حكمُ “الفوركس الإسلامي”

يقول السائل: ما الحكم الشرعي فيما يسمَّى”الفوركس الإسلامي” وهل هو متوافقٌ مع أحكام الشريعة الإسلامية،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:كلمة الفوركس تعني سوق تجارة العملات عبر شبكة الانترنت للاستفادة من تقلبات أسعار صرف العملات, ويعتبر سوق الفوركس من أكبر الأسواق المالية من حيث حجم التداول، حيث يتجاوز حجم التداول اليومي للفوركس عدة مليارات، وسوق الفوركس ليس له مكانٌ خاصً به، بل يتم التداول خارج منصة التداول وهو مفتوح إلكترونيا طوال اليوم ليلاً ونهاراً.

ويتم التداول في سوق الفوركس بنظام الهامش “المارجن” أو نظام الرافعة المالية عن طريق وسطاء،فيقوم المتداول بإيداع مبلغٍ من المال لدى وسيط ، قد يكون بنكاً أو شركة وساطة مالية أو سمساراً، ويتيح الوسيطُ للمتداول إمكانية التداول على أضعاف المبلغ الذي أودعه المتداول، وقد تصل المضاعفة إلى أربعمئة ضعف الهامش،إلا أنه تم تقييد الرافعة المالية لدى شركات الوساطة الأمريكية منذ عام 2004 بـ 1: 100 وذلك بناءً على الأنظمة الجديدة للجمعية الوطنية للمستقبليات NFA التابعة للحكومة الأمريكية. ومن هنا جاءت تسمية هذا النظام بالرافعة المالية حيث يُضاعف رأس مال المتداول مراتٍ عديدةٍ،فالبيع بالهامش يعني شراء العملات بسداد جزءٍ من قيمتها نقداً بينما يسدد الباقي بقرضٍ مع رهن العملة محل الصفقة.والهامش هو التأمين النقدي الذي يدفعه العميل للسمسار ضماناً لتسديد الخسائر التي قد تنتج عن تعامل العميل مع السمسار.

وفي هذه المعاملة يفتح العميل حساباً بالهامش لدى أحد سماسرة سوق العملات، الذي يقوم بدوره بالاقتراض من أحد البنوك التجارية -وقد يكون السمسار هو البنك المقرض نفسه- لتغطية الفرق بين قيمة الصفقة وبين القيمة المدفوعة كهامش.مثال ذلك:لنفرض أن عميلاً فتح حساباً بالهامش لدى أحد السماسرة، وضع فيه العميلُ تأميناً لدى السمسار بمقدار عشرة آلاف دولار،وفي المقابل يُمَكِّن السمسارُ العميلَ بأن يتاجر في بورصة العملات بما قيمته مليون دولار،أي يقرضه هذا المبلغ برصده في حسابه لديه – أي لدى السمسار- ليضارب العميل به، فيشتري بهذا الرصيد من العملات الأخرى كاليورو مثلاً، ثم إذا ارتفع اليورو مقابل الدولار باع اليورو، وهكذا، فيربح العميل من الارتفاع في قيمة العملة المشتراة.]انظر بحث الحكم الشرعي لتجارة العملات بنظام الهامش والمراجع التي أحال إليها مثل كتاب الفوركس للمبتدئين من موقع arabictrader.com، كتاب الكتروني، ص104.

ثانياً:ينبغي أن يُعلم أن تجارة العملات في الفقه الإسلامي خاضعةٌ لقواعد عقد الصرف، ومن المعروف أن الصرف هو بيع الثمن بالثمن جنساً بجنس أو بغير جنس.وأهم شروط الصرف هي: تقابض البدلين في مجلس العقد، وأن يخلو عقد الصرف من الأجل ومن خيار الشرط لأنه يخل بالقبض كما قرر ذلك جمهور الفقهاء.انظر الموسوعة الفقهية 24/348 فما بعدها.فقد اتفق الفقهاء على أنه يشترط في عقد الصرف تقابض البدلين من المتعاقدين في المجلس قبل افتراقهما قال ابن المنذر:[أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد] المغني4/41. ويدل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثلٍ سواءً بسواءٍ يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)رواه مسلم.فلذلك يشترط في عملية بيع عملة بأخرى أن يتم تبادل العملتين في المجلس،ولا يجوز تأجيل قبض إحداهما،وإن حصل التأجيل فالعقدُ باطلُ،قال الإمام النووي:[قوله صلى الله عليه وسلم:(يداً بيد) حجةٌ للعلماء كافة في وجوب التقابض وإن اختلف الجنس ] شرح النووي على صحيح مسلم 4/199.

وقد صدر قرار عن المجمع الفقهي الإسلامي برابطـة العالم الإسلامي فصَّل فيه الحكم الشرعي لتجارة الفوركس،جاء فيه مايلي:(المتاجرة بالهامش)،والتي تعني:(دفع المشتري- العميل – جزءاً يسيراً من قيمة ما يرغب شراءه يسمّى هامشاً،ويقوم الوسيط مصرفاً أو غيره،بدفع الباقي على سبيل القرض،على أن تبقى العقـود المشتراة لدى الوسيط،رهناً بمبلغ القرض).وبعد الاستماع إلى البحوث التي قُدمت،والمناقشات المستفيضة حول الموضوع،رأى المجلس أن هذه المعاملة تشتمل على الآتي:

(1) المتاجرة ( البيع والشراء بهدف الربح )، وهذه المتاجرة تتم غالباً في العملات الرئيسة، أو الأوراق المالية ( الأسهم والسندات )، أو بعض أنواع السلع، وقد تشمل عقود الخيارات، وعقود المستقبليات، والتجارة في مؤشرات الأسواق الرئيسة.

(2) القرض،وهو المبلغ الذي يقدمه الوسيط للعميل مباشرة إن كان الوسيط مصرفاً، أو بواسطة طرف آخر إن كان الوسيط ليس مصرفاً.

(3) الربا، ويقع في هذه المعاملة من طريق ( رسوم التبييت )، وهي الفائدة المشروطة على المستثمر إذا لم يتصرف في الصفقة في اليوم نفسه، والتي قد تكون نسبة مئوية من القرض، أو مبلغاً مقطوعاً.

(4) السمسرة، وهي المبلغ الذي يحصل عليه الوسيط نتيجة متاجرة المستثمر (العميل) عن طريقه، وهي نسبة متفق عليها من قيمة البيع أو الشراء.

(5) الرهن، وهو الالتزام الذي وقعه العميل بإبقاء عقود المتاجرة لدى الوسيط رهناً بمبلغ القرض، وإعطائه الحق في بيع هذه العقود واستيفاء القرض إذا وصلت خسارة العميل إلى نسبة محددة من مبلغ الهامش، ما لم يقم العميل بزيادة الرهن بما يقابل انخفاض سعر السلعة.

ويرى المجلس أن هذه المعاملة لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية:

أولاً: ما اشتملت عليه من الربا الصريح، المتمثل في الزيادة على مبلغ القرض، المسماة (رسوم التبييت)، فهي من الربا المحرم، قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}البقرة:278-279.

ثانياً:إن اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سلف ومعاوضة (السمسرة)، وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع المنهي عنه شرعاً في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” لا يحل سلف وبيع…” الحديث رواه أبو داود (3/384) والترمذي (3/526) وقال:حديث حسن صحيح. وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جرَّ نفعاً فهو من الربا المحرم.

ثالثاً:إن المتاجرة التي تتم في هذه المعاملة في الأسواق العالمية غالباً ما تشتمل على كثيرٍ من العقود المحرمة شرعاً، ومن ذلك:

1. المتاجرة في السندات، وهي من الربا المحرم، وقد نص على هذا قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (60) في دورته السادسة.

2. المتاجرة في أسهم الشركات دون تمييز، وقد نص القرار الرابع للمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة سنة 1415هـ على حرمة المتاجرة في أسهم الشركات التي غرضها الأساسي محرم، أو بعض معاملاتها ربا.

3. بيع وشراء العملات يتم غالباً دون قبض شرعي يجُيز التصرف.

4. التجارة في عقود الخيارات وعقود المستقبليات، وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم (63) في دورته السادسة، أن عقود الخيارات غير جائزة شرعاً، لأن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه.. ومثلها عقود المستقبليات والعقد على المؤشر.

5. أن الوسيط في بعض الحالات يبيع ما لا يملك، وبيع ما لا يملك ممنوع شرعاً.

رابعاً:لما تشتمل عليه هذه المعاملة من أضرار اقتصادية على الأطراف المتعاملة،وخصوصاً العميل (المستثمر) وعلى اقتصاد المجتمع بصفة عامة.لأنها تقوم على التوسع في الديون،وعلى المجازفة،وما تشتمل عليه غالباً من خداعٍ وتضليلٍ وشائعات، واحتكار ونجش وتقلبات قوية وسريعة للأسعار، بهدف الثراء السريع والحصول على مدخرات الآخرين بطرق غير مشروعة، مما يجعلها من قبيل أكل المال بالباطل، إضافةً إلى تحول الأموال في المجتمع من الأنشطة الاقتصادية الحقيقية المثمرة إلى هذه المجازفات غير المثمرة اقتصادياً، وقد تؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة تلحق بالمجتمع خسائر وأضراراً فادحة.

ويوصي المجمع المؤسسات المالية باتباع طرق التمويل المشروعة التي لا تتضمن الربا أو شبهته، ولا تحدث آثاراً اقتصادية ضارة بعملائها أو بالاقتصاد العام كالمشاركات الشرعية ونحوها، والله ولي التوفيق.]

ثالثاً:إذا طبقنا شرط القبض في المجلس على ما يتم في تجارة الفوركس نجد أنه لا يوجد فيها قبضٌ،لا حقيقي ولا حكمي،وقد ظن بعض المفتين أن تسجيل العملية في قيد المتعامل لدى شركة الوساطة المالية هو قبض حكمي،وهذا ظنٌ خاطئٌ،لأنه يوجد ما يسمى بالتسوية المالية (Settlement) أو ما يعرف بنظام (السبوت SPOT) وهذه التسوية لا تكون إلا بعد يومي عمل على أقل تقدير وقد تزيد عن ذلك[مع مراعاة أيام العطلات الرسمية في حساب تواريخ الاستحقاق وهي: السبت والأحد في أوروبا وأمريكا والجمعة في الشرق الأوسط.ويترتب على ذلك أنه إذا تم تبادل بين عملة أوروبية أو أمريكية مقابل عملة أوروبية يوم الجمعة فسيكون التسليم الفعلي يوم الثلاثاء بإهدار يومي السبت والأحد لأنهما عطلة رسمية في أوروبا وأمريكا.وإذا تم تبادل بين عملة أوروبية أو أمريكية مقابل عملة شرق أوسطية يوم السبت فسيكون التسليم الفعلي يوم الأربعاء بإهدار أيام الجمعة والسبت والأحد؛لأنها أيام عطلة في الشرق الأوسط فكأن العملية تمت يوم الإثنين فيكون التسليم يوم الأربعاء بعد يومي عمل،وما يحدث يوم التعاقد هو تسجيل للعملية فقط ]

يقول الشيخ الدكتور سامي بن إبراهيم السويلم (باحث في الاقتصاد الإسلامي من علماء المملكة العربية السعودية ): [ هناك فرق بين إجراء البيع والشراء وبين التسوية، فإجراء العقد يتم في ثوان…أما التسوية (settlement)فهي تعني دخول المبلغ في حساب المشتري،ودخول العوض في حساب البائع،بحيث يمكن لكل طرف أن يتصرف في المبلغ لمصلحته الخاصة بالسحب وغيره، وبهذا يتحقق التقابض بين الطرفين.

لا يوجد حتى الآن في سوق العملات الدولية تقابض أو تسوية فورية تتم في لحظة إنجاز العقد، بل يتأخر التقابض لمدة يومين (ويشار إليه بـ( T+2) أو أكثر.في بعض الحالات يمكن للمتعامل اشتراط أن تتم التسوية في نفس اليوم (T+0) لكن الأصل هو التأخر.] إذن يوجد فرق بين تسجيل العملية في قيد المتعامل وبين التسوية، وعليه فإن من يشتري عملة فإنه لا يستطيع سحبها من حسابه قبل عملية التسوية،أي لا يستطيع قبضها،وإن كانت قد سجلت في قيده لدى شركة الوساطة،وبالتالي لا يجوز له بيعها إلا بعد عملية التسوية.

ومن هنا يتضح أن الفوركس الإسلامي لا يحقق شرط التقابض في المجلس،لأن طبيعة نظام الفوركس ليس فيه التقابض بالمفهوم الشرعي لا التقابض الحقيقي ولا التقابض الحكمي.

رابعاً: إن ما يسمى بالفوركس الإسلامي الذي أُريدَ أسلمته!! يتضمن مخالفاتٍ أخرى، وإن حاولت بعض الشركات المتعاملة به أن تظهره متوافقاً مع الأحكام الشرعية، فمن ذلك:

(أ) إن شركة الوساطة أو الجهة المقرضة تشترط على المتداول وإن لم ينص على ذلك في العقد الموقع بينهما أن يقوم بالمتاجرة في العملات عن طريق منصة التداول الخاصة بالشركة أو الجهة المقرضة في مقابل تقديم هذا القرض،فتستفيد الشركة بذلك عمولةً عن كل عملية بيع وشراء يقوم بها المتداول، فضلاً عن فرق سعر البيع والشراء،وهذا محرم شرعاً؛لأن الشركة ربطت بين القرض والإجارة المتمثلة في اشتراط العمل عن طريقها،وهذا مخالفٌ لما هو مقرر شرعاً أن كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا.

(ب) إن الفوركس الإسلامي لم يسلم من محذورٍ شرعي آخر حيث إنه يجمع بين عقدين هما عقد تبرع وهو القرض، وعقد معاوضة وهو البيع والشراء، فهي بذلك تجمع بين سلف وبيع، وهذا منهي عنه شرعاً.جاء في قرار المجمع الفقهي:[ثانياً:إن اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سلف ومعاوضة (السمسرة)،وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع،المنهي عنه شرعاً في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(لا يحل سلف وبيع…وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه،وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم ]

(ج) هنالك أضرارٌ اقتصادية تترتب على تجارة الفوركس كما ورد في قرار المجمع الفقهي:[رابعاً:لما تشتمل عليه هذه المعاملة من أضرار اقتصادية على الأطراف المتعاملة،وخصوصاً العميل (المستثمر) وعلى اقتصاد المجتمع بصفة عامة. لأنها تقوم على التوسع في الديون،وعلى المجازفة،وما تشتمل عليه غالباً من خداع وتضليل وشائعات،واحتكار ونجش وتقلبات قوية وسريعة للأسعار،بهدف الثراء السريع والحصول على مدخرات الآخرين بطرق غير مشروعة،مما يجعلها من قبيل أكل المال بالباطل،إضافةً إلى تحويل الأموال في المجتمع من الأنشطة الاقتصادية الحقيقية المثمرة إلى هذه المجازفات غير المثمرة اقتصادياً ، وقد تؤدي إلى هزاتٍ اقتصاديةٍ عنيفةٍ تلحق بالمجتمع خسائر وأضرار فادحة ] ولا يتسع المقام لبيان كل مفاسد نظام الفوركس.

وخلاصة الأمر

أن نظام الفوركس يعني سوق تجارة العملات عبر شبكة الانترنت للاستفادة من تقلبات أسعار صرف العملات.

وأن تجارة العملات في الفقه الإسلامي خاضعةٌ لقواعد عقد الصرف.

وأن تجارة العملات بالفوركس لا يوجد فيها قبضٌ،لا حقيقي ولا حكمي.

وأن ما يسمى بالفوركس الإسلامي الذي أُريدَ أسلمته!يتضمن مخالفاتٍ شرعيةٍ وإن حاولت بعض الشركات المتعاملة به أن تظهره متوافقاً مع الأحكام الشرعية.

وأن حكمه التحريم كما ورد في قرار المجمع الفقهي ولا يمكن أسلمته حسب واقعه العملي.

وأنه ليس مطلوب العمل بكل معاملات الأسواق المالية الغربية لأنهم في الغرب لا يعرفون حلالاً ولا حراماً.

وفي المعاملات المنضبطة بضوابط الشرع ما يغني عن ذلك.

والله الهادي إلى سواء السبيل