عقدُ المقاولةِ من الباطنِ

يقول السائل:في مشاريع البناء والإنشاءات تقوم الشركاتُ التي يرسو عليها العطاءُ بإعطاء بعض الأعمال ضمن المشروع لشركةٍ أخرى لتقوم بتنفيذها،فما حكم ذلك،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:

مشاريع البناء والإنشاءات المعاصرة تخضع لعقد المقاولة المعروف عند القانونيين وعند الفقهاء المعاصرين، وعقدُ المقاولة من العقود المستحدَثة،ولم يكن معروفاً عند الفقهاء المتقدمين بصيغته الحالية.
والمقاولةُ عبارة عن عقدٍ يتعهد المقاولُ بمقتضاه أن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء أجرٍ يتعهد به الطرفُ الآخر. انظر الوسيط في شرح القانون المدني 7/5.
وهو عقد معاوضة،ويمكن تخريجه على عقد الاستصناع المعروف في الفقه الإسلامي، إذا كان المقاولُ يقدم موادَ العمل،كالأسمنت والحديد وآلات العمل،وتشغيل العمال والمهندسين ودفع الأجور لهم.
ويمكن تخريجهُ أيضاً على عقد الإجارة إذا كان دورُ المقاول هو العمل فقط بعدته وعماله.
وكلٌّ من عقد الاستصناع وعقد الإجارة عقدٌ صحيحٌ شرعاً،وقد قامت الأدلةُ الشرعية على اعتبارهما.
فعقد المقاولة من العقود المعتبرة شرعاً ويصحُّ التعاملُ به إذا توفرت فيه شروط الانعقاد، فلا بد من توافق الإيجاب والقبول ليتمَّ التراضي بين صاحب العمل والمقاول على ماهية العمل الذي سيؤديه المقاول لصاحب العمل،والأجر الذي يتقاضاه المقاول.ولا بد من بيان ذلك بياناً واضحاً قاطعاً للنزاع والخلاف.انظر الوسيط في شرح القانون المدني7/36-38. ويجب في عقد المقاولة الاتفاقُ بين المتعاقدين على كل التفاصيل الخاصة بتنفيذ العقد، كوصف المشروع وصفاً دقيقاً، والمواد المستخدمة في التنفيذ،ومدة التنفيذ،ومقدار البدل المدفوع في مقابل تنفيذ العمل وهكذا.

ومن المعروف أنه في المقاولات الكبيرة يكون هنالك ملحقاتٌ للعقد تتعلق بالمواصفات والشروط التي يجب أن يلتزم بها المقاول، فهذه تكون تابعةً للعقد.
وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي عقد المقاولة في دورته الرابعة عشر وجاء في قراره ما يلي:
[ بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع عقد المقاولة والتعمير:حقيقته،وتكييفه وصوره وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله ومراعاة أدلة الشرع وقواعده ومقاصده ورعايةً للمصالح العامة في العقود والتصرفات.ونظراً لأهمية عقد المقاولة ودوره الكبير في تنشيط الصناعة وفتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي قرر ما يلي:
(1) عقد المقاولة – عقد يتعهدُ أحدُ طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً مقابل بدلٍ يتعهد به الطرفُ الآخر- وهو عقدٌ جائزٌ سواء قدَّم المقاولُ العملَ والمادة وهو المسمَّى عند الفقهاء بالاستصناع أو قدَّم المقاولُ العمل وهو المسمَّى عند الفقهاء بالإجارة على العمل.
(2) إذا قدَّم المقاولُ المادة والعمل فينطبق على العقد قرار المجمع رقم 365/7 بشأن موضوع الاستصناع.
(3) إذا قدَّم المقاولُ العملَ فقط فيجب أن يكون الأجرُ معلوماً.
(4) يجوز الاتفاقُ على تحديد الثمن بالطرق الآتية:
(أ) الاتفاق على ثمنٍ بمبلغٍ إجمالي على أساس وثائق العطاءات والمخططات والمواصفات المحددة بدقة.
(ب) الاتفاق على تحديد الثمن على أساس وحدةٍ قياسيةٍ يُحدد فيها ثمنُ الوحدة والكمية وطبقاً للرسومات والتصميمات المتفق عليها.
(ج) الاتفاق على تحديد الثمن على أساس سعر التكلفة الحقيقية، ونسبة ربحٍ مئوية،ويلزم في هذه الحالة أن يقدم المقاولُ بياناتٍ وقوائم مالية دقيقةٍ ومفصلةٍ وبمواصفاتٍ محددةٍ بالتكاليف،يرفعها للجهة المحددة في العقد ويستحق حينئذ التكلفة بالإضافة للنسبة المتفق عليها.

(5)يجوز أن يتضمن عقد المقاولة شرطاً جزائياً ، بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم يكن هناك ظروف قاهرة . ويطبق في هذه الحالة قرار المجمع في الشرط الجزائي رقم 3109/12 .
(6)يجوز في عقدُ المقاولة تأجيلَ الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساطٍ لآجالٍ معلومةٍ أو حسب مراحل إنجاز العمل المتفق عليها.
(7) يجوز الاتفاق على التعديلات والإضافات.
(8) إذا أجرى المقاولُ تعديلاتٍ أو إضافاتٍ بإذن ربِّ العمل دون الاتفاق على أجرة فللمقاول عوض مثله.
(9) إذا أجرى المقاولُ تعديلاتٍ أو إضافاتٍ دون اتفاق عليها،فلا يستحق عوضاً زائداً على المسمَّى ولا يستحق عوضاً عن التعديلات أو الإضافات.
(10) يضمن المقاولث إذا تعدى أو فرَّط أو خالف شروط العقد كما يضمنُ العيوب والأخطاء التي يتسبب فيها،ولا يضمن ما كان بسببٍ من ربِّ العمل أو بقوةٍ قاهرةٍ.
(11) إذا شرط ربُّ العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه فلا يجوز له أن يتفق مع مقاولٍ آخر من الباطن.
(12) إذا لم يشرط ربُّ العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه جاز له أن يتفق مع مقاولٍ من الباطن، ما لم يكن العملُ بعينه مقصوداً أداؤُه من المقاول نفسه لوصفٍ مميزٍ فيه مما يختلف باختلاف الأُجراء.
(13) المقاول مسئولٌ عن عمل مقاوليه من الباطن، وتظل مسؤولية المقاول الأصلية تجاه ربِّ العمل قائمةً وفق العقد.
(14) لا يُقبل في عقد المقاولة اشتراطُ نفي الضمان عن المقاول.
(15) يجوز اشتراطُ الضمان لفترةٍ محددةٍ.
(16) لا يُقبل في عقد المقاولة اشتراطُ البراءة من العيوب طيلة فترة الضمان المنصوص عليها في العقد] قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشرة.

ثانياً:

إذا تقرر هذا فإن عقد المقاولة من الباطن متفرعٌ عن عقد المقاولة الأول،فيجوز أن تقوم الشركةُ التي يرسو عليها العطاء،بإعطاء بعض الأعمال ضمن المشروع لشركةٍ أخرى لتقوم بتنفيذها،ضمن العقد الأساسي،وهذا يسمَّى عقد المقاولة من الباطن.وهو جائز بشروط:

(1) أن لا يكون هناك نصٌّ في العقد يمنع ذلك،فإذا شرط صاحبُ العمل على المقاول أن ينفذ العمل بنفسه،فلا يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه.قال د. وهبة الزحيلي:[وهذا حكمٌ مقررٌ معروفٌ في فقهنا في عقد الوكالة]بحث “عقدُ المقاولة شرعاً وقانوناً”
(2) أن لا يكون العملُ بعينه مقصوداً أداؤُه من المقاول نفسه لوصفٍ مميزٍ فيه مما يختلف باختلاف الأجراء.
فإذا لم يكن هذان الشرطان موجودين فحينئذ يجوز للشركة التي رسى عليه المشروع،أن تتعاقد مع شركة أخرى لتنفيذ العمل كله أو بعضه،ويشترط أن يكون هنالك انفصالٌ تامٌ بين العقدين. فتاوى الاستصناع والمقاولات ص65 .
ورد في المعيار الشرعي رقم (11) المتعلق بالاستصناع والاستصناع الموازي:
[ 3/1/4 يجوز أن يشترط في عقد الاستصناع أن يتمَّ الصنعُ من المؤسسة نفسها، وفي هذه الحالة يجب عليها التقيد بذلك، ولا يحق لها أن تعهد بالإنجاز إلى غيرها.] وعلَّل المعيارُ ذلك بأنه قد يكون غرضُ المستصِنع عملَ الصانع نفسه لتميزه بدقةِ الصناعة وجودتها.
[وأما إن لم يشترط ذلك فللمقاول أن يستأجر من يعمل مكانه،لأن المستحقَّ عملٌ موصوفٌ في الذمَّة لم يشترط على شخص بذاته…وقد نصَّ المالكية والحنابلة على ذلك في الاشتراط وعدمه.قال التُسولي المالكي:إذا آجره على العمل بنفسه لا بغيره، فليس للراعي أن يسترعى غيره إلا بإذن ربِّها، في أحد قولي ابن القاسم،والراجحُ الضمانُ إن استرعى من هو مثله بغير إذن ربِّها،وأحرى إن استرعى من هو دونه،وهذا إذا لم يجرِ عرفُ البلد بأن الراعي يأتي بمن هو مثله لضرورة وإلا فلا ضمان اتفاقاً] عقد المقاولة،د.عجيل النشمي.
وقرر الفقهاء المعاصرون أنه لا ربطَ بين عقد المقاولة الأول وعقد المقاولة من الباطن من جهة الالتزامات،فالمقاولُ من الباطن لا يرتبط مع صاحب المشروع، وإنما علاقته مع المقاول الأول فقط ، وهو المسؤول عن أي تقصيرٍ أو عيبٍ في تنفيذ الأعمال.المصدر السابق.
وورد في قرار المجمع السابق:[المقاول مسئولٌ عن عمل مقاوليه من الباطن،وتظل مسؤولية المقاول الأصلية تجاه ربِّ العمل قائمةً وفق العقد] وقال د. وهبة الزحيلي:[ويلاحظ أن مسؤولية المقاول الأصلي عن أعمال المقاول من الباطن هي: مسؤوليةٌ عقديةٌ،تنشأ من عقد المقاولة الأصلي،وليست مسؤولية متبوع عن تابعه،فالمقاول من الباطن يعمل مستقلاً عن المقاول الأصلي ولا يعتبر تابعاً له.وتقوم هذه المسؤولية على افتراض أن كل أعمال المقاول من الباطن تعتبر بالنسبة إلى ربِّ العمل أعمالاً صادرةً من المقاول الأصلي، ومن ثمَّ يكون مسؤولاً قِبله عنها.والأصلُ ألا تقوم علاقةٌ مباشرةٌ بين ربِّ العمل وبين المقاول من الباطن إذ لا يربطهما أيُّ تعاقدٍ، فلا يطالب أيهما الآخر مباشرةً بتنفيذ التزاماته، وإنما يكون للمقاول من الباطن طبقاً للقواعد العامة أن يرجع على ربِّ العمل في خصوص البدل أو المقابل المستحق له قِبَل المقاول الأصلي، بطريق الدعوى غير المباشرة.

والخلاصة أن القوانين الإسلامية أجازت للمقاول أن يقاول من الباطن في كل العمل أو في جزءٍ منه ما لم يمنعه من ذلك شرطٌ في العقد، أو تكون طبيعةُ العمل تتطلب الاعتماد على الكفاية الشخصية للمقاول، كأن يكون العملُ محلَّ المقاولة عملاً فنياً، اعتمد فيه صاحبُ العمل على كفاية المقاول الشخصية في هذا العمل أو ما اشتهر عنه في أدائه، فعندئذٍ يتحتمُ أن يقوم المقاولُ بالعمل شخصياً ] بحث “عقدُ المقاولة شرعاً وقانوناً”

وخلاصة الأمر أن عقد المقاولة عبارة عن عقدٍ يتعهد المقاولُ بمقتضاه أن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء أجرٍ يتعهد به الطرفُ الآخر.
وأنه عقدُ معاوضةٍ مخرجٌ على عقد الاستصناع أو على عقد الإجارة.
وأن عقد المقاولة من الباطن متفرعٌ عن عقد المقاولة الأول،فيجوز أن تقوم الشركةُ التي يرسو عليها العطاءُ بإعطاء بعض الأعمال ضمن المشروع لشركةٍ أخرى لتقوم بتنفيذها،ضمن العقد الأساسي،وهذا يسمَّى عقد المقاولة من الباطن.وهو جائزٌ بشروط كما بينتُ.

والله الهادي إلى سواء السبيل