حكمُ التأمينِ الشاملِ على السيارات والتأمين على الحياة الذي تتعامل به البنوك الإسلامية

يقول السائل:أرجو بيان الحكم الشرعي للتأمين الشامل على السيارات والتأمين على الحياة الذي يشترطه البنك الإسلامي الفلسطيني عند شراءها عن طريقه،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:لا بد من الإشارة إلى أنواع تأمين المركبات الآلية السائدة في مناطق السلطة الفلسطينية وهي:

(أ‌) التأمين الإلزامي(إصابات جسمية):يغطي هذا النوع من التأمين الأضرار والإصابات الجسدية التي تنتج عن استعمال المركبة؛سواء كان الشخص المصاب من ركاب المركبة أو المشاة وقت وقوع الحادث،وهو تأمينٌ ملزمٌ من قِبل السلطة الوطنية الفلسطينية،وهو الحدُّ الأدنى في تأمين المركبات الميكانيكية (أي أقل تغطية تأمينية مسموح به قانوناً)، ويتم الاكتتاب بهذا النوع من التأمين بموجب قانون التأمين الفلسطيني رقم (20) لسنة (2005).

(ب‌) تأمين ممتلكات الفريق الثالث: ويغطي الخسائر والأضرار التي تسببها المركبة لممتلكات الفريق الثالث (أي الغير)، سواء كان الفريق الثالث مركبة أو أي ممتلك مادي آخر (جدار،عمود، منزل…)

والتزامات شركة التأمين وحدود مسؤوليتها عن الأضرار المادية للفريق الثالث:

1.تلتزم الشركة بتعويض الفريق الثالث مباشرة؛ أو بتعويض المؤمن له عن جميع المبالغ التي دفعها فعلياً بسبب مسؤوليته القانونية تجاه الفريق الثالث، والناتجة عن حادث طرقٍ مشمولٍ بالتغطية التأمينية بموجب وثائق التأمين وملاحقها.

2.في جميع الأحوال، فإن الحدَّ الأقصى لمسؤولية شركة التأمين بالتعويض عن جميع الحوادث المادية أو الحادث الواحد المادي لكافة المتضررين خلال فترة التأمين، لا تتجاوز المبلغ المذكور في شهادة التأمين.

(ت‌) التأمين التكميلي للمركبات (تأمين جسم المركبة) وهو المسمَّى بالتأمين الشامل،ويغطي الخسائر والأضرار التي تلحق بجسم المركبة نتيجة الاصطدام أو حادث طرق، أو سرقة، أو حريق.ويمكن إضافة تغطيات أخرى قد يطلبها المؤمَّن له وتقبلها شركةُ التأمين ضمن هذه التغطية؛ خلافاً لما قد يكون مستثنىً ضمن الاستثناءات العامة المبينة في الوثيقة.(أي هو باختصار تأمين على الملكية الخاصة بالمركبة نفسها). http://info.wafa.ps/atemplate.aspx?id=9525

ثانياً: في عقود المرابحة لشراء السيارات المعمول بها في البنك الإسلامي الفلسطيني يشترط أن يتم تأمين السيارة تأميناً شاملاً لدى شركة التكافل، وهي الشركة الوحيدة في الضفة الغربية للتأمين الإسلامي،وتجيير التأمين لصالح البنك،وهذا الشرطُ جائزٌ شرعاً،وهو من باب ضمان ديون البنك، حيث إن التأمين المطلوب هو تأمينٌ تكافليٌ شرعيٌ، وليس تأميناً تجارياً محرماً،وهذا الشرط هو التزامٌ بقرار هيئة الرقابة الشرعية التي شرطت أن يكون التأمين تكافلياً،حيث إن التأمين هو أحد الضمانات التي يحصل عليها البنك من المرابح، ويجب شرعاً أن تكون الضمانات حلالاً وفق المعايير الشرعية التي يلتزم بها البنك الإسلامي الفلسطيني وغيره من البنوك الإسلامية،فقد ورد في معيار المرابحة والمرابحة للآمر بالشراء السوداني:[يؤمن العميلُ السلعة تأميناً شاملاً لدى شركة تأمين مقبولة للمصرف ولصالحه].

ثالثاً:وأما التأمين على حياة المتمولين فهو متطلبٌ إلزاميٌ من سلطة النقد الفلسطينية لمنح التمويل، ولكن التأمين الذي يطلبه البنكُ الإسلامي الفلسطيني هو (التأمين التكافلي العائلي) وهو البديلُ الشرعي للتأمين على الحياة لدى شركات التأمين التجاري، ولا يطلب البنك من المتمولين التأمينَ على الحياة المحرم شرعاً لدى شركات التأمين التجاري.

والتأمينُ العائلي التكافلي هو البديلُ الشرعي للتأمين على الحياة التجاري، وقد ناقشته عدةُ هيئاتٍ علميةٍ شرعيةٍ، وأقرت العملَ به وفق ضوابط شرعية،ومن ذلك ما صدر عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي سنة 1413هـ 1993م حيث ناقشت حكم التأمين على الحياة، وأساس الفكرة ونحوهما، وصدرت منها عدة فتاوى وتوصيات مهمة ومنها:[التأمين على الحياة:إن التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هو من المعاملات الممنوعة شرعاً،لاشتماله على الغرر الكثير والربا والجهالة.

لا مانع شرعاً من التأمين على الحياة إذا أُقيم على أساس التأمين التعاوني(التكافل) وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساطٍ غير مرتجعة وتنظيم تغطية الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض،وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين. والمبدأ الذي يقوم عليه لا يتعارض معه نصوص الشريعة وقواعدها العامة.]

ومن ذلك أيضاً ما ورد في المعيار الشرعي رقم (26) المتعلق بالتأمين الإسلامي الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حيث وضع له ضوابط شرعية معينة.انظر كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436.

وللتأمين العائلي التكافلي وهو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري عدة صورٍ منها:

(1) التأمين العُمْري لصالح الورثة جميعاً،بدفع رواتب شهرية وسنوية لهم ما داموا أحياء بعد موت دافع الأقساط.

(2) التأمين لصالح الورثة جميعاً ، بدفع رواتب لهم لمدة معينة كعشر سنوات – إن عاشوا – بعد موت دافع الأقساط.

(3) التأمين لصالح الورثة جميعاً، بدفع المحدد المتفق عليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط .

(4) التأمين لصالح أحد الورثة – مع مبرر مشروع للتخصيص- بدفع رواتب له ما دام حياً بعد موت دافع الأقساط .

(5) التأمين لصالح أحد الورثة بدفع رواتب له لمدة محددة كعشر سنوات إن عاش بعد موت دافع الأقساط هذه المدة أو بقدرها.

(6) التأمين لصالح أحد الورثة بدفع مبلغ التأمين إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط .

(7) التأمين لصالح الأجنبي بدفع رواتب له مدة حياته بعد موت دافع الأقساط .

(8) التأمين لصالح  الأجنبي -غير الوارث- بدفع رواتب له لمدة عشر سنوات مثلاً إن عاش بعد موت دافع الأقساط .

(9)التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع مبلغ التأمين المتفق عليه إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط مباشرةً إن كان حياً ]

ومن المعلوم أن التأمين على الحياة محرمٌ شرعاً كما قررته الجهات العلمية والمجامع الفقهية المعتبرة كمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ومجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وغيرها من الجهات العلمية الشرعية.

رابعاً: لا بدَّ من التأكيد على الفروق الجوهرية بين التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي وبين التأمين التجاري أو التقليدي والتي تتمثل فيما يلي:

الفرق الأول: يقوم التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي على فكرة التعاون على البر والتقوى، ودليله من الكتاب قول الله تبارك وتعالى:{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ومن السنة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم.

أما التأمين التجاري التقليدي الربوي فيقوم على فكرة الربح للشركة، ويتمثل هذا الربح في الفرق بين الاشتراكات المحصَّلة من العملاء، وبين التعويضات المعطاة لمن أصابهم الضرر.

الفرق الثاني:يتضمن عقد التأمين التجاري التقليدي الغرر والجهالة،وهذا غير جائز شرعاً،بينما يقوم عقد التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي على التعاون، وهذا جائزٌ شرعاً، أي أن عقد التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي من عقود التبرع التي يُقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي تأخذ صفة الهبة،أي التبرع كما في قرار  هيئة كبار العلماء، أما التأمين التجاري فهو من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية.

الفرق الثالث:تقوم شركات التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي باستثمار فائض الأموال وفقاً لصيغ الاستثمار الإسلامية، بينما تقوم شركات التأمين التجاري التقليدي باستثمار الأموال وفقاً لنظام الفائدة – الربا- المحرم شرعاً.

الفرق الرابع: المؤمِّنون هم المستأمنون في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي، ولا تستغل أقساطهم المدفوعة لشركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي إلا بما يعود عليهم بالخير جميعاً، أما في شركة التأمين التجاري فالمؤمِّن هو عنصرٌ خارجي بالنسبة للشركة، كما أن شركة التأمين التجاري تقوم باستغلال أموال المستأمنين فيما يعود عليها بالنفع وحدها. فتاوى التأمين ص 99.

الفرق الخامس:المستأمنون في شركات التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي يُعَدُون شركاء، مما يعطيهم الحقَّ في الحصول على الأرباح الناتجة من عمليات استثمار أموالهم.

أما في شركات التأمين التجاري فالصورة مختلفة تماماً؛ لأن المستأمنين ليسوا شركاء، فلا يحق لهم أيُّ ربحٍ من استثمار أموالهم، بل تنفرد الشركةُ بالحصول على كل الأرباح. فتاوى التأمين ص 105.

الفرق السادس: في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي لا بد أن يُنصَّ في العقد على أن ما يدفعه المستأمنُ ما هو إلا تبرعٌ، وأنه يدفع القسط للشركة لإعانة من يحتاج إليه من المشتركين، أما في التأمين التجاري فلا تردُ نيةُ التبرع أصلاً، وبالتالي لا يُذكر في العقد. فتاوى التأمين ص91.

الفرق السابع: يعتمد التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي على أقساط التأمين المحصَّلة، وعلى استثمارها في أمورٍ مشروعةٍ تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة ويتم دفع التعويضات من ذلك.

كما أن شركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي لا تتملك أقساطَ التأمين، وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين، وهو حقٌ للمشتركين، وتقوم شركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي بإدارة الحساب نيابةً عنهم.

أما في التأمين التجاري فالأقساطُ ملكٌ للشركة وحدها.

الفرق الثامن: الفائض في التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي يعود إلى مجموع المؤمنين ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين التكافلي أو التعاوني أو الإسلامي تأخذ حصةً من الفائض، إما باعتبارها وكيلةً بأجرٍ أو باعتبارها مضارباً، بينما في التأمين التجاري، فالفائض يعود كله للشركة، ولا علاقة للمشتركين به.وانظر غير ذلك من الفروق في بحث التأمين التعاوني للدكتور علي القرة داغي.

وخلاصة الأمر:

أن تأمين المركبات الآلية في بلادنا على أنواع هي التأمين الإلزامي ويغطي الأضرار والإصابات الجسدية التي تنتج عن استعمال المركبة؛وهو الحدُّ الأدنى في تأمين المركبات الميكانيكية بموجب قانون التأمين الفلسطيني.

وتأمين الفريق الثالث ويغطي الخسائر والأضرار التي تسببها المركبة لممتلكات الغير.

والتأمين التكميلي الشامل ويغطي الخسائر والأضرار التي تلحق بجسم المركبة نتيجة الاصطدام أو حادث طرق، أو سرقة، أو حريق.

وأنه في عقود المرابحة لشراء السيارات الجديدة من البنك الإسلامي الفلسطيني يشترط تأمين السيارة تأميناً تكافلياً شاملاً وليس تأميناً تجارياً محرماً.

وأن هذا الشرط جائز شرعاً،وهو من باب ضمان ديون البنك،ويجب شرعاً أن تكون الضمانات حلالاً وفق المعايير الشرعية.

وأن التأمين على حياة المتمولين هو متطلب إلزامي من سلطة النقد الفلسطينية لمنح التمويل.

وأن التأمين الذي يطلبه البنك الإسلامي الفلسطيني هو (التأمين التكافلي العائلي) وهو البديل الشرعي للتأمين على الحياة لدى شركات التأمين التجاري المحرم شرعاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل