عقدُ التأجيرِ التمويلي Financial Leasing

يقول السائل:ما حكم التأجير التمويلي الذي تسوقه بعض الشركات ويكون من ضمن شروطه أن صيانةَ العينِ المؤجرةِ على المستأجر، وكذلك تشترطُ الشركةُ المؤجرةُ على المستأجر تأمينَ العينِ المؤجرةِ ،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: الإجارة عند الفقهاء عقدُ معاوضةٍ على تمليكِ منفعةٍ بعوضٍ. الموسوعة الفقهية الكويتية 1/252.

وأما الإيجار التمويلي فهو عقدٌ جديدٌ لم يكن معروفاً عند الفقهاء حتى فترةٍ قريبةٍ، فهو من العقود المستجدة التي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي ثم وفد إلى ديار المسلمين.

والإيجار التمويلي هو:[أن يقوم المؤجرُ بتأجير المستأجر عيناً – معدات أو سيارات – لمدةٍ معلومةٍ،فإذا أتمَّ المستأجرُ تلك المدة،فيكون له الحقُّ في أن يختار أحد خيارات ثلاثة وهي:

(1) إما أن يتملك العين المؤجرة بعقدٍ جديدٍ.

(2) أن يمدَّ مدة الإجارة لمدة أخرى.

(3) أن يردَّ العين المؤجرة وتنتهي العلاقة بين المؤجر والمستأجر] عقد التأجير التمويلي أحمد العودة.

[وتوجد ثلاثة أنواع رئيسية للتأجير فى النظم الوضعية هى :

1- التأجير التشغيلى Operating Leasing:حيث تقوم بعض المؤسسات بتأجير الأصول الثابتة إلى الغير نظير قيمةٍ إيجاريةٍ محددةٍ، ومن أمثلة هذا النوع من التأجير، تأجير السيارات.

2- التأجير بصيغة البيع Sales Type Leasing قد يكون التأجيرُ وسيلةً من وسائل التسويق،حيث يؤجر المستأجر الأصل الثابت فى بداية الأمر وعندما يطمئن إليه أو تتناسب قدرته المالية على الشراء ينقلب عقد الإيجار إلى عقد بيع، فعلى سبيل المثال قد يقوم منتجو أجهزة الكمبيوتر بتأجير معدات الكمبيوتر لمنشآت الأعمال المختلفة مبدئياً على أن يتم بيعه لها.

3- التأجير التمويلى Financial Leasing ويعتبر التأجير التمويلى أحد أنواع أعمال الوساطة المالية، وفيه لا يكون المؤجر منتجاً للأصل وإنما تتمثل وظيفته فى تقديم التمويل لشراء الأصل من المنتج لحسابه وباسمه ثم يؤجره إلى المستأجر] التأجير التمويلى في ضوء الشريعة الإسلامية د. حسين شحاتة.

وينبغي أن يُعلم أن عقد التأجيرِ التمويلي قريب الشبه بعقد الإجارة المنتهية بالتمليك، ففي عقد الإجارة المنتهية بالتمليك يُلزم المستأجرُ بتملك العين المؤجرة, بينما في عقد التأجير التمويلي يتيحُ المؤجرُ للمستأجر الخيارات الثلاثة المذكورة سابقاً.
ثانياً: درس الفقهاء المعاصرون عقدَ التأجيرِ التمويلي ، وقرروا أن من صيغه المطبقة ما هو مشروعٌ ومنها ما هو ممنوعٌ، وأن ضابط المنع هو أن يرد عقدان مختلفان في وقتٍ واحدٍ على عينٍ واحدةٍ في زمنٍ واحدٍ.والمقصود هنا ورود عقد البيع وعقد الإجارة على ذات السلعة في ذات الوقت، فهذا يؤدي إلى بطلان العقد.

وتعليل البطلان [أنه جامعٌ بين عقدين على عينٍ واحدةٍ غير مستقرٍ على أحدهما وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه. فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري،وحينئذٍ لا يصح عقدُ الإجارة على المبيع لأنه ملكٌ للمشتري،والإجارةُ توجبُ انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر،والمبيعُ مضمونٌ على المشتري بعينه ومنافعه،فتلفه عليه عيناً ومنفعةً،فلا يرجع بشيءٍ منهما على البائع،والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها،فتلفها عليه عيناً ومنفعةً،إلا أن يحصل من المستأجر تعدٍ أو تفريطٌ] قرار هيئة كبار العلماء المتعلق بالإيجار المنتهي بالتمليك.

وأن ضابط الجواز هو وجود عقدين منفصلين يستقلُ كلٌ منهما عن الآخر زماناً،بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة،أو وجود وعدٍ بالتمليك في نهاية مدة الإجارة،والخيار يوازي الوعد في الأحكام،وأن تكون الإجارةُ فعليةً وليست ساترةً للبيع.كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي.وعلى ذلك إذا لم يتم الفصل بين عقدي البيع والإجارة في التأجير التمويلي فتكون المعاملةُ باطلةً شرعاً.

ثالثاً:واقع التأجير التمويلي الذي تسوقه بعضُ الشركات في بلادنا،ويكون من ضمن شروطه أن صيانةَ العين المؤجرة على المستأجر،وكذلك تشترطُ الشركةُ المؤجرة على المستأجر تأمينَ العين المؤجرة، وكلا الأمرين باطلٌ شرعاً.

أما بالنسبة لصيانة العين المؤجرة، فالأصل المقرر شرعاً أن عقد الإجارة واردٌ على المنفعة،ويدُ المستأجر يدُ أمانةٍ، فالعينُ المستأجرَة تكون أمانةً في يدِ المستأجر،ويدُ الأمانة لا ضمانَ عليها إلا في حالتي التعدي والتفريط،وقد جعل العلماء صيانةَ العين المأجورة على قسمين:الأول:الصيانة الأساسية التي يتوقف عليها الانتفاع بالعين المستأجرة.الثاني:الصيانة التشغيلية العادية التي تحتاج إليها العين المؤجرة نتيجة الاستعمال مثل صيانة وتغيير الأشياء التي تُستهلك،وتتلف في فتراتٍ دوريةٍ بسبب الاستعمال.

وقد قرر الفقهاء أن المؤجر هو الملزم بصيانة العين المؤجرة الصيانة غير التشغيلية،وهي الصيانة الأساسية للعين التي يتوقف عليها بقاء المنفعة.وتكون نفقات الصيانة على المؤجر لا على المستأجر طوال مدة عقد الإجارة.وأما الصيانة التشغيلية فيتحملها المستأجر [ ولا يجوز اشتراط صيانة العين على المستأجر,لأنه يؤدي إلى جهالة الأجرة,فتفسد الإجارة بهذا الاشتراط باتفاق المذاهب] الموسوعة الفقهية الكويتية 1/286.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وإن شرط الإنفاقَ على العين النفقة الواجبة على المُكْري كعمارة الحمام إذا شرطها على المكتري، فالشرط فاسدٌ،لأن العين ملكٌ للمؤجر فنفقتها عليه، وإذا أنفق بناءً على هذا احتسب به على المكري لأنه أنفقه على ملكه بشرط العوض] المغني 6/36.

وورد في المعيار الشرعي رقم (9) المتعلق بالإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما يلي:[ 5/1/4 يجب على المستأجر التقيد بالاستعمال الملائم للعين المؤجرة أو بالمتعارف عليـه، والتقيد بالشروط المتفق عليها المقبولة شرعاً.كما يجب تجنب إلحاق ضـررٍ بالعين بسوء الاستعمال أو بالتعدي أو بالإهمال.

5/1/5 لا يجوز للمؤجر أن يشترط براءته من عيوب العين المؤجرة التي تخل بالانتفاع،أو أن يشترط عدم مسئوليته عما يطرأ على العين من خللٍ يؤثر في المنفعة المقصودة من الإجارة،سواء أكان بفعله أم بسبب خارج عن إرادته.

5/1/6 إذا فاتت المنفعةُ كلياً أو جزئياً بتعدي المستأجر مع بقاء العين،فإنه يضمن إعادة المنفعة أو إصلاحها،ولا تسقط الأجرة عن مدة فوات المنفعة.

5/1/7 لا يجوز أن يشترط المؤجر على المستأجر الصيانة الأساسية للعين التي يتوقف عليها بقاء المنفعة.ويجوز توكيل المؤجر للمستأجر بإجراءات الصيانة على حساب المؤجر.وعلى المستأجر الصيانة التشغيلية أو الدورية (العادية) ]

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك ما يلي:[أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك لا على المستأجر،وبذلك يتحمل المؤجرُ ما يلحق العينَ من ضررٍ غير ناشئٍ من تعدِ المستأجر،أو تفريطه،ولا يلزم المستأجر بشيءٍ إذا فاتت المنفعة].

وجاء في قرارٍ آخر لمجمع الفقه الإسلامي والمتعلق بعقد الصيانة ما يلي:[ الصيانة المشروطة في عقد الإجارة على المؤجر أو المستأجر،هذا عقدٌ يجتمع فيه إجارةٌ وشرطٌ،وحكم هذه الصورة أن الصيانة إذا كانت من النوع الذي يتوقف عليه استيفاءُ المنفعة فإنها تلزمُ مالكَ العين المؤجرة من غير شرطٍ، ولا يجوز اشتراطها على المستأجر.

أما الصيانةُ التي لا يتوقف عليها استيفاءُ المنفعة فيجوز اشتراطها على أيٍ من المؤجر أو المستأجر إذا عُينت تعيناً نافياً للجهالة.]

رابعاً:وأما بالنسبة لاشتراط تأمين العين المؤجرة، فيجب أن يكون على المالك المؤجر وليس على المستأجر،ويجب أن يكون تأميناً تكافلياً، وليس تأميناً تجارياً.

ورد في المعيار الشرعي السابق ما يلي:[ 5/1/8 العينُ المؤجرةُ تكون على ضمان المؤجر طيلة مدة الإجارة ما لم يقع من المستأجر تعدٍ أو تقصيرٌ.ويجوز له أن يؤمِّن عليها عن طريق التأمين المشروع كلما كان ذلك ممكناً،ونفقةُ التأمين على المؤجر، ويمكن للمؤجر أخذها في الاعتبار ضمناً عند تحديد الأجرة،ولكن لا يجوز له تحميل المستأجر بعد العقد أي تكلفةٍ إضافيةٍ زادت على ما كان متوقعاً عند تحديد الأجرة.كما يمكن للمؤجر أن يوكل المستأجر بالقيام بإجراء التأمين على حساب المؤجر].
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي السابق ما يلي:[ إذا اشتمل العقدُ على تأمين العين المؤجرة فيجب أن يكون التأمين تعاونياً إسلامياً لا تجارياً، ويتحمله المالكُ المؤجر وليس المستأجر].

خامساً: من الصور الجائزة للإيجار التمويلي الصور التالية كما في قرار المجمع الفقهي السابق:

1- عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرةٍ معلومةٍ في مدةٍ معلومةٍ، واقترن به عقدُ هبة العين للمستأجر معلقاً على سداد كامل الأجرة، وذلك بعقدٍ مستقلٍ، أو وعدٍ بالهبة بعد سداد كامل الأجرة.

2- عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيارَ للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة.

3- عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرةٍ معلومةٍ، في مدةٍ معلومةٍ، واقترن به وعدٌ ببيع العين المؤجرة للمستأجر بعد سداد كامل الأجرة بثمن يتفق عليه الطرفان.

4- عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرةٍ معلومةٍ،في مدةٍ معلومةٍ،ويعطي المؤجرُ للمستأجر حقَّ الخيار في تملك العين المؤجرة في أي وقتٍ يشاء، على أن يتمَّ البيعُ في وقته بعقدٍ جديدٍ بسعر السوق.
ويشترط في جميع الصور الجائزة أن تكون الإجارةُ حقيقيةً،غير ساترةٍ للبيع.
وخلاصة الأمر أن الأصل في المعاملات وفي الشروط فيها الحل والإباحة.
وأن الإيجار التمويلي عقدٌ جديدٌ وفد إلى ديار المسلمين وهو عدة أنواع منها المشروع ومنها الممنوع.
وأن ضابط المنع هو أن يرد عقدان مختلفان في وقتٍ واحدٍ على عينٍ واحدةٍ في زمنٍ واحدٍ.
وأن ضابط الجواز هو وجود عقدين منفصلين يستقلُ كلٌ منهما عن الآخر زماناً،بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة،أو وجود وعدٍ بالتمليك في نهاية مدة الإجارة،وأن تكون الإجارةُ فعليةً وليست ساترةً للبيع.
وأنه لا يجوز اشتراط صيانة العين المؤجرة على المستأجر،بل هي على المؤجر.ولا يجوز أن يشترط المؤجرُ على المستأجر تأمينَ العين المؤجرة.

وأنه لا بد أن يخلو العقد من الربا وأن يكون التمليك بعقدٍ منفصلٍ.

وأنه يوجد صيغ جائزة من الإيجار التمويلي وأخرى ممنوعة فصلها قرار المجمع الفقهي.

وأنصح كل من يتعامل بالعقود المستحدثة أن يقرأ تفاصيلها حتى يكون على بينةٍ من الالتزامات المالية المترتبة عليه بموجبها وأن يعرضها على المختصين من العلماء قبل توقيعها.

والله الهادي إلى سواء السبيل