حكمُ الشركة القابضة

يقول السائل: ماذا يعني مصطلح “الشركة القابضة” وما حكم المساهمة فيها،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الشركة القابضة من الشركات الحديثة المعروفة في النظام الرأسمالي، وقد وفدت إلى البلاد الإسلامية ، ولها انتشارٌ واسعٌ في العالم، وقد عرَّف قانونُ الشركات الأردني في المادة (204) الشركة القابضة بأنها:[ شركةٌ مساهمةٌ عامة تقوم بالسيطرة المالية والإدارية على شركة أو شركات أخرى تُدعى الشركات التابعة بواحدةٍ من الطرق التالية:(1) أن تمتلك أكثر من نصف رأسمالها.(2) أن يكون لها السيطرة على تأليف مجلس إدارتها.]

والشركة المساهمة هي الشركة التي يكون رأسُ مالها مُقسماً إلى أسهمٍ متساويةٍ قابلةٍ للتداول، ولا يكون كلُّ شريكٍ فيها مسئولاً إلا بمقدار حصته في رأس المال. معايير هيئة المحاسبة ص 167.

وعرَّف مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي:[الشركة القابضة:هي الشركة التي تملك أسهماً أو حصصاً في رأسمال شركة أو شركات أخرى مستقلة عنها ، بنسبةٍ تُمكنها قانوناً من السيطرة على إداراتها ورسم خططها العامة ]

فالشركة القابضة هي شركة مساهمة عامة، وهدفها السيطرة المالية والإدارية على شركة أو شركات أخرى تُدعى الشركات التابعة، إما عن طريق تملك أكثر من نصف رأسمالها أو أن يكون لها السيطرة على تأليف مجلس إدارتها.
وهدف الشركة القابضة من ذلك، هو رعايةُ مصالحها والتحقق من سير أعمال الشركات التابعة وفق ما ترسمه الشركةُ القابضة من سياسات.

والنشاط الأساسي الذي تقوم به الشركةُ القابضة هو استثمار أموالها في الأسهم والسندات والأوراق المالية،وبالتالي [ يقتصر نشاطُ الشركات القابضة على الجوانب المالية، ولا تقوم بأي نشاطٍ إنتاجي، فلاحي أو صناعي أو خدمي بشكلٍ مباشر ،ويُخصص رأسمالها بشكلٍ كاملٍ للمساهمة في رؤوس أموال شركات إنتاجية أخرى، من خلال شراء أسهم أو حصص في هذه الشركات. لكن في المقابل، لا يحق قانونياً للشركات التابعة أن تتملك جزءً من رأسمال الشركة القابضة] www.aljazeera.net/encyclopedia/economy

ثانياً: التأصيلُ الفقهي للشركة القابضة هو تكييفها على أنها تدخلُ تحت شركة العنان في الفقه الإسلامي، وشركة العنان هي:أن يشتركَ اثنانِ في مالٍ لهما على أن يتَّجِرا فيه، والربحُ بينهما. وهي شركةٌ مشروعةٌ ومعروفةٌ في الفقه الإسلامي.

وأما حكمُ الشركة القابضة،فيحكمه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي المتعلق بالشركات الحديثة،حيث ورد فيه:[ الأصل في الشركات الجواز إذا خلت من المحرمات، والموانع الشرعية في نشاطاتها، فإن كان أصلُ نشاطها حراماً كالبنوك الربوية أو الشركات التي تتعامل بالمحرمات كالمتاجرة في المخدرات والأعراض والخنازير في كل أو بعض معاملاتها ، فهي شركاتٌ محرمةٌ، لا يجوز تملكُ أسهمها ولا المتاجرة بها.كما يتعين أن تخلو من الغرر والجهالة المفضية للنزاع، وأي سببٍ من الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى بطلان الشركة أو فسادها في الشريعة]

وبما أن الشركة القابضة هي شركة مساهمة فينطبق عليها حكم الشركة المساهمة،والصحيح من أقوال العلماء المعاصرين في حكم الشركة المساهمة أنها جائزةٌ بضوابط شرعية،وأهم هذه الضوابط ما يلي:

(1) لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً، كما هو حال البنوك الربوية (التجارية) فهي في الأصل شركاتٌ مساهمةٌ تقوم على الإقراض والاقتراض بالربا (الفائدة) ولا شكَّ في تحريمه.

(2) لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمباح، ولكن يدخل في تعاملها الربا، مثل أن ينُصَّ نظامُها الأساسي على أنها تقرض وتقترض بالربا، كما هو واقع كثيرٍ من الشركات المساهمة الكبيرة التي تتعامل في مجالات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغير ذلك.

(3) لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات عملُها مباحٌ، ولكنها تملك أسهماً في البنوك الربوية، لأن من مصادر دخلها ما هو رباً، وتحريم الربا قليلاً كان أو كثيراً قطعيٌ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

(4) لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالمحرمات كالشركات المنتجة للخمور والدخان والتي تعمل في مجال التأمين التجاري أو القمار ونحو ذلك من المحرمات.وقد في جاء قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي ما يلي:

(1) بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فإن تأسيس شركةٍ مساهمةٍ ذات أغراضٍ وأنشطةٍ مباحةٍ أمرٌ جائزٌ شرعاً.

(2) لا خلاف في حرمة الإسهام في شركاتٍ غرضُها الأساسي محرمٌ، كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها.

(3) لا يجوز لمسلمٍ شراءُ أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها رباً، وكان المشتري عالماً بذلك.

(4)إذا اشترى شخصٌ – أسهماً – وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا، ثم علم فالواجب عليه الخروجُ منها. والتحريمُ في ذلك واضحٌ، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا،لأن السهم يمثل جزءاً شائعاً من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصةً شائعةً في موجودات الشركة، فكل مالٍ تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة، فللمساهم نصيبٌ منه، لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابةً عنه، والتوكيل بعملِ المحرم لا يجوز.

وبناءً على ما سبق فلا يجوز الإسهام في الشركات المساهمة التي تتعامل بالربا أحياناً،وهذا القول هو أصح قولي العلماء في هذه المسألة وأقربها للتقوى إن شاء الله تعالى.

ثالثاً: هنالك بعض أهل العلم المعاصرين لهم رأي آخر في المسألة، وهو أنه قد تكون الشركة المساهمة ذات أغراض مشروعة وموضع نشاطها حلالاً وتؤدي خدماتٍ عامةٍ للاقتصاد، لكنها تتعامل مع البنوك الربوية بالفائدة، فتضع أموالها في تلك البنوك، وتتقاضى عليها فوائد ربوية تدخل في مواردها وأرباحها، كما تقترض في بعض الحالات ما تحتاج إليه من تلك البنوك لقاء فائدةٍ تدفعها، وتدخل تلك القروض في إنتاج ما تنتجه والربح الذي تحققه ، فالربا يدخل في بعض أعمالها أخذاً وإعطاءً، فلا ينبغي أن نُحرِّم على الناس اقتناءَ أسهم هذه الشركات بصورةٍ مطلقةٍ، ولا أن نبيحها لهم بصورةٍ مطلقةٍ، بل نُراعي ضرورة قيام هذه المؤسسات في المجتمعات الإسلامية.

ويرى هؤلاء أنه إذا اقتضت ظروفٌ خاصة بتعاملٍ محرمٍ، يكون حكم تلك الشركة حكم التاجر الذي يعتمد في تجارته على بيع الحلال والمعاملات المشروعة، ولكنه يقع في ظروفٍ يقدم معها على ارتكاب محرمٍ شرعاً، فإن هذا لا يجعل التعامل معه محظوراً شرعاً، لمجرد الشبهة آخذاً بما ذكره ابن تيمية.وعلى ذلك إذا أمكن معرفة ما يعود على تلك الأسهم من فوائد محرمةٍ تُخرج من حسابات الشركة تُصرف في مصالح العامة، ويبقى ما يعود عليـه من أرباح مشروعة ضمانة للاقتصاد الإسلامي ولمصالح العامة للمواطنين، وإذا لم يعرف قدرت الفوائد تقديراً، وصرفت في المصالح العامة، ولا تـوزع على المساهمين، وإذا أمكن للشركة التعامل مع مؤسساتٍ لا شبهة فيها تكون أولى. ‏انظر مزيداً من التفصيل لهذا الرأي: حكم التعامل مع الشركة القابضة د. يوسف زكريا، الشركة القابضة وأحكامها د. عبد الله الصيفي.

وأنا شخصياً لا أميل إلى هذا القول في حالة الشركة القابضة وإن كانت شركةً مساهمةً، لأن واقع الشركات القابضة المعروفة في البلاد الإسلامية يظهر أنها تسهم في الأعمال المالية المحرمة بصورةٍ مباشرة،فقد جاء في فتوى تحريم الاكتتاب في شركة المملكة القابضة للدكتور محمد العصيمي:[ فقد سئلت عن حكم الاكتتاب في شركة المملكة القابضة، وقد اطلعتُ على ملفٍ في موقع الشركة في الشبكة، يُلخص الاستثمارات التي قامت بها الشركة منذ إنشائها، ثم اطلعتُ على نشرة الإصدار المفصلة، ووجدت فروقاً ليست جوهريةً في مجمل النشاط. وشركة المملكة القابضة هي عبارةٌ عن محفظةٍ استثماريةٍ لأسهم شركات مدرجة في السوق المحلية وبعض الأسواق العالمية، وقد نصَّت نشرةُ الإصدار على أن الشركة ” لا تزاول أية عمليات أو أنشطة تذكر، وتتألف محفظة الشركة بشكل أساسي من استثماراتٍ ضئيلةٍ ضمن أسهم في شركات عامة مدرجة ” واستثمارات الشركة من الناحية الإجمالية ثلاثة أنواع: وهي استثماراتٌ ماليةٌ في بنوك ربوية محلية وعالمية مثل مجموعة سامبا، وسيتي كروب المالكة لمصرف سيتي بانك، واستثمارات إعلامية،في نيوز كوربوريشن وشركة تايم ورنر والشركة السعودية للأبحاث والتسويق، ومجموعة استثمارات فندقية وعقارية، مثل فنادق فيرمونت وفنادق فورسيزن، وفندق جورج الخامس ومنتجعات موفنبيك ومنتجع ديزني لاند في باريس.

وحيث إن المجموعة الأولى عبارة عن بنوك ربوية، وحيث إن المجموعة الثانية أنشطة إعلامية تحتوي على جميع أنواع المحرمات الإعلامية، من كتابات وأفلام وحلقات نقاش ومسلسلات مخالفة لأصول الشرع ومُسلَّماته، ثم أفلام هابطة تنشر العري والمجون وأغانٍ خالعة وموسيقى محرمة، وحيث إن المجموعة الثالثة تحتوي على أنشطة فندقية لا يُراعى فيها شيءٌ من الضوابط الشرعية، سواء في الأكل المقدم أم في الترفيه الموجود فيها، وكل تلك معلوم من الدِّين بالضرورة تحريمُها، وتحريمُ الاشتراك بها، وعليه، فلا أرى جواز الاكتتاب بها، بل إن معرفة أنشطة الشركة كافٍ لأي مسلمٍ للحكم على تلك الشركة بالتحريم.]

ومثل ذلك ورد في فتوى د. يوسف الشبيلي عن الشركة ذاتها:[أما نشاط الشركة فغالبه امتلاك أسهم في شركات محلية وعالمية، وعلى رأسها بنوك ربوية , وشركات إعلامية تنشر الأفلام الخليعة والأغاني الماجنة , وشركات الفنادق ، وإدارة الفنادق التي تنتشر فيها المراقص وبيع الخمور وغير ذلك، وعليه فإن تحريم الاكتتاب في شركة المملكة القابضة من أوضح الواضحات، وقد اتفق العلماء المعاصرون على تحريم الاكتتاب في هذا النوع من الشركات. ويحرم أيضاً التعاون على الاكتتاب فيها؛ كبذل الاسم لشخص آخر ]

رابعاً: ذكر بعض الباحثين أنه يوجد أخطارٌ للشركات القابضة الأجنبية خصوصاً على اقتصاد الدول الإسلامية، لأنها تجعل الشركات التابعة تدور في فلك الشركة القابضة، وقد يؤدي ذلك إلى السيطرة على اقتصاد الدول المسلمة،ويفتح الباب واسعاً أمام الهيمنة الأجنبية عليه. الشركة القابضة وأحكامها د. عبد الله الصيفي، ص 133-136.

وورد في تقريرٍ اقتصادي لقناة الجزيرة [نظراً لقوتها الاقتصادية ، فقد اكتسبت الشركات القابضة وزناً سياسياً مهماً على صعيد بلدانها،بل حتى على مستوى العالم بالنسبة للشركات القابضة العالمية،مما جعلها مؤهلةً للتأثير في صناعة القرار السياسي الوطني والدولي بالشكل الذي يُراعي حماية مصالحها ويوافق أهدافها.] www.aljazeera.net/encyclopedia/economy

كما أن سيطرة الشركة القابضة على نسبةٍ عاليةٍ من أسهم الشركات التابعة، قد يُلحق الضرر بصغار المساهمين فيها، لذا توجب [ بعض القوانين الشركة القابضة بأن تلتزم العدالة في تصرفاتها حيال أقلية المساهمين في شركاتها التابعة، وأن تمتنع عن أي سلوكٍ من شأنه الإضرارُ بمصالح هذه الأقلية، ولهذا تعتبر الشركة القابضة مسؤولةً مسؤوليةً تقصيريةً في إدارة الشركة التابعة، إذا ثبت اتخاذها قراراتٍ من شأنها الإضرارُ بمصالح هذه الأقلية، أو أن الشركة القابضة كانت تهدف من وراء إدارتها إلى تحقيق مصالحها فقط في الشركة التابعة على حساب مصالح المساهمين الآخرين.] الشركة القابضة.. مفهومها.. وعلاقتها بالشركات التابعة لها ماجد الهديان
http://www.alriyadhtrading.com/show_content_sub.php?CUV=70&Model=M&SubModel=141&ID=2254&ShowAll=On

وخلاصة الأمر:

أن الشركة القابضة من الشركات الحديثة المعروفة في النظام الرأسمالي.

وأنها شركةٌ مساهمةٌ عامة تقوم بالسيطرة المالية والإدارية على شركةٍ أو شركاتٍ أخرى تُدعى الشركات التابعة.

وأن النشاط الأساسي للشركة القابضة هو استثمار أموالها في الأسهم والسندات والأوراق المالية،ولا تقوم بأي نشاطٍ إنتاجي.
وأن التأصيل الفقهي للشركة القابضة أنها داخلةٌ تحت شركة العنان في الفقه الإسلامي.

وأن الشركة القابضة هي شركة مساهمة فينطبق عليها حكم الشركة المساهمة،والصحيح من أقوال العلماء المعاصرين في حكم الشركة المساهمة أنها جائزةٌ بضوابط شرعية.

وأنه لا يجوز الإسهام في الشركات المساهمة التي تتعامل بالربا أحياناً،وهذا القول هو أصح قولي العلماء في هذه المسألة وأقربها للتقوى إن شاء الله تعالى.

وأن الشركة القابضة وإن كانت شركةً مساهمةً إلا أن واقع الشركات القابضة المعروفة في البلاد الإسلامية يظهر أنها تسهم في الأعمال المالية المحرمة بصورةٍ مباشرةٍ.

وأنه يوجد أخطارٌ للشركات القابضة الأجنبية خصوصاً على اقتصاد الدول الإسلامية.

وأن سيطرة الشركة القابضة على نسبةٍ عاليةٍ من أسهم الشركات التابعة، قد يُلحق الضرر بصغار المساهمين فيها.

والله الهادي إلى سواء السبيل