لها أهلها،وقد خلق اللهُ للعلم رجالاً ورجالاً لقصعةٍ وثريدِ.

وإن آفة التعالم من أسوأ الآفات في زماننا،وخاصةً فيمن تُبرزهم وتنفخهم القنوات الفضائحية،وآفةُ التعالم قديمةٌ جديدةٌ، فالمتعالمون موجودون في كل عصرٍ وأوان،وقد ابتليت الأمة بالمتعالمين،الذين يظهرون في لباس العلماء،وحقيقتهم جهلٌ فاضحٌ،بل جهلٌ مركبٌ،فهم جاهلون ويجهلون أنهم جاهلون.

وهؤلاء المتعالمين ذوي ألسنةٍ حدادٍ يسلطونها على أهل العلم،المتقدمين منهم والمتأخرين،فيسفهون أقوالهم ويلمزونهم، وينتقصونهم،ويلصقون كل مذمةٍ بهم،وفي زماننا هذا كثرُ المتعالمون،خاصةً مع انتشار الإنترنت والقنوات الفضائية ووسائل الاتصال الأخرى ،فترى كتابات المتعالمين وأقوالهم تغصُّ بها مواقع  كثيرة على الشبكة العنكبوتية،وآفة هؤلاء المتعالمين أنهم لم يتعلموا قبل أن يتصدروا،فهم قد تزببوا قبل أن يتحصرموا!وأنى لإنسانٍ أن يصير عالماً قبل أن يتعلم،بل قبل أن يتعب في طلب العلم على العلماء،فمن لم يحنِ ركبتيه في مجالس العلماء،لا يجوز أن تُحنى عنده الركب، ومن لم يحصِّل العلمَ كيف له أن يُعلِّم غيره،ففاقدُ الشيء لا يعطيه،وهؤلاء المتعالمين يزعمون أنهم قد حازوا علوم الشرع كلها،بقراءة كتابٍ أو كتابين،فترى بعضهم يفسر القرآن الكريم،ويستخف بابن جرير الطبري شيخ المفسرين،ولا يساوي ابن كثير وغيره من المفسرين شيئاً عنده،وآخر يعدُّ نفسه مجتهداً في الفقه والأحكام، وكأنه أبو حنيفة زمانه،أو شيخ الإسلام ابن تيمية،وهكذا، وهؤلاء المتعالمين ليسوا ممن درسوا على العلماء، فتعلموا منهم فصاروا علماء مثلهم،وإنما تعلموا من قراءة بعض الكتب فظنوا أنفسهم علماء يُشار لهم بالبنان.وينطبق عليهم قول الشيخ ابن دقيق العيد:

يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ    //  ومن أنتمو حتى يكون لكم عندُ

وقال الخطيب البغدادي:[ الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً ].

إن التعالم من أخطر الآفات على العلم وأهله، قال الشيخ ابن حزم الظاهري:[ لا آفةَ على العلوم وأهلها أضرُّ من الدخلاء فيها،وهم من غير أهلها،فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون،ويفسدون ويقدِّرون أنهم يصلحون]الأخلاق والسير 1/23.

وقال الشيخ محمد المقدم:[إن التعالم الكاذب هو عتبةُ الدخول على جريمة القول على الله بغير علم،المحرمة لذاتها تحريماً أبدياً في جميع الشرائع، وهذا مما عُلم من الدِّين بالضرورة،وهو مما حذَّرَناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير،عن عبد الله وأبي موسى رضي الله عنهما قالا:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلمُ، ويكثرُ فيها الهَرْجُ) رواه البخاري.

وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من أشراط الساعة أن يقلَّ العلمُ، ويظهرَ الجهلُ) رواه البخاري.

وعن مالك قال:(أخبرني رجلٌ أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي،فقال:ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه،فقال:لا، ولكن استُفتي من لا علمَ له، و ظهر في الإسلام أمرٌ عظيم، فقال ربيعة:ولبعضُ من يفتي ههنا أحقُّ بالحبس من السُّرَّاق) جامع بيان العلم ص 1225. – وهذا في زمان ربيعة فكيف الحال في زماننا!!!-

وقال القاسم بن محمد:[لأن يعيش الرجل جاهلاً،خيرٌ من أن يقول على الله ما لا يعلم]…

وقال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد:[ فهؤلاء المُنازِلون في ساحة العلم وليس لهم من عُدَّةٍ سوى (القلم والدواة) هم الصَّحْفِيةُ المُتَعالمون،من كلِّ من يدَّعي العلمَ وليس بعالمٍ،شخصيةٌ مؤذيةٌ تتابعت الشكوى منهم على مدى العصور،وتوالي النُّذُر سلفاً وخلفاً…إنهم زيادةٌ على أنصباء أهل العلم، كواو عمروٍ،ونون الإلحاق…فهذا القطيعُ حقاً هم غُولُ العلم،بل دُودةٌ لزجةٌ،متلبِّدَةٌ أسرابُها في سماء العلم،قاصرةً من سمو أهلهِ،وامتداد ظلِّهِ،معثرةً دواليبَ حركتهِ، حتى ينطوي الحقُّ،ويمتدَّ ظلُ الباطل وضلاله،فما هو إلا فجرٌ كاذبٌ،وسهمٌ كابٍ حَسِيرٍ] التعالم 10-11.

وخلاصة الأمر:

أن الهجومَ على ثوابت الإسلام قديمٌ متجددٌ.

وأن الهجمةَ المعاصرةَ على ثوابت دين الإسلام علي أيدي العلمانيين والليبراليين والقرآنيين!ومَنْ يُسَمَّون بالمفكرين وأدعياءِ العلم الشرعي وغيرهم،ما هي إلا هجمةٌ ممنهجةٌ ومخططٌ لها من أعداء الإسلام ومدفوعة الأجر.

وأن صحيح الإمام البخاري هو أصحُّ كتابٍ في الدنيا بعد كتاب الله عز وجل،وهذا ما قرره علماءُ الإسلام عامةً وأهلُ الحديث خاصةً وهم أصحاب الاختصاص،وليس الأدعياء.

وأن المتتبع للطاعنين في صحيح الإمام البخاري يجد أنه يجمعهم الجهلُ بالحديث النبوي وبمناهج المحدثين.

وأن الإمام البخاري ليس معصوماً فهو بشرٌ يصيبُ ويُخطئ،وقد انتقد عددٌ من المحدثين أحاديث من صحيح البخاري كالدارقطني قديماً والألباني حديثاً.

وأن انتقادَ العلماء لصحيح البخاري لا يقدحُ في صحة أحاديثه ولا يُخرجه عن كونه في أعلى مراتب كتب السنة النبوية.

وأن من يريدُ أن ينقدَ الإمام البخاري ويناقش صحيحه،لا بد أن يكون من أهل العلم وعلى معرفةٍ ودرايةٍ بعلوم الحديث وأن يكون من أهل التخصص،فنحن في هذا الزمان نعيش عصر التخصص في العلوم كافة،ولكن الطاعنين في الإمام البخاري وصحيحه يؤمنون بالتخصص إلا في العلوم الشرعية!

وأن آفة التعالم من أسوأ الآفات في زماننا،وخاصةً فيمن تُبرزهم وتنفخهم القنوات الفضائحية.

والله الهادي إلى سواء السبيل