حديثٌ قُدُسيٌ مكذوبٌ

يقول السائل:سمعتُ موعظةً من شيخ ذكر حديثاً قدسياً فيه” أن الأرض تقول دعني يا رب أبتلع ابن آدم,وأن البحار تقول:يارب دعني أغرق ابن آدم،وأن الجبال تقول:يا رب دعني أُطبق على ابن آدم، وأن السماء تقول: يا رب دعني أنزل كسفاً على ابن آدم،لأنه أكل من رزقك ولم يشكرك” فما صحة هذا الحديث،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:ورد الحديث المذكور بلفظ:” قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القُدُسي: كل يوم تقول الأرض: دعني يا رب أبتلع ابن آدم, إنه أكل من رزقك ولم يشكرك.وتقول البحار: يارب دعني أغرق ابن أدم إنه أكل من رزقك ولم يشكرك.وتقول الجبال: يا رب دعني أطبق على ابن آدم إنه أكل من رزقك ولم يشكرك.وتقول السماء: يا رب دعني أنزل كسفاً على ابن آدم إنه أكل من رزقك ولم يشكرك.فيقول الله عز وجل لهم: يا مخلوقاتي أأنتم خلقتموهم؟ يقولوا: لا يا ربنا, قال الله: لو خلقتموهم لرحمتموهم.دعوني وعبادي من تاب إلي منهم فأنا حبيبهم, ومن لم يتب فأنا طبيبهم, وأنا إليهم أرحم من الأم بأولادها.فمن جاءني منهم تائباً تلقيته من بعيد مرحباً بالتائبين.ومن ذهب منهم عاصياً ناديته من قريب إلى أين تذهب؟ أوجدت رباً غيري؟ أم وجدت رحيماً سواي ” وهذا الحديث غير موجودٍ في أي كتابٍ من كتب السنة النبوية المعتبرة.

ثانياً:الحديث القُدُسي هو ما ينسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه تبارك وتعالى.والحديث القُدُسي نسبةً إلى القُدُس،وهي نسبةٌ تدل على التعظيم والتنزيه والتطهير،وقد اختلف العلماء في الحديث القُدُسي:هل لفظه ومعناه من الله سبحانه وتعالى،أم أن معناه من الله سبحانه وتعالى ولفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم،

قال الشيخ العلامة العثيمين :[ وقد اختلف العلماء رحمهم الله في لفظ الحديث القُدُسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم معناه، واللفظ لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ على قولين:والقول الراجح: أن الحديث القُدُسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لوجهين:

الوجه الأول:لو كان الحديث القُدُسي من عند الله لفظاً ومعنىً؛لكان أعلى سنداً من القرآن؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛كما هو ظاهر السياق، أما القرآنُ فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام؛كما قال تعالى:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُس من ربك} وقال:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.

الوجه الثاني:أنه لو كان لفظ الحديث القُدُسي من عند الله؛لم يكن بينه وبين القرآن فرقٌ؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلامُ الله تعالى،والحكمةُ تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل،

ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القُدُسي فروقٌ كثيرةٌ:منها:

أن الحديث القُدُسي لا يُتعبد بتلاوته،بمعنى أن الإنسان لا يتعبدُ اللهَ تعالى بمجرد قراءته؛فلا يثابُ على كل حرفٍ منه عشر حسنات،والقرآنُ يُتعبد بتلاوته بكل حرفٍ منه عشر حسنات.

ومنها: أن الله عزّ وجل تحدى أن يأتي الناس بمثل القرآن أو آية منه،ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القُدُسية.

ومنها:أن القرآن محفوظٌ من عند الله عزّ وجل؛كما قال سبحانه:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؛والأحاديث القُدُسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن،بل أضيف إليها ما كان ضعيفاً أو موضوعاً، وهذا وإن لم يكن منها لكن نُسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص.

ومنها:أن القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، أما الأحاديث القُدُسية؛ فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه.

ومنها:أن القرآن تُشرع قراءته في الصلاة، ومنه ما لا تصح الصلاة بدون قراءته، بخلاف الأحاديث القُدُسية.

ومنها: أن القرآن لا يمسّه إلا طاهرٌ على الأصح، بخلاف الأحاديث القُدُسية.

ومنها:أن القرآن لا يقرؤه الجنبُ حتى يغتسلَ على القول الراجح،بخلاف الأحاديث القُدُسية.

ومنها:أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفاً أجمع القراء عليه؛ لكان كافراً، بخلاف الأحاديث القُدُسية؛ فإنه لو أنكر شيئاً منها مدعّياً أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لكان كافراً لتكذيبه النبي صلى الله عليه وسلم .

وأجاب هؤلاء عن كون النبي صلى الله عليه وسلم أضافه إلى الله، والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله، بالتسليم أن هذا هو الأصل، لكن قد يضاف إلى قائله معنىً لا لفظاً؛ كما في القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يضيف أقوالاً إلى قائليها، ونحن نعلم أنها أضيفت معنىً لا لفظاً، كما في قصص الأنبياء وغيرهم، وكلام الهدهد والنملة؛ فإنه بغير هذا اللفظ قطعاً.

وبهذا يتبين رجحان هذا القول،ثم لو قيل في مسألتنا – الكلام في الحديث القُدُسي -: إن الأَولَى تركُ الخوض في هذا؛ خوفاً من أن يكون من التنطّع الهالك فاعلهُ، والاقتصارُ على القول بأن الحديث القُدُسي ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه وكفى؛ لكان ذلك كافياً، ولعله أسلم والله أعلم.]التلخيص المعين في شرح الأربعين.

ويجب أن يُعلم أن الحديث القُدُسي منه الصحيح والضعيف والموضوع،أي المكذوب، كما هو الحال بالنسبة للأحاديث النبوية.

ثالثاً:إذا تقرر هذا فإن الحديث القُدُسي المذكور لا أصلَ له،وعبارة “لا أصلَ له” عند المحدثين من الألفاظ الدالة على أن الحديث موضوعٌ،أو مكذوبٌ، أو باطلٌ، وهذا الحديث من أحاديث القُصَّاص التي لا خطام لها ولا زمام،فهو من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والمختلقة على النبي صلى الله عليه وسلم،التي لا تحلُّ روايتها إلا مع بيان حالها،وقال العلامة الألباني عن بعض رواياته: عليه لوائح الإسرائيليات.السلسلة الضعيفة 9/383.

وبالتالي لا يجوز أن يكون هذا الحديث وأمثاله، محلَّ استشهاد أو استدلال،لأن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة.

والحديث الموضوع عند المحدثين:هو ما نُسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم اختلاقاً وكذِباً مما لم يقُـلـه أو يُقـرّه. أو هو المختَلقُ المصنوع، كما قاله ابن الصلاح في علوم الحديث ص 89.والحديث الموضوع هو شرُّ الحديث الضعيف، وقد جعله المحدثون في آخر درجات الحديث الضعيف.

قال الحافظ ابن الصلاح:[ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع – أي المكذوب – من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمامٍ ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما،وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلقَّ له بالأحكام والعقائد] علوم الحديث ص 113.

وقال الشيخ محمد عبد الحي اللكنوي:[حرمةُ رواية الحديث الموضوع:”اعلم أنه قد صرح الفقهاء والمحدثون بأجمعهم في كتبهم بأنه تحرمُ روايةُ الموضوع وذكرهُ ونقلهُ والعملُ بما أفاده مع اعتقاد ثبوته،إلا مع التنبيه على أنه موضوعٌ،ويحرم التساهلُ فيه سواء كان في الأحكام والقصص أو الترغيب والترهيب أو غير ذلك،ويحرم التقليدُ في ذكره ونقله إلا مقروناً ببيان وضعه،بخلاف الحديث الضعيف،فإنه إن كان في غير الأحكام يتساهل فيه ويقبل بشروط عديدة] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص 21 .

رابعاً:الواجبُ الشرعي على المشايخ والخطباء والوعاظ والمدرسين،أن يتثبتوا من الأحاديث النبوية قبل روايتها وذكرها للناس،لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث،بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم،فيُسهم المشايخ والوعاظ والخطباء والمدرسون وأمثالهم في نشر الأحاديث المكذوبة بين الناس،ويتحملون وزر ذلك،

فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال:(من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري ومسلم.

قال الشيخ جمال الدين القاسمي:[ وقوله:” فليتبوأ مقعده من النار ” أي : فَلْيَتَّخِذ لِنَفْسِه مَنْزِلاً.يُقال:تبوأ الدار:إذا اتَّخَذَها مَسْكَناً،وهو أمْرٌ مَعناه الْخَبَر،يعني:فإن الله يُبَوِّئه،وتعبيره بصيغة الأمْر للإهانة،ولذا قيل:الأمرُ فيه للتهكم أو التهديد،إذ هو أبلغُ في التغليظ والتشديد من أن يُقال كان مقعدة في النار، ومن ثمَّ كان ذلك كبيرة،بل قال الشيخ أبو محمد الجويني:إنه كفر،يعني:لأنه يترتب عليه الاستخفافُ بالشريعة]قواعد التحديث ص 173.

وقال الحافظ ابن حبان:[فصلٌ،ذِكُر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيءَ إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو غير عالمٍ بصحته] ثم روى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وإسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط،الإحسان 1/210،ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من حدَّثَ حديثاً وهو يُرَى -بضم الياء ومعناه يُظن- أنه كذبٌ فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم أيضاً.

وقال الإمام النووي:[ وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب على آحاد الناس،فكيف بمن قولُهُ شرعٌ، وكلامهُ وحيٌ،والكذبُ عليه كذبٌ على الله تعالى،قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}]شرح النووي على صحيح مسلم 1/70.

وقال الإمام الشوكاني:[فلما كان تمييزُ الموضوع من الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجَلِّ الفنون، وأعظم العلوم، وأنبل الفوائد من جهاتٍ يكثرُ تعدادها،ولو لم يكن منها إلا تنبيهَ المقصرين من علم السنَّة،على ما هو مكذوبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم،ويحذروا من العمل به،واعتقاد ما فيه،وإرشاد الناس إليه،كما وقع لكثيرٍ من المصنفين في الفقه،والمتصدرين للوعظ والمشتغلين بالعبادة والمتعرضين للتصنيف في الزهد،فيكون لمن بيَّن لهؤلاء ما هو كذبٌ من السنَّة أجرُ من قام بالبيان الذي أوجبه اللهُ،مع ما في ذلك من تخليص عباد الله من معرَّةِ العملِ بالكذب، وأخذه على أيدي المتعرضين لما ليس من شأنه من التأليف والاستدلال والقيل والقال،وقد أكثر العلماء رحمهم الله من البيان للأحاديث الموضوعة،وهتكوا أستار الكذابين،ونفوا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم انتحالَ المبطلين، وتحريفَ الغالين، وافتراءَ المفترين، وزورَ المزورين]الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص 3.

خامساً:لا ينبغي أن يغتر أحدٌ بأن الحديث المذكور قد ذكره بعض المشايخ في مواعظهم أو كتبهم،كالشيخ الشعراوي والشيخ عمر عبد الكافي،وغيرهما،فهؤلاء المشايخ مع احترامنا وتقديرنا ليسوا من أهل الحديث،ولم يُعرف عنهم التدقيقُ والتحقيقُ في بيان درجاتِ الأحاديث التي يذكرونها.ومن المقرر عند العلماء أنه يُرجع لأهل التخصص في كل علمٍ من العلوم. فأهل الحديث هم فرسان هذا الميدان،ولا يعتدُّ بقول غيرهم كفلان وفلان.

وخلاصة الأمر:

أن الحديث القُدُسي هو ما ينسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه تبارك وتعالى.

وأن الحديث القُدُسي المذكور لا أصلَ له،أي أنه موضوعٌ،أو مكذوبٌ، أو باطلٌ،وهو من أحاديث القُصَّاص التي لا خطام لها ولا زمام،ولا تحلُّ روايتها إلا مع بيان حالها.

وأن الواجبَ الشرعي على المشايخ والخطباء والوعاظ والمدرسين أن يتثبتوا من الأحاديث النبوية قبل روايتها وذكرها للناس.
وأن أهل الحديث هم الذين يُؤخذ منهم الحكم على الأحاديث،لأنهم أهل الاختصاص وليس الوعاظ والقُصَّاص.

والله الهادي إلى سواء السبيل